موازنة «العجز الصفري» تُشعل مواجهة جديدة بين الرئيس الأرجنتيني والمشرعين

الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي يُلقي كلمة أمام الكونغرس في أثناء تقديمه موازنة عام 2025 (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي يُلقي كلمة أمام الكونغرس في أثناء تقديمه موازنة عام 2025 (أ.ب)
TT

موازنة «العجز الصفري» تُشعل مواجهة جديدة بين الرئيس الأرجنتيني والمشرعين

الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي يُلقي كلمة أمام الكونغرس في أثناء تقديمه موازنة عام 2025 (أ.ب)
الرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي يُلقي كلمة أمام الكونغرس في أثناء تقديمه موازنة عام 2025 (أ.ب)

قدم الرئيس الليبرالي الأرجنتيني خافيير مايلي، موازنته لعام 2025 إلى الكونغرس في وقت متأخر من يوم الأحد، حيث حدد أولويات السياسة التي تعكس تعهده الرئيسي بالقضاء على العجز المالي المزمن في البلاد، مما يشير إلى مرحلة جديدة من المواجهة مع المشرعين.

وفي خطوة غير مسبوقة، قدم مايلي بنفسه الموازنة إلى الكونغرس بدلاً من وزير اقتصاده، مهاجماً تاريخ الأرجنتين في سوء الإدارة الاقتصادية الكلية، ووعد باستخدام حق النقض ضد أي شيء من شأنه أن يهدد سياسته التقشفية الصارمة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

جاءت مقترحات الرئيس مايلي بشأن الموازنة بعد أسبوع من الصدامات السياسية في الهيئة التشريعية، حيث يسيطر مايلي على أقل من 15 في المائة من المقاعد، بشأن زيادات الإنفاق التي حذرت الإدارة من أنها قد تعرقل موازنة «العجز الصفري» المدعومة من صندوق النقد الدولي.

وتسعى أحزاب المعارضة إلى تمرير قوانين لزيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية مع التضخم لمساعدة الأرجنتينيين المتضررين بشدة على التعامل مع التقشف الوحشي.

وقال مايلي أمام المشرعين، في مواجهة مجموعة من المقاعد الفارغة بسبب غياب معظم كتلة البيرونيين المعارضة المتشددة (الاتحاد من أجل الوطن)، عن خطابه: «حجر الزاوية في هذه الموازنة هو الحقيقة الاقتصادية الكلية الأولى، التي أُهملت لسنوات عديدة في الأرجنتين: حقيقة العجز الصفري». وأضاف: «إن إدارة الأمور تعني تنظيف الموازنة العمومية، وتعطيل قنبلة الديون التي ورثناها».

وسيتعين على الكونغرس الذي تهيمن عليه المعارضة والذي يشرف على موازنة الحكومة، الموافقة على الموازنة النهائية.

كما أن العزلة السياسية التي يعاني منها مايلي تجعل الأمور معقدة، مما يؤدي إلى أسابيع من المفاوضات مع المعارضين السياسيين الذين يصرون على تقديم التنازلات.

وقال الخبير الاقتصادي الأرجنتيني أغوستين ألمادا: «الموازنة عبارة عن إعلان مبادئ. وحتى لو لم تقدم المعارضة أي تنازلات، فإن مايلي سيواصل السعي إلى تحقيق هذا الانكماش المالي».

وفي حالة فشل الفيتو في منع المشرعين الأقوياء من الإنفاق، فقد وعد مايلي بإيجاد طرق أخرى لخفض الإنفاق الحكومي.

وقال مايلي: «لن نناقش زيادة الإنفاق إلا إذا اتضح لنا ما سنقوم بخفضه للتعويض عنه».

وخلال الأشهر التسعة الماضية من ولايته، أدت تخفيضات الإنفاق الشاملة التي أجراها مايلي -والتي يقول إنها ضرورية لاستعادة ثقة السوق في بلد يعاني من أحد أعلى معدلات التضخم السنوية في العالم- إلى تحقيق فائض مالي (0.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، وهو ما لم يُرَ منذ ما يقرب من عقدين.

وتسببت سياسة التقشف في معاناة اقتصادية عميقة في الأرجنتين، حيث يعيش نحو 60 في المائة من الأرجنتينيين الآن في فقر، مقابل 44 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وفقاً للجامعة الكاثوليكية.

ونجح مايلي إلى حد كبير في تحقيق التوازن في الموازنة من خلال تقليص التحويلات المالية إلى المقاطعات، وإلغاء دعم الطاقة والنقل، والحفاظ على الأجور والمعاشات التقاعدية ثابتة على الرغم من التضخم.

ووصلت معركة المعاشات التقاعدية إلى ذروتها الأسبوع الماضي، عندما هزم مايلي وحلفاؤه مشروع قانون كان من شأنه أن يعزز الإنفاق على الضمان الاجتماعي في الأرجنتين، مما يعرض الانضباط المالي للإدارة للخطر.

وكان مشروع القانون قد تم تمريره في مجلسي الكونغرس الشهر الماضي، لكنَّ أحزاب المعارضة فشلت في نهاية المطاف في تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز حق النقض الذي يتمتع به الرئيس بعد أن أدى الضغط الحكومي إلى تآكل الدعم لهذا الإجراء.

وعند إعلان خبر رفض المشروع يوم الخميس، نزل المتقاعدون الغاضبون -الذين فقدوا نحو نصف قوتهم الشرائية بسبب التضخم- إلى شوارع بوينس آيرس، حيث واجهوا الشرطة القمعية التي استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه.

وحذر مايلي من أن علاج التقشف المالي لن يكون سهلاً. لكن إدارته تأمل أن يكون الأسوأ قد انتهى. ورغم أن معدل التضخم السنوي في الأرجنتين يبلغ نحو 237 في المائة، فقد حافظ مايلي على دعمه الشعبي من خلال العمل على كبح جماح التضخم الشهري، الذي انخفض إلى 4 في المائة منذ بلغ ذروته عند 26 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عندما تولى منصبه.

وفي بيان موازنة متفائل صدر يوم الأحد، قالت وزارة المالية إن اقتراح مايلي من المتوقع أن يؤدي إلى معدل تضخم سنوي يبلغ 18 في المائة فقط بحلول نهاية عام 2025 وتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 5 في المائة.

وانكمش اقتصاد الأرجنتين بأكثر من 3 في المائة في النصف الأول من عام 2024، لكن مستقبل مايلي يعتمد إلى حد كبير على الكونغرس.

ولكن انتصار الحكومة في الأسبوع الماضي بشأن قانون التقاعد لم يدم طويلاً، إذ أقر المشرعون في مجلس النواب أيضاً مشروع قانون لزيادة الإنفاق على الجامعات العامة. وتعهد مايلي باستخدام حق النقض ضد مشروع القانون هذا.

ووجه الكونغرس ضربة أخرى لمايلي الأسبوع الماضي عندما رفض خطته لزيادة الإنفاق على أجهزة الاستخبارات بما يزيد على 100 مليون دولار. وعلى الرغم من كل التخفيضات في الإنفاق، فقد تعهّد مايلي بزيادة الإنفاق الدفاعي من 0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 2.1 في المائة، مما أثار غضب بعض المشرعين لأن تخفيضاته في الصحة والتعليم أثرت على الجمهور بشدة.

وعلى الرغم من اعتراف مايلي مراراً وتكراراً بحصوله على تشريعاته من خلال الكونغرس، فإنه استخدم لهجة صارمة في خطاب يوم الأحد، واصفاً المشرعين بـ«الفئران البائسة التي تراهن ضد البلاد».

وحذر بعض المحللين من أن الرسائل السياسية التي يبثها مايلي قد تثير المتاعب.

وقال مدير الأميركتين في شركة الاستشارات الجيوسياسية «هورايزون إنغيج» ومقرها نيويورك، مارسيلو جيه غارسيا: «إن صورة قاعة مجلس النواب شبه الفارغة في أثناء خطاب الرئيس هي علامة على أنه لن يكون من السهل على الحكومة تمرير هذه الموازنة. مرة أخرى، يبدو أن مايلي يعطي الأولوية للمواجهة على التسوية».


مقالات ذات صلة

بيانات الاقتراض تمنح وزيرة المالية البريطانية دفعة إيجابية في بداية العام

الاقتصاد راشيل ريفز تحضر جلسة خلال الاجتماع السنوي الـ56 للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

بيانات الاقتراض تمنح وزيرة المالية البريطانية دفعة إيجابية في بداية العام

أظهرت بيانات جديدة، يوم الخميس، أن الحكومة البريطانية اقترضت أقل من المتوقع في ديسمبر (كانون الأول)، بدعم من نمو قوي في الإيرادات الضريبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد الجدعان من «دافوس»: الانضباط المالي سر ترقياتنا الائتمانية

الجدعان من «دافوس»: الانضباط المالي سر ترقياتنا الائتمانية

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الانضباط المالي هو السر وراء الترقيات الائتمانية المتتالية التي حصلت عليها المملكة.

«الشرق الأوسط» (دافوس (سويسرا))
الاقتصاد أشخاص يسيرون بالقرب من مبنى «بنك إنجلترا» (رويترز)

سوق العمل البريطانية تفقد زخمها قبيل إعلان موازنة نوفمبر

واصلت سوق العمل البريطانية فقدان زخمها قبيل إعلان وزيرة المالية راشيل ريفز موازنة نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق بيانات رسمية صدرت يوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال مراسم تسلم منصبه في باريس - 10 سبتمبر 2025 (رويترز)

فرنسا تؤجل مناقشة موازنة 2026 ورئيس الوزراء قد يلجأ إلى تمريرها استثنائياً

قررت الحكومة الفرنسية تعليق محادثاتها في البرلمان حول موازنة عام 2026 حتى يوم الثلاثاء، بعد فشل النواب في التوصل إلى تسوية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال مؤتمر صحافي في بروكسل الأربعاء (رويترز)

المفوضية الأوروبية تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الأربعاء، عن تفاصيل دعم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا بـ90 مليار يورو على مدار العامين المقبلين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

«معادن» السعودية تبدأ طرح صكوك مقوّمة بالدولار

أحد المصانع التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)
أحد المصانع التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

«معادن» السعودية تبدأ طرح صكوك مقوّمة بالدولار

أحد المصانع التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)
أحد المصانع التابعة لشركة «معادن» في السعودية (الشرق الأوسط)

بدأت شركة التعدين العربية السعودية «معادن»، طرح صكوك مقومة بالدولار، بموجب برنامجها الدولي لإصدار الصكوك، الذي تم تأسيسه في 4 فبراير (شباط) من العام الماضي.

ووفق بيان رسمي للشركة على السوق المالية السعودية (تداول)، صباح الخميس، فإن طرح الصكوك سيتم من خلال شركة ذات غرض خاص، وسيقتصر على المستثمرين المؤهلين داخل السعودية وخارجها.

وذكرت «معادن» أن الاكتتاب في الصكوك يبدأ اعتباراً من الخميس 22 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، ويستمر حتى 29 من الشهر نفسه.

وأفادت بأن الحد الأدنى للاكتتاب يبلغ 200 ألف دولار، وبزيادات قدرها ألف دولار، مع تحديد القيمة الاسمية للصك عند 200 ألف دولار.

الشركة أوضحت أنه سيتم تحديد سعر الطرح، والعائد، وتاريخ الاستحقاق وفقاً لظروف السوق.

وأضافت الشركة أن الهدف من الطرح هو تلبية أغراض الشركة العامة.

وعلى هذا الأساس، عيّنت الشركة عدداً من المؤسسات المالية المحلية والعالمية مديرين رئيسيين، من بينها: «البلاد للاستثمار»، و«الجزيرة للأسواق المالية»، و«الأهلي المالية»، إلى جانب مؤسسات دولية تشمل «سيتي غروب»، و«غولدمان ساكس»، و«جي بي مورغان»، و«إتش إس بي سي»، و«بنك أوف تشاينا» فرع هونغ كونغ، و«ميرل لينش الدولي»، و«ناتيكسيس»، و«ميزوهو إنترناشيونال»، و«بي إن بي باريبا»، و«المؤسسة العربية المصرفية»، و«بيت التمويل الكويتي كابيتال».

وستخضع الصكوك لخيارات استرداد في حالات معينة وفقاً لما هو مفصل في مستند الطرح، مشددة على أن هذا الإعلان لا يُعد دعوة أو عرضاً لشراء أو تملك أو الاكتتاب في أي أوراق مالية.

وأضافت «معادن» أنها ستقوم بالإعلان عن أي تطورات جوهرية متعلقة بالإصدار في حينها؛ وذلك التزاماً بالأنظمة واللوائح ذات العلاقة.


أسواق الصين تتراجع بدفع من انحسار المخاوف الجيوسياسية العالمية

أوراق نقدية من فئة 100 يوان صيني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 يوان صيني (رويترز)
TT

أسواق الصين تتراجع بدفع من انحسار المخاوف الجيوسياسية العالمية

أوراق نقدية من فئة 100 يوان صيني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 يوان صيني (رويترز)

تراجعت أسهم الصين وهونغ كونغ، الخميس، متخليةً عن مكاسبها السابقة، متأثرةً بأسهم المعادن غير الحديدية بعد انخفاض أسعار الذهب وسط انحسار التوترات الجيوسياسية؛ وذلك بعد تراجع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن تهديداته بفرض تعريفات جمركية جديدة.

ومساء الأربعاء، تراجع ترمب فجأةً عن تهديداته بفرض تعريفات جمركية وسيلةً للضغط للاستيلاء على غرينلاند، واستبعد استخدام القوة، ولمح إلى قرب التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع بشأن الإقليم الدنماركي، الذي كان يُنذر بأعمق شرخ في العلاقات عبر الأطلسي منذ عقود.

وفي الصين، انخفض مؤشر «شنغهاي المركب» القياسي بنسبة 0.15 في المائة عند استراحة منتصف النهار، بينما خسر مؤشر «سي إس آي300» للأسهم القيادية 0.46 في المائة. وتصدرت أسهم المعادن غير الحديدية قائمة الخاسرين، حيث انخفض مؤشرها الفرعي بنسبة 1.48 في المائة عند منتصف النهار. وانخفض سعر الذهب الفوري بنحو 0.8 في المائة بعد أن سجل مستوى قياسياً بلغ 4.887.82 دولار في الجلسة السابقة.

وشهدت أسهم أشباه الموصلات تقلبات حادة، حيث ارتفع مؤشرها الفرعي بنسبة 2.5 في المائة مسجلاً مستوى قياسياً، قبل أن ينهي تعاملات الصباح بانخفاض قدره 1.26 في المائة.

وصرح ويليام براتون، رئيس قسم أبحاث الأسهم النقدية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «بي إن بي باريبا إكسان»، بأنه على الرغم من استمرار نظرتهم الإيجابية العامة تجاه الأسهم الصينية في عام 2026، فإنهم يفضلون «قطاعات المواد والصناعات والتكنولوجيا وفروعها على نظيراتها الموجهة للمستهلكين؛ وهو تفضيل ينعكس في اتجاهات الأرباح والبيانات الاقتصادية الأخيرة».

وجاءت خسائر الأسواق الصينية أيضاً بعد أن اتخذت بورصتا «شنغهاي» و«شنتشن» إجراءات تنظيمية خلال الأسبوع الماضي ضد مئات الممارسات التجارية غير الطبيعية، مثل التلاعب بالأسعار والأوامر الوهمية. كما فتحت البورصتان تحقيقات مع كثير من الشركات المدرجة بتهمة تقديم بيانات مضللة. وتعكس هذه الإجراءات نية الجهات التنظيمية إبطاء وتيرة مكاسب السوق.

وذكرت مصادر لوكالة «رويترز» أن بريطانيا والصين ستسعيان إلى إحياء «حوار الأعمال - العصر الذهبي» خلال زيارة رئيس الوزراء، كير ستارمر، بكين الأسبوع المقبل، حيث دُعي كبار المسؤولين التنفيذيين من كلا الجانبين للمشاركة.

وفي هونغ كونغ، انخفض مؤشر «هانغ سينغ» القياسي بنسبة 0.1 في المائة، بينما تراجعت أسهم شركات التكنولوجيا في المدينة بنسبة 0.41 في المائة.

اليوان يستقر

من جانبه، ارتفع اليوان الصيني مقابل الدولار الأميركي، الخميس، بعد أن خفف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من لهجته بشأن غرينلاند، في حين استمرت تسويات الصرف الأجنبي من المصدرين في دعم قوة العملة.

وبلغ اليوان أعلى مستوى له عند 6.9615 مقابل الدولار في التعاملات المبكرة، قبل أن يرتفع بنسبة 0.02 في المائة عند الساعة الـ02:54 بتوقيت «غرينيتش». وبلغ سعر صرف اليوان في السوق الخارجية 6.9594 يوان للدولار، بانخفاض نحو 0.01 في المائة بالتعاملات الآسيوية.

وقال محللون من «بنك أوف أميركا» في مذكرة: «نحن متفائلون بشأن توقعات الصادرات، ونتوقع أن يبيع المصدرون مزيداً من العملات الأجنبية؛ مما يدعم مزيداً من قوة اليوان... وفي غضون ذلك، ومع احتفاظ المستثمرين بنظرة إيجابية تجاه الذكاء الاصطناعي، فإن أي تدفقات أجنبية إلى الأسهم الصينية قد تُعزز قوة اليوان».

وقبل افتتاح السوق، حدد «بنك الشعب (المركزي الصيني)» سعر الصرف المتوسط ​​عند 7.0019 يوان للدولار، مسجلاً بذلك ثاني يوم على التوالي من التراجع عن أعلى مستوى له في 32 شهراً الذي بلغه في وقت سابق من هذا الأسبوع، حيث جاء هذا التراجع أقل بـ322 نقطة من تقديرات «رويترز». ويُسمح لليوان الفوري بالتداول بحد أقصى اثنين في المائة أعلى أو أسفل سعر الصرف المتوسط ​​الثابت يومياً.

ولا يُنظر إلى هذا التراجع في سعر الصرف على أنه تغيير في الموقف، بل هو بالأحرى محاولة من صناع السياسات للحفاظ على «وتيرة منظمة ومدروسة لارتفاع قيمة العملة»، وفقاً لمذكرة صادرة عن محللين في بنك «أو سي بي سي»، قالوا فيها: «يهدف هذا النهج إلى منع الأسواق من التسرع في بيع الدولار الأميركي بشكل عشوائي، وبالتالي تجنب التقلبات السعرية المفاجئة وضمان ديناميكيات سوقية منظمة». وأضافوا: «إن تحديد سعر الصرف دون 7 أرقام مسألة وقت فقط، وعندما يحدث ذلك، فقد يُسهم في زيادة قيمة اليوان الصيني لاحقاً».


قضاة أميركا يحذرون من فتح الباب أمام تدخل الرؤساء في السياسة النقدية

دونالد ترمب ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
دونالد ترمب ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
TT

قضاة أميركا يحذرون من فتح الباب أمام تدخل الرؤساء في السياسة النقدية

دونالد ترمب ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)
دونالد ترمب ورئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول (رويترز)

خلال المرافعات المتعلقة بمحاولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إقالة محافظة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ليزا كوك، بدا أن قضاة المحكمة العليا الأميركية يميلون إلى تبنّي فكرة مفادها بأن استقلالية البنك المركزي في تحديد السياسة النقدية يجب أن تبقى مصونة، وأن تقويضها قد يترتب عليه مخاطر اقتصادية حقيقية على أرض الواقع.

وأشار القضاة، خلال الجلسة التي عُقدت يوم الأربعاء، إلى أن الضرر المحتمل في كيفية تعاطي المحكمة مع القضية قد يكمن في ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الرؤساء، حالياً أو مستقبلاً، لإقالة صانعي السياسة النقدية، بما من شأنه الإخلال بأكثر من قرن من الأعراف التي سمحت للبنوك المركزية باتخاذ قرارات بشأن أسعار الفائدة بعيداً عن الضغوط السياسية، وفق «رويترز».

وقد عبّر عن هذا القلق بشكل مباشر القاضي المحافظ بريت كافانو، خلال نقاشه مع المدعي العام الأميركي دي جون ساور، المكلف بالدفاع عن حق ترمب في إقالة كوك على خلفية مزاعم بتقديمها بيانات غير دقيقة في طلبات رهن عقاري قبل تعيينها في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».

وقال كافانو: «موقفكم القائل بعدم وجود أي رقابة قضائية، ولا إجراءات واجبة، ولا سبل للطعن، ومعيار منخفض جداً لإثبات السبب يحدده الرئيس وحده، هذا من شأنه أن يُضعف، إن لم يكن يُحطم، استقلالية مجلس (الاحتياطي الفيدرالي)».

وأضاف موجّهاً حديثه إلى ساور: «علينا أن نكون واعين لما نقوم به ولعواقب موقفكم على هيكلية الحكم».

وحذّر كافانو من أن تسهيل إقالة محافظي «الاحتياطي الفيدرالي» يمنح الرئيس حافزاً للقيام بما وصفه بـ«مهمة بحث وتدمير»، عبر «العثور على أي شيء وكتابته على ورقة، دون رقابة قضائية، ودون إجراءات، ودون أي شيء. انتهى الأمر».

مطالب ترمب المتكررة

تخيّم على القضية مطالب ترمب المتواصلة بأن يخفض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة بوتيرة أسرع وبمستويات أعمق مما كان البنك المركزي مستعداً للقيام به تحت قيادة رئيسه الحالي جيروم باول، في ظل استمرار الضغوط التضخمية. وقد صرّح ترمب بأنه يعتزم تعيين رئيس جديد «للاحتياطي الفيدرالي» يتوافق مع توجهاته عند انتهاء ولاية باول في المنصب في مايو (أيار).

واستند ترمب إلى مزاعم غير مثبتة بشأن احتيال في طلبات الرهن العقاري لتبرير إقالة كوك، التي عيّنها الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن محافظة في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» عام 2022، بولاية تمتد حتى عام 2038. وقد وصفت كوك هذه المزاعم بأنها ذريعة لإقصائها بسبب خلافات تتعلق بالسياسة النقدية.

وفي هذا الشهر، أطلقت وزارة العدل في إدارة ترمب تحقيقاً جنائياً بحق باول يتعلق بمشروع لتجديد مبنيين تاريخيين في مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن. وبالمثل، وصف باول هذا التحقيق بأنه ذريعة تهدف إلى تمكين ترمب من بسط نفوذ أكبر على «الاحتياطي الفيدرالي» والسياسة النقدية.

مبنى بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

وضغطت القاضية إيمي كوني باريت، التي عيّنها ترمب في المحكمة العليا كما هو الحال مع كافانو، على ساور بشأن التداعيات الاقتصادية المحتملة للسماح بإقالة كوك. وأشارت باريت إلى أن اقتصاديين قدّموا مذكرات للمحكمة حذّروا فيها من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى ركود اقتصادي.

وسألت باريت: «كيف ينبغي أن ننظر إلى المصلحة العامة في قضية مثل هذه؟».

وردّ ساور بالقول إن ارتفاع سوق الأسهم بعد إعلان ترمب إقالة كوك في أغسطس (آب) يقوّض التوقعات المتشائمة.

لكن باريت قاطعته قائلة: «سأتوقف عند هذا الحد لأقول إنني لا أريد أن أكون في موقع التنبؤ بما ستفعله الأسواق بالضبط. لا أريد أن أتحمّل مسؤولية تقدير حجم هذا الخطر. أنا قاضية ولستُ خبيرة اقتصاد. ولكن إذا كان هناك خطر، ألا يدعو ذلك... إلى التحلي بالحذر من جانبنا؟».

النتائج على المدى الطويل

يعتبر الاقتصاديون أن من المبادئ الراسخة أن البنوك المركزية التي تعمل بمعزل عن الضغوط السياسية قصيرة الأجل تتخذ قرارات تؤدي إلى نتائج اقتصادية أفضل على المدى الطويل، من خلال كبح التضخم حتى لو استدعى ذلك الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة قد تبطئ النمو الاقتصادي، وترفع معدلات البطالة، وتجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للسياسيين الساعين إلى إعادة انتخابهم.

محافظة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك برفقة المحامي آبي لويل خارج مبنى المحكمة العليا الأميركية يوم 21 يناير 2026 (رويترز)

ومنذ عودته إلى السلطة قبل 12 شهراً، تبنّى ترمب رؤية موسّعة لصلاحيات الرئاسة. ويوازن قضاة المحكمة العليا في قضية كوك بين قيمة استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» وحجج إدارة ترمب القائلة إن مصالح الرئيس، وبالامتداد مصالح العامة، ستتضرر من الإبقاء على مسؤولين في وكالات فيدرالية يرغب في إقالتهم.

وقد أيّدت المحكمة العليا ترمب في العديد من القضايا خلال العام الماضي، صُدرت فيها قرارات عاجلة، من بينها السماح له بإقالة عدد من المسؤولين في وكالات فيدرالية بينما تستمر الطعون القانونية ضد قراراته.

غير أن الدور المحوري لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» في النظامين الماليين، الأميركي والعالمي، إضافة إلى حقيقة أن الرؤساء لا يقررون السياسة النقدية بشكل مباشر، يضع قضية كوك في إطار مختلف إلى حد ما.

وقالت القاضية الليبرالية سونيا سوتومايور: «ليس الأمر وكأن الإبقاء عليها سيعرقل أي حق لديه في إدارة الدائرة، لأنه لا يملك أي حق من هذا القبيل».

وكان القاضي الذي منع ترمب من إقالة كوك فوراً قد اعتبر أن إجراءه من دون إخطار أو جلسة استماع يُرجح أنه انتهك حقها في الإجراءات القانونية الواجبة المكفول بموجب التعديل الخامس للدستور الأميركي. وتبحث المحكمة العليا طلب إدارة ترمب رفع أمر ذلك القاضي في الوقت الذي تستمر فيه الدعوى القانونية التي رفعتها كوك للطعن في قرار الرئيس.

وأضافت سوتومايور: «نحن نعلم أن استقلالية الوكالة أمر بالغ الأهمية، وأن هذه الاستقلالية تتضرر إذا بتّينا في هذه القضايا بسرعة مفرطة ومن دون تمحيص كافٍ».

وقالت إن السماح للمحاكم الأدنى درجة بفحص جميع القضايا بشكل معمّق «هو الخيار الأكثر منطقية لتعزيز ثقة الجمهور، وكذلك ثقة العالم، في سلامة الإجراءات القانونية».

وتساءلت سوتومايور: «لماذا لا ننتظر حتى نهاية هذه القضية، عندما تكون جميع المسائل واضحة، وعندها نصدر قراراً نهائياً بشأن ما إذا كان ينبغي إقالتها أم لا؟».

ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا حكمها بحلول نهاية يونيو (حزيران)، وقد يصدر القرار قبل ذلك.