الحب والجمال والحزن... تحت مظلة الشعر

محمد السيد إسماعيل في ديوانه «يد بيضاء في آخر الوقت»

الحب والجمال والحزن... تحت مظلة الشعر
TT

الحب والجمال والحزن... تحت مظلة الشعر

الحب والجمال والحزن... تحت مظلة الشعر

تشكل مفارقات الحزن والجمال، الغيب والرؤية، الثورة والوطن، مرتكزاً فنياً في ديوان «يد بيضاء في آخر الوقت» للشاعر والناقد الأدبي محمد السيد إسماعيل، ولا تأتي هذه المفارقات في إطار فكرة محددة، إنما تتوالد من نسيج حالة شعرية مفتوحة على تداعيات الواقع والحياة، فيما تشكل اليد البيضاء محوراً للرؤية، حيث تتناثر رمزيتها وتتنوع دلالاتها في معظم القصائد، فتارة هي اليد البيضاء التي لم يمسسها سوء، حسب الميثولوجي الديني، وتارة هي اليد التي تربِّت على الحديقة: «الحديقة الصغيرة التي تشبه سرَّاً مطارداً»، كما أنها المذنبة الشريرة، وهي اليد الخاطفة للذات بنعومتها الطافرة في الجمال، التي تنعكس عليها همومها الشاعرة، بخاصة في النظر إلى الأنثى عاطفياً، ثم هي اليد المنقذة التي تنتشل الذات في اللحظة الأخيرة، «في آخر الوقت» من الغرق في الحزن والسأم والضجر، إنها رمز للنقاء والخلاص في عالم أصبح موحشاً ومشوهاً وكارثياً.

في النص الأول الذي وسم عنوان هذا الديوان الصادر عن «دار أروقة» بالقاهرة في 80 صفحة، تومض ماهية هذه اليد من خلال علاقتها بنثريات الحياة والوجود؛ بالهواء والوقت والضوء والبحر، ويتنقل النص بسلاسة لغوية ما بين المشهد وخلفيته، في مونولوج داخلي حار، يصنع خيطاً شفيفاً من الذبذبة البصرية الموحية على العين، كأنها تشاهد لوحة فاتنة الجمال، تشكل خلاصة كينونة الأنثى المشتهاة... يعزز ذلك أن الشاعر يستهل النص بتساؤل حائر موجهاً الخطاب إلى الأنثى قائلاً:

«كيف تمشين على الأرض

هكذا

كأنها محرابك الأخير؟

لا أودُّ الإجابة

بل أودُّ المزيد من الوقت

كي أتأمل أناملك الرهيفة

وهي تدفع الهواء - بهدوئها المعتاد - إلى البحر

لا أريد الرؤية

بل أودُّ المشاهدة الأولى

المشاهدات التي تتيح لي حساب مساحات الضوء

التي تشكل خلفية المشهد

وأنت تقفين أو تحلقين - لا فرق - في منتصف المسافة،

لا أتحدث عن اقترابها الحميم من السِّر

لا أتحدث عن خروجها من سيرة الوقت

بيضاءَ من غير سوء

بل أتحدث عنها:

اليد ذو الأصابع الجميلة والخاتم الفضي

لا لأنها تختصر المسافة بين باريس والقاهرة

أو لأنها تبحث - ببراعة - عن شرعية الحياة ومصائر الخلق

بل لأنها تحترف - دونما قصد - تدريب العين على رؤية الجمال»

عبر هذه اليد البيضاء لا يقترن الحلم بالمرأة فحسب، إنما يقترن في الوقت نفسه بالسؤال عن معنى الحياة والجمال، وهو سؤال يتواتر في معظم القصائد بتراوحات مختلفة، فهو ابن اليقين والشك معاً، ابن الحيرة والطمأنينة، لكنه مع ذلك يمتلك القدرة على العبور والتحليق فيما وراء الأشياء والعناصر، بحثاً عن حقيقة بسيطة لكنها مغوية في بساطتها، تظل قابلة للتكشف، والتعبير عن نفسها بشكل جديد ومفاجئ.

يساعد على هذا براح قصيدة النثر والخروج من أسر المضمون الجاهز والمعيار الضيق للشعر، حيث يتراءى هذا الحلم، في كثير من نصوص الديوان، كرحلة في الزمن دائمة التساؤل عن كُنه الأشياء والوجود، عن البدايات والنهايات، عن الوقت، والمسافة الرخوة بين الكلام والصوت... وسط كل هذا ثمة نزوع للتمرد يبدو كملاذ أخير للذات، تتأمله، ليس كمحض رغبة في التجاوز والتخطي، إنما كسلاح لفكك شفرة الوجود والخلاص بالشعر من تطوحات الرؤى وشرنقة الظنون.

يبلور الشاعر هذا المعنى في الجزء الأخير من نص بعنوان «في منتصف الليل»، يشكل ثنائية شعرية مع نص تال له بعنون «هكذا بعد منتصف الليل» يجمعهما قاسم مشترك هو البحث عن الأنثى المشتهاة ويدها البيضاء الساحرة الشاردة، يقول:

«أودُّ الآن أن أخرج من الإيقاع

أن أفك شفرته

أن أتخفف قليلاً من كونشرتو نقابة الممثلين

وهي تغسل قدميها قريباً من قاع النهر

أو تصطاد سمك القيلولة

فساعديني إذن

أن أرى عينيك دائماً

لعلني أكتشف كيف يصبح الحزن - دون معجزة كبيرة - المدخل

الحديث للجمال

وكيف يصبح الجمال الهدية الأخيرة التي وهبها الله للحياة

الهدية الأخيرة التي اكتشفت أنني أسير نحوها

طوال هذه السنين».

لا يبحث النص عن الجمال بقوة الأنثى، إنما بقوة الرغبة في الخروج عن الإيقاع، إيقاع الحياة الرتيبة المملة، التي تعيد استنساخ نفسها في أدوار ومشاهد مكرورة، لذلك يريد أن يرى حبيبته في مشهد آخر وهي تتطهر من كل هذا المسخ، تشي بذلك رمزية غسل القدمين في النهر، وصيد السمك، في لمحة لا تخلو من رذاذ طقسي، ومن ثم يبرز السعي إلى اكتشاف الجمال في بساطته وتلقائيته دون معجزة كبيرة كما يقول النص.

بهذه الروح ابنة الفطرة يضع الشاعر حياته وشعره وحبيبته دائماً على مشارف يقين ما، يقف خلفه كطفل يراقب الأشياء في سطوعها وخفوتها، في نأيها وقربها، وكأنها ظل يبحث عن نقطة ثبات في مرآة رحلة مراوغة. يطالعنا ذلك في نص بعنوان «خلف ذلك اليقين» تعلو فيه نبرة الرجاء وتكتسي بمسحة صوفية، والرغبة في إعادة اختبار الأشياء من نقطة الوجد بالحبيبة ومكاشفتها، وهي نقطة تتأرجح دائماً ما بين الثقل والخفة، فالذات الشعرية لا تمتلك اليقين، ولا تدعيه، إنما تكتفي بالوقوف خلفه كعتبة أبعد للحلم والرؤية.

«دعينا إذن نختبر ما سوف يحدث

كأن أمضي - مثلاً بلا إرادة ـ خلف ذلك اليقين

وأنا ممسك بأثوابه الصافية

وبعد أن نصل إلى منتصف الطريق

أقول له كعاشق لا يرى عتبة البيت:

لقد اقتربنا

اقتربنا كثيراً

أليس كذلك؟

فيرد بلا اكتراث:

استفت قلبك أنت

واستشعر النور القريب».

من السمات اللغوية اللافتة في الديوان استخدام أدوات التشبيه بشكل مغاير أسلوبياً ومجازياً أحياناً، على نحو مباشر، من قبيل «مثل صخرة كبيرة»، «مثل شاعر قديم»، «مثل نقطة سوداء»، وأحياناً على نحو غير مباشر من قبيل «هكذا في طريق عام»، «هكذا بعد منتصف الليل». اللافت أيضاً أن هذه السمة الأسلوبية لا تركز على استجلاء طبيعة العلاقة النمطية بين المشبه والمشبه به في هذه النصوص، بقدر ما توفر فضاءً خاصاً لحضور الذات الشاعرة بتمثلاتها اللاعجة المتأرجحة دائماً ما بين المرئي واللامرئي، ما بين المشهد في عيانه المادي المباشر، وما يضمره في الظلال الرمادية الداكنة التي تكمن في الخلف:

«أنا رجل سيئ الحظ

أجيء - دائماً - بعد فوات الوقت

بعد أن تكون الوردة قد مضت لمصبها الأخير

فأقف متحسراً

تعتصرني اللوعة

وأنا أتذكر كيف مضت الساعات كلها

دون أن تمر بهجة واحدة

لا يهمني الآن اسم الوردة

ولا عبيرها الذي اختفى بين أصابعي

يهمني فقط أن أقف على أطلالها

مثل شاعر قديم»

لا يخلو النص من نبرة تشي بالسخرية من الذات نفسها، ومن العالم الكائن حولها، لكنها مع ذلك تدرك أن الأسماء دون فعل تظل محض صورة ذابلة بلا معنى، فاقدة لدبيب الحياة في شرايينها، مهما اشتدت نوازع الحنين إلى هذه الصورة... «الحنين إلى شجرة/ لا يعني - فقط - الحنين إلى ظلها الذي افتقدناه منذ سنوات بعيدة/ لا يعني أننا نحلم بالحب/ فكل شيء يذهب ويأتي في غفلة منا». إنها إذن شعرية الفكرة التي ينميها الديوان ويوظفها كنافذة حية ومتجددة في النظر إلى الواقع والحياة، وأصدقاء شكلوا رافداً حياً في تجربة الشاعر. إنها الصورة الحية التي لن تذبل في طوايا الروح والجسد، مثل صورة الميدان، مفجر الغضب، في إشارة لثورة 25 يناير2011:

«سأتوقف كثيراً أمام هذا الميدان

مستعيداً ما رأيته على مدى ثمانية عشر يوماً

حين توحدت كل هذه الأجساد

كي تتحول - بلحظة واحدة - إلى كائن لم نره من قبل

رغم أنه كان يسير أمامنا كل يوم

باحثاً عن طعام أبنائه

تقدح الشمس جبينه

ويلسع الشتاء ظهره العاري».

في الختام، هذا ديوان مهم في سياق الشعرية الجديدة، ومن المؤسف حقاً أنه لم يلق الاهتمام اللائق به، رغم أن صاحبه يتابع بدأب أكاديمي وبصيرة نقدية كاشفة معظم التجارب الشعرية وغيرها التي تصب في هذا المجرى.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.