السودان يغلق «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا

بعد سيطرة ميليشيات متمرّدة عليه في الجانب الآخر

جانب من «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا (مواقع التواصل)
جانب من «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا (مواقع التواصل)
TT

السودان يغلق «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا

جانب من «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا (مواقع التواصل)
جانب من «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا (مواقع التواصل)

قالت مصادر عسكرية سودانية إن السلطات أغلقت «معبر القلابات» الحدودي مع إثيوبيا، بعد سيطرة ميليشيات «الفانو» المتمردة بإقليم الأمهرا عليه في الجانب الإثيوبي.

وقالت مصادر عسكرية لموقع «سودان تربيون»، على ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية»، إن السلطات السودانية بولاية القضارف شرق السودان، أغلقت «معبر القلابات الحدودي، وتوقفت على أثر ذلك أنشطة التجارة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، بجانب توقف إجراءات السفر والجوازات».

وأضافت المصادر أن السلطات السودانية سمحت لعناصر الشرطة الفيدرالية والجيش الإثيوبي التي كانت ترابط على المعبر، بالدخول للأراضي السودانية بعد تجريدهم من السلاح، مشيرة إلى أن «ميليشيات فانو سمحت في المقابل للسودانيين العالقين داخل الحدود بالسفر والمغادرة».

ووفق الموقع «سيطرت ميليشيات فانو المتمردة في إقليم الأمهرا الإثيوبي المحاذي لولاية القضارف على منطقة المتمة يوهانس الإثيوبية، المحاذية لمدينة القلابات السودانية التابعة لمحلية باسندة بولاية القضارف».

وقالت مصادر مطلعة، إن «ميليشيات فانو سيطرت بالفعل على المتمة الإثيوبية والمعبر الرابط بينها والسودان، وفق ترتيبات عسكرية لقطع إمدادات السلع الغذائية والوقود القادمة من السودان لإقليم الأمهرا؛ لإحكام السيطرة العسكرية، وإعلان سيطرة فانو الكاملة على إقليم الأمهرا».

وطبقاً للمصادر، «أبدى عدد من السكان الإثيوبيين والتجار في المتمة تضامنهم مع الفانو؛ لتسهيل عملية السيطرة على المتمة والمعبر والحركة التجارية، بينما تمركز الجيش الإثيوبي في محافظة شهيدي حيث يسيطر على المنطقة».

وتأتي هذه التطورات وسط مخاوف حول الوضع الأمني والإنساني لآلاف اللاجئين السودانيين في منطقة المتمة الإثيوبية.


مقالات ذات صلة

ألف يوم من الحرب في السودان

شمال افريقيا طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)

ألف يوم من الحرب في السودان

مرت 1000 يوم ويوم على الحرب في السودان، والحصاد جوع قاتل، وأمراض خطيرة، ونزوح الملايين، وتلاميذ بلا مدارس وجامعات، ومستشفيات مدمرة، ودواء معدوم، وأطباء نازحون.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا 
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات.

محمد أمين ياسين (نيروبي) «الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

مصر تشدد على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات للسودانيين

شددت مصر على ضرورة توفير «ملاذات آمنة» ووصول المساعدات الإنسانية إلى السودانيين دون عوائق

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا صورة متداولة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان

«قوات الدعم السريع» تحشد في ولايات كردفان الثلاث وتقصف الأُبيّض

حشدت «قوات الدعم السريع» قوات كبيرة في كردفان، وظهر القائد الثاني للقوات عبد الرحيم دقلو بين جنوده، بينما قُتل أكثر من 13 شخصاً في الأُبيّض بقصف مُسيّرة

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان (أ.ب) play-circle

السودان: 10 قتلى بينهم 7 أطفال بقصف في مدينة الأبيّض

قُتل، الاثنين، عشرة أشخاص بينهم سبعة أطفال في مدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان في جنوب السودان، وفق ما أفاد مصدر طبي «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

ألف يوم و«يوم» من الحرب في السودان

طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

ألف يوم و«يوم» من الحرب في السودان

طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)

ذات صباح بدا عادياً مثل أي صباح، فتحتْ وداد عثمان حقيبتها الصغيرة لتفتش عمّا تبقَّى من بيت خرجت منه هي وأطفالها مذعورين، وتركته خلفها في الخرطوم بحري، فلم تجد سوى مفاتيح البيت ملقاة في قاع الحقيبة، صدئة، خفيفة، كأنها تخصّ مكاناً آخر لا صلة له بالحياة الآن، هي مفاتيح بلا باب. وحتى لو عادت، فالبيوت كما قالت: «صارت بلا أبواب».

وقبل أن تمسح دمعة فاجأتها، تذكَّرت الهاتف، لم يكن ترفاً ولا نافذةً للتسلية، بل صار «نفاج» حياة، عبره تستقبل تحويلات صغيرة من أقارب وأصدقاء، تسند بها يومها وتدفع بها ثمن خبزٍ أو ماء، لكن الكهرباء مقطوعة منذ أيام، ولا خيار أمامها سوى «طبلية» شحن مدفوعة الأجر تعمل بالطاقة الشمسية، قد تأكل ما تبقَّى لديها من نقود.

ألف يوم ويوم

تختصر حكاية وداد ما عاشه سودانيون كثر خلال ألف يوم ويوم من الحرب اللعينة، نجوا بأجسادهم، لكنهم تُركوا معلقين على حافة الخوف، وعلى خيط رفيع من المعونة، وعلى فكرة بيت لم تعد تعني عنواناً يمكن الرجوع إليه.

سودانيون فرّوا من الفاشر يستريحون لدى وصولهم إلى مخيم «الأفاد» للنازحين بمدينة الدبة شمال السودان في 19 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وهي حكاية - رغم كل شيء - أفضل حالاً من آخرين تقطَّعت بهم السبل فبقوا حيث هم، ينتظرون موتاً محدقاً لا يعرفون متى يأتي ولا من أين، ولا كيف.

تقف وراء هذه الحكاية الأرقام ظلاً ثقيلاً، لا تشرح الألم، لكنها تكشف حجمه، في آخر تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، قدَّر أن إطار الاستجابة الإنسانية بلغ 33.7 مليون شخص داخل السودان بحاجة لمساعدة إنسانية، أي أن أكثر من ثُلثي السكان يعيشون الآن على حافة الجوع، دون مستقبل واضح.

وفي آخر تحديثات المفوضية السامية للاجئين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بلغ إجمالي مَن أُجبروا على النزوح داخلياً واللجوء إلى دول الجوار 11.873.689 مليون شخص... وهم أناس لم تعد كلمة «البيت» تشير عندهم إلى مكان يمكن العودة إليه.

نمط حياة

ولم تعد المأساة محصورة في الذين نزحوا بالفعل، فمَن لم ينزحوا قد يُدفَعون للنزوح، ومَن نزحوا قد يجرهم القتال والحصار وموجات العوز إلى نزوحٍ جديد، فقد صار النزوح، مع كل موجة قتال، أو قلة طعام، أو حاجة لدواء، أو فشل في الحصول على مأوى، أقرب إلى «نمط حياة»، ويكفي أن تعجز الأسرة عن سداد إيجار باهظ، أو أن تشعر بأن الحركة اليومية أصبحت فخاً، أو تحول «الأكل» إلى أزمة، فتبدأ رحلة أخرى، في حياة عمرها ألف يوم ويوم.

ثم يأتي الطعام، أو بالأحرى غيابه، فـ«صينية» الأكل السودانية المعروفة، لو توفرت لبعض الناس، لم تعد تحمل طعاماً نوعياً أو ذا قيمة غذائية، أو مذاقاً حتى، فقط ما تيسَّر لإسكات عواء بطن طفل جف ثدي أمه جوعاً. هؤلاء الذين يجدون «سفرة» أكل وإن كانت فقيرة، هم أحسن حالاً ممَّن يقفون مع الجوعى في صف طويل ينتظرون وجبةً فقيرةً من «تكية» في مكان ما.

أطفال سودانيون فروا مع عائلاتهم جراء العنف بمدينة الفاشر يجلسون وسط مخيم في ظل المعارك بين «الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

لكن المخيف حقاً، فإن مع اقتراب الحرب من عامها الثالث - تتبقى نحو مائة يوم فقط - تتعقد معضلة الغذاء يوماً بعد يوم. ويقول «برنامج الغذاء العالمي»، إنه ابتداءً من الشهر الحالي، سيضطر لتقليل الحصص الغذائية بنسبة 70 في المائة، في المناطق المُهدَّدة بالمجاعة، و50 في المائة في المناطق المعرَّضة للمجاعة، مع احتمالات انقطاعات كاملة في سلسلة الإمدادات إذا لم يحصل على تمويل جديد.

في كف عفريت

تبدو الأيام المقبلة أثقل، حيث يتوقع خبراء أن تضطر أسر كثيرة للنزوح مجدداً، ليس بسبب القتال وحده، بل بسبب انعدام الغذاء المتوقع خلال الأيام المتبقية، أو بسبب القتال الدائر في مدن وبلدات محاصَرة، لا سيما في كردفان.

تقف نساء نازحات من الفاشر وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

فإذا كان الجوع يدفع الناس إلى خارج بيوتهم، فإن انهيار النظام الصحي هو الآخر قد يدفعهم إلى ذلك أيضاً، حيث لم يعد الرصاص وحده القاتل الأعظم، بل أمراض عادية أهلكت الآلاف... آلاف النساء يمتن في الولادة، ولا يجد مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم أدويتهم المعتادة، بينما تفتك الأوبئة الناتجة عن خراب البيئة مثل حمى الضنك والملاريا، بالناس يومياً، بل إن أمراضاً كان يُظَنُّ أنها انحسرت، مثل الحصبة والسعال الديكي، عادت من جديد، بل قد تقتلك جراح بسيطة تعفنت لأن مضاداً حيوياً بسيطاً لم يعد متاحاً.

في ديسمبر (كانون الأول) 2025 حذَّرت «منظمة الصحة العالمية» من تصاعد الهجمات على مؤسسات الرعاية الصحية، وقالت إنه منذ أبريل (نيسان) 2023، تم شنُّ أكثر من 200 هجوم على المؤسسات الصحية، ما خلّف خسائر بشرية ومادية كبيرة، وجعل العلاج والدواء ترفاً لا يتوفر للجميع.

وميدانياً، حتى المنشآت التي تعمل «كيفما اتفق»، يعرقل انقطاع التيار الكهربائي، ونقص مياه الشرب النقية، عملها، ويحوِّلها إلى مكان انتظار لموت قد يأتي في أي لحظة.

نازحة سودانية بمدينة القضارف بشرق السودان بعد فرارها من منطقة هيجليج في الغرب 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

قلب مفطور

وسط هذا كله، تغير معنى «العيش» نفسه، وتحول إلى مجرد «إدارة حياة تحت الخوف»، فقد سكت قلب الصحافية عائدة قسيس فجأة وهي في طريقها إلى منزلها بأم درمان، وسط دوي الرصاص والقتال، سقطت هكذا ومضت، ربما حزناً على مدينتها، وربما فزعاً من أصوات القتال، فاختار قلبها أن يستريح.

لم تعد البندقية وحدها ما يخيف، فهناك نقاط تفتيش وجبايات يحدث فيها «ابتزاز ونهب واعتقال وعنف» لا تنقله الوسائط كما هو، يدفع الناس للبقاء في منازلهم إلا للضرورة، وحين يخرجون يشترون بسرعة، يتجنبون طرقاً بعينها، وقد يؤجلون العلاج لأن الطريق أخطر من المرض.

ومع طول الوقت - ألف يوم ويوم - صار الأطفال لا يرتجفون من الرصاص القريب، لكن كثيرين ماتوا حزناً وفزعاً بـ«قلب مفطور».

حلول الناس لأنفسهم

بين شح الغذاء وندرة الدواء، ظهرت حلول الناس لأنفسهم، فوُلدت مبادرات أهلية، تمثلت في «غرف الطوارئ، والتكايا»: غرف الطوارئ تسعف المصابين، وتجلي المرضى المحاصَرين، توزع الأدوية وتنسِّق المعلومات والاحتياجات، بينما توفر «التكايا» الطعام والمياه للنازحين والأسر المُحاصَرة، عن طريق جمع تبرعات من المجتمع المحلي والمغتربين، فتخفف الجوع والدموع وتدعم التماسك الاجتماعي.

نجوى عيسى آدم النازحة من الفاشر تقدم وجبات لأطفال سودانيين يتامى (رويترز)

تقول معلمة بشرق النيل في الخرطوم، إن «التكية» ساعدت بنات مدرستها اللواتي كنَّ يغبن عن الدراسة؛ بسبب الجوع. وفي إفادة لحملة «أصوات السودانيين» التي تنظمها مؤسسة «طيبة برس»، قالت المعلمة: «بسبب التكية، استقرت مدرستنا، كانت البنات مريضات وجائعات، لكن التكية ساعدتنا».

لكن المشهد ليس واحداً في كل مكان، ففي «معسكر السلام» بمنطقة طويلة بشمال دارفور، نقلت «أصوات السودانيين» شهادة نازحة تقول فيها: «هذا المعسكر لا يحمل من السلام إلا اسمه، فهناك فقط أجساد متهالكة، ونساء وأطفال في أسمال بالية»، وتضيف: «هنا أطفال أيتام قُتل آباؤهم، ونساء أرامل أخذت الحرب أرواح أزواجهن، وكل جريرتهم أنهم كانوا في الفاشر».

ووسط هذه الشهادة تظهر آلاء بساق مصابة تحتاج إلى علاج، و8 أطفال تركوا جثة أبيهم تحت أنقاض الحرب في الفاشر.

ضربة للتعليم

آلاء تحتاج إلى كل شيء، هي تحتاج إلى علاج لساقها التي قد تنقطع، ومأوى، وكساء، وغذاء، ودواء، وتعليم، لكنها تختصر كل المطالب في جملة واحدة: «كنت أريد تحقيق حلم أبيهم في أن يتعلموا، لكن الآن أريد فقط أن يبقوا أحياء».

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

ومن هنا، يصبح التعليم جزءاً من الحكاية وليس هامشاً لها، فالحرب لم تكن مجرد توقف مؤقت للدراسة، بل ضربة للتعليم كله، من الأساس حتى الجامعة، هناك مدارس تدمرت، وأخرى تحولت إلى ملاجئ ومراكز إيواء، وتلاشت المساحة الآمنة للتعلم.

نزح آلاف المعلمين بحثاً عن الأمان أو لقمة العيش، وتفرق التلاميذ بين مدن وقرى ومخيمات تفتقر لأبسط مقومات المدرسة، ومع الفقر والجوع صار الذهاب إلى الفصل ترفاً مستحيلاً لكثير من الأسر، فالخبز يسبق الكتاب، والنجاة تسبق الواجبات.

أما الجامعات، فلا تبدو أفضل حالاً، توقفت الدراسة فيها، وتضررت القاعات والمعامل والمكتبات، وتشتت الأساتذة والطلاب بين النزوح واللجوء، ومَن بقي يواجه رسوماً باهظة، وغلاء معيشة، وصعوبة تنقل، وضعف الاتصالات، فضاعت 3 سنوات من عمر كثيرين كانوا على أعتاب التخرج.

أبوبكر، طالب في كلية مرموقة، كان في السنة الثالثة والأخيرة من دراسته الجامعية حين اندلعت الحرب، فلجأ مع أسرته إلى أوغندا، حاول التواصل مع جامعته، لكن الرسوم الباهظة التي طالبت بها، جعلته يعدل عن الفكرة. قرَّر بدء رحلة جامعية جديدة في بلد لجوئه لأنها «أكثر رحمةً» من جامعته في بلاده، لكن ضاعت من عمره سنوات لا تقدر بثمن... يقول بمرارة: «أبي كان يمازحني، ستتخرج إلى المعاش».

عائلات سودانية نازحة من الفاشر تتواصل مع عمال الإغاثة خلال توزيعهم الإمدادات الغذائية بمخيم العفد في الضبعة بولاية شمال السودان الشهر الماضي (أ.ب)

ومع ذلك، يظلُّ مَن هم في حال أبوبكر أفضل من كثيرين تقطعت بهم السبل، فهم «لا أكملوا دراسة، ولا يرون أملاً قريباً لذلك».

أيام ثقيلة

هكذا تعيدنا النهاية إلى ما بدأنا به، إلى حقيبة وداد ومفاتيحها الصدئة، وهاتفها الذي صار نافذة نجاة، إلى «نفاج» صغير يفتح احتمال يوم جديد، ليمضي السودانيون وهم مثقلون بهذه الأيام الأليمة، يعانون حرباً طالت، حتى صارت حياة كاملة من ألف يوم ويوم... ويتساءلون كل صباح عن سبب لاستمرارها، وعن كيفية كسر حصار الحاجة إلى لقمة تسكت الجوع، ودواء يرد الموت خطوة، ومدرسة تعيد معنى الغد، أو بيت يلم شعثهم، أو مجرد فرصة أن يبقوا أحياء.

أما الذين ماتوا بالحرب، أو قُتلوا بدم بارد فيها، جنوداً من الطرفين كانوا، أم مواطنين مساكين، فهم مجرد ضحايا لحرب الألف يوم... ودون عدّ أو إحصاء، وفي أكثر التقديرات تفاؤلاً، تفوق أعدادهم الـ150 ألفاً.


محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
TT

محادثات سعودية ــ سودانية تناقش سبل وقف الحرب


من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)
من لقاء البرهان والخريجي في بورتسودان أمس (مجلس السيادة)

بحث رئيس «مجلس السيادة الانتقالي»، قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، أمس(الأربعاء)، في بورتسودان، مع نائب وزير الخارجية السعودي، وليد الخريجي، تطورات الأوضاع في السودان وسبل وقف الحرب في هذا البلد، حسب بيان لمجلس السيادة السوداني.

بدورها، ذكرت وزارة الخارجية السعودية أن الجانبين بحثا «جهود تحقيق السلام في السودان بما يحقق أمنه واستقراره، ويحافظ على وحدته ومؤسساته الشرعية»، مضيفة أن الخريجي «جدّد حرص السعودية على عودة الأمن والاستقرار للسودان، والحفاظ على وحدة أراضيه بما يحقق تطلعات الشعب السوداني».

وتناول اللقاء الترتيبات الجارية لانعقاد «مجلس التنسيق الاستراتيجي» بين البلدين، الذي «يحظى برعاية كريمة من القيادة في البلدين الشقيقين»، وفق إعلام «مجلس السيادة».


«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
TT

«جامعة الغذاء»... تحرك تعليمي مصري لسد «الفجوة الزراعية»

اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)
اجتماع حكومي في مصر الأربعاء لبدء خطوات إنشاء «جامعة الغذاء» (مجلس الوزراء المصري)

في وقت تتجه فيه الحكومة المصرية نحو توسيع مساحات الرقعة الزراعية في محاولة لسد «فجوات الغذاء»، اتخذت خطوات تنفيذية نحو إنشاء أول «جامعة للغذاء»، لتبدأ في استقبال الطلاب اعتباراً من العام الدراسي المقبل، وفقاً لوزارة التعليم العالي.

وبحسب البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي في مصر أيمن عاشور لقاءً مع وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق «لمناقشة الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء (جامعة الغذاء)، وذلك في إطار توجه الدولة نحو استحداث جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة».

وتهدف الجامعة، وفقاً للأمينة العامة لصندوق تطوير التعليم رشا سعد، إلى «ربط الدراسة الأكاديمية باحتياجات الدولة الفعلية، خصوصاً في مجالي الأمن الغذائي، وإدارة الموارد المائية، إلى جانب التنمية المستدامة»، وذلك مع وجود فجوة غذائية تظهر في فاتورة استيراد السلع الاستراتيجية من الخارج، وفي مقدمتها القمح، والذرة، والزيوت.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الغذاء يمثل 21 في المائة من إجمالي الواردات المصرية، وبلغت قيمته نحو 78 مليار دولار في عام 2024.

وفي الآونة الأخيرة قالت وزارة الزراعة إنها تسعى لزيادة الرقعة الزراعية بنسبة تقترب من 40 في المائة خلال 5 سنوات، بغرض زيادة الإنتاج الزراعي، وتلبية الاحتياجات المحلية والتصديرية المتزايدة.

وأكدت رشا سعد، بحسب بيان صادر عن صندوق تطوير التعليم، الأربعاء، أن الجامعة المرتقبة «تعكس توجّهاً نحو جيل جديد من المؤسسات التعليمية القائمة على العلوم البينية، وتهدف إلى دعم المشروعات القومية من خلال إعداد كوادر مؤهلة، وتقديم استشارات فنية، وعلمية، والمساهمة في تحديد المحاصيل الاستراتيجية، بما يرفع كفاءة الإنتاج الزراعي، ويواكب التطورات العالمية في علوم الغذاء».

ووفق التصور المطروح، ستضم «جامعة الغذاء» خمس كليات متخصصة هي «الزراعة الذكية»، و«الإنتاج الحيواني»، و«إدارة الموارد المائية»، و«تكنولوجيا العمليات الغذائية»، و«الميكنة الزراعية»، إضافة إلى «مركز بحوث للغذاء»، و«حاضنة لريادة الأعمال».

ويجري تنفيذ المشروع بالشراكة مع جامعة هيروشيما اليابانية، وبالتعاون مع جامعتي القاهرة، وبنها، بهدف تقديم تعليم يجمع بين الجانب الأكاديمي، والتدريب العملي.

وقال مصدر مسؤول بوزارة التعليم العالي إن الجامعة الجديدة تعد نموذجاً للجامعات المتخصصة التي تتوسع فيها الحكومة المصرية بالشراكة بين وزارات وهيئات متخصصة في مجالات بعينها وبين وزارة التعليم العالي، وإن «جامعة الغذاء» تأتي على غرار «جامعة النقل» التي بدأت عملية إنشائها فعلياً في سبتمبر (أيلول) الماضي بالشراكة بين «التعليم العالي» ووزارة النقل.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «جامعة الغذاء» ستعمل على تحقيق أهداف اقتصادية تتعلق بتقليل «الفجوة الزراعية»، وستخدم تطورات الإنتاج الزراعي، والتسميد، وترشيد استخدام المياه، وستضم مراكز بحث تستفيد من الإمكانيات البحثية لدى وزارة الزراعة، متوقعاً التوسع في مثل هذا النوع من الجامعات على مستويات وزارات أخرى مثل التجارة، والصناعة، والري والموارد المائية.

ويرى وزير التعليم العالي عاشور أن الجامعات المتخصصة «تُعد أحد محاور تطوير منظومة التعليم العالي، وتهدف لإعداد كوادر مؤهلة بمهارات رقمية، وتخصصات دقيقة عبر برامج مرنة».

وأوضح في البيان الصادر عن الوزارة، الأربعاء، أن الخطة تتضمن «إنشاء جيل جديد من الجامعات المصرية المتخصصة بالتعاون مع الجامعات الدولية، والوزارات»، ومن المقرر أن تشمل أيضاً جامعات «علوم الرياضة» و«السياحة» بالتنسيق مع الوزارات المعنية.

وأشارت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى وصول عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة، موزعة بين 28 جامعة حكومية، و32 أهلية، و37 جامعة خاصة، و12 جامعة تكنولوجية، إلى جانب 9 فروع لجامعات أجنبية، و10 جامعات أُنشئت وفق اتفاقيات تعاون دولي.

وأشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة جمال صيام إلى تحديات قال إنها بحاجة إلى خطط قومية، وتفعيل الأدوات البحثية الموجودة لسد «الفجوة الغذائية الهائلة».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مصر تُعد المستورد الأول للقمح في العالم، ولم تحقق اكتفاء ذاتياً من الذرة، والزيوت، كما أن العدس اختفى تقريباً من الدورة الزراعية».