«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ
TT

«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ

شهد شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1994 حدثاً مهماً ذا صلة بالسيرة الإبداعية لكاتب الرعب والإثارة الأميركي الشهير ستيفن كِينغ. ففي الواحد والثلاثين من ذلك الشهر، حملت مجلة «ذا نيو يوركر»، إلى قرائها، ولأول مرة في تاريخها، قصة من قصصه القصيرة: «الرجل في البدلة السوداء». وقبل القصة سالفة الذكر، وفي الشهر نفسه، صدر آخر عدد من مجلة «أنتيياس - Antaeus»، محتوياً قصة أخرى لكينغ؛ قصة «ويلي الأعمى». «أنتيياس» مجلة أدبية فصلية، أسسها في مدينة طنجة دانيال هالبيرن وبول باولز. وتولى تحريرها هالِبيرن. صدر عددها الأول في صيف 1970. واستمرت تصدر في طنجة إلى حين انتقالها إلى مقرها الجديد في نيويورك منتصف الثمانينات من القرن الماضي، لتشهد نيويورك صدور العدد الأخير منها.

وبين العامين 1994 و1965، يمتد تسعة وعشرون عاماً، هي المدة التي تفصل بين نشر قصتي كينغ المذكورتين أعلاه، ونشر قصته «كنت لص قبور مراهقاً» في مجلة المعجبين «كوميكس ريفيو». أما أول قصة تلقى مقابلاً مالياً على نشرها، فكانت «الأرضية الزجاجية»، نُشِرَتْ في مجلة «قصص غامضة مرعبة» في 1967.

غلاف رواية «تشيللو» لتركي ال الشيخ

تغير في المناخ الثقافي

بنشرهما قصتي كينغ، أسهمت المجلتان في ردم أخدود صغير من الأخاديد الفاصلة في الثقافة السائدة بين ما هو «نخبوي» و«شعبي». ويوحي فعل المجلتين بحدوث تغير في المناخ الثقافي الأدبي والأكاديمي تجاه القص الشعبي «popular fiction»، أو الفن القصصي الشعبي، كما يسميه البعض؛ تغيرٌ ظهرت إرهاصاته في الثمانينات، وتبلور وبلغ إحدى ذرواته كما يبدو في منح جامعة كولومبيا الأميركية في نيويورك جائزة «بوليتزر» لرواية «يمامة وحيدة - 1985» لمؤلف روايات «الويسترن» والسيناريست لاري ماكميرتري. ذكرت هذا في مقالة سابقة.

وفي عام 1994 نفسه، وبدون أن يعلم كينغ أو غيره من كُتّاب القص الشعبي، ولا حتى أميركا كلها، باستثناء بعض طلاب الأكاديمي والروائي الأميركي ديفيد فوستر والاس، وربما بعض زملائه أيضاً؛ كانت رواية كينغ «كاري - 1976» ورواية ماكميرتري «يمامة وحيدة»، وكذلك «صمت الحملان - 1988» لتوماس هاريس، ضمن قائمة من ثمانية كتب من القص الشعبي اختارها والاس لتدريسها في «مقرر اللغة الإنجليزية 102 - التحليل الأدبي» في فصل الخريف.

أسامة المسلم

تحذير والاس

يوضح والاس للطلاب المحتملين ضمن وصفه للمقرر، في الخطة الدراسية التي عُثر عليها في مكتبه بعد موته في 2008، أن مقرر «اللغة الإنجليزية - 102» يهدف إلى إطلاعهم وتعريفهم على بعض الطرق لقراءة القص على نحو أكثر عمقاً، وإكسابهم رؤى للكيفية التي تشتغل بها بعض النصوص، ولأجل أن تتبلور لديهم أسباب ذكية، سواء لحب أو لعدم حب أي نص. وفي الأخير، للكتابة بوضوح وعلى نحو مقنع.

ويضيف أنهم سيقرأون مجموعة متنوعة من أجناس القص الذي يعدُّ شعبياً أو تجارياً: الغموض، الرعب، البوليسي، ويسترن، ونوار (Noir)، والفانتازي. وسيتجلى نجاح «الكورس» في اكتسابهم القدرة، في نهايته، على اكتشاف وتحديد التقنيات المتطورة والثيمات الكامنة تحت السطح في الروايات التي لا تبدو سوى للترفيه بالقراءة السريعة خلال سفر بالطائرة أو جلسة على الشاطئ.

ويحذر طلابه ألا يدعوا الصفات التي قد تبدو خفيفة الوزن، على حد قوله، تضلهم وتقودهم إلى الاعتقاد بأن هذا «الكورس» مضيعة للوقت. ويؤكد أن تفكيك وقراءة تلك النصوص نقدياً سيكونان أشد صعوبة من تفكيك وقراءة النصوص «الأدبية» من وجهة نظر تقليدية.

والاس لم يكن وحيداً

اللافت والمهم أن والاس، الروائي الذي أقحمه النقاد في قوالب تصنيفات عدة، لم يكن أستاذ الأدب الوحيد الذي درّسَ نصوصاً من القص الشعبي، خلال عقد التسعينات بالذات. وكما ذكرت في مقالتي «جدار عازل يقسم الثقافة إلى ثقافتين والقص إلى قصين» (الشرق الأوسط - 5/9/2023»، حدث تغير دراماتيكي في الموقف التقليدي المتعالي تجاه القص الشعبي أفضى إلى حدوث ما يمكن وصفه بالطفرة في نقده والتنظير عنه ودراسته.

«ميتالِيبسيس» في القص الشعبي

ذات أيام كرّسْتُها للقراءة عن «ميتاليبسيس»، المصطلح الذي نقله جيرار جينيت من البلاغة إلى علم السرد، الكلاسيكي كما يسمى الآن بعد الظهور الانفجاري لعلوم السرد ما بعد الكلاسيكية ابتداءً من التسعينات أيضاً، اكتشفت وجود كتاب بعنوان «عندما تتصادم عوالم القصة... ميتاليبسيس في القص الشعبي والفيلم والكوميكس، 2015» للدكتور جف ثوس المتخصص في نظرية السرد، وعلم السرد عبر الوسائطي.

يطرح د. ثوس في كتابه نظريته عن «ميتاليبسيس» ويطبقها على الأشكال السردية الثلاثة الواردة في العنوان الثانوي. كان رأيي فيه، بعد الانتهاء من قراءته، ولا يزال، أنه من أفضل الكتب القليلة التي قرأتها التي تتناول ظاهرة «ميتاليبسيس» تنظيراً وتطبيقاً. وأكثر ما أدهشني فيه - ربما لأنني لم أتوقعه بتلك الكثافة - تجلي «ميتاليبسيس» كمكون فني وخصصية جمالية في القص الشعبي. وكان ستيفن كينغ حاضراً، مع أسماء أخرى، في الفصل الثاني «القص - Fiction» عبر سلسلة روايته «برج الظلام» بأجزائها الثمانية، وقصته القصيرة «حالة أَمْني الأخيرة».

مضت أيام التهميش

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً من المُنَظِّرين والنُقّاد، وازداد عدد أبواب قاعات الدراسة في المرحلتين الثانوية والجامعية التي انفتحت، وتنفتح، أمام نصوصه في كل من الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وآيرلندا، وفي دول أخرى وفقاً لما يذكره بيرنيس ميرفي وستيفن ماتِرسَن في مقدمة الكتاب «القص الشعبي في القرن الواحد والعشرين»، الصادر عن جامعة أدنبرة في 2018. قبل ذلك في عام 2017 فازت الرواية «السكة الحديدية تحت الأرض» لكولسون وايتهيد بجائزة «بوليتزر»، وكانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة أيضاً لجائزة «آرثر سي كلارك» البريطانية للخيال العلمي. ذكرت هذا سابقاً أيضاً. وكان من أسباب فوزها وفوز رواية ماكميرتري بجائزة «بوليتزر» تقليصهما للفجوة بينهما والرواية الأدبية، كما يقال.

استثمار وجوائز وأسئلة

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لجائزة «القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟ هل جائزة «القلم الذهبي» و«جائزة الأدب» لهذا العام تُعبِّران عن إدراك ووعي بأن الرواية الشعبية أصحبت توازي، أو تكاد، نظيرتها الأدبية فنياً وجمالياً وشكلاً وتطوراً في التقنيات وأساليب الكتابة؟ أو هل ثمة مشروع يراد منه، وعبر الجوائز، الدفع في اتجاه تقليص الفجوة بين النخبوي والشعبي، الفجوة التي ينكر عدد من المثقفين والأدباء وجودها إيماناً بأن الثقافة كل لا يتجزأ، وغير تراتبية، في حين أنه بانت علامات التفاجؤ عليهم لمَّا بُوغتوا بظاهرة شعبية الروائي المسلم، التي باغتت أيضاً العديد من المشتغلين في الإعلام بقنواته وأوعيته ووسائطه المختلفة؟

النفي، هو الجواب عن تلك الأسئلة؛ فالاستثمار هو ما أعتقد أنه الجواب المقنع والصحيح. وللتوضيح، يبدو أن الهيئة العامة للترفيه رأت فرصة «ذهبية» سانحة في رواج الرواية الشعبية وكثافة مقروئيتها على امتداد العالم العربي لإقامة مشروع ترفيهي جديد يضاهي في ضخامته مشاريعها القائمة التي طبّقَتْ شهرتُها الآفاق وأصبحت مغناطيساً جاذباً للأضواء الإعلامية، «جوي أوورد» على سبيل المثال.

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لـ«جائزة القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟

الرواية في البداية والفيلم في النهاية

الرواية مادة مشروع «جائزة القلم الذهبي»؛ الصورةُ المكبرّةُ (الجائزة) لِما كان مشروعاً صغيراً وفردياً، وتكرارٌ له محلياً وعربياً. ربما يتذكر البعض رواية «تشيللو» للمستشار تركي آل الشيخ وقصة تحويلها إلى فيلم بالعنوان نفسه. هذه هي نواة مشروع «جائزة القلم الذهبي»، ومنبع الفكرة في اعتقادي.

وبوصف كابسولي، فإن الجائزة مشروع تحويل «جَنْرَ فيكشن - genre fiction» إلى «جَنْرَ موفيز - genre movies». هذا ما ينبغي التنبه له لأن المئات من هذه الأنواع «genre movies» من الأفلام الأجنبية تصب في البيوت وفي صالات السينما على مدار العام، ولا أعتقد أن الفيلم المحلي - العربي قادر على منافستها في جذب ساكني البيوت إليه، ما لم يكن في مستواها.

جائزة «هيئة الأدب»

بادرت هيئة الأدب والنشر والترجمة، بدورها، إلى استثمار شعبية أسامة المسلم بمنحه «جائزة الأدب» لهذا العام لتسبق - ولو بمنح جائزة أدبية واحدة - هيئة الترفيه التي سبقتها إلى إعلان جائزة أضخم ومتعددة المسارات. ولكن من يجاري هيئة الترفيه المتحررة من تعقيدات البيروقراطية، كما يبدو، في إقرار وسرعة تنفيذ مشاريعها، والمتمتعة بصلاحيات لا تتردد في دفعها إلى حدودها القصوى. ولكن ثمة «لكن أخرى»: إن نجاح لجنة تحكيم «جائزة القلم» في اختيار روايات، حتى وإن تكن كتلك التي يتحدث عنها والاس، لا يضمن نجاح ترجماتها السينمائية عند شبابيك التذاكر. وينطبق هذا على السيناريوهات الفائزة. فما بين السيناريوهات والشاشات الكبيرة معامل صنع الأفلام التي يتوقف نجاح منتوجاتها على مدى كفاءة وخبرة ومهارة العاملين فيها. وهذا هو بيت القصيد والجزء الصعب من مشروع الجائزة.

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»


جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

جدارية الأرض المثمرة... أموية من قصر الحير الغربي

لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية
لوحة أموية من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية

يحتفظ متحف دمشق الوطني بلوحة أموية من الحجم الضخم، تحتلّ وسطها صورة دائرية تمثل امرأة ترفع بين يديها وشاحاً مليئاً بالفاكهة. خرجت هذه اللوحة من قصر الحير الغربي في نواحي جنوب غرب مدينة تدمر، ودخلت المتحف، وتمّ تثبيتها في القاعة العليا من الجناح الذي خُصّص للقى الأثرية التي تمّ اكتشافها بين أطلال هذا القصر، وهي من الطراز الروماني الكلاسيكي الرفيع، وتتبع أسلوباً ساد في مختلف نواحي الأرضي السورية خلال القرون الميلادية التي سبقت دخول الإسلام إلى هذه البقاع. تعود هذه الجدارية إلى العقود الأولى من القرن الثامن، وتشهد بأسلوبها المتقن لاستمرارية هذا الطراز خلال العهد الأموي، وتشكّل أحد أجمل تجليّاته المشرقيّة في مطلع القرون الوسطى.

أُنجزت هذه اللوحة المستطيلة على مساحة من مادة المِلاط الجصّي المتين، وتبدو في موقعها اليوم أشبه بلوحة جدارية، غير أنّها في الواقع لوحة أرضية كانت تزيّن في الأصل قاعة الاستقبال في الجناح الغربي من القصر الذي شيّده هشام بين عبد الملك في عام 727، وتتميّز بضخامتها الاستثنائية، إذ يبلغ طولها 5.21 متر، وعرضها 4.43 متر. يحيط بهذه اللوحة إطار زخرفي عريض تزينه سلسلة لولبية من الأغصان المورقة، تتدلّى منها عناقيد من العنب الأحمر. حُوّرت هذه الأغصان هندسياً، واتخذت شكل دوائر متلاحقة متعادلة في الحجم، غير أنّها حافظت على ثقلها الطبيعي، وبدا ذلك بشكل خاص في تصوير عناقيدها. تحضر في وسط هذه الإطار صورة نصفية لامرأة في وضعية المواجهة، تنتصب وسط إطار دائري تزيّنه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية المتناسقة الممهورة بأشكال نباتية منمنمة. يخرج هذا الوجه عن النمط الكلاسيكي، وتعكس ملامحه النسق المحلّي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية في قالب سوري محلّي، ساد في تدمر، كما في نواح أخرى من البقاع السورية.

بنية الرأس دائرية، تعلوها كتلة من الشعر الكثيف الأسود تحيط به، مع فرق بسيط في وسط قمّته، وخصلتين صغيرتين تنسدلان على الجبين. العينان لوزتان واسعتان يعلوهما حجابان مقوّسان عريضان منفصلان، ينسدل من بين وسطهما خيط الأنف الرفيع. الفم مطبق، وقوامه خط بسيط يرسم الشق الفاصل بين شفتيه الرقيقتين. الوجنتان مكتنزتان وموشحتان باللون الأرجواني. العنق عريضة، يزيّنها عقد لؤلؤي قصير، تعلوه أفعى تلتف من حوله، رافعة رأسها فوق الكتف اليمنى. ترفع هذه المرأة يديها في اتجاه الصدر، حاملة وشاحاً يأخذ شكل رزمة مفتوحة، تعلوها مجموعة متنوّعة من الفاكهة، تتوسّطها إجاصتان. تبدو هذه الفاكهة مرصوصة ومثبتة في الفراغ، وتشكّل مساحة أفقية تحتلّ القسم الأعلى من الصدر الأنثوي.

تتبنّى هذه الصورة نموذجاً معروفاً في الفن الكلاسيكي يمثّل سيّدة الكون «غايا»، وهي أوّل من ظهر في بدء هذا الوجود، بحسب الميثولوجيا اليونانية. توصف هذه السيّدة الأم بصاحبة الأحشاء الشاسعة وحصن جميع الخالدين، وقد تجرّدت صورتها لاحقاً من معناها الأصلي، وتحوّلت إلى صورة «حيادية» تمثّل الأرض الطيّبة المثمرة فحسب. تُشكّل الأفعى الملتفّة حول العنق عنصراً من العناصر التشكيلية التي ترافقها، وترمز في العالم القديم إلى الخصوبة والعطاء والتجدّد المستمر.

تحضر «غايا» وسط لوحة دائرية تستقرّ وسط مساحة مستطيلة تكسوها أغصان نباتية زخرفية. وسط هذه الزخارف، في القسم الأعلى من هذه المساحة، فوق هامة الأرض الأم، يطلّ مخلوقان غرائبيان متشابهان في الشكل، لكل منهما رأس إنسان عاري الصدر، وساقا تنين ذي جثة ضخمة تعلوها الزعانف. رأى دانيال شلومبرجير أن هذا الكائن الذي يلتف ثلاث مرات على نفسه بشكل لولبي هو «قنطور بحري»، والقنطور مخلوق أسطوري إغريقي نصفه العلوي إنسان ونصفه السفلي حصان، كما هو معروف، وهو في هذا الرسم الأموي كما يبدو مخلوق نصفه إنسان ونصفه الآخر تنين. الجزء الأسفل من هذه المساحة التشكيلية تعرض للتلف وضاع للأسف، وما تبقّى منه يُظهر بقايا ثعلبين، أحدهما يقتات عنباً، وطيرين من فصيلة الكراكي، وكلباً يجري وراء حيوان ضاعت ملامحه، وبات من الصعب تحديد هويّته.

ظهرت صورة الأرض الأم على هذه اللوحة الأرضية من قصر الحير الغربي، ولم يقتصر ظهورها في الميراث الفني الأموي على هذا الموقع، إذ نراها كذلك في قصير عمرة، في البادية الأردنية، حيث تكرّرت صورتها الواحدة ستّ مرات في بناء تعادلي محكم، على جانبي السقف المقوّس الذي يعلو صورة صاحب الموقع، في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش». يشكّل هذا الحضور استمرارية لنموذج متوارث تعدّدت شواهده في بلاد الشام كما في سائر أنحاء الشرق الأدنى، ويرى البعض أن تبنّيه في هذين الموقعين الأمويين لا يخلو من الدلالة الرمزية.

بحسب قراءة افتراضية اقترحها العالم ريتشارد اتنغهاوزن في كتابه المرجعي الذي صدر عام 1962 تحت عنوان «فن التصوير عند العرب»، يمثّل لوح الأرض المثمرة الحاضرة في صورة «غايا»، «مع المحيط الدائر الذي تمثله الوحوش البحرية»، العالم الذي «أُلقي به منبسطاً تحت أقدام هذه الأسرة». وسواء اتبع الفنان المحلّي هذه الصيغة «وفقاً لتوجيهات رسمية أم لا، فإنّ مثل هذا المعنى المحدّد كان جلياً بصفة مؤكّدة بالنسبة إلى المهتدين الجدد إلى الإسلام في سوريا الكبرى».


حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»