الجزائر تسعى لزيادة الاستثمارات المشتركة والتكامل الاقتصادي مع السعودية

سفيرها بالرياض لـ«الشرق الأوسط»: نعمل معاً لتحفيز منطقة التجارة العربية الحرة

السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
TT

الجزائر تسعى لزيادة الاستثمارات المشتركة والتكامل الاقتصادي مع السعودية

السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)

أكد السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد أن توافر الإرادة السياسية لدى قيادتي السعودية والجزائر يدفع بالعلاقات نحو التعاون الاستراتيجي الشامل، ويعزز التكامل الاقتصادي، ويزيد من التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، كاشفاً عن خطة بلاده للتحرر من الاعتماد على المحروقات وتعظيم آليات تنويع الموارد الاقتصادية.

وكشف في حديث مع «الشرق الأوسط» عن مساعٍ لتطوير مشاريع التجارة البينية والاستثمار، نتيجة زيارة وزير التجارة وترقية الصادرات الطيب زيتوني إلى الرياض، متوقعاً زيارة نظيره السعودي ماجد القصبي إلى بلاده قريباً.

وأشار وليد إلى أن بلاده ستشارك في معرض «فوديكس» الذي سيقام منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل في الرياض، وهو ما سيسمح بالتعريف بمنتجات الصناعة الغذائية الجزائرية، حيث تتميز بتنوعها وجودتها العالية وأسعارها التنافسية.

تنمية التعاون الاقتصادي

وأوضح وليد أن مجلس التنسيق الأعلى الجزائري - السعودي سيعقد قريباً أولى دوراته، مما سيعزز التعاون الاقتصادي، تحت الرئاسة الشرفية لقائدي البلدين والرئاسة التنفيذية لوزيري خارجية البلدين وعضوية الوزراء المعنيين، لتوسيعه في كافة المجالات.

وكشف عن أن التعاون الثنائي سيتم دعمه بحزمة من الاتفاقيات والبرامج التنفيذية في مختلف المجالات، من المنتظر أن يتم التوقيع عليها خلال دورة المجلس أو بمناسبة فعاليات ثنائية مقبلة، إضافة إلى زيادة حجم التبادل التجاري وإعادة توازنه بين البلدين.

وأقر بأن الاستثمارات السعودية في الجزائر ضئيلة مقارنة بالإمكانيات والفرص الاستثمارية المتاحة في الجزائر والمناخ الاستثماري المحفز الذي يوفره قانون الاستثمار 2022 والقوانين والأنظمة الأخرى ذات الصلة.

فرص استثمارية جديدة

ودعا المستثمرين السعوديين إلى اكتشاف الفرص الاستثمارية في بلاده، مع توفر بيئة استثمارية جاذبة، والتنوع المناخي والبيئي، وموارد بشرية تقدر بأكثر من 46 مليون نسمة، 60 في المائة منهم شباب، وقوى عاملة مؤهلة، وتكاليف إنتاج تنافسية، وبنية تحتية حديثة، وسوق محلية وأسواق حدودية تضم أكثر من 160 مليون نسمة.

وأشار إلى أن قانون الاستثمار الجديد الصادر في يوليو (تموز) 2022 يتضمن حرية الاستثمار والمساواة بين المستثمر الجزائري ونظيره الأجنبي، وعدم المساس بالحقوق والمزايا المكتسبة، وضمان تحويل الاستثمار ورأس مال المستثمر والعوائد الناتجة عن الاستثمار، مع حق الطعن أمام اللجنة العليا لدى رئاسة الجمهورية واللجوء إلى التحكيم الدولي.

وبحسب وليد، فإن فرص الاستثمار متاحة في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والزراعة، والصناعات الغذائية، والصيد ومنتجات الصيد، والصناعة، والطاقات الجديدة والمتجددة، والسياحة.

وأوضح وليد أن المستثمر الأجنبي يستفيد من خدمات «الشباك الوحيد» للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وتخفيض الإعفاءات الضريبية والجمركية، التي تصل مدتها إلى 10 سنوات، خلال مرحلة الإنجاز أو مرحلة الاستغلال، وفق أنظمة تحفيزية ثلاثة، وهي «نظام القطاعات»، و«نظام المناطق»، و«نظام الاستثمارات المهيكلة».

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من محفظة عقارية صناعية تقع في المناطق الصناعية ومنطقة النشاطات، والإعفاء من إجراءات التجارة الخارجية والتوطين البنكي، وإمكانية تكفل الدولة بأعمال التهيئة والمنشآت الأساسية.

العلاقات الثنائية

وقال وليد: «إن البلدين الشقيقين تربطهما علاقات تاريخية قوية ومتميزة تعززت منذ استعادة الجزائر سيادتها في يوليو 1962، وهو ما ساهمت السعودية بشكل كبير في تحقيقه بفضل الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي الذي قدمته للثورة الجزائرية في عهد الملكين سعود وفيصل بن عبد العزيز».

وأكد وليد أن التنسيق الثنائي والدعم المتبادل في المحافل الدولية والعربية والإسلامية يعزز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية إلى جانب القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن أول زيارة دولة يقوم بها الرئيس عبد المجيد تبون إلى دولة عربية بعد انتخابه كانت إلى المملكة في فبراير (شباط) 2020، بعد زيارة ولي العهد ورئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى الجزائر في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

التبادل التجاري... متطلبات ضرورية

وأضاف أن «حجم التبادل التجاري لا يتجاوز مليار دولار سنوياً، ما يتطلب العمل على الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى آفاق أوسع»، مبيناً أن التبادل التجاري يقتصر على المواد البلاستيكية ومنتجاتها، والمطاط ومنتجاته، والمحروقات والزيوت، والركام المعدني، ومنتجات الصناعات الغذائية، والمنتجات الكيماوية، والمواد الصيدلانية، والمركبات العضوية وغير العضوية.

وأقر وليد بأن حجم المبادلات التجارية وعمليات الاستثمار لا يرقى إلى مستوى الإمكانات التكاملية لدى البلدين وطموحاتهما في استغلالها لدفع العلاقات الاقتصادية، في إطار تنفيذ مخططاتهما التنموية الكبرى، وسياساتهما المتماثلة والتي تهدف في كل منهما إلى التحرر من التبعية المفرطة للمحروقات وتنويع موارد اقتصاديهما.

وتابع: «حالياً فإن حجم المشاريع الاستثمارية السعودية المعلن عنها والمسجلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار لا يتجاوز 640 مليون دولار، منها نحو 218 مليون دولار فقط تجسدت على أرض الواقع، في مجالات الزراعة والبناء والأشغال العمومية والصناعة والسياحة والخدمات».

انتخابات رئاسية لتعزيز الاقتصاد

وأعرب وليد عن تفاؤله بالتأثير الإيجابي للانتخابات الرئاسية المقبلة على خطط وتنمية الاقتصاد والتجارة والاستثمار، مشيراً إلى أن الانتخابات ستجرى يوم 7 سبتمبر المقبل، كاشفاً عن أن 15 ألف جزائري في السعودية سيتمتعون بحق التصويت في ثلاث مدن في المملكة.

وتوقع أن تساهم الانتخابات في تعزيز الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي، وهو ما سينعكس إيجاباً على تطور التجارة وتدفق الاستثمارات بين الجزائر وشركائها الدوليين على غرار السعودية، مشيراً إلى أن بلاده قطعت بالفعل خطوات كبيرة في المجال الاقتصادي بفضل استقرارها السياسي والأمني.

وأكد أن استكمال البناء المؤسساتي، الذي بدأ باعتماد دستور جديد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وما تلاه من تنصيب هيئات دستورية أخرى، بما في ذلك المحكمة الدستورية، سيعزز احترام القانون الأساسي للدولة وضبط عمل مؤسساتها.

محاربة الفساد المالي والاقتصادي

وأعرب وليد عن تفاؤله بأن يواصل الرئيس المقبل دعم الزخم الذي يشهده الاقتصاد الوطني للبلاد، ومواصلة مكافحة الفساد، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، مع مواصلة سياسة تقليص الاعتماد المفرط على عائدات المحروقات من خلال تنويع موارد الاقتصاد وتشجيع الصادرات غير النفطية.

وقال وليد إن الاقتصاد الجزائري سجل أداء إيجابياً خلال عام 2023، حيث بلغ معدل النمو 4.2 في المائة، وسجل ميزان المدفوعات الإجمالي فائضاً بأكثر من 7 مليارات دولار، وارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى 70 مليار دولار.

وأوضح أن الميزان التجاري حقق فائضاً بأكثر من 12 مليار دولار، وانخفض معدل التضخم إلى 6 في المائة، وارتفع متوسط دخل الفرد إلى 5 آلاف دولار، مع تخلص الجزائر من ديونها الخارجية، ما أدى إلى احتلال البلاد للمرتبة الاقتصادية الثالثة في القارة الأفريقية، والانتقال من فئة البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا إلى فئة البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا.

وأشار إلى أن التحضيرات للانتخابات تسير في أجواء طيبة وعادية، في إطار انتخابات حرة وشفافة ونزيهة، انطلقت حملتها الانتخابية في 15 أغسطس (آب) 2024، مع توفير أفضل الظروف لمشاركة واسعة وقوية للناخبين المقيمين في الخارج، والمقدر عددهم بأكثر من 865 ألف ناخب، خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 7 سبتمبر 2024.


مقالات ذات صلة

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

الاقتصاد رئيس مجلس الوزراء يشهد توقيع اطلاق المشروع (الشرق الأوسط)

مصر: إطلاق مشروع سياحي وسكني بالعين السخنة بقيمة مليار دولار

شهد مجلس الوزراء المصري، الأحد، إطلاق مشروع «أبراج ومارينا المونت جلالة» بالعين السخنة، باستثمارات تبلغ قيمتها 50 مليار جنيه (نحو مليار دولار).

صبري ناجح (القاهرة)
الاقتصاد محافظ صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان في افتتاح المنتدى (واس) p-circle 01:45

«السيادي» ينتقل من إطلاق الفرص إلى تسريع النمو في السعودية

يتجه صندوق الاستثمارات العامة لتكامل المنظومات وتسريع النمو بدعوة القطاع الخاص إلى شراكة في اقتصاد متنوع ومتين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد الجلسة الوزارية (الشرق الأوسط)

جلسة وزارية تكشف المنجزات السعودية والفرص الاستثمارية المتاحة للشركات

أكَّد وزراء سعوديون أن الشراكة بين «صندوق الاستثمارات العامة» والقطاع الخاص تمثل المحرك الرئيسي لتحول الاقتصاد السعودي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد البرلمان الكوري الجنوبي يصوّت على تشكيل لجنة لتسريع تشريعات الاستثمار في أميركا خلال جلسة عامة في الجمعية الوطنية (إ.ب.أ)

كوريا الجنوبية تُسرّع تشريعات الاستثمار الأميركية بعد تهديد ترمب بالرسوم

صوَّت البرلمان الكوري الجنوبي يوم الاثنين على تشكيل لجنة خاصة لتسريع التشريعات المتعلقة بالتزامات سيول الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 350 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد جانب من توقيع اتفاقية إطلاق شركة «ناس سوريا» في دمشق (طيران ناس)

بحصة 49 %... «طيران ناس» السعودية لتأسيس ناقل اقتصادي في سوريا

وقَّعت شركة «طيران ناس» مذكرة تفاهم مع هيئة الطيران المدني السوري، بشأن اتفاقية مشروع مشترك لتأسيس وتشغيل شركة طيران اقتصادي جديدة مقرها سوريا.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.