البيجر ينضم لقائمة أجهزة اتصالات «قاتلة» استخدمتها إسرائيل لاغتيال أعدائها

TT

البيجر ينضم لقائمة أجهزة اتصالات «قاتلة» استخدمتها إسرائيل لاغتيال أعدائها

جنود لبنانيون وعناصر من «حزب الله» يتجمعون عند مدخل مستشفى في العاصمة بيروت (إ.ب.أ)
جنود لبنانيون وعناصر من «حزب الله» يتجمعون عند مدخل مستشفى في العاصمة بيروت (إ.ب.أ)

سلطت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، الأربعاء، الضوء على انفجار المئات من أجهزة النداء الآلي (البيجر) التي يستخدمها عناصر «حزب الله» اللبناني فجأة الثلاثاء، وتحميل «حزب الله» إسرائيل «المسؤولية الكاملة» عن هذه الانفجارات.

وقالت الصحيفة إن الشكوك حول منفذ الانفجارات اتجهت على الفور إلى إسرائيل باعتبارها «القوة الإقليمية الوحيدة التي تمتلك شبكة تجسس قادرة على تنفيذ مثل هذا الهجوم الجريء والمتطور والمنسق».

وذكرت أن لدى الجواسيس الإسرائيليين تاريخاً طويلاً يمتد لعقود من الزمان في استخدام الهواتف وغيرها من أجهزة الاتصالات لتتبع ومراقبة وحتى اغتيال أعدائهم، ففي عام 1972، كجزء من انتقامهم من منظمة التحرير الفلسطينية لقتل 11 رياضياً إسرائيلياً في أولمبياد ميونيخ، قام عملاء الموساد بتبديل القاعدة الرخامية للهاتف الذي يستخدمه محمود الهمشري، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، في شقته وعندما رد على الهاتف، قام فريق إسرائيلي قريب بتفجير المتفجرات داخل القاعدة عن بعد.

وفي عام 1996، تمكن جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (شين بيت)، من اغتيال يحيى عياش، صانع القنابل الماهر في «حماس» خلال رده على مكالمة من والده على هاتف جوال أحضره إلى غزة أحد العملاء الفلسطينيين وكان الهاتف مخبأً داخله نحو 50 غراماً من المتفجرات وهو ما يكفي لقتل أي شخص يحمل الهاتف على أذنه.

ووفقاً للصحيفة، أصبحت الحالتان الآن جزءاً من أسطورة التجسس الإسرائيلية. بين مسؤولي الاستخبارات السابقين، نظراً لتحقيق نجاح قياسي، حيث حققت الهواتف عدة أغراض مهمة مثل مراقبة الهدف قبل الاغتيال وتحديد هويته وتأكيدها أثناء الاغتيال واستخدام متفجرات صغيرة الحجم لم تقتل سوى عياش والهمشري في كل حالة.

وعن تفجيرات البيجر، قالت «فايننشال تايمز» إن «حزب الله» لجأ إلى تلك الأجهزة لتجنب المراقبة الإسرائيلية بعد توجيه علني من الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله لعناصر الحزب بالتخلص من هواتفهم الذكية مع تكثيف إسرائيل لهجماتها ضد قادته خلال ما يقرب من عام من الاشتباكات المكثفة.

ويرجع السبب وراء ذلك لأن تلك الأجهزة -على الأقل من الناحية النظرية- أصغر حجماً من الهواتف الذكية، مما يجعل اختراقها أكثر صعوبة لعدم وجود نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) بها ولا ميكروفونات وبالتالي توفر قدراً ضئيلاً للغاية من البيانات التي يمكن أن تستفيد بها الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ولكن يبدو أنهم لم يتوقعوا احتمال أن تنفجر هذه الأجهزة الصغيرة، التي تعمل عادة ببطاريات الليثيوم.

مواطنون يتجمعون أمام مستشفى رفيق الحريري في بيروت حيث نُقل مئات الجرحى نتيجة الخرق الأمني الذي استهدف الأجهزة اللاسلكية لعناصر في «حزب الله» (رويترز)

وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين السابقين إنه مع تحول «حزب الله» عن الهواتف الذكية، فإن الحصول على تكنولوجيا عفا عليها الزمن إلى حد بعيد في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان يتطلب استيراد دفعات كبيرة من الأجهزة إلى لبنان لكن جعلها تعمل بشكل فعال على شبكات الهاتف الجوال القائمة سيكون سهلاً نسبياً. وحتى اليوم، يوجد مستخدمون لأجهزة البيجر مثل الموظفين بالمستشفيات والمطاعم والبريد الذين يحتاجون إلى تلقي رسائل نصية قصيرة، وبينما يمكن اعتراض الرسائل النصية نفسها بسهولة بالغة من قبل المخابرات الإسرائيلية، يمكن إخفاء هدفها الحقيقي باستخدام رموز أو إشارات، مما يجعل جاذبيتها لـ«حزب الله» واضحة، كما قال مسؤول إسرائيلي سابق.

وبما أن عناصر «حزب الله» هم المجموعة الأكثر احتمالاً لاستخدام أجهزة البيجر في لبنان، فقد تكون الجهة المسؤولة عن الهجوم متأكدة نسبياً من هوية الهدف.

وقال المسؤول الإسرائيلي السابق: «إذا كانت الأجهزة جميعها من مورد واحد، فإن هذا يثير احتمال اعتراض الشحنات وإدخال كميات صغيرة من المتفجرات الحديثة».

وذكر مسؤول إسرائيلي ثانٍ أن أحد الاحتمالات هو أن المتفجرات كانت مخبأة داخل البطاريات نفسها، وهي خدعة كانت الاستخبارات الإسرائيلية والغربية تخشى منذ فترة طويلة أن يحاول الإرهابيون تجربتها على متن طائرة ركاب ولهذا السبب تطلب العديد من عمليات التفتيش في المطارات من الركاب تشغيل أجهزة الكومبيوتر المحمولة الخاصة بهم لإظهار شاشاتها وبطارياتها، والتأكد من عدم تغيير حجرة البطارية بالمتفجرات.

وأضاف المسؤول أن تصنيع بطارية ليثيوم تحتوي على متفجرات صغيرة داخلها أمر بسيط نسبياً لكنه قال إن هناك مخاطر مرتبطة بالقيام بذلك على نطاق واسع: «العدو ليس بسيطاً، وبالطبع سوف يتحققون بعناية من أي جهاز قبل السماح له بالاقتراب من عنصر كبير».


مقالات ذات صلة

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

شؤون إقليمية عناصر من «قسد» خلال دورية في الحسكة بعد اندماجهم في صفوف الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تنفي عودة عناصر من «قسد» إليها بعد انتهاء دمجها

نفت تركيا ادعاءات بشأن عودة عناصر أجنبية نشطت ضمن «قسد» إليها بعد إعلان حلها وانتهاء دمجها في مؤسسات الدولة السورية، مجددةً دعمها لدمشق في هذه المرحلة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية على اليمين وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير وعلى اليسار عدد من الأسيرات الفلسطينيات خلال زيارة تمت قبل أسابيع (حساب بن غفير عبر «إنستغرام»)

معتقلات فلسطينيات: نتعرض لظروف احتجاز قاسية... وغفير: فخور بذلك

قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إنه «فخور» بخفض ظروف احتجاز المعتقلات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية عناصر سابقة في «قسد» خلال دورية حراسة في الحسكة بعد انضمامهم إلى الجيش السوري (أ.ب)

تركيا تُرحّب بإعلان انتهاء دمج «قسد»... وتترقب التطبيق العملي

رحّبت تركيا بإعلان اكتمال دمج «قسد» في مؤسسات الدولة، عادةً أنها خطوة نحو تعزيز سلطة الدولة، ومتعهدة باستمرار دعم بناء الجيش السوري.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية قصفت إسرائيل مطار «أبو الظهور» العسكري في شمال غربي سوريا بزعم الاستعداد لنشر قوات تركيا في قاعدة جوية بداخله (رويترز)

براك: إسرائيل سعت لاختبار تركيا بـ«لعبة خطيرة» عبر قصفها مطار «أبو الظهور»

رجّح السفير الأميركي في أنقرة، المبعوث الرئاسي توم برّاك، احتمال أن تكون إسرائيل أرادت اختبار تركيا بالهجوم على مطار أبو الظهور العسكري في سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية قصف إسرائيل مطار أبو الظهور العسكري في شمال غربي سوريا واتهاماتها لتركيا رفعت حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب (رويترز)

حليف لإردوغان يدعو لـ«موقف قوي» من إسرائيل بعد هجوم «أبو الظهور»

تعتقد أنقرة أن استفزازات نتنياهو لتركيا هدفها محاولة اصطناع عدو جديد لإسرائيل لأهداف تتعلق بالانتخابات المقبلة التي لو خسرها فسيحاكم مباشرة بتهم الفساد.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
TT

لبنان: عون يوقّع قانون العفو وسلام يعجّل بنشره

سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)
سجن رومية المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام - أرشيفية)

فتح توقيع الرئيس اللبناني جوزيف عون، قانون العفو العام، الباب أمام بدء تطبيق واحد من أكثر الملفات القانونية والاجتماعية انتظاراً في لبنان، بعدما وجّه رئيس الحكومة نواف سلام بنشره الجمعة، في عدد خاص من الجريدة الرسمية، فيما برز أول اعتراض سياسي بإعلان رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، أن تياره سيتقدم بطعن في القانون.

ويجمع القانون بين العفو عن مجموعة من الجرائم المرتكبة قبل 1 مارس (آذار) 2026، وتخفيض استثنائي لعقوبات أخرى لا يشملها العفو، فيما أبقى خارج نطاقه لائحة واسعة من الجرائم؛ أبرزها القتل والفساد والجرائم المالية والمصرفية والتجسس والاعتداءات الجنسية. وتربط أسبابه الموجبة إقراره بأزمة متراكمة في القضاء والسجون وطول فترات التوقيف الاحتياطي وتأخر المحاكمات.

واتصل سلام بعون مقدراً توقيعه القانون «الذي انتظره اللبنانيون طويلاً»، وأعطى توجيهاته إلى الدوائر المختصة في رئاسة مجلس الوزراء لنشره في عدد خاص من الجريدة الرسمية. ويكتسب النشر أهمية مباشرة، لأن القانون ينص على العمل به فور نشره، ما يسمح ببدء تطبيق أحكامه على الملفات التي تستوفي شروطه.

من يشمل العفو؟

يحمل القانون رقم 70 عنوان «منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي»، ويشمل الفاعلين والشركاء والمتدخلين والمحرضين في الجرائم التي تدخل ضمن نطاقه، على أن يؤدي العفو إلى سقوط الدعوى العامة ومحو العقوبات الأصلية المحكوم بها، فضلاً عن إسقاط الملاحقات والأحكام والقرارات الإدارية المرتبطة بها، مع استثناءات حددها النص، بينها ما يتصل بموظفين في جرائم فساد مالي.

في المقابل، يحدد القانون سلسلة واسعة من الجرائم المستثناة، في مقدمها الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، والقتل العمد أو القصد، وبعض الجرائم المنصوص عليها في قانون الإرهاب وقانون القضاء العسكري.

كما يستبعد جرائم الخيانة والتجسس والاتصال غير المشروع بالعدو، وحالات محددة من جرائم المخدرات، خصوصاً عند التكرار، فضلاً عن جرائم المخدرات التي يرتكبها عسكريون أو عناصر في المؤسسات الأمنية. لكنه يشمل جرائم زراعة المواد المخدرة إذا ارتُكبت قبل صدور القانون.

وتشمل الاستثناءات أيضاً الجرائم الواقعة على المال العام، والتزوير وتقليد النقد، والإفلاس الاحتيالي، والجرائم المرتبطة بقانون النقد والتسليف والأنظمة المصرفية، إضافة إلى الإثراء غير المشروع واختلاس الأموال العامة والتهرب الضريبي وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وعدد من الجرائم المتعلقة بأموال المودعين.

ويبقي القانون خارج العفو كذلك جرائم الاغتصاب وسفاح القربى والاتجار بالبشر والعنف الأسري والاعتداء الجنسي على القاصرين، إلى جانب الجرائم المرتبطة بالتعذيب والمفقودين والمخفيين قسراً، وجرائم الآثار وبعض الجرائم البيئية، فضلاً عن حالات محددة من السرقة عند تكرار الملاحقات أو الأحكام.

صورة جوية لسجن رومية (إكس)

تخفيض العقوبات والتوقيف الطويل

لا يقتصر القانون على إسقاط العقوبات في الجرائم المشمولة بالعفو، بل يقر تخفيضات استثنائية لجرائم بقيت خارجه. وبموجب المادة الثالثة، تستبدل عقوبة الإعدام بالسجن لمدة 28 سنة، وتخفض الأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة، فيما تخفض سائر العقوبات المتبقية بمقدار الثلث.

لكن الاستفادة من التخفيض تخضع لشروط إضافية في عدد من جرائم القتل المقترنة بظروف مشددة، ومنها الحالات المرتبطة باعتداء جنسي أو بالتعذيب أو الخطف أو التشويه، والاغتيالات السياسية. كما يربط القانون الاستفادة من التخفيض في حالات محددة يكون فيها المتضرر قد اتخذ صفة الادعاء الشخصي، بإسقاط الحق الشخصي مع إبقاء حقوق المتضررين المدنية قائمة.

ويعالج النص كذلك ملف الموقوفين احتياطياً؛ إذ يتيح إخلاء سبيل المدعى عليه حكماً في الجرائم المرتكبة قبل 1 مارس 2026 والتي لم يصدر فيها حكم، إذا تجاوز توقيفه سنتين سجنيتين، على أن تستمر محاكمته وفق الأصول.

ويعفي أيضاً المحكومين الذين أمضوا عقوباتهم وبقوا في السجن بسبب عجزهم عن تسديد الغرامات والرسوم، بينما يُسلَّم غير اللبناني المستفيد من القانون بعد خروجه إلى المديرية العامة للأمن العام لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب بحقه. وفي المقابل، يضع القانون ضوابط لحالات التكرار، بحيث يمكن أن يسقط العفو عن المستفيد إذا ارتكب جرماً جديداً وفق الحالات التي حددها النص.

باسيل يعلن الطعن

تزامناً مع الانتقال إلى مرحلة نشر القانون، أعلن باسيل أن «التيار الوطني الحر» سيتجه إلى الطعن به.

وكتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «أما وقد وقّع رئيس الجمهورية على قانون العفو العام... فنحن سنطعن به، حمايةً للعدالة، واحتراماً للشهداء، وتصدياً لجريمة... ولكي يبقى في هذا الوطن من يجرؤ أن يقول (لا) حفظاً لكرامة وبقيةً لعنفوان وتحيةً لجيش».

وبذلك ينتقل الاعتراض على القانون إلى مسار جديد بالتوازي مع بدء تطبيقه، بعدما ظل العفو العام لسنوات موضع خلاف حول الفئات التي ينبغي أن تستفيد منه والجرائم الواجب إبقاؤها خارجه.

لقطة من فيديو لسجناء في «رومية» أثناء أعمال الشغب (الشرق الأوسط)

تراكم قضائي وأزمة سجون

تضع الأسباب الموجبة للقانون أزمات القضاء والسجون في صلب المبررات التي دفعت إلى إقراره، مشيرة إلى ظروف سياسية ودستورية استثنائية مرت بها البلاد، من تأخر تشكيل الحكومات والشغور الرئاسي وتعثر عمل مؤسسات الدولة، بالتوازي مع إضرابات واعتكافات في الجسم القضائي وتأخر التعيينات، ما انعكس على انتظام المحاكم وسرعة الفصل في الدعاوى.

وترى الأسباب الموجبة أن تراكم هذه العوامل، إلى جانب الأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، أدى إلى إطالة أمد المحاكمات والتوقيف الاحتياطي، بما قد يحول الأخير عملياً إلى عقوبة تسبق صدور الحكم، ويطرح إشكاليات مرتبطة بقرينة البراءة والحق في الحرية.

كما تربط القانون بالاكتظاظ وظروف السجون وأماكن التوقيف، وتقدمه بوصفه «تدبيراً استثنائياً ومؤقتاً» يهدف إلى معالجة جانب من التراكم القائم وتخفيف الضغط على السجون، من دون أن يشكل بديلاً من إصلاح القضاء والمنظومة السجنية. وتدعو الأسباب الموجبة إلى تفعيل المحاكم وإصلاح أماكن التوقيف وإعادة تأهيلها وفق معايير قانونية وإنسانية وضمن خطة زمنية محددة.


من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

من تحرير الجنوب إلى منع الوصول لبيروت... «حزب الله» يبحث عن انتصار بديل

عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
عناصر من كشافة «المهدي» يحملون نعوش قياديّ بـ«حزب الله» وعائلته خلال تشييعهم بالضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان وتدمير قرى بأكملها، تطرح مواقف مسؤولي «حزب الله» الأخيرة علامة استفهام حول تبدّل أولوياته. فـ«المقاومة» التي لطالما قدّمت نفسها على أنها قوة لتحرير الأرض ومواجهة الاحتلال، باتت تتحدث أكثر عن «المواجهة الدفاعية» وعن منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت بعدما سقطت «الخطوط الحمر» تباعاً وهي التي كنت قد تحولت إلى عناوين أساسية للمعركة على غرار «بنت جبيل» والخيام» و«قلعة الشقيف» وآخرها «علي الطاهر» التي رفض تسليمها للجيش اللبناني قبل أن تسقط بدورها ويعلن الجيش الإسرائيلي مساء الخميس عن تحقيق «سيطرة عملياتية» على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها.

الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم متحدثاً عبر الشاشة في وقت سابق (متداولة)

وتحدث أمين عام «حزب الله»، نعيم قاسم، مرات عدة عن أن الحزب «منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت وتجريدنا من السلاح»، بعدما باتت إسرائيل تسيطر على أجزاء واسعة من الجنوب، ودمرت أجزاء أخرى، بينما لم يقم «حزب الله» بأي رد على كل الاعتداءات الإسرائيلية منذ «اتفاق الإطار» مع تأكيد المسؤولين في إسرائيل أن بقاء قواتها في الجنوب يرتبط بنزع سلاح «حزب الله»، وهي المعادلة التي يرفضها الأخير.

بحثاً عن انتصار بعد الهزيمة

أمام الواقع المأزوم لـ«حزب الله»، ترى مصادر وزارية أن مسؤولي الحزب يبحثون اليوم عن «انتصار في مكان ما»، أمام بيئتهم التي تعاني من تداعيات «حروب الإسناد». وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «الخطاب الذي يقدمه الحزب في هذه المرحلة مرة عبر الحديث عن بيروت ومرة عبر وضع (علي الطاهر) خطاً أحمر، موجه إلى جمهوره وبيئته الحاضنة، في محاولة لإقناعها بأن ما حصل لم يكن هزيمة، رغم حجم الخسائر والدمار الذي أصابها».

ولا تختلف مقاربة الباحث والكاتب في شؤون الأمن والدفاع الدكتور رياض قهوجي، بحيث يرى أن «حزب الله» يبدّل السردية وفق الوضع الذي يكون فيه وهو اليوم في مرحلة تبرير الهزيمة. فكل ما كان الحزب يتحدث عنه قبل الحرب عن الردع، والقدرة على تدمير تل أبيب، ومعادلة «حيفا مقابل الضاحية»، أثبت فشله.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» وكان قاسم يتحدث أيضاً عن الالتحام مع القوات الإسرائيلية، ويهدد بأنهم لن يجرأوا على خوض معركة برية أو الدخول إلى ميدان المواجهة، بينما كانت النتائج الميدانية خسارة أكثر من 50 قرية، ووصوله إلى شمال الليطاني ومشارف النبطية وتلة علي الطاهر.

تفجير إسرائيلي في بلدة أرنون بالقرب من تلة علي الطاهر بجنوب لبنان الاثنين (د.ب.أ)

في موقع الدفاع رغم الاحتلال

من هنا يرى قهوجي أن «حزب الله» يحتاج اليوم إلى سردية جديدة «لتسويقها أمام قاعدته الشعبية»، تقوم على القول إنه منع إسرائيل من الوصول إلى بيروت، وإنه بات في موقع الدفاع، بعدما لم يعد قادراً على تحرير الأراضي، وبالتالي يصبح الحديث عن الدفاع ومنع التقدم الإسرائيلي بديلاً عن الحديث عن التحرير. ويشير قهوجي إلى أن الحزب لم يعد يتحدث عن معظم السرديات التي كان يطرحها قبل الحرب، وهو يأمل أن تتعامل بيئته مع الواقع القائم اليوم، وتقتنع بـ«الإنجاز» الذي يحاول تقديمه لها. ​

تحوّل يعكس حجم المأزق

في المقابل، يقارب أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية الدكتور عماد سلامة التبدل في مواقف «حزب الله» من وجهة نظر أخرى، وهي «أن مسؤوليه يحاولون إعادة صياغة دوره وسلاحه باعتبارهما دفاعاً عن لبنان كله، وليس فقط عن الجنوب أو البيئة الشيعية»، ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «القول إن إسرائيل كانت ستصل إلى بيروت يهدف لمخاطبة مختلف الطوائف اللبنانية وإقناعها بأن سلاح الحزب يشكل مظلة حماية وطنية، وبالتالي فإن المطالبة بنزعه تمس، وفق هذه الرواية، أمن جميع اللبنانيين».

لكن في الوقت عينه، يرى سلامة «أن هذه اللهجة تعكس أيضاً حجم الضغط الذي يواجهه الحزب الآن. فهو يحاول الضغط على الحكومة للتراجع عن مطالبتها بحصرية السلاح، ورفض أي صيغة تؤدي إلى انسحابه العسكري من الجنوب أو من مناطق مثل علي الطاهر. والمفارقة أن استمرار الوجود المسلح للحزب خارج سلطة الدولة يوفر لإسرائيل الذريعة التي تستخدمها لتبرير استمرار عملياتها ووجودها العسكري، بينما يفترض أن تكون الأولوية اللبنانية إزالة هذه الذرائع ودفع إسرائيل إلى الانسحاب». ​

لبنانية تتفقد منزلها في بلدة عربصاليم بعد تعرضه لقصف إسرائيلي الخميس الماضي (أ.ب)

لذلك، فإن رفض الحزب المسبق لأي ترتيبات تتطلب انسحابه أو تسليم سلاحه لا ينفصل عن مسار المفاوضات الجارية، حسب ما يؤكد سلامة، موضحاً: «الحزب يسعى عملياً إلى إسقاط أي تفاوض يقوم على استعادة الدولة لسلطتها الأمنية الكاملة في الجنوب، وهذا يضعف موقف الحكومة ويقيد قدرتها على المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي».


الصليب الأحمر يعلن نقل أربعة أشخاص إلى لبنان أفرجت عنهم إسرائيل

علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
TT

الصليب الأحمر يعلن نقل أربعة أشخاص إلى لبنان أفرجت عنهم إسرائيل

علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)
علم إسرائيلي مرسوم على جدار بجوار مبنى مدمر في قرية لبنانية على الحدود (أ.ف.ب)

أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الجمعة أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني.

وقالت المنظمة الدولية في بيان: «بناء على طلب الأطراف المعنيين، سهلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقل خمسة أشخاص أفرج عنهم إلى لبنان»، موضحة أنه «تم نقل شخص واحد الخميس وأربعة آخرين الجمعة».

وطالبت الحكومة اللبنانية إسرائيل خلال جولة التفاوض الأخيرة التي جرت بين الطرفين في روما برعاية أميركية في أغسطس (آب)، بإطلاق دفعة أولى من هؤلاء الأسرى، وفق ما أفاد مصدر لبناني رسمي حينها «وكالة الصحافة الفرنسية».

جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل بجنوب لبنان (يونيفيل)

وتسلّم الجيش اللبناني عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أحد هؤلاء الخمسة بعد ظهر الخميس، حسب ما أفاد مصدر عسكري لبناني. وأوضح أن الصليب الأحمر نقل المفرج عنه عبر معبر الناقورة الحدودي في جنوب لبنان. تزامناً، أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «تقرر الإفراج عن خمسة مدنيين لبنانيين أوقفوا في مناطق خاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان».

وأوضح في بيان أنه «بعد الانتهاء من استجوابهم، تبيّن أنهم مدنيون ليسوا أعضاء في أي منظمة إرهابية، ولم يشاركوا في أعمال إرهابية، ولا يوجد سبب لمواصلة احتجازهم في إسرائيل». وفي وقت لاحق، أفاد مصدر رسمي لبناني بإرجاء عملية الإفراج عن المدنيين الأربعة الآخرين، وهم لبنانيان وسوريان، إلى الجمعة.

وأوضح أن إطلاق سراحهم يأتي تمهيداً لاستكمال مفاوضات روما التي لم يتم بعد تحديد موعد لجولتها المقبلة. وربط مكتب نتنياهو الإفراج عن المدنيين الخمسة «بجهود مكثفة» بذلها كل من لبنان وإسرائيل، عقب جولة محادثات روما، لتحديد مكان دفن شخصيات يهودية لبنانية، خطفوا وقتلوا في لبنان في منتصف الثمانينات، إبّان الحرب الأهلية (1975-1990).