«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ
TT

«تشيللو» تلهم آل الشيخ فكرة مشروع «جائزة القلم الذهبي»

تركي آل الشيخ
تركي آل الشيخ

شهد شهر أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1994 حدثاً مهماً ذا صلة بالسيرة الإبداعية لكاتب الرعب والإثارة الأميركي الشهير ستيفن كِينغ. ففي الواحد والثلاثين من ذلك الشهر، حملت مجلة «ذا نيو يوركر»، إلى قرائها، ولأول مرة في تاريخها، قصة من قصصه القصيرة: «الرجل في البدلة السوداء». وقبل القصة سالفة الذكر، وفي الشهر نفسه، صدر آخر عدد من مجلة «أنتيياس - Antaeus»، محتوياً قصة أخرى لكينغ؛ قصة «ويلي الأعمى». «أنتيياس» مجلة أدبية فصلية، أسسها في مدينة طنجة دانيال هالبيرن وبول باولز. وتولى تحريرها هالِبيرن. صدر عددها الأول في صيف 1970. واستمرت تصدر في طنجة إلى حين انتقالها إلى مقرها الجديد في نيويورك منتصف الثمانينات من القرن الماضي، لتشهد نيويورك صدور العدد الأخير منها.

وبين العامين 1994 و1965، يمتد تسعة وعشرون عاماً، هي المدة التي تفصل بين نشر قصتي كينغ المذكورتين أعلاه، ونشر قصته «كنت لص قبور مراهقاً» في مجلة المعجبين «كوميكس ريفيو». أما أول قصة تلقى مقابلاً مالياً على نشرها، فكانت «الأرضية الزجاجية»، نُشِرَتْ في مجلة «قصص غامضة مرعبة» في 1967.

غلاف رواية «تشيللو» لتركي ال الشيخ

تغير في المناخ الثقافي

بنشرهما قصتي كينغ، أسهمت المجلتان في ردم أخدود صغير من الأخاديد الفاصلة في الثقافة السائدة بين ما هو «نخبوي» و«شعبي». ويوحي فعل المجلتين بحدوث تغير في المناخ الثقافي الأدبي والأكاديمي تجاه القص الشعبي «popular fiction»، أو الفن القصصي الشعبي، كما يسميه البعض؛ تغيرٌ ظهرت إرهاصاته في الثمانينات، وتبلور وبلغ إحدى ذرواته كما يبدو في منح جامعة كولومبيا الأميركية في نيويورك جائزة «بوليتزر» لرواية «يمامة وحيدة - 1985» لمؤلف روايات «الويسترن» والسيناريست لاري ماكميرتري. ذكرت هذا في مقالة سابقة.

وفي عام 1994 نفسه، وبدون أن يعلم كينغ أو غيره من كُتّاب القص الشعبي، ولا حتى أميركا كلها، باستثناء بعض طلاب الأكاديمي والروائي الأميركي ديفيد فوستر والاس، وربما بعض زملائه أيضاً؛ كانت رواية كينغ «كاري - 1976» ورواية ماكميرتري «يمامة وحيدة»، وكذلك «صمت الحملان - 1988» لتوماس هاريس، ضمن قائمة من ثمانية كتب من القص الشعبي اختارها والاس لتدريسها في «مقرر اللغة الإنجليزية 102 - التحليل الأدبي» في فصل الخريف.

أسامة المسلم

تحذير والاس

يوضح والاس للطلاب المحتملين ضمن وصفه للمقرر، في الخطة الدراسية التي عُثر عليها في مكتبه بعد موته في 2008، أن مقرر «اللغة الإنجليزية - 102» يهدف إلى إطلاعهم وتعريفهم على بعض الطرق لقراءة القص على نحو أكثر عمقاً، وإكسابهم رؤى للكيفية التي تشتغل بها بعض النصوص، ولأجل أن تتبلور لديهم أسباب ذكية، سواء لحب أو لعدم حب أي نص. وفي الأخير، للكتابة بوضوح وعلى نحو مقنع.

ويضيف أنهم سيقرأون مجموعة متنوعة من أجناس القص الذي يعدُّ شعبياً أو تجارياً: الغموض، الرعب، البوليسي، ويسترن، ونوار (Noir)، والفانتازي. وسيتجلى نجاح «الكورس» في اكتسابهم القدرة، في نهايته، على اكتشاف وتحديد التقنيات المتطورة والثيمات الكامنة تحت السطح في الروايات التي لا تبدو سوى للترفيه بالقراءة السريعة خلال سفر بالطائرة أو جلسة على الشاطئ.

ويحذر طلابه ألا يدعوا الصفات التي قد تبدو خفيفة الوزن، على حد قوله، تضلهم وتقودهم إلى الاعتقاد بأن هذا «الكورس» مضيعة للوقت. ويؤكد أن تفكيك وقراءة تلك النصوص نقدياً سيكونان أشد صعوبة من تفكيك وقراءة النصوص «الأدبية» من وجهة نظر تقليدية.

والاس لم يكن وحيداً

اللافت والمهم أن والاس، الروائي الذي أقحمه النقاد في قوالب تصنيفات عدة، لم يكن أستاذ الأدب الوحيد الذي درّسَ نصوصاً من القص الشعبي، خلال عقد التسعينات بالذات. وكما ذكرت في مقالتي «جدار عازل يقسم الثقافة إلى ثقافتين والقص إلى قصين» (الشرق الأوسط - 5/9/2023»، حدث تغير دراماتيكي في الموقف التقليدي المتعالي تجاه القص الشعبي أفضى إلى حدوث ما يمكن وصفه بالطفرة في نقده والتنظير عنه ودراسته.

«ميتالِيبسيس» في القص الشعبي

ذات أيام كرّسْتُها للقراءة عن «ميتاليبسيس»، المصطلح الذي نقله جيرار جينيت من البلاغة إلى علم السرد، الكلاسيكي كما يسمى الآن بعد الظهور الانفجاري لعلوم السرد ما بعد الكلاسيكية ابتداءً من التسعينات أيضاً، اكتشفت وجود كتاب بعنوان «عندما تتصادم عوالم القصة... ميتاليبسيس في القص الشعبي والفيلم والكوميكس، 2015» للدكتور جف ثوس المتخصص في نظرية السرد، وعلم السرد عبر الوسائطي.

يطرح د. ثوس في كتابه نظريته عن «ميتاليبسيس» ويطبقها على الأشكال السردية الثلاثة الواردة في العنوان الثانوي. كان رأيي فيه، بعد الانتهاء من قراءته، ولا يزال، أنه من أفضل الكتب القليلة التي قرأتها التي تتناول ظاهرة «ميتاليبسيس» تنظيراً وتطبيقاً. وأكثر ما أدهشني فيه - ربما لأنني لم أتوقعه بتلك الكثافة - تجلي «ميتاليبسيس» كمكون فني وخصصية جمالية في القص الشعبي. وكان ستيفن كينغ حاضراً، مع أسماء أخرى، في الفصل الثاني «القص - Fiction» عبر سلسلة روايته «برج الظلام» بأجزائها الثمانية، وقصته القصيرة «حالة أَمْني الأخيرة».

مضت أيام التهميش

لقد مضت الأيام التي كان القص الشعبي فيها مهمشاً ومهملاً من المُنَظِّرين والنُقّاد، وازداد عدد أبواب قاعات الدراسة في المرحلتين الثانوية والجامعية التي انفتحت، وتنفتح، أمام نصوصه في كل من الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة المتحدة، وآيرلندا، وفي دول أخرى وفقاً لما يذكره بيرنيس ميرفي وستيفن ماتِرسَن في مقدمة الكتاب «القص الشعبي في القرن الواحد والعشرين»، الصادر عن جامعة أدنبرة في 2018. قبل ذلك في عام 2017 فازت الرواية «السكة الحديدية تحت الأرض» لكولسون وايتهيد بجائزة «بوليتزر»، وكانت قد وصلت إلى القائمة القصيرة أيضاً لجائزة «آرثر سي كلارك» البريطانية للخيال العلمي. ذكرت هذا سابقاً أيضاً. وكان من أسباب فوزها وفوز رواية ماكميرتري بجائزة «بوليتزر» تقليصهما للفجوة بينهما والرواية الأدبية، كما يقال.

استثمار وجوائز وأسئلة

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لجائزة «القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟ هل جائزة «القلم الذهبي» و«جائزة الأدب» لهذا العام تُعبِّران عن إدراك ووعي بأن الرواية الشعبية أصحبت توازي، أو تكاد، نظيرتها الأدبية فنياً وجمالياً وشكلاً وتطوراً في التقنيات وأساليب الكتابة؟ أو هل ثمة مشروع يراد منه، وعبر الجوائز، الدفع في اتجاه تقليص الفجوة بين النخبوي والشعبي، الفجوة التي ينكر عدد من المثقفين والأدباء وجودها إيماناً بأن الثقافة كل لا يتجزأ، وغير تراتبية، في حين أنه بانت علامات التفاجؤ عليهم لمَّا بُوغتوا بظاهرة شعبية الروائي المسلم، التي باغتت أيضاً العديد من المشتغلين في الإعلام بقنواته وأوعيته ووسائطه المختلفة؟

النفي، هو الجواب عن تلك الأسئلة؛ فالاستثمار هو ما أعتقد أنه الجواب المقنع والصحيح. وللتوضيح، يبدو أن الهيئة العامة للترفيه رأت فرصة «ذهبية» سانحة في رواج الرواية الشعبية وكثافة مقروئيتها على امتداد العالم العربي لإقامة مشروع ترفيهي جديد يضاهي في ضخامته مشاريعها القائمة التي طبّقَتْ شهرتُها الآفاق وأصبحت مغناطيساً جاذباً للأضواء الإعلامية، «جوي أوورد» على سبيل المثال.

هل حدثت الالتفاتة الكبيرة والمفاجئة إلى الرواية الشعبية؛ العمود الفقري لـ«جائزة القلم الذهبي»، استجابةً لمؤثرات من تغيرات المواقف من القص الشعبي في ثقافات الآخرين؟

الرواية في البداية والفيلم في النهاية

الرواية مادة مشروع «جائزة القلم الذهبي»؛ الصورةُ المكبرّةُ (الجائزة) لِما كان مشروعاً صغيراً وفردياً، وتكرارٌ له محلياً وعربياً. ربما يتذكر البعض رواية «تشيللو» للمستشار تركي آل الشيخ وقصة تحويلها إلى فيلم بالعنوان نفسه. هذه هي نواة مشروع «جائزة القلم الذهبي»، ومنبع الفكرة في اعتقادي.

وبوصف كابسولي، فإن الجائزة مشروع تحويل «جَنْرَ فيكشن - genre fiction» إلى «جَنْرَ موفيز - genre movies». هذا ما ينبغي التنبه له لأن المئات من هذه الأنواع «genre movies» من الأفلام الأجنبية تصب في البيوت وفي صالات السينما على مدار العام، ولا أعتقد أن الفيلم المحلي - العربي قادر على منافستها في جذب ساكني البيوت إليه، ما لم يكن في مستواها.

جائزة «هيئة الأدب»

بادرت هيئة الأدب والنشر والترجمة، بدورها، إلى استثمار شعبية أسامة المسلم بمنحه «جائزة الأدب» لهذا العام لتسبق - ولو بمنح جائزة أدبية واحدة - هيئة الترفيه التي سبقتها إلى إعلان جائزة أضخم ومتعددة المسارات. ولكن من يجاري هيئة الترفيه المتحررة من تعقيدات البيروقراطية، كما يبدو، في إقرار وسرعة تنفيذ مشاريعها، والمتمتعة بصلاحيات لا تتردد في دفعها إلى حدودها القصوى. ولكن ثمة «لكن أخرى»: إن نجاح لجنة تحكيم «جائزة القلم» في اختيار روايات، حتى وإن تكن كتلك التي يتحدث عنها والاس، لا يضمن نجاح ترجماتها السينمائية عند شبابيك التذاكر. وينطبق هذا على السيناريوهات الفائزة. فما بين السيناريوهات والشاشات الكبيرة معامل صنع الأفلام التي يتوقف نجاح منتوجاتها على مدى كفاءة وخبرة ومهارة العاملين فيها. وهذا هو بيت القصيد والجزء الصعب من مشروع الجائزة.

* ناقد وكاتب سعودي


مقالات ذات صلة

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم
TT

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

يمثل ديوان «برزخ الريح» للشاعر غريب إسكندر تجربة شعرية تنتمي بوضوح إلى أفق الحداثة العربية التي تستند بمعظمها إلى تنظيرات غربية، ولا غرو في ذلك إذا ما عرفنا أن الشاعر يقيم بلندن، ويكتب باللغتين العربية، والإنجليزية. وفي هذا الديوان الذي صدر مؤخراً عن «منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2026» تتراجع الحكاية لصالح التأمّل، وتتقدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف في آنٍ معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «البرزخ» بوصفه حدّاً فاصلاً وواصلاً في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بين الثبات والتحوّل ينعكس في مجمل نصوص الديوان التي تبدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم.

فبعد تجربة امتدت لأربعة عقود أصدر خلالها الشاعر أكثر من مجموعة شعرية، منها «سواد باسق/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001» و«أفعى كلكامش/ دار الفارابي 2011»، يتورّط غريب إسكندر من جديد بواحدة من إرهاصات اللّاهوت ممثلة بـ«البرزخ» الذي ينبثق هنا بوصفه دالّاً، ونافذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جاعلاً إياه عتبة ينفذ منها إلى العالم الشاسع، عالم ما بعد الموت، وما قبله. وهي إشارة أولى إلى إرباك القارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود.

لغة الديوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عن المباشرة، وتراهن على الإيحاء. والجملة الشعرية غالباً ما تأتي قصيرة، ومقطوعة النفس، أو مفتوحة على احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزاً بقدر ما تُنتج مناخاً شعورياً. في أحد المقاطع، نقرأ: «كلُّ شيءٍ سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حيث يتقاطع الفناء مع رغبة غامضة في البقاء، ولو على مستوى اللغة. ولا يسعى الشاعر إلى بناء صور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولكنّها تُعاد صياغتها ضمن شبكة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعاً للتجربة نفسها، وكأن الشاعر يختبر حدودها، أو حتى عجزها. يظهر ذلك في مقطع آخر يقول فيه: «لا شيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى.

الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تبحث عن نفسها، ولا تجدها كاملة. فثمة شعور دائم بالاغتراب، ليس فقط عن العالم، بل عن الداخل أيضاً. في إحدى الصور اللافتة يقول الشاعر: «أنا هنا... وكلما أضحك لأنني أموت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لحظة واحدة، وتكشف عن وعي مأزوم بالوجود، حيث يصبح العيش نفسه شكلاً من أشكال الفناء المؤجل. والزمن في هذه النصوص لا يتحرك في خط مستقيم، بل يبدو دائرياً، أو متداخلاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تعود لتكون بداية أخرى، في استعادة واضحة لفكرة «البرزخ». وهذا التصور يتجلّى في إشارات متكررة إلى التلاشي، والتحوّل، كما في عبارة إليوت التي يوردها الشاعر«In my beginning is my end»، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر التسلسل التقليدي.

ويحضر الجسد بوصفه كياناً هشّاً، لكنّه في الوقت ذاته مساحة للمعنى، وحقل للتجربة. فليس الجسد، هنا، جسداً حسّياً بقدر ما هو استعارة للوجود الإنساني في ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألم، والذاكرة، ويظهر أحياناً بوصفه عبئاً، وأحياناً وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضاً حضور الصمت بوصفه لغة موازية. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخل النص، ويعتمد على الانقطاع، والتكرار، ليخلق إيقاعاً داخلياً لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعداً تأمّلياً عميقاً. ولا تخلو النصوص من إشارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو من الأدب العالمي، ولكنّها لا تُقدَّم على نحو مباشر، بل تتسلل عبر اللغة، والصور، وتندمج في نسيج القصيدة. هذا الانفتاح يمنح الديوان بُعداً كونياً، ويخرجه من حدود الجغرافيا الضيّقة، من دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يقتبس بقدر ما يعيد تشكيل هذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جزءاً من تجربته الخاصة. وهذا ما يعزز من ثراء النص، ويجعله قابلاً لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخر، بوصفه باحثاً في الأدب المقارن، والترجمة، في تجربته الشعرية على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، وما يعرف بـ«شعر العالم».

أما من حيث البناء، فلا يعتمد الديوان على شكل تقليدي، بل يقدّم نصوصاً أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات التأمّلية. لا توجد حبكة، أو تسلسل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هذا التفكك الظاهري ينسجم مع الرؤية العامة، حيث العالم نفسه يبدو مفككاً، وغير قابل للإحاطة. لذلك، قد لا يكون «برزخ الريح» ديواناً سهلاً، لأنّه يتطلّب قارئاً مستعداً للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، في المقابل، يقدّم تجربة شعرية غنية، تفتح أفقاً للتفكير في الوجود، والزمن، واللغة.

وباختصار، يمكن القول إنَّ غريب إسكندر يكتب شعراً يقف على الحافّة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاته. هو لا يقدّم إجابات، وخلاصات جاهزة، بل يضعنا في قلب التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. إنّه يوسّع مساحة السؤال، ويجعل من القصيدة مكاناً للعبور، حيث «لا يوجد شيء مكتمل»، وكلّ شيء معرّض لأن يُعاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تبدو اللغة كأنها تُقاوم الاستقرار؛ فهي لغة «تتكوّن وهي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ القصائد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بالحقيقة. وهذا القلق لا يُطرح بشكل فلسفي مباشر، بل يتجلّى عبر الصور الشعرية، وعبر التوتر بين الحضور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هاملت» بوصفها واحدة من اللحظات الدالة في الديوان:

«أسطورةٌ حيّة

هذا العالم

لا يصلحُ له مثالٌ واحد:

وجود واحد

عدم واحد

حقيقة واحدة

أو حتى خيال واحد.

فقد اختفى شبحُ الأب

تماماً من على خشبة الحياة

لكنَّ المسرحَ لا يزال مكتظّاً

بـ«أن تكون أو لا تكون»

التي لم تعد «مشكلة»

بعد الآن

في هذه الأزمنة المبهمة!».

يستدعي الشاعر شخصية هاملت لا بوصفها إحالة ثقافية فحسب، بل مرآة للذات القلقة، والمترددة أمام أسئلة الوجود. ففي المقطع الذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة العبارة الشكسبيرية بوصفها اقتباساً جاهزاً، بل يعيد إدماجها داخل نسيجه الشعري بوصفها سؤالاً مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود السؤال اختياراً بين حالتين، بل يتحول إلى حالة وجودية مستمرة، إلى تعليق دائم بين الإمكان والعدم. ومما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو أنّ الشاعر يفرّغ العبارة من بُعدها المسرحي الدرامي، ليمنحها بُعداً تأمّلياً داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الغياب التام، بل إنّ الاثنين يتداخلان داخل تجربة الذات، كما لو أنّ الوجود نفسه حالة «برزخية»، تماماً كما يقترح عنوان الديوان. وبهذا تصبح شخصية هاملت امتداداً لصوت الشاعر، وليست قناعاً له، حيث يتكرر التردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم.

إنَّ إدراج هذه الإحالة لا يأتي بوصفه تزييناً ثقافياً، بل يعد جزءاً من بنية التفكير الشعري في الديوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مع التجربة الفردية لتنتج معنى جديداً. وهكذا يتحول «هاملت» إلى نص داخل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أنَّ السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصياً على الإجابة.


«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة
TT

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار تدل على وجود اختراق أو سرقة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تترك خلفها إشارة أو علامة تشكل دافعاً واضحاً أو مشتبهاً مباشراً بارتكاب الجريمة.

يرتكز الصراع على تلك الفكرة، ويتنامى من خلاها جوهر الحبكة الدرامية في رواية «الفتاة الصامتة» الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، تأليف مشترك لاثنين من أدباء السويد هما مايكل هيورث وهانز روزينفيلت، ترجمة هند حسني، التي تأتي ضمن سلسلة روايات «المحقق الجنائي سيباستيان بيرغمان».

تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حين تكتشف الشرطة أن هناك ناجية واحدة؛ فتاة صغيرة تدعى «نيكول» كانت مختبئة وقت وقوع المجزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شديدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحاً للعثور على القاتل وشاهداً على ما جرى لكنها لا تستطيع، أو لا ترغب في التحدث.

وتشهد الرواية عودة شخصية «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زملائه في فريق التحقيق، وهو محقق معروف بذكائه الحاد وسلوكه غير المعتاد، ويرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لكنه يواجه تحدياً كبيراً كيف يمكنه قراءة صمتها؟

وتجسد الرواية السمات الأساسية لأدب الجريمة، التي تجعله جذاباً لدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والشباب، فهى تبدأ بفعل صادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسط سرد سريع متصاعد، انتظاراً للعثور على حل الجريمة التي تتحول إلى لغز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء.

وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام 1963/ وهو منتج فني بارز وسيناريست، أما هانز روزينفيلت فوُلد عام 1964 وسبق أن عمل حارساً للأسود وسائقاً ومعلماً وممثلاً حتى عام 1992 عندما بدأ يكتب دراما تلفزيونية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمام المبنى السكني ذي اللون الأصفر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخراً لتأكيد موقفها منها لكن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تعد تتصل بها إطلاقاً.

تمكنت «آنا» من التعايش مع ذلك، تفهمت الأسباب وبطريقة ما في أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطار كونهما أماً وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة.

أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلماً إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كان عليهما التعامل مع الأمور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنا» الوضع عبئاً هي الأخرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائماً أقوى من زوجها.

مر أكثر من شهر على خروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بمغادرة الشقة، كان جسده قد تقبل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تقبل واقعه الجديد كعالم خال من ابنته وقد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء.

لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر ندرة أو حتى التحقيق الذي لا يزال جارياً، صحيح أن هذه الاتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال خطيرة لكنها بدت بلا أهمية تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه.


بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.