الأمير هاري يبحث عن طريقة للعودة إلى العائلة الملكية مجدداً

الأمير هاري (أرشيفية - رويترز)
الأمير هاري (أرشيفية - رويترز)
TT

الأمير هاري يبحث عن طريقة للعودة إلى العائلة الملكية مجدداً

الأمير هاري (أرشيفية - رويترز)
الأمير هاري (أرشيفية - رويترز)

استشار الأمير هاري مساعديه السابقين بشأن العودة الجزئية المحتملة إلى المملكة المتحدة في سعيه لإصلاح صورته العامة، وتفيد مصادر مقربة من دوق ساسكس بأنه يسعى إلى «إعادة تحسين» صورته في بريطانيا، وإصلاح علاقته بوالده الملك.

وذكرت صحيفة «تايمز» نقلاً عن صحيفة «ميل أون صنداي» أن الأمير هاري كان يتشاور مع الأصدقاء والمساعدين السابقين الموثوق بهم حول استراتيجية محتملة، وأن أحدهم أثار احتمال عودته إلى واجبات ملكية «منخفضة المستوى».

وورد مؤخراً أن مستشاراً أميركياً آخر توقف عن العمل لدى الدوق والدوقة، ليصبح بذلك العضو العاشر في الطاقم الذي يفعل ذلك منذ انتقالهما إلى الخارج في عام 2020.

كما كان هاري يحاول إصلاح علاقته بالملك. وذكرت صحيفة «التايمز» في فبراير (شباط) أنه على استعداد للعودة إلى دور ملكي مؤقت في المملكة المتحدة لدعم والده، بينما كان الملك يعالج من السرطان.

ومع ذلك، على الرغم من أن هاري سعى إلى دور ينطوي على واجبات ملكية محدودة، ولكنه يسمح له بمواصلة العيش في الولايات المتحدة، فقد عارض قصر باكنغهام مثل هذا الترتيب. وقالت جدته الراحلة إليزابيث الثانية إنه لا يستطيع أن يكون «نصفه بالداخل ونصفه بالخارج»، حسبما أفادت صحيفة «التايمز».

وانتقل هاري وميغان إلى الولايات المتحدة بعد فترة وجيزة من تنحيهما عن مهامهما الملكية في عام 2020، وقاما بتربية طفليهما هناك. وقالت المصادر إنهما لم يكونا يسعيان إلى العودة بشكل دائم، لكن الدوق كان يطلب المشورة في المملكة المتحدة حول كيفية تحسين صورته.

ونقلت الصحيفة عن مصدر: «هاري يبتعد عن جميع أنواع وكلاء الدعاية في هوليوود، ويطلب المشورة من أصدقائه القدامى وزملائه. من الواضح أنه يتواصل مع الآخرين ويفكر»، وأفاد المصدر بأن الأمير يردد: «أنا بحاجة إلى القيام بشيء مختلف لأن ما أفعله من الواضح أنه لا يعمل». وأردف المصدر: «باختصار، إنه يعيد التفكير في الطريقة التي يعمل بها».

وأفادت الصحيفة البريطانية بأن أحد أصدقاء الأمير هاري توصل إلى استراتيجية قد تنطوي على أداء «واجبات ملكية منخفضة المستوى للغاية» لإعادة بناء الثقة العامة.

وقال مصدر للصحيفة إن الصديق «يعتقد أنه إذا عاد هاري إلى المملكة المتحدة من دون ضجة، ولم يقم بأي دعاية وحضر أحداثاً عادية للغاية، فيمكنه إثبات نفسه وكسب الجمهور البريطاني مرة أخرى».

وقال المصدر إن عودة الأمير هاري لواجباته الملكية لن يحدث إلا «إذا تمكن بعض أفراد الأسرة من إيجاد ما يسمح بذلك».

وانفصل كثير من الموظفين عن دوق ودوقة ساسكس، وبدأت كريستين ويل شيرمر العمل في مؤسسة «آرتشي ويل» بوصفها رئيسة للاتصالات في عام 2020، وكانت مستشارة أولى للزوجين منذ عام 2021. وقد تبين أنها تركت وظيفتها في أواخر العام الماضي، وهي تعمل الآن في وكالة علاقات عامة في سان فرنسيسكو.

في وقت سابق من هذا العام، ترك رئيس موظفي الزوجين جوش كيتلر منصبه بعد ثلاثة أشهر فقط، بعد أن أفيد بأن الجانبين قررا أنه غير مناسب.


مقالات ذات صلة

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

يوميات الشرق الطبيعة رفيقة طريق في رحلة التعافي (قصر كنسينغتون)

كيت ميدلتون: الطبيعة شريكتي في التعافي من السرطان

قالت أميرة ويلز، كيت ميدلتون، إنّ الطبيعة أدَّت دوراً محورياً في مساعدتها على التعافي من مرض السرطان...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملكة البريطانية كاميلا (رويترز)

للمرة الأولى... الملكة كاميلا تتحدث عن تعرضها للتحرش في سن المراهقة

تحدثت الملكة البريطانية كاميلا لأول مرة عن «الغضب» الذي انتابها بعد تعرضها لاعتداء جنسي في قطار عندما كانت مراهقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز (أ.ف.ب)

نجحوا في «تغيير حياة الناس»... الملك تشارلز يكرّم ألف شخصية بريطانية

كرّم الملك تشارلز الثالث الاثنين ألف بريطاني من بينهم الممثل إدريس إلبا وعدد من لاعبات منتخبات إنجلترا النسائية لكرة القدم والرغبي اللاتي حققن نجاحات هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لحظة عائلية دافئة في موسم الأعياد (إنستغرام)

رسالة ميلادية دافئة من دوق ودوقة ساسكس

شاركت دوقة ساسكس صورة عائلية جمعتها بدوق ساسكس وطفليهما، مُرفقة برسالة بمناسبة عيد الميلاد...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الملك تشارلز الثالث (رويترز)

علاج الملك تشارلز من السرطان سيكون أخفّ في العام الجديد

قال الملك تشارلز الثالث، الجمعة، إن علاجه من السرطان سيتم تخفيفه في العام الجديد بفضل التشخيص المبكر، والتدخل الفعال، والالتزام بتعليمات الأطباء.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)
العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)
TT

«من زاوية أخرى»... جريمة تكشف هشاشة الروابط الإنسانية

العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)
العرض ينافس على جوائز مهرجان المسرح العربي (إدارة المهرجان)

شكل التحقيق في جريمة قتل غامضة نقطة الانطلاق الرئيسية للمسرحية الكويتية «من زاوية أخرى»، التي عُرضت مساء (الثلاثاء) على خشبة مسرح «السامر» في مصر، ضمن منافسات مهرجان «المسرح العربي».

من زوايا متعددة، تتشابك مصائر الشخصيات، وتتقاطع رواياتهم حول ما جرى في محاولة للوصول إلى حقيقة الحدث. فتبدأ الأحداث بفتح تحقيق رسمي في واقعة مقتل أحد الأشخاص داخل فضاء مغلق، ويتولى المحقق مهمة جمع الأدلة والاستماع إلى إفادات الشهود والمشتبه فيهم، وإعادة تركيب تسلسل الأحداث.

مع تقدّم التحقيق، تتكشف علاقات معقدة بين الشخصيات، وتتعدد الروايات حول الجريمة ودوافعها، في حين يتركز الاشتباه على الخادمة «سارة» وابنها «آدم». وتُعاد الوقائع في مشاهد متفرقة، حيث تُروى الحادثة أكثر من مرة من زوايا مختلفة، وتظهر تفاصيل جديدة في كل مرة، ما يُغيّر فهم المحقق لما حدث ويعيد ترتيب خيوط القضية.

«من زاوية أخرى» تمثل الكويت في مسابقات المهرجان (إدارة المهرجان)

تتنقل الأحداث بين الحاضر المرتبط بجلسات التحقيق والماضي الذي تستدعيه ذاكرة الشخصيات عبر استرجاع مواقف سابقة لها صلة بالجريمة، وتتداخل الشهادات مع الذكريات والتصورات الشخصية، فتظهر بعض الوقائع في صورة مشاهد ذهنية أو لوحات متتابعة لا تخضع دائماً لتسلسل زمني واحد. ومع تكرار إعادة سرد الحدث، تتبدل المعطيات وتتقاطع الروايات، لتبقى الحقيقة محل بحث مستمر داخل مجريات القصة.

تكشف مجريات التحقيق عن شبكة من العلاقات الإنسانية المتشابكة بين الشخصيات وما تحمله من توترات وصراعات داخلية وخارجية، تتراكم تدريجياً مع تصاعد الأحداث، لتتحول الجريمة من مجرد واقعة جنائية إلى مدخل لكشف طبيعة العلاقات بين الشخصيات، وحدود الثقة بينها، وتأثير الضغوط النفسية والاجتماعية على سلوك الأفراد، من خلال تتبع تفاصيل التحقيق وتداعياته على جميع الأطراف.

المسرحية، التي كتبها وشارك في بطولتها مصعب السالم وأخرجها محمد جمال الشطي، شارك في بطولتها عدد من الفنانين الشباب منهم حسن إبراهيم وهيا السعيد، ومن إنتاج «فرقة المسرح الكويتي».

قُدمت المسرحية على خشبة مسرح السامر (إدارة المهرجان)

رأى المخرج الكويتي محمد جمال الشطي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن مشاركتهم في مهرجان «المسرح العربي» تُمثل محطة مفصلية في مسيرة العمل، ليس فقط لقيمة المهرجان، ولكن لما يحمله من احتكاك مباشر مع جمهور عربي واسع ونقاد ومتخصصين، مشيراً إلى أن «اختيار العرض من بين أكثر من 150 عملاً تقدمت للمشاركة يُعد في حد ذاته تقديراً كبيراً للجهد الفني المبذول من فريق العمل بأكمله».

وأوضح الشطي أن «فريق التمثيل دخل هذه التجربة بحالة عالية من الحماس والالتزام»، لافتاً إلى أن «الممثلين ينظرون إلى المشاركة بوصفها اختباراً حقيقياً لقدرتهم على تقديم أدائهم بأقصى درجات التركيز والانضباط، خصوصاً أمام جمهور يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل الأدائية والإيقاعية».

وأضاف أن العمل مع الممثلين قام منذ البداية على بناء دقيق للشخصيات، وعلى الاشتغال على العمق النفسي والدوافع الداخلية لكل شخصية، وليس الاكتفاء بالأداء الخارجي أو التعبير المباشر، وهو ما انعكس على تماسك الأداء الجماعي وتكامل العلاقات على خشبة المسرح.

ركزت المسرحية على تفاصيل متداخلة في حياة أبطالها (إدارة المهرجان)

وأشار إلى أن الرؤية الإخراجية اعتمدت على ضبط الإيقاع الحركي للممثلين، وتنظيم انتقالاتهم داخل الفضاء المسرحي بشكل مدروس، بما يخدم كثافة الفكرة وتعدد مستويات القراءة داخل العرض، مؤكداً أن «الاشتغال على الحركة والإيماءة كان جزءاً أساسياً من بناء الدلالة، وليس مجرد عنصر جمالي، خصوصاً أن إدارة حركة الممثلين على الخشبة جاءت نتيجة بروفات طويلة ركزت على الانسجام الجماعي، والدقة في التوقيت، والتوازن بين التعبير الفردي والعمل الجماعي».

تجربة مميزة

ووصفت أستاذة المسرح في أكاديمية الفنون سامية حبيب لـ«الشرق الأوسط» العرض بأنه تجربة جمالية مميزة على مستوى المسرح الكويتي، مشيرة إلى أن «جميع عناصر العرض جاءت منسجمة في تقديم طرح إنساني عميق يرصد كيفية تحوّل البشر وانتقالهم من حالة إلى أخرى تحت ضغط الظروف والمتغيرات، في إطار فكري جريء وطموح نُفِّذ بكفاءة واضحة».

وأوضحت سامية حبيب أن المخرج محمد جمال الشطي يمتلك جرأة لافتة في طرح الأفكار وصياغتها بصرياً وجمالياً، مؤكدة أن «صُنّاع العرض كانوا واعين تماماً بأنهم يقدمون عملاً ذا قيمة فنية وفكرية، ورغم وجود بعض الملاحظات المحدودة على الأداءات الصوتية، نتيجة السعي الدائم للحفاظ على الإيقاع المتسارع للعرض، ما أدى في بعض اللحظات إلى عدم وصول بعض الجمل أو الأصوات بالشكل الكافي إلى المتلقي»، إلا أن هذه الملاحظات، حسب تعبيرها، «لا تنتقص من الكفاءة الشديدة للعمل ولا من جودة الأداء العام».

لقطة من العرض الكويتي (إدارة المهرجان)

وأكدت سامية حبيب أن المخرج نجح في توظيف المهارات الفردية لكل ممثل ودمجها داخل نسيج درامي متكامل، بما أتاح تقديم عدد كبير من الشخصيات التي شكلت تجربة إنسانية مؤثرة، مع طموح طرح قضية إنسانية مركّبة خلال زمن عرض لا يتجاوز الساعة تقريباً، عبر تقديم نماذج إنسانية متعددة ونقل حالة التضارب في المشاعر الإنسانية بصورة أكثر عمقاً داخل السياق الدرامي، بما يسمح للمتلقي باستيعاب التناقضات النفسية والانفعالية للشخصيات.


أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
TT

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)

لا يبدو أن مغامرات «أليس في بلاد العجائب» ستتوقف يوماً عند حدود نسخة مُبدعها لويس كارول، فعالمها السحري لا يزال يلهم صناع الأدب والفن. وقد ظهرت مؤخراً في حُلة «محلية» خلال «مهرجان الكُتاب والقرَّاء» في مدينة الطائف، بنسخة سعودية باسم «هيا»، بشعرها الأسود، وردائها الشرقي، وطوق الزهور الذي يزيّن رأسها.

تستقبل «هيا» الزوار في جناحها، وبعد الترحيب بهم تخاطبهم بلهجتها المحلية: «تعرفون أليس تطيح في جحر الأرنب، أما أنا فراح آخدكم لعالم الأساطير العربية».

تصطحب «هيا» الزوار عبر ثلاث قاعات، تأخذهم بين عوالم الغول والسعلاة والعنقاء، التي تأسر اهتمامهم بينما تظهر بطيوفها الخيالية على شاشات العرض.

يتخلل الأفلام القصيرة مقاطع لشعراء عرب، من بينهم الشاعر الجاهلي «تأبط شراً» وهو يخاطب الغول في صحرائه، فيتردد صدى كلماته بتقنيات صوتية مجسمة تضاعف هيبة المشهد، لتصبح محاكاة التراث العربي بالتكنولوجيا المتقدمة محوراً رئيسياً في هذه النسخة من المهرجان.

جناح هيئة الأدب والنشر والترجمة بالمهرجان (الشرق الأوسط)

تؤدي دور «هيا» أكثر من فتاة ترتدي الزي نفسه، لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الزوار، كما يوضح طول الطوابير المنتظرة لتجربة «بين الواقع والخيال».

وتقول إحدى مؤديات الدور، أمنية مجدي، لـ«الشرق الأوسط» وهي تعبر عن دهشتها: «نلاحظ يومياً شغف جمهور المهرجان بالحكايات الخيالية عن هذه الكائنات».

في حين تقول شدى عماد، التي تؤدي أيضاً دور «هيا»: «تجمعنا مع أليس فكرة العجائب نفسها، ولم نتوقع حجم الإقبال على حكايات مثل الغول والسعلاة والعنقاء».

وقع الاختيار على «منتزه الرُدف» في مدينة الطائف لاستضافة فعاليات المهرجان، الذي تشرف عليه «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، ويستمر حتى منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «حضورك مكسب».

«فلونا» و«حي بن يقظان» في عرض مسرحي فانتازي بالمهرجان (الشرق الأوسط)

وقد عزز المكان بمساحاته الخضراء من طابع المهرجان وفلسفته في تقريب التواصل بين الثقافة والجمهور، فصارت التجربة أشبه بـ«نزهة ثقافية» بعيداً عن الندوات والمنصات الحوارية التقليدية.

ويَبرز هذا الطابع في تجوال العائلات بين أكشاك الكتب والحرف التقليدية، وتفاعلهم مع عروض موسيقية شرقية وغربية، وانجذابهم لعروض مسرحية مفتوحة.

ومن بينها عرض يجمع شخصية «فلونا» المستوحاة من عالم روبنسون كروزو مع «حيّ بن يقظان»، فيتبادلان الحوار على الخشبة بطريقة تلامس الصغار والكبار معاً، في تجربة تكشف عن براءة وإنسانية الشخصيات.

منتزه الرُدف أحد المعالم الترفيهية في الطائف (الشرق الأوسط)

ولأن المهرجان يستهدف جميع الأعمار، كان اختيار «الأمير الصغير» مثالياً، بوصفه عملاً بسيطاً ظاهراً لكنه يحوي فلسفة عميقة. جاء حضوره عبر تجربة تفاعلية، إذ يُطلب من كل زائر الإجابة عبر جهاز لوحي عن أسئلة مستوحاة من عالم الرواية، درّة أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، لينتهي التحليل بتصنيف شخصية الزائر: هل هو واقعي أو حالم، على طريقة «الأمير الصغير».

ولعل فكرة «المعايشة»، أو نقل الزائر إلى قلب العمل الأدبي، كانت من أبرز محاور المهرجان. ففي إحدى الفعاليات، تُستوحى قرية «عصيدة» الخيالية من رواية «ساق الغراب» للكاتب السعودي يحيى أمقاسم، حيث تُعرض على الجدران والأرضيات عبر تقنيات شاشات حديثة، مصحوبة بأهازيج كان يغنيها بطل الرواية «حمود».

وتتضاعف تجربة المعايشة مع المؤثرات الصوتية للمطر ورائحة الحقول المزهرة المنبعثة من الأجهزة المصممة، لتشمل الحواس السمعية والبصرية والشمّية.

ويعلق سلطان محمد المشهوري، الذي يصطحب الزوار في هذه التجربة قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يتساءل الزوار كيف تتحول الرواية إلى عالم يُعاش، وهل هذه القرية حقيقية أو خيالية، فالتجربة تثير الدهشة سواء لمن قرأ الرواية أو لم يقرأها».

الاعتماد على تقنيات الشاشات أحد سمات العروض (الشرق الأوسط)

كما يؤكد الشاعر والروائي عمرو البطا أهمية تقديم الأعمال الأدبية بشكل جذاب وغير نخبوِي، ويرى أن «التحرر من نمطية تقديم الأدب أمر مهم وفي صالحه».

وفي تجربة أخرى بالمهرجان تحمل اسم «شارك خبرتك»، صُمِّمت مساحة تفاعلية تجمع بين الكاتب والزائر، ما يتيح للزوّار فرصة طرح أسئلتهم مباشرة، والحصول على استشارات أدبية وتوصيات مبنية على خبرات الكاتب ومسيرته الإبداعية.

وتعلق الشاعرة السعودية حوراء الهميلي بعد لقاءاتها بالقراء: «لم أكن أتخيل حجم التفاعل الفردي مع كل قارئ على حدة»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الزاوية تمنح القارئ مساحة خصوصية وحميمية في حواره مع الكاتب، وهي تجربة مثرية للطرفين؛ القارئ والكاتب على حد سواء».


مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)