هل تنجح مساعٍ مصرية في استعادة رأس نفرتيتي؟

بعد إطلاق وثيقة لاستردادها من ألمانيا

رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
TT

هل تنجح مساعٍ مصرية في استعادة رأس نفرتيتي؟

رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)
رأس نفرتيتي في متحف برلين (أ.ف.ب)

قبل نحو 111 عاماً، خرج من مصر متجهاً إلى ألمانيا صندوق يضم قطعة آثار تعدّ اليوم رمزاً للجمال الأنثوي على مستوى العالم، إنها رأس الملكة نفرتيتي، زوجة أخناتون، حاكم مصر خلال الأسرة الفرعونية الـ18، ما بين عامي 1353 و1336 قبل الميلاد.

ويذكر أن هذا التمثال النصفي المصنوع من الحجر الجيري الملون، وجدته البعثة الألمانية برئاسة لودفيج بورشاردت أثناء أعمال الحفائر التي كانت تقوم بها في تل العمارنة (محافظة المنيا بصعيد مصر حالياً) عام 1912، وتحديداً في ورشة النحات تحتمس، ويعود تاريخه إلى عام 1345 قبل الميلاد.

ويعود التمثال لنحو 3500 سنة مضت، ويبلغ ارتفاعه 47 سنتيمتراً، ووزنه نحو 20 كيلوجراماً، ويُظهر رأس الملكة نفرتيتي والرقبة وجزءاً من الكتفين.

وأعلن العالم الآثاري المصري الدكتور زاهي حواس، وزير الآثار الأسبق، عن إطلاق وثيقة تستهدف جمع توقيعات شعبية لاستعادة رأس نفرتيتي من ألمانيا.

وشرح خلال ندوة عامة بقصر الأمير طاز (وسط القاهرة)، السبت، رحلة الرأس الفريدة من نوعها، وكيفية خروجها من مصر، وتفاصيل الوثيقة التي أطلقها.

وقال حواس لـ«الشرق الأوسط»: «أطالب مليون مصري بالتوقيع على هذه الوثيقة حتى أبدأ الإجراءات الخاصة باستعادة رأس نفرتيتي»،

وخرج التمثال من مصر في سبتمبر (أيلول) عام 1913، وتنقل بين أكثر من مكان حتى استقر في متحف برلين، وأوردت الوثيقة، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منها، أكثر من محاولة مصرية لاستعادة هذا الرأس، واستندت الوثيقة إلى «المادة 13ب من اتفاقية اليونسكو بشأن وسائل حظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة، التي صدقت عليها ألمانيا في عام 2007 وقبلتها مصر في عام 1973، والتي تنص على تسهيل إعادة الممتلكات الثقافية المصدرة بشكل غير مشروع إلى مالكها الشرعي في أقرب وقت ممكن».

وأوضح حواس أن «الإجراءات التي سيتخذها سترتكز على الجهود المجتمعية للضغط الجماهيري على الحكومة الألمانية لتعيد رأس نفرتيتي، ومناشدة المجتمع الدولي لإعادة التمثال إلينا، وطلب من وزير الثقافة الألماني، ومؤسسة التراث الثقافي البروسي، وإدارة متحف نيويس، الاهتمام بهذه العريضة والاستجابة للطلب».

وتابع: «أعتقد أن العالم الآن لديه صحوة ورغبة في رد الآثار المسروقة، حتى إن الرئيس الفرنسي ماكرون أعلن أن بلاده اغتصبت آثار أفريقيا، ويجب إعادتها».

وأضاف: «لذلك أطالب باستعادة القطع الأثرية المصرية الفريدة مثل حجر رشيد في المتحف البريطاني والزودياك في اللوفر ورأس نفرتيتي في متحف برلين، لا بد أن تعود وتُعرض في المتحف المصري الكبير».

وبدأت مطالبة مصر بإعادة التمثال منذ عرضه رسمياً في برلين عام 1924، ووصل الأمر إلى أن هددت مصر عام 1925 بحظر التنقيب الألماني عن الآثار، وبعد 4 أعوام عرضت مبادلة التمثال بقطع أخرى، لكن ألمانيا رفضت.

وتوالت المطالبات بعودة التمثال الذي يحظى بشعبية كبيرة في ألمانيا، وتنتشر صور وملصقات له في العديد من الأماكن، لدرجة أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك حين زار برلين نهاية الثمانينات من القرن الماضي وصف التمثال بأنه «سفير لمصر في برلين»، وفق تقارير إعلامية وقتها.

وذكر حواس أنه عند توليه الأمانة العامة للمجلس الأعلى للآثار بمصر في 2011 «أرسلت خطاباً إلى الحكومة الألمانية - حصلت (الشرق الأوسط) على نسخة منه - للمطالبة بإعادة الرأس، وردوا عليّ وقتها بأنهم يريدون توقيع الوزير على هذا الخطاب رغم أنني كنت حاصلاً على موافقة رئيس الوزراء».

وجاء في الخطاب: «أكتب لكم نيابة عن حكومة مصر لتقديم طلب رسمي لاستعادة تمثال نفرتيتي المصنوع من الحجر الجيري والمسجل في المتحف المصري الجديد تحت رقم AM 21300».

وعلى المستوى الرسمي، سبق أن صرح السفير الألماني في القاهرة عام 2017، على هامش لقائه بوزير الآثار المصري وقتها خالد العناني، بأن «الوزير لم يستطع إقناعه بوجهة نظره حول إعادة رأس نفرتيتي»، مضيفاً أن «رأس نفرتيتي تمتلك شعبية كبيرة في ألمانيا».

وسافر وزير السياحة والآثار المصري الأسبق الدكتور خالد العناني إلى ألمانيا عام 2020، وأعلن عن استرداد قطع أثرية، وقال في تصريحات متلفزة وقتها: «إن رأس نفرتيتي خرجت من مصر بطريقة مثيرة للجدل، وإن الألمان متمسكون بها لأنها قطعة فريدة في النحت».

وبينما أثنى الأمين العام للآثار الأسبق، الدكتور محمد عبد المقصود، على فكرة «التحرك الشعبي لاستعادة رأس نفرتيتي»، قائلاً: «هذا جهد مشكور»، استدرك: «لكن من الصعب جداً استعادة الرأس بهذه الطريقة، يجب أن تتدخل الدولة بعلاقاتها الدبلوماسية وبشكل رسمي، فأرى أن ذلك سيكون مفيداً وأكثر جدوى»، واقترح عبد المقصود أن «تعمل القنوات الدبلوماسية المصرية عن طريق وزارة الخارجية، وليس وزارة الآثار، على استعادة القطع المهمة من الخارج، ولو لفترة قصيرة، لتعطي زخماً لافتتاح المتحف المصري، ولكن بالتفاهم والتنسيق الدبلوماسي».


مقالات ذات صلة

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ثقافة وفنون 3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة.

محمود الزيباوي
يوميات الشرق معبد كلابشة بأسوان (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: وقف إنشاء مبانٍ بمحيط معبد كلابشة بعد اتهامات بـ«تشويهه»

أصدر وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، قراراً بإيقاف أعمال بناء المنشآت الخدمية في محيط معبد كلابشة بأسوان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه واجهة معبد كلابشة بأسوان بها مبنيان حديثان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من العملات التذكارية المسكوكة في مصر (فيسبوك)

عملات تذكارية وأوسمة ونياشين تحكي تاريخ مصر

ترسم العملات التذكارية وأنماط التميز والنياشين ملامح تاريخية عبر التوثيق لأحداث وشخصيات مؤثرة في التاريخ المصري الحديث.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

تتجه مصر للتوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، بعد الإعلان عن التحضير لإقامة معرض في الولايات المتحدة الأميركية للآثار المصرية المغمورة بالمياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )

هاتف ترمب الذهبي بشروط جديدة: لا ضمان لإطلاقه رغم تلقي الطلبات المسبقة

هاتف «T1» الذكي من تصميم شركة «ترمب موبايل» (موقع ترمب موبايل)
هاتف «T1» الذكي من تصميم شركة «ترمب موبايل» (موقع ترمب موبايل)
TT

هاتف ترمب الذهبي بشروط جديدة: لا ضمان لإطلاقه رغم تلقي الطلبات المسبقة

هاتف «T1» الذكي من تصميم شركة «ترمب موبايل» (موقع ترمب موبايل)
هاتف «T1» الذكي من تصميم شركة «ترمب موبايل» (موقع ترمب موبايل)

يثير هاتف «T1» الذكي المطلي بالذهب، المرتبط باسم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، جدلاً متزايداً مع استمرار الغموض المحيط بمصيره، رغم بدء تلقي طلبات مسبقة عليه منذ فترة. فبينما كان من المتوقع طرح الجهاز في الأسواق خلال أغسطس (آب) 2025 قبل أن يتعرض لسلسلة من التأجيلات، كشفت تحديثات جديدة في شروط الحجز عن حقيقة لافتة: لا يوجد أي التزام فعلي بإطلاق الهاتف من الأساس، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وتوضح شركة «ترمب موبايل»، التي شارك في تأسيسها نجلا ترمب، دونالد ترمب جونيور وإريك ترمب، في صفحة شروط الطلب المسبق، أن الدفعة المقدمة البالغة 100 دولار لا تُعد سوى «فرصة مشروطة» للحصول على الجهاز، وذلك فقط في حال قررت الشركة لاحقاً، وبمحض تقديرها، طرحه للبيع.

وتنص الشروط بشكل صريح على أن هذه الدفعة «ليست عملية شراء، ولا تمثل قبولاً للطلب، ولا تُنشئ عقد بيع، ولا تمنح أي حقوق ملكية، كما أنها لا تضمن تخصيص جهاز أو حجز مخزون محدد، ولا حتى إنتاج الهاتف أو توفيره في الأسواق».

وتؤكد البنود كذلك أن دفع العربون لا يضمن حجز الهاتف، ولا تثبيت السعر الترويجي المعلن البالغ 499 دولاراً، ولا حتى أي من المواصفات أو المزايا أو موعد الإصدار أو مدى التوفر، رغم أن الموقع الإلكتروني يحث المستخدمين، في واجهته، على «تأكيد» الصفقة.

ويضيف الموقع توضيحاً آخر مفاده أن الوديعة لا تثبّت الأسعار أو العروض الترويجية أو خطط الخدمة أو الضرائب أو رسوم الشحن أو أي شروط تجارية أخرى. كما يشير إلى أن الأسعار النهائية والعروض سيتم تحديدها لاحقاً عند إتمام الشراء، مع منح العملاء خيار القبول أو الرفض في تلك المرحلة، مع الإبقاء على احتمال تغيير هذه الشروط في أي وقت قبل الدفع.

كما ينص الموقع على أن الضرائب المستحقة ستُحسب عند إتمام عملية البيع، وقد تختلف تبعاً لموقع الشحن والقوانين الضريبية السارية آنذاك. ويؤكد أيضاً أن جميع الإعلانات السابقة، والمواد الترويجية، ووصف المنتج، والجداول الزمنية المعلنة، تُعد معلومات إرشادية فقط، ولا تشكل التزامات أو ضمانات ملزمة.

وبناءً على ذلك، تشير «ترمب موبايل» إلى أن السعر النهائي للهاتف سيُحدد لاحقاً عند طرحه الفعلي - إن تم ذلك - وعندها فقط سيتمكن العملاء من اتخاذ قرار إتمام الشراء أو التراجع، مع بقاء احتمال تعديل الأسعار والعروض حتى اللحظة الأخيرة.

وكان قد جرى الكشف عن هاتف «T1» بوصفه الجهاز الرائد للشركة، مع موعد إطلاق أولي محدد في أغسطس (آب) 2025، غير أن مسار الإنتاج والطلب لا يزال يحيط به قدر كبير من عدم اليقين. وتشير تقديرات نقلتها صحيفة «إنترناشونال بيزنس تايمز» إلى أن ما يصل إلى 600 ألف شخص ربما دفعوا عربون الحجز، رغم غياب أي ضمانات مؤكدة بشأن توفر الجهاز.

تأتي هذه التغييرات في ظل جدل مستمر وتأجيلات متكررة تتعلق بالهاتف الذي يحمل علامة ترمب التجارية. في الشهر الماضي، كشفت شركة «ترمب موبايل» عن هاتف «T1» بتصميم جديد مع كاميرا عمودية أكثر تقليدية، بدلاً من التصميم المثلث الأصلي.


تقرير: عدد قياسي من الأميركيين يغادرون البلاد ويتخلون عن جنسيتهم نهائياً

امرأة تحمل جواز سفر أميركياً (رويترز)
امرأة تحمل جواز سفر أميركياً (رويترز)
TT

تقرير: عدد قياسي من الأميركيين يغادرون البلاد ويتخلون عن جنسيتهم نهائياً

امرأة تحمل جواز سفر أميركياً (رويترز)
امرأة تحمل جواز سفر أميركياً (رويترز)

تشهد الولايات المتحدة تحوّلاً لافتاً في أنماط الهجرة، إذ لم تعد الوجهة الأولى للباحثين عن الاستقرار فحسب، بل أصبحت أيضاً نقطة انطلاق لعدد متزايد من مواطنيها الراغبين في المغادرة.

ووفق تقرير حديث، يغادر الأميركيون بلادهم بمعدلات غير مسبوقة منذ نحو قرن، مدفوعين بجملة من العوامل، أبرزها الانقسامات السياسية الحادة وارتفاع تكاليف المعيشة، في مؤشر يعكس تغيراً عميقاً في المزاج العام داخل المجتمع الأميركي، بحسب ما أفادت صحيفة «إندبندنت».

وفي عام 2025، أسفرت هذه الموجة عن تسجيل أول صافي هجرة خارجية سلبية لسكان الولايات المتحدة منذ عقود، وهو تطور يُرجّح أنه لم يحدث منذ فترة الكساد الكبير عام 1929.

وقالت جين بارنيت، مؤسسة شركة «إكسباتسي» المتخصصة في استشارات إعادة التوطين، في تصريح لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «في السابق، كان الأميركيون الذين يغادرون يتمتعون بروح المغامرة، وغالباً ما يكونون من ذوي الكفاءات العالية. أما اليوم، فهم أشخاص عاديون، يشبهونني تماماً». ويعكس هذا التصريح تحولاً في طبيعة المهاجرين الأميركيين، من نخبة محدودة إلى شريحة أوسع من المجتمع.

وفي عام 2024، انضمت بارنيت نفسها إلى هذه الموجة، حيث انتقلت للعيش في منطقة يوكاتان بالمكسيك، في خطوة تعكس تزايد جاذبية الوجهات القريبة ذات التكلفة المعيشية الأقل.

ورغم اتساع الظاهرة، لا تُحصي الحكومة الأميركية رسمياً أعداد مواطنيها الذين استقروا في الخارج، مما يجعل تقدير الحجم الحقيقي للهجرة الخارجية أمراً متفاوتاً بين الجهات البحثية. وتشير تقديرات معهد بروكينغز إلى أن صافي الهجرة الخارجية في عام 2025 تراوح بين سالب 10 آلاف وسالب 295 ألف شخص، مع توقع استمرار الاتجاه السلبي خلال عام 2026.

في المقابل، قدّرت جهات أخرى حجم الهجرة الخارجية بنحو 150 ألف شخص في عام 2025، ما يعكس اختلافاً في المنهجيات، لكنه يؤكد الاتجاه العام نحو تزايد المغادرة.

ومن المؤشرات اللافتة أيضاً الارتفاع الكبير في عدد الأميركيين الذين يتخلّون عن جنسيتهم. فقبل عام 2009، كان هذا العدد يتراوح عادة بين 200 و400 شخص سنوياً، بينما اقترب في عام 2025 من 5 آلاف حالة، مع توقعات بزيادة إضافية خلال العام الحالي، خاصة في ظل الانخفاض الحاد في رسوم التنازل عن الجنسية.

كما أظهر تحليل أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أن جميع دول الاتحاد الأوروبي تقريباً، وعددها 27 دولة، شهدت خلال السنوات الأخيرة مستويات قياسية من الأميركيين الوافدين للعيش والعمل فيها، مما يعكس اتساع نطاق الوجهات المفضلة خارج الولايات المتحدة.

وخارج أوروبا، تبرز المكسيك كواحدة من الوجهات الأكثر جذباً. وتشير تقديرات وزارة الخارجية الأميركية إلى أن نحو 1.6 مليون أميركي يقيمون هناك، ما يجعلها أكبر تجمع للمغتربين الأميركيين على مستوى العالم.

ولا يقتصر الأمر على من غادروا بالفعل، بل يمتد إلى شريحة واسعة تفكر في اتخاذ هذه الخطوة. فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أن واحداً من كل خمسة أميركيين يرغب في الانتقال للعيش بشكل دائم خارج البلاد، وهي نسبة تضاعفت مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات.

وتعكس هذه البيانات تداخل عدة عوامل تدفع بهذا الاتجاه، من بينها الاستقطاب السياسي المتزايد، وصعوبات القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة، إلى جانب عوامل خارجية مثل برامج «التأشيرات الذهبية» المخصصة للمستثمرين الأجانب، وانتشار العمل عن بُعد، والحوافز التي تقدمها بعض الدول للرحالة الرقميين، مما أتاح فرصاً أوسع للانتقال والاستقرار خارج الولايات المتحدة.


المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
TT

المشاهدون الصغار... ثروةٌ تتسابق المنصات على استقطابها

المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)
المُشاهدون الصغار شريحة لا يُستهان بها على منصات البثّ (بكسلز)

برامج الأطفال وشخصيات الرسوم المتحرّكة لا تشيخ. أكبر دليلٍ على ذلك أنّ مَن كان يشاهد «توم وجيري» طفلاً، يتشارك مشاهدتَه برفقة أحفاده جَداً.

منصّات البثّ متنبّهة لهذا الواقع وهي تضاعف استثمارها في قطاع ترفيه الأطفال، غير مكتفيةٍ بإنتاج البرامج أو عَرضها. أحدثُ ابتكارات التواصل الرقمي مع الأطفال تطبيق «نتفليكس عالم المرَح» Netflix Playground، الذي يتيح أمام المستخدمين الصغار التنقّل بين ألعابٍ عدة مقتبسة من برامجهم وشخصياتهم المفضّلة.

أطلقت «نتفليكس» تطبيقاً خاصاً بألعاب الأطفال المستوحاة من الرسوم المتحركة (نتفليكس)

تجربة «يوتيوب» الرائدة في مسلسلات الأطفال والبرامج الخاصة بهم، أثبتت أنه لا يمكن الاستهانة بتلك الشريحة التي تستهلك كمية كبيرة من ساعات البثّ الرقمي. فمع أنّ السياسة الإنتاجية والخطط التسويقية لمنصات البث توحي بأنها موجّهة حصراً للكبار، فإنّ الأطفال، والصغار جداً منهم تحديداً، يمثّلون سوقاً مهمة لشركات الترفيه والإعلام بما أنهم يتحكّمون بقرار اشتراك أهاليهم في تلك المنصات.

على قاعدة «فُز بهم صغاراً لتكسبَهم كباراً ولتفوزَ بأهاليهم كذلك»، تركّز المنصات على المحتوى المخصص لمَن هم دون الـ12 من العمر. وقد أثبتت التجربة والأرقام أنّ الأطفال أوفياء لِما يُشاهدون، كما أنهم لا ينتظرون المسلسلات الضخمة والمواسم الجديدة مثلما يفعل البالغون، إنما يميلون إلى إعادة حلقات برامجهم المفضّلة مراراً وتكراراً من دون ملل.

لا يملّ الأطفال من إعادة برامجهم المفضّلة وهذا مكسب للمنصات (بكسلز)

ليس من باب العبث سعيُ «نتفليكس» للاستحواذ على حقوق بثّ برامج محبوبة لدى الأطفال، مثل «بيبا بيغ» (Peppa Pig) و«عالم سمسم» (Sesame Street). وقد رفع انضمام تلك المسلسلات إلى شبكتها منسوبَ المُشاهدة، إذ أفادت الشركة بأنّ محتوى الأطفال والعائلة شكّل 15 في المائة من إجمالي مشاهَدات المنصة في 2025.

أما برنامج «كوكوميلون» (CoComelon) فكان نقطة تحوّل بالنسبة إلى «نتفليكس» يوم انضمّ إليها عام 2020، إذ سُجّل له أثرٌ إيجابيّ ملحوظ على إجماليّ المُشاهَدة. ورغم توقّف المنصة عن تحميل مواسم جديدة من النسخة الأصلية، فإنّها ما زالت متمسّكة بمحتوى الأطفال. وللغاية، هي ضمّت برنامج «السيدة راشيل» (Ms. Rachel) إلى شبكتها إلى جانب مجموعة كبيرة من برامج الصغار الجماهيرية، مثل «ماشا والدب» (Masha and the Bear)، و«دوريات المخلاب» (PAW Patrol)، و«سبونج بوب» (Sponge Bob)، وغيرها.

شكّل محتوى الأطفال والعائلة 15 % من إجمالي مشاهَدات «نتفليكس» في 2025 (نتفليكس)

لبرامج الأطفال قيمة استثنائية في عالم البثّ الرقمي. يُنظَر إليها كمحتوى مُربح من الدرجة الأولى، فهي أقلّ تكلفةً إنتاجيّة وتدوم لفترة أطول من أنواع المحتوى الأخرى. ويؤكّد موزّع برنامج «كوكوميلون» الشهير في حوار مع شبكة «سي إن بي سي» الأميركية، أنّ «محتوى الأطفال يحقق تفاعلاً هائلاً لأنهم يشاهدونه مراراً وتكراراً ولا يملّون منه أبداً». يُضاف إلى ذلك سبب آخر للرُبحيّة، وهو أنّ محتوى الأطفال يدفع بذَويهم للاستمرار في الاشتراك على المدى الطويل.

«كوكوميلون» أحد أكثر البرامج جماهيريةً لدى الأطفال ما بين السنة والـ5 سنوات (نتفليكس)

صحيحٌ أنّ الأمهات والآباء هم في تحدٍّ دائم مع الأجهزة اللوحيّة وشاشات الهواتف محاولين الاقتصاص من أوقات استهلاك أطفالهم لها، إلّا أنّ جائحة كورونا فرضت تحوّلاً جذرياً في التعامل. فالأهالي المُنهَكون والمرتبكون آنذاك حاروا في تأمين وسائل الإلهاء لأولادهم، فوجدوا أنفسهم مضطرّين إلى التسليم للشاشة لأهداف ترفيهية وتربوية في آن. وقد شهدت الفترة الممتدة ما بين مطلع 2020 ونهاية 2021 ازدياداً كبيراً في مقدار الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات.

كانت منصة «يوتيوب» في طليعة المستفيدين حينها وفرضت نفسها الشاشة الأحبّ إلى قلوب الأطفال، وهي ما زالت تحتفظ حتى الآن بتلك الصدارة. يفرض ذلك واقعاً تنافسياً مع باقي المنصات لا سيما «نتفليكس» و«ديزني بلاس».

«يوتيوب» في صدارة المنصات التي يشاهدها الأطفال تليها «نتفليكس» و«ديزني بلاس» (بكسلز)

بين عامَي 2023 و2025، اخترق كثيرٌ من برامج الأطفال والرسوم المتحركة قائمة الأعمال الأكثر مشاهدةً على «نتفليكس». ومع تكريس محتوى الصغار نفسه رائداً على مستوى المشاهَدات والاشتراكات، تيقّنت منصة البثّ العالمية من أنّ المشاهدين الصغار مكسبٌ كبير، وها هي تُطلق تطبيقاً خاصاً بهم.

وفق الشركة، فإنّ «نتفليكس عالَم المرح» (Playground) هو تطبيق «يدخل فيه الأطفال إلى قصصهم المفضّلة ويتفاعلون مع شخصياتهم المحبوبة بطرُق جديدة»، وهو بات متوفراً في العالم العربي منذ 28 أبريل (نيسان) 2026.

تمزج الألعاب المتوفرة على التطبيق ما بين الترفيه والتثقيف (نتفليكس)

صُمّم التطبيق للأطفال البالغين 8 سنوات من العمر وما دون، وهو مضمّن في جميع الاشتراكات أي بمجرّد أن يكون لدى المستخدِم حسابٌ على «نتفليكس» يصبح استعمال «عالم المرح» متاحاً، من دون رسوم إضافية ولا إعلانات. كل ذلك تحت إشراف الآباء المزوّدين بالأدوات اللازمة للرقابة ولتوجيه رحلة الاستكشاف واللعب.

أما الألعاب المتوفرة عليه فمُقتبسة من الرسوم المتحركة وشخصياتها، مثل «بيبا بيغ» التي تقوم اللعبة الخاصة بها على الاعتناء بالحيوانات، وقيادة الحافلة، والتسوّق، وتحضير العصير وغيرها من الأنشطة التوعويّة. وفي لعبة «شارع سمسم»، يرافق الطفل شخصيات البرنامج المحبوبة مثل «إلمو» و«بيغ بيرد» و«كوكي مونستر» في ألعاب تحفّز الذاكرة والمنطق.

لـ«دكتور سوس» ألعابُه كذلك، وهي تقوم على استكشاف الطبيعة، وتعلّم رياضات جديدة، وبناء السيارات. وعلى قائمة «نتفليكس» لألعاب الأطفال محطات مع روبوتات المعرفة والديناصورات حيث تمتزج الأهداف الترفيهية بتلك التعليمية والتثقيفية.