زيلينسكي: «خطة النصر» في أوكرانيا تعتمد على قرارات سريعة للحلفاء

موسكو ترفضها وتعدّها حيلة من الزعيم الأوكراني لتحقيق مصلحة شخصية

زيلينسكي وفون دير لاين في كييف (أ.ف.ب)
زيلينسكي وفون دير لاين في كييف (أ.ف.ب)
TT

زيلينسكي: «خطة النصر» في أوكرانيا تعتمد على قرارات سريعة للحلفاء

زيلينسكي وفون دير لاين في كييف (أ.ف.ب)
زيلينسكي وفون دير لاين في كييف (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الجمعة، خلال زيارة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين لكييف، إن «خطة النصر» التي وضعتها بلاده تعتمد على قرارات سريعة يجب أن يتخذها الحلفاء هذا العام، مضيفاً: «الخطة بأكملها تعتمد على اتخاذ حلفائنا قرارات سريعة يجب تنفيذها بين أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) دون تأخير».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في كييف (إ.ب.أ)

من جهة أخرى، رفضت موسكو، الجمعة، خطة زيلينسكي، وعدّتها حيلة لإبقاء الغرب في صف كييف، وقالت إنها لا علاقة لها بالبحث عن حل دبلوماسي أو سياسي لإنهاء الحرب. وذكر الرئيس الأوكراني أن مبادرته تهدف إلى إيجاد شروط مقبولة لأوكرانيا التي تخوض صراعاً مع روسيا منذ أكثر من عامين ونصف العام.

الرئيس الأميركي جو بايدن يلتقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالبيت الأبيض في سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، للصحافيين، إن الخطة تبدو كأنها حيلة من الزعيم الأوكراني، الذي تتهمه روسيا بمحاولة جرّ الغرب إلى حرب شاملة ضدها، لتحقيق مصلحة شخصية.

وأضافت: «الهدف الوحيد هو تشكيل أو منع انهيار التحالف المناهض لروسيا، ولا علاقة لذلك بالتأكيد بمهمة إيجاد تسوية سياسية ودبلوماسية للوضع في أوكرانيا». وكررت زاخاروفا وجهة نظر روسيا أن الغرب يجب أن يتوقف عن تمويل أوكرانيا وتزويدها بالأسلحة. وقالت إن أي مبادرة تهدف إلى التوصل إلى تسوية سلمية دون روسيا لا معنى لها.

وقال زيلينسكي، كما نقلت عنه «رويترز»: «معظم قرارات الخطة تعتمد على بايدن بصفة خاصة، بالإضافة إلى حلفاء آخرين؛ لكنّ هناك نقاطاً معينة تعتمد على تعاون الولايات المتحدة ودعمها».

ويزور زيلينسكي الولايات المتحدة الأسبوع المقبل حيث سيلتقي الرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس، في حين يخطط أيضاً للقاء دونالد ترمب، في مسعى لحشد الدعم الأميركي لبلاده قبيل انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) الرئاسية الأميركية.

ويقدّم زيلينسكي تحديثات منتظمة حول إعداد الخطة؛ لكنه لم يكشف إلا عن تفاصيل بسيطة عن فحواها، مشيراً إلى أنها تهدف إلى وضع شروط مقبولة لأوكرانيا بعد مرور أكثر من عامين ونصف العام من الغزو الروسي الشامل.

وأضاف، في مؤتمر صحافي مشترك مع فون دير لاين، إن أوكرانيا تخطط لاستخدام قرض مقترح بقيمة مليارات الدولارات من الاتحاد الأوروبي؛ لإنفاقه على الدفاع الجوي والطاقة وأسلحة محلية. وحول الوضع على الجبهة في منطقة دونيتسك بشرق أوكرانيا حيث أحرز الجيش الروسي تقدماً في الأشهر الأخيرة، أشار زيلينسكي في رسالته اليومية عبر الفيديو إلى أنه «مقلق للغاية»، موضحاً في الوقت ذاته أن كييف تمكّنت من تقليص قدرات موسكو.

وفيما يتعلق بمنطقة كورسك الروسية حيث شنّ الجيش الأوكراني هجوماً مفاجئاً مطلع أغسطس (آب) لدفع القوات الروسية إلى التراجع على خطوط الجبهة، قال زيلينسكي: «لقد نجحنا في دفع موسكو إلى إرسال نحو 40 ألف جندي إلى هذه المنطقة»، مضيفاً: «نحن مستمرون».

وتقاتل روسيا منذ ذلك الحين لطرد القوات الأوكرانية. وقال قائد روسي كبير، الخميس، إن القوات الروسية استعادت قريتين في كورسك.

وذكر المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة، أن السلطات الروسية ليس لديها شك في أن قواتها ستستعيد السيطرة على المنطقة رغم أن الوضع هناك «صعب للغاية».

وتسعى كييف إلى إرغام موسكو على إعادة نشر قواتها الموجودة في منطقة دونيتسك وكبح تقدمها الذي لا يزال مستمراً رغم ذلك. وأكدت روسيا استعادة قرى عدة في منطقة كورسك من القوات الأوكرانية منذ الأسبوع الماضي. غير أن المتحدث باسم القيادة الإقليمية الأوكرانية أولكسي دمتراشكيفسكي أكد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، أن الهجوم الروسي المضاد في منطقة كورسك قد توقف.

قال «الكرملين»، الجمعة، إن القوات الروسية ستستعيد السيطرة على منطقة كورسك «في الوقت المناسب»، دون ذكر موعد تحقيق ذلك.

وقالت القوات الجوية الأوكرانية، الجمعة، إنها دمرت 61 من أصل 70 طائرة مسيّرة وصاروخاً من أصل أربعة أطلقتها روسيا خلال الليل.

وذكرت على «تلغرام»: «عمل نظام الدفاع الجوي في مناطق دنيبروبتروفسك وكييف وفينيتسا وتشيركاسي وكيروفوهراد وسومي وبولتافا وإيفانو - فرانكيفسك ولفيف وخميلنيتسكي وميكولايف وأوديسا وخيرسون».

أعلن البيت الأبيض أن زيلينسكي سيُجري محادثات منفصلة في 26 سبتمبر مع بايدن ونائبته هاريس، المرشحة الديمقراطية للرئاسة.

وقالت الناطقة باسم بايدن، كارين جان بيار، في بيان، إن «الرئيس ونائبته سيؤكدان التزامهما الراسخ بالوقوف إلى جانب أوكرانيا إلى أن تنتصر في هذه الحرب». شدد بايدن من جانبه على أنه «يتطلّع إلى استضافة صديقي الرئيس زيلينسكي». وقال: «سأؤكد خلال زيارته على التزام أميركا بدعم أوكرانيا في وقت تدافع فيه عن حريتها واستقلالها». أعلنت الرئاسة الأوكرانية بدورها أن زيلينسكي يخطّط للقاء «الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة دونالد ترمب». ولم يرد أي تأكيد بعد من جانب المرشح الجمهوري للانتخابات بشأن اللقاء.

وأشاد ترمب مراراً بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورفض التعبير عن تأييده لأي من الجانبين في الحرب خلال مناظرة مع هاريس الأسبوع الماضي، مكتفياً بقول «أريد أن تتوقف الحرب». يضغط زيلينسكي على إدارة بايدن للسماح لأوكرانيا باستخدام أسلحة غربية طويلة المدى ضد أهداف في عمق الأراضي الروسية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال تسليم مولدات كهرباء (رويترز)

ذكر وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أن بلاده تستعد لإرسال منظومة أخرى مضادة للصواريخ من طراز «سامب - تي» إلى أوكرانيا، مؤكداً ضرورة تجنّب الانجرار إلى حرب مع روسيا. وقال تاياني لـ«راديو 24»: «نرسل منظومة (سامب - تي) أخرى (منظومة مضادة للصواريخ) لحماية المستشفيات والمدارس والجامعات... لهذا البلد الذي يتعرّض لهجوم من روسيا». وأضاف: «الدفاع عن أوكرانيا لا يعني إشعال حرب عالمية... نحن نساعد أوكرانيا، ويجب أن نصل إلى سلام عادل».

أجّل بايدن ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إصدار قرار في هذا الصدد الأسبوع الماضي، في حين قال ستارمر إنهما سيناقشان المسألة أكثر لدى لقائهما على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال الأسبوع المقبل.

قتلى الجيش الروسي

من جانب آخر، أفاد موقع «ميديازونا» الروسي وخدمة «بي بي سي» الروسية، الجمعة، بأنهما حددا هويات نحو 70 ألف جندي روسي قُتلوا منذ بدء غزو أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، في حين تشكّل حصيلة غير مكتملة؛ لكنها تعطي فكرة عن حجم الخسائر الروسية الذي يبقيه «الكرملين» سرياً.

وجاء الإحصاء الذي قالت «بي بي سي» إنه توقف في 19 سبتمبر (أيلول)، بالاستناد إلى المعلومات العامة المنشورة في البيانات الرسمية أو النعي عبر وسائل الإعلام أو إعلانات الوفاة على شبكات التواصل الاجتماعي، وكذلك من رصد القبور في مقابر روسية.

وقالت «بي بي سي»: «حددنا أسماء 70112 جندياً روسياً قُتلوا في أوكرانيا، لكن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك بكثير». وأوضحت «بي بي سي» أن «بعض العائلات لا تعلن تفاصيل وفاة أقاربها، ولا يشمل تحليلنا أسماء لا يمكن التحقق منها ولا مقتل أفراد ميليشيات في منطقتي دونيتسك ولوغانسك المحتلتين من قبل الروس في شرق أوكرانيا». وفي نهاية أغسطس، بلغ عدد قتلى الجنود الروس الذي أفادت به وسائل الإعلام 66 ألفاً.

محول كهرباء جرى إعطابه بغارة روسية على كييف (رويترز)

وتقوم «ميديانوزا»، و«ميدوزا» وهي وسيلة إعلام روسية أخرى مستقلة، بتحليل البيانات الرسمية الموثقة المتاحة عن الإرث، ما يدفعها إلى تقدير أن الحصيلة ستصل إلى 120 ألف قتيل على الأقل، بناء على عدد الوفيات المرتفع والمسجل على مدى العامين ونصف العام الماضيين.

وكان «الكرملين» استشهد بـ«قانون أسرار الدولة» و«النظام الخاص» لتبرير غياب إعلان الخسائر العسكرية رسمياً. ومطلع يونيو (حزيران)، رفض الرئيس فلاديمير بوتين تحديد حجم هذه الخسائر.

من جهتها، لا تعلن أوكرانيا أيضاً خسائرها إلا قليلاً، وذلك حرصاً منها على عدم إضعاف معنويات مواطنيها الذين يواجهون الغزو الروسي منذ أكثر من عامين ونصف العام.

وفي فبراير، قدّر الرئيس الأوكراني عدد جنود بلاده الذين قُتلوا خلال الحرب بـ31 ألفاً، وهو رقم يُعدّ أقل من الواقع حسبما يفيد محللون ومراقبون. وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، في تقرير نُشر في 17 سبتمبر، أن الحرب في أوكرانيا خلّفت ما مجموعه مليون قتيل وجريح في المعسكرين. وقالت إن «تقديرات سرية أوكرانية صدرت في وقت سابق من هذا العام تشير إلى مقتل 80 ألف جندي أوكراني و400 ألف جريح، وفقاً لأشخاص مطلعين على المسألة»، مضيفة أن «تقديرات أجهزة الاستخبارات الغربية بشأن الخسائر الروسية تختلف، إذ يقدر البعض عدد القتلى بنحو 200 ألف، وعدد الجرحى بنحو 400 ألف».


مقالات ذات صلة

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

العالم الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

«الشرق الأوسط»
أوروبا بعض من السفراء الأجانب الجدد (أ.ف.ب)

بوتين يؤكد انفتاح بلاده على تحسين العلاقات مع الغرب

عرض الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، رؤية بلاده للوضع السياسي العالمي؛ خلال تسلمه أوراق اعتماد عدد من السفراء الأجانب.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا شاشة تعرض درجة الحرارة في كييف والتي وصلت إلى 19 تحت الصفر (أ.ف.ب) play-circle

الكرملين منفتح على حوار مع واشنطن حول التسوية ويتهم زيلينسكي بعرقلتها

أكد الكرملين انفتاح موسكو على مواصلة النقاشات مع الإدارة الأميركية لدفع عملية السلام في أوكرانيا.

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشير بيده خلال حضوره حفل تقديم أوراق الاعتماد من قبل السفراء الأجانب المعينين حديثاً في قصر الكرملين الكبير بموسكو... 15 يناير 2026 (إ.ب.أ)

بوتين: يجب التوصل إلى تسوية سلمية بأوكرانيا في أقرب وقت

دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، للتوصُّل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدَّد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا سيارات تسير في ساحة الاستقلال خلال انقطاع التيار الكهربائي في كييف في 14 يناير 2026 وسط الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

زيلينسكي لإعلان حالة الطوارئ بقطاع الطاقة جراء الضربات الروسية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، إنه سيتم إعلان «حالة الطوارئ» في قطاع الطاقة، بعد الهجمات الروسية المتواصلة على إمدادات التدفئة والكهرباء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
TT

بعثة عسكريّة أوروبيّة «متواضعة» إلى غرينلاند في مواجهة مطامع ترمب

سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)
سفينة حربية دنماركية تنفذ دورية قرب شواطئ نوك في غرينلاند (أ.ب)

وصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة الخميس إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتزامه السيطرة عليها.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أنّها تعزز وجودها العسكري في غرينلاند، ردا على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية. والأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنودا في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنروج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك. وقالت مصادر دفاعية من دول عدة، أنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جنديا ألمانيا على سبيل المثال وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنّ «على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض مصالحهم فيه للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون أي مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي». وشدد خلال كلمة إلى العسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا في جنوب فرنسا، على أن «دور» باريس يقتضي بأن «تكون الى جانب دولة ذات سيادة لحماية أراضيها».

وأوضح أنّ «مجموعة أولى من العسكريين الفرنسيين موجودة في الموقع وسيتم تعزيزها في الأيام المقبلة بوسائل برية وجوية وبحرية». غير أن البيت الأبيض اعتبر الخميس أن هذه الخطوة لن تغيّر شيئا في خطط ترمب.

وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي «لا أعتقد أن نشر قوات في أوروبا يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبدا على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».

وغداة الاجتماع الذي جمع وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن ووزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت مع مسؤولين أميركيين في البيت الأبيض، أقرّت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن بوجود «خلاف جوهري» مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل الجزيرة القطبية، مؤكّدة أن واشنطن لا تزال عازمة على السيطرة على غرينلاند.

وقالت «من الواضح أنّ الوضع خطير، ولذلك نواصل جهودنا لمنع حدوث هذا السيناريو». ورحّبت بإرسال قوات أوروبية للمشاركة في «تدريبات مشتركة في غرينلاند ومحيطها». وأشارت إلى أنّ «هناك إجماعا داخل حلف شمال الأطلسي على أنّ تعزيز الوجود في القطب الشمالي أمر ضروري لأمن أوروبا وأميركا الشمالية».

وجاء ذلك فيما أعلن وزير دفاعها ترولز لوند بولسن وضع خطة لإنشاء وجود دائم أكبر في العام 2026. وتلتقي رئيسة الوزراء الدنماركية وفدا من الكونغرس الأميركي يزور كوبنهاغن يومي الجمعة والسبت، وفق ما أكد مكتبها لوكالة الصحافة الفرنسية الخميس.

لكنّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال مساء الخميس عبر محطة ARD التلفزيونية عندما سُئل عن طموحات ترمب في ما يتعلق بغرينلاند إنه ليس قلقا، مؤكدا أن «الولايات المتحدة ليست منحصرة بإدارة دونالد ترمب». وأضاف أن مشاركة أوروبا في «ضمان أمن» غرينلاند «تنتزع الحجة الرئيسية» الذي قدمها الرئيس الأميركي.

في المقابل، أعربت وزارة الخارجية الروسية عن «قلق بالغ» بعد نشر قوات من دول حلف شمال الأطلسي في غرينلاند. ورفضت روسيا فكرة أنّها تشكل خطرا على غرينلاند، واصفة إياها بـ«الخرافة». وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا، إنّ جزءا من الأراضي الدنماركية «أُدرج ضمن مجال مصالح واشنطن بشكل تعسّفي».

وأكدت أن «خرافة وجود نوع من التهديد الروسي، التي روجت لها الدنمارك وغيرها من أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لسنوات، هي نفاق محض».

في غرينلاند، أعرب رئيس الحكومة ينس فريدريك نيلسن عن الرغبة في التعاون مع الولايات المتحدة «ولكن على أساس القيم الأساسية مثل الديموقراطية والاحترام»، مشيرا إلى أنّ «الحوار والدبلوماسية هما الطريق الصحيح للمضي قدما».

والأربعاء، أكّد وزير الخارجية الدنماركي أنّ كوبنهاغن تودّ «العمل بتعاون وثيق مع الولايات المتّحدة، لكن ينبغي بالطبع أن يكون هذا التعاون قائما على الاحترام».

وبعد المحادثات، قال ترمب لصحافيّين في البيت الأبيض «لديّ علاقات جيّدة جدّا مع الدنمارك وسنرى كيف يتطوّر كلّ ذلك. أعتقد أننا سنتوصّل إلى حلّ». قبل ذلك ببضع ساعات، أكّد مرّة جديدة على منصّته تروث سوشال أنّ الولايات المتّحدة «بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلّق بالأمن القوميّ»، وأنها «ضرورية للقبّة الذهبيّة التي نبنيها»، في إشارة إلى نظام أميركيّ للدفاع الصاروخي والجوّي.

وكانت هذه أوّل مرّة يربط فيها ترمب السيطرة على غرينلاند بمشروع الدرع الصاروخيّة الأميركيّ الضخم. لكن راسموسن قال إن استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند «غير وارد». وأضاف «لا نريد ذلك في الدنمارك، ولا في غرينلاند، وهو أمر يتعارض مع كل القواعد الدولية. إنه ينتهك سيادتنا».

ويردّد ترمب أنّ بلاده تحتاج إلى غرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبيّة الشماليّة، من غير أن يستبعد استخدام القوّة للسيطرة على الجزيرة. وفيما كانت المحادثات جارية الأربعاء، نشر البيت الأبيض على «إكس» رسما تظهر فيه زلّاجتان تجرّهما كلاب، واحدة متّجهة إلى البيت الأبيض تحت سماء صافية، والثانية متّجهة إلى سور الصين العظيم والساحة الحمراء وتحيط بهما الظلمة. وأعلن راسموسن للصحافة الدنماركية أنّه ليس هناك سفن ولا استثمارات صينيّة «كبيرة« في غرينلاند.

وقبل الاجتماع في واشنطن، انتشرت أعلام غرينلاند الحمراء والبيضاء على واجهات محلّات العاصمة نوك ونوافذ المنازل وسطوح السيارات والحافلات، وحتى على أسلاك رافعة.


انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
TT

انتشار عسكري أوروبي في غرينلاند

صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)
صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

اتّجهت بعثة عسكرية أوروبية أمس (الخميس) إلى غرينلاند، غداة لقاء عقد في واشنطن بين مسؤولين أميركيين ودنماركيين وغرينلانديين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي التي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على السيطرة عليها.

وأعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج، الأربعاء، أنها ستنشر قوّة عسكريّة على الجزيرة للقيام بمهمة استطلاع تندرج، بحسب مصدر في وزارة الجيوش الفرنسية، في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك.

وأوضح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على منصة «إكس» أن «أول العناصر العسكريين في طريقهم، وسيتبعهم آخرون».

كما أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أن المهمة تقررت بسبب «التهديدات الروسيّة والصينيّة»، من غير أن تأتي على ذكر تهديدات ترمب بالسيطرة على الجزيرة. وتابعت الوزارة أن «ألمانيا سترسل بالتعاون مع شركاء آخرين في الحلف الأطلسي، فريق استطلاع إلى غرينلاند».

وسارعت روسيا للإعراب عن قلقها البالغ حيال الإعلان عن البعثة. وقالت السفارة الروسية في بروكسل: «عوضاً عن القيام بعمل بنّاء في إطار المؤسسات القائمة، وخصوصاً مجلس القطب الشمالي، اختار حلف شمال الأطلسي مسار عسكرة متسارعاً في الشمال».


ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
TT

ما تاريخ تبعية غرينلاند للدنمارك... ودوافع ترمب للسيطرة على الجزيرة؟

ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)
ترمب وجزيرة غرينلاند (ناسا)

تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجدداً عن طموحه للسيطرة على غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وتساءل عما إذا كان للدنمارك أي حق قانوني في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.

وأحيا هذا النقاش التدقيق في الطريقة التي أصبحت بها غرينلاند تابعة للدنمارك والحكم الذاتي فيها ومسعاها للاستقلال والوجود العسكري الأميركي هناك.

الرئيس دونالد ترمب ورئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن قبل جلسة عامة لقمة رؤساء دول وحكومات حلف شمال الأطلسي (ناتو) في لاهاي 25 يونيو 2025 وحذرت رئيسة الوزراء الدنماركية من أن أي هجوم أميركي على أحد حلفاء «ناتو» سيكون نهاية «كل شيء» وذلك بعد أن كرر الرئيس الأميركي رغبته في ضم غرينلاند (أ.ف.ب)

كيف حصلت الدنمارك على غرينلاند؟

كانت شعوب الإنويت من آسيا وأميركا الشمالية تسكن غرينلاند على فترات متقطعة منذ ​نحو 2500 سنة قبل الميلاد. واستقر الفايكنج بقيادة إريك الأحمر في جنوب الجزيرة عام 985 تقريباً، ومارسوا الزراعة وبنوا الكنائس. ووصل في نفس الوقت تقريباً أسلاف الإنويت الحاليين وعاشوا على الصيد وجمع الثمار وباتت ثقافتهم هي المهيمنة، وطردوا المستوطنين من الفايكنج عام 1400 تقريباً.

واستعمرت الدنمارك غرينلاند في القرن الثامن عشر عندما وصل المبشر هانز أجد في عام 1721 لتبدأ الحقبة الاستعمارية. ولا يزال تمثال المبشر أجد على قمة تل في إحدى مناطق العاصمة نوك، ويعدّه العديد من سكان غرينلاند رمزاً لتقاليد الإنويت المفقودة.

وكان يشار إلى الإنويت في السابق باسم «الإسكيمو».

واشترت الولايات المتحدة في عام 1916 جزر الهند الغربية الدنماركية، التي أصبحت الآن الجزر العذراء الأميركية، مقابل ذهب بقيمة 25 مليون دولار. وفي إطار هذه المعاهدة، قالت واشنطن إنها لن تعترض على قيام الحكومة الدنماركية بتوسيع «مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل غرينلاند بأكملها»، لتعترف بذلك رسمياً بالسيادة الدنماركية.

صورة نشرها البيت الأبيض لترمب وعينه على غرينلاند (إكس)

ما وضع غرينلاند الآن؟

تحولت غرينلاند من مستعمرة إلى إقليم رسمي في عام 1953 بموجب الدستور الدنماركي، رغم أنه لم تتم ‌استشارة سكان الجزيرة. ‌وتتطلب أي عملية بيع تعديلاً دستورياً. وأصبح بإمكان غرينلاند، منذ عام 2009، إعلان الاستقلال من خلال عملية تستلزم ‌استفتاء ⁠وموافقة ​البرلمان الدنماركي، والحكم الذاتي ‌واسع النطاق لكنه يستثني الشؤون الخارجية والدفاع، ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك.

ويبلغ عدد سكان غرينلاند نحو 57 ألف نسمة، ولديها بنية تحتية محدودة دون طرق تربط بين بلداتها البالغ عددها نحو 17.

العلاقات بين الدنمارك وغرينلاند

توترت العلاقات بسبب الكشف عن سوء سلوك تاريخي؛ إذ قامت السلطات الدنماركية بنقل سكان الإنويت قسراً إلى بلدات أكبر في الخمسينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تهميش ممارسات ولغات السكان الأصليين الذين يشكلون نحو 90 في المائة من السكان. واعتذرت الدنمارك في عام 2022 عن تجربة في خمسينات القرن الماضي بإرسال أطفال غرينلاند إليها.

وتظهر السجلات أنه تم تركيب أجهزة داخل أرحام آلاف من النساء والفتيات في عمر صغير حتى 13 عاماً، دون موافقتهن من 1966 حتى عام 1991 الذي سيطرت فيه غرينلاند على الرعاية الصحية. واعتذرت الدنمارك في عام 2025 عن حملة تحديد النسل التي استمرت لعقود.

وجاء في فيلم وثائقي عام 2025 ⁠أن الدنمارك وشركاتها استفادت من منجم للكريوليت بين عامي 1853 و1987 دون أن يستفيد السكان المحليون من ذلك. واستخرجت الكريوليت، المستخدم في إنتاج الألومنيوم، من غرينلاند التي لديها أكبر المكامن في العالم.

صورة مركَّبة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينظر إلى علم غرينلاند (رويترز)

ما علاقة ‌غرينلاند بالاتحاد الأوروبي؟

انضمت الجزيرة إلى الجماعة الأوروبية في عام 1973 عن طريق الدنمارك، لكنها انسحبت منها في عام 1985 بعد الحكم الذاتي. وتحمل الآن وضع إقليم تابع للاتحاد ‍الأوروبي في الخارج، وتحتفظ بترتيب خاص بمصائد الأسماك.

ما الوجود الأميركي؟

يُبقي الجيش الأميركي على وجود دائم في قاعدة بيتوفيك الجوية بشمال غربي غرينلاند بموجب اتفاقية في عام 1951 تتيح حرية بناء القواعد بإخطار للدنمارك والجزيرة.

واستوعبت الدنمارك تاريخياً الوجود الأميركي؛ لأنها لا تستطيع الدفاع عن غرينلاند، وتستفيد من الضمانات الأمنية الأميركية من خلال حلف شمال الأطلسي.

لماذا يريد ترمب غرينلاند؟

قال ترمب إن الاستحواذ على الجزيرة يمثل أولوية للأمن القومي، وإن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك غرينلاند لمنع روسيا أو الصين من احتلالها. ويمر أقصر طريق من أوروبا إلى أميركا الشمالية عبر غرينلاند، مما يجعلها مهمة لنظام الإنذار المبكر الأميركي ضد الصواريخ الباليستية.

وتقع الجزيرة في مفترق طرق جيوسياسي وسط عسكرة للقطب الشمالي من ​حلف شمال الأطلسي وروسيا والصين. وتريد الولايات المتحدة توسيع وجودها العسكري بوسائل، من بينها الرادارات لمراقبة المياه التي تستخدمها السفن والغواصات الروسية.

لا توجد أدلة تذكر حالياً على أن عدداً كبيراً من السفن الصينية والروسية تبحر بالقرب من سواحل غرينلاند. وتظهر بيانات شحن ⁠أن معظم الملاحة الصينية في مياه القطب الشمالي تتم في أقصى شمال المحيط الهادئ وطريق بحر الشمال بالقرب من روسيا، أما معظم الملاحة الروسية في مياه القطب الشمالي تتم حول سواحل روسيا نفسها، لكن محللين يقولون إن غواصات روسية كثيراً ما تبحر في المياه الواقعة بين غرينلاند وآيسلندا وبريطانيا.

وتقول روسيا إن الحديث عن أن موسكو وبكين تشكلان تهديداً لغرينلاند كذب لإثارة حالة من الهيستيريا.

وبشكل عام، زاد استخدام القطب الشمالي في أغراض عسكرية مع قيام دول حلف شمال الأطلسي والصين وروسيا بتوسيع نشاطها هناك.

وتتمتع الجزيرة، التي تقع عاصمتها نوك على مسافة أقرب إلى نيويورك من العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، بثروات معدنية ونفطية وغاز طبيعي، لكن التنمية بطيئة ولم يشهد قطاع التعدين إلا استثمارات أميركية محدودة جداً.

طائرة تحمل رجل الأعمال الأميركي دونالد ترمب جونيور تصل إلى نوك في غرينلاند (أ.ف.ب)

ماذا يريد سكان غرينلاند؟

تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية سكان الجزيرة يؤيدون الاستقلال من حيث المبدأ. لكن كثيرين منهم يحذرون من التسرع بسبب الاعتماد الاقتصادي على الدنمارك، والانكشاف المفرط على الولايات المتحدة في حالة السعي للاستقلال بسرعة كبيرة.

ويمثل صيد الأسماك أكثر من 90 في المائة من صادرات غرينلاند. وتغطي الإعانات الدنماركية نحو نصف الموازنة العامة، وتمول المستشفيات والمدارس وتدعم البنية التحتية للجزيرة الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة.

وقد يسمح الاستقلال بالارتباط مع الولايات المتحدة بموجب اتفاق الارتباط الحر على غرار الاتفاقيات مع ميكرونيزيا وبالاو وجزر مارشال.

ويوفر اتفاق الارتباط الحر عادة الخدمات والحماية العسكرية الأميركية مقابل الدخول لممارسة أنشطة دفاعية، لكن مدى استفادة غرينلاند من ذلك يتوقف على حجم الدعم ووتيرة تنويع ‌الاقتصاد بعيداً عن صيد الأسماك.

ماذا تقول الدنمارك وغرينلاند؟

عندما عرض ترمب خلال فترته الرئاسية الأولى شراء الجزيرة، وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن العرض بأنه «سخيف».

وشددت فريدريكسن ورئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في ديسمبر (كانون الأول) 2025 على أنه لا يمكن ضم غرينلاند، وأن الأمن الدولي لا يبرر مثل هذا التحرك.