استعدادات حوثية لإغلاق قضية المبيدات المحظورة والتستر على المتهمين

إخفاء بيانات أمراض الأورام في مناطق سيطرة الانقلابيين

وسائل الإعلام الحوثية تتجاهل تغطية جلسات محاكمة المتهمين بتجارة وترويج المبيدات المحظورة (إعلام حوثي)
وسائل الإعلام الحوثية تتجاهل تغطية جلسات محاكمة المتهمين بتجارة وترويج المبيدات المحظورة (إعلام حوثي)
TT

استعدادات حوثية لإغلاق قضية المبيدات المحظورة والتستر على المتهمين

وسائل الإعلام الحوثية تتجاهل تغطية جلسات محاكمة المتهمين بتجارة وترويج المبيدات المحظورة (إعلام حوثي)
وسائل الإعلام الحوثية تتجاهل تغطية جلسات محاكمة المتهمين بتجارة وترويج المبيدات المحظورة (إعلام حوثي)

تستعد محكمة حوثية لإنهاء محاكمة 38 متهماً في قضية الاتجار بالمبيدات المهربة والمحظورة والمنتهية الصلاحية، وسط اتهامات لسلطات الجماعة الحوثية بالتستر على كبار تجار المبيدات من قادتها والموالين لها، بالتزامن مع حجب المعلومات والبيانات حول أعداد الإصابات بالأورام السرطانية في مناطق سيطرتها.

وأغلقت ما تسمى «محكمة الأموال العامة ومكافحة الفساد» التابعة للجماعة الحوثية في العاصمة المختطفة صنعاء، باب المرافعة في قضية المبيدات المهربة والمحظورة والمنتهية الصلاحية، وحجزتها لإصدار الحكم بعد شهر من الآن، في جلسة حضر فيها 13 متهماً فقط، بينما واصل كبار المتهمين من تجار المبيدات المقربين من قيادة الجماعة، التغيب وتجاهل المحاكمة.

المبيدات الزراعية تغرق الأسواق اليمنية ومنها ما هو محظور دولياً (إعلام محلي)

وذكرت مصادر قانونية في صنعاء أن محامياً ترافع عن 8 من المتهمين، منكراً ما وُجِّه إليهم من اتهامات بصفتهم عمالاً لدى تجار المبيدات المتغيبين عن المحاكمة، ونفى أن يكون لهم دور فاعل في ترويجها، لأنهم كانوا يمارسون أعمالهم بشكل طبيعي دون مخالفة للقوانين، مع جهلهم بمخاطر المواد التي يتاجر بها رؤساؤهم في العمل.

ويعدّ كل من: عبد العظيم دغسان، وصالح عجلان وشقيقيه صادق وعلي، وعدد من تجار المبيدات، من كبار المتهمين باستيراد وتهريب وترويج المبيدات المحظورة، مستغلين صلاتهم بقيادة الجماعة الحوثية، وتبادل المنافع معها.

وطلب المحامي تبرئة العمال الثمانية المتهمين في القضية؛ مشيراً إلى أنهم تركوا العمل لدى تجار المبيدات منذ أعوام، وبدأوا مزاولة مهن أخرى، وتردَّت أحوالهم المعيشية، ما ينفي عنهم التربح من هذه التجارة، لدرجة أن أحدهم أصيب بالجنون نتيجة ذلك، كما جاء في المرافعة.

ورغم أن القضية تعود إلى 6 أعوام مضت، فإنها كانت حبيسة أدراج المحاكم الحوثية، نتيجة تبادل المنافع بين المتهمين والجماعة الحوثية، حسب المصادر القانونية، قبل أن تثار مجدداً منذ أشهر بسبب تسريبات ونشر وثائق سرية حولها، ضمن تنافس القيادات الحوثية وصراع الأجنحة.

المبيدات الحشرية المحظورة التي انتشرت في اليمن ألحقت أضراراً صحية كبيرة بالسكان (أرشيفية– رويترز)

وفي حين تتجاهل وسائل الإعلام الحوثية تغطية جلسات المحاكمة أو الإشارة إليها، شهد مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيان الكشف عن وثائق تثبت تقديم الجماعة الحوثية تسهيلات لدخول أنواع متعددة من المبيدات السامة والمحظورة إلى مناطق سيطرتها، رغم التحذير من مخاطرها وآثارها على صحة السكان وسلامة البيئة المحلية والمنتجات الزراعية.

تسهيلات وتبريرات

تسعى الجماعة الحوثية إلى تحميل عدد من العاملين في المنظمات الأممية والدولية الذين تختطفهم منذ أشهر؛ مسؤولية نشر وترويج المبيدات والمواد المسرطنة في الأسواق المحلية، واتهام الحكومات اليمنية السابقة لانقلاب الجماعة منذ 10 أعوام، بتسهيل حدوث ذلك، والتواطؤ مع تلك المنظمات لنشر السموم في البلاد.

ورغم أن المحكمة الحوثية أمرت -في منتصف يوليو (تموز) الماضي- بالقبض القهري على التاجر عبد العظيم دغسان، وإيداعه السجن، وإغلاق محلاته التجارية بسبب تغيبه عن حضور جلسة المحاكمة، فإن الأمر لم يلقَ طريقاً للتنفيذ.

وتداول ناشطون وإعلاميون موالون للجماعة الحوثية أخباراً عن لقاء جمع بين دغسان ومهدي المشاط، رئيس ما يعرف بـ«المجلس السياسي الأعلى» (مجلس الحكم الحوثي الانقلابي) في اليوم التالي لصدور قرار المحكمة بالقبض القهري عليه، إلا أن وسائل إعلام الجماعة لم تنشر أي أخبار عن ذلك اللقاء.

وسبق ذلك الأمر إقرار دغسان بحصوله على تسهيلات من قيادات عليا، وأوامر بالإفراج عن المبيدات التابعة له المضبوطة في الجمارك والمواني.

المبيدات هي المتهم الأول بالتسبب في الزيادة المهولة للإصابة بالأورام في اليمن (رويترز)

وكان القيادي المشاط قد دافع عن تجارة وترويج مبيد «بروميد الميثيل»، المحظور دولياً، لانعدام بدائل له، نافياً مخاطره الصحية، وبرر دفاعه بمزاعم طلب المزارعين الحصول على هذا المبيد.

وبينما كان المشاط يبرر تجارة وترويج هذا المبيد، اختطفت الجماعة الحوثية الناشط الموالي لها خالد العراسي، وقدمته للمحاكمة، بسبب كتاباته على مواقع التواصل الاجتماعي حول تجارة المبيدات، ونشر وثائق تدين الجماعة بالتواطؤ مع المتاجرين بها.

ويرى مراقبون أن الجماعة الحوثية تعمل من خلال هذه المحكمة، على تحميل مسؤولية إغراق الأسواق بالسموم لأشخاص كانوا يعملون بالأجر لدى كبار المتهمين من تجار المبيدات الذين حصلوا على تسهيلات من قيادات حوثية كبيرة.

تعتيم صحي

وتتستر الجماعة الحوثية على أعداد المصابين بالأورام، وتمنع نشر أي معلومات حول ازدياد الإصابات، وتمارس أعلى درجات السرية والاحتياط، لمنع تسرب التقارير الطبية حول ذلك.

وذكرت مصادر طبية لـ«الشرق الأوسط» أن توجيهات عليا من مكتب القيادي المشاط صدرت إلى جميع الجهات الصحية المعنية بجمع البيانات والمعلومات وإصدار التقارير، بالتكتم على كل ما يخص الأورام.

طفل وشابة مصابان بالسرطان يتلقيان الأدوية في مركز لعلاج الأورام بصنعاء (أ.ف.ب)

وبيَّنت المصادر أن البيانات والمعلومات التي يجري التحفظ عليها، تشير إلى زيادة مهولة في أعداد الإصابات بالأمراض التي يحتمل تسبب المبيدات المحظورة فيها بالمحافظات والمناطق الزراعية.

وطبقاً لإحصائيات عن جهات طبية تحت سيطرة الجماعة الحوثية، فإن محافظة إب تأتي في المرتبة الأولى من حيث أعداد الإصابات بالأورام السرطانية، تليها محافظات ذمار والحُديدة وحجة بالترتيب.

وترجِّح المصادر الطبية أن يكشف تحليل تلك البيانات عن مسؤولية نبتة «القات» بنسب كبيرة في تلك الأمراض، نتيجة لاستخدام مزارعي هذه النبتة المبيدات بشكل مفرط.

وحسب وسائل إعلام حوثية، فإن مركز علاج الأورام الخاضع لسيطرة الجماعة في صنعاء، يستقبل نحو 160 حالة يومياً من مختلف المحافظات، ويسجل سنوياً نحو 6 آلاف حالة مرضية جديدة، ووصل أعداد المرضى المسجلين فيه إلى أكثر من 80 ألف مريض، بينما يتردد أكثر من 40 ألف مريض سنوياً على المركز.


مقالات ذات صلة

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

العالم العربي مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة لإعادة الدراسة في جامعة أرخبيل سقطرى (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

مبادرة سعودية تعيد الدراسة في جامعة سقطرى

أطلق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مبادرة نوعية لتعزيز استقرار التعليم في جزيرة سقطرى، في إطار الجهود التنموية المستمرة التي تقدمها السعودية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
الخليج مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

عدن تمضي نحو الاستقرار بشراكات دولية ودعم سعودي

كثَّفت السلطة المحلية في عدن تحركاتها في إطار رؤية شاملة تستهدف تثبيت الأمن والاستقرار، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية بدعم سعودي مباشر يشمل كل المجالات.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي صورة نشرها الحوثيون لما زعموا أنه موقع تحطم طائرة أميركية مسيّرة في أبريل الماضي (غيتي)

هل تدفع إيران الحوثيين لدور عسكري محتمل ضد واشنطن؟

مع التلويح بمواجهة أميركية - إيرانية محتملة، ترفع الجماعة الحوثية جاهزيتها العسكرية وتلوّح بخيارات مفتوح، وسط تقديرات بتهديدها الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن

وضاح الجليل (عدن)
الخليج سفينة أميركية تحمل مساعدات لليمن رست في ميناء عدن (أرشيفية - رويترز)

الزنداني يُشيد بالدور المحوري للبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن

أشاد رئيس مجلس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، بالدور المحوري الذي يضطلع به البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

«الشرق الأوسط» (عدن)

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».