الجزائر تسعى لزيادة الاستثمارات المشتركة والتكامل الاقتصادي مع السعودية

سفيرها بالرياض لـ«الشرق الأوسط»: نعمل معاً لتحفيز منطقة التجارة العربية الحرة

السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
TT

الجزائر تسعى لزيادة الاستثمارات المشتركة والتكامل الاقتصادي مع السعودية

السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)
السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد (تصوير: يزيد السمراني)

أكد السفير الجزائري لدى السعودية شريف وليد أن توافر الإرادة السياسية لدى قيادتي السعودية والجزائر يدفع بالعلاقات نحو التعاون الاستراتيجي الشامل، ويعزز التكامل الاقتصادي، ويزيد من التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، كاشفاً عن خطة بلاده للتحرر من الاعتماد على المحروقات وتعظيم آليات تنويع الموارد الاقتصادية.

وكشف في حديث مع «الشرق الأوسط» عن مساعٍ لتطوير مشاريع التجارة البينية والاستثمار، نتيجة زيارة وزير التجارة وترقية الصادرات الطيب زيتوني إلى الرياض، متوقعاً زيارة نظيره السعودي ماجد القصبي إلى بلاده قريباً.

وأشار وليد إلى أن بلاده ستشارك في معرض «فوديكس» الذي سيقام منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل في الرياض، وهو ما سيسمح بالتعريف بمنتجات الصناعة الغذائية الجزائرية، حيث تتميز بتنوعها وجودتها العالية وأسعارها التنافسية.

تنمية التعاون الاقتصادي

وأوضح وليد أن مجلس التنسيق الأعلى الجزائري - السعودي سيعقد قريباً أولى دوراته، مما سيعزز التعاون الاقتصادي، تحت الرئاسة الشرفية لقائدي البلدين والرئاسة التنفيذية لوزيري خارجية البلدين وعضوية الوزراء المعنيين، لتوسيعه في كافة المجالات.

وكشف عن أن التعاون الثنائي سيتم دعمه بحزمة من الاتفاقيات والبرامج التنفيذية في مختلف المجالات، من المنتظر أن يتم التوقيع عليها خلال دورة المجلس أو بمناسبة فعاليات ثنائية مقبلة، إضافة إلى زيادة حجم التبادل التجاري وإعادة توازنه بين البلدين.

وأقر بأن الاستثمارات السعودية في الجزائر ضئيلة مقارنة بالإمكانيات والفرص الاستثمارية المتاحة في الجزائر والمناخ الاستثماري المحفز الذي يوفره قانون الاستثمار 2022 والقوانين والأنظمة الأخرى ذات الصلة.

فرص استثمارية جديدة

ودعا المستثمرين السعوديين إلى اكتشاف الفرص الاستثمارية في بلاده، مع توفر بيئة استثمارية جاذبة، والتنوع المناخي والبيئي، وموارد بشرية تقدر بأكثر من 46 مليون نسمة، 60 في المائة منهم شباب، وقوى عاملة مؤهلة، وتكاليف إنتاج تنافسية، وبنية تحتية حديثة، وسوق محلية وأسواق حدودية تضم أكثر من 160 مليون نسمة.

وأشار إلى أن قانون الاستثمار الجديد الصادر في يوليو (تموز) 2022 يتضمن حرية الاستثمار والمساواة بين المستثمر الجزائري ونظيره الأجنبي، وعدم المساس بالحقوق والمزايا المكتسبة، وضمان تحويل الاستثمار ورأس مال المستثمر والعوائد الناتجة عن الاستثمار، مع حق الطعن أمام اللجنة العليا لدى رئاسة الجمهورية واللجوء إلى التحكيم الدولي.

وبحسب وليد، فإن فرص الاستثمار متاحة في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والزراعة، والصناعات الغذائية، والصيد ومنتجات الصيد، والصناعة، والطاقات الجديدة والمتجددة، والسياحة.

وأوضح وليد أن المستثمر الأجنبي يستفيد من خدمات «الشباك الوحيد» للوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وتخفيض الإعفاءات الضريبية والجمركية، التي تصل مدتها إلى 10 سنوات، خلال مرحلة الإنجاز أو مرحلة الاستغلال، وفق أنظمة تحفيزية ثلاثة، وهي «نظام القطاعات»، و«نظام المناطق»، و«نظام الاستثمارات المهيكلة».

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من محفظة عقارية صناعية تقع في المناطق الصناعية ومنطقة النشاطات، والإعفاء من إجراءات التجارة الخارجية والتوطين البنكي، وإمكانية تكفل الدولة بأعمال التهيئة والمنشآت الأساسية.

العلاقات الثنائية

وقال وليد: «إن البلدين الشقيقين تربطهما علاقات تاريخية قوية ومتميزة تعززت منذ استعادة الجزائر سيادتها في يوليو 1962، وهو ما ساهمت السعودية بشكل كبير في تحقيقه بفضل الدعم السياسي والدبلوماسي والمالي الذي قدمته للثورة الجزائرية في عهد الملكين سعود وفيصل بن عبد العزيز».

وأكد وليد أن التنسيق الثنائي والدعم المتبادل في المحافل الدولية والعربية والإسلامية يعزز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية إلى جانب القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن أول زيارة دولة يقوم بها الرئيس عبد المجيد تبون إلى دولة عربية بعد انتخابه كانت إلى المملكة في فبراير (شباط) 2020، بعد زيارة ولي العهد ورئيس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى الجزائر في ديسمبر (كانون الأول) 2018.

التبادل التجاري... متطلبات ضرورية

وأضاف أن «حجم التبادل التجاري لا يتجاوز مليار دولار سنوياً، ما يتطلب العمل على الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية إلى آفاق أوسع»، مبيناً أن التبادل التجاري يقتصر على المواد البلاستيكية ومنتجاتها، والمطاط ومنتجاته، والمحروقات والزيوت، والركام المعدني، ومنتجات الصناعات الغذائية، والمنتجات الكيماوية، والمواد الصيدلانية، والمركبات العضوية وغير العضوية.

وأقر وليد بأن حجم المبادلات التجارية وعمليات الاستثمار لا يرقى إلى مستوى الإمكانات التكاملية لدى البلدين وطموحاتهما في استغلالها لدفع العلاقات الاقتصادية، في إطار تنفيذ مخططاتهما التنموية الكبرى، وسياساتهما المتماثلة والتي تهدف في كل منهما إلى التحرر من التبعية المفرطة للمحروقات وتنويع موارد اقتصاديهما.

وتابع: «حالياً فإن حجم المشاريع الاستثمارية السعودية المعلن عنها والمسجلة لدى الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار لا يتجاوز 640 مليون دولار، منها نحو 218 مليون دولار فقط تجسدت على أرض الواقع، في مجالات الزراعة والبناء والأشغال العمومية والصناعة والسياحة والخدمات».

انتخابات رئاسية لتعزيز الاقتصاد

وأعرب وليد عن تفاؤله بالتأثير الإيجابي للانتخابات الرئاسية المقبلة على خطط وتنمية الاقتصاد والتجارة والاستثمار، مشيراً إلى أن الانتخابات ستجرى يوم 7 سبتمبر المقبل، كاشفاً عن أن 15 ألف جزائري في السعودية سيتمتعون بحق التصويت في ثلاث مدن في المملكة.

وتوقع أن تساهم الانتخابات في تعزيز الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي، وهو ما سينعكس إيجاباً على تطور التجارة وتدفق الاستثمارات بين الجزائر وشركائها الدوليين على غرار السعودية، مشيراً إلى أن بلاده قطعت بالفعل خطوات كبيرة في المجال الاقتصادي بفضل استقرارها السياسي والأمني.

وأكد أن استكمال البناء المؤسساتي، الذي بدأ باعتماد دستور جديد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، وما تلاه من تنصيب هيئات دستورية أخرى، بما في ذلك المحكمة الدستورية، سيعزز احترام القانون الأساسي للدولة وضبط عمل مؤسساتها.

محاربة الفساد المالي والاقتصادي

وأعرب وليد عن تفاؤله بأن يواصل الرئيس المقبل دعم الزخم الذي يشهده الاقتصاد الوطني للبلاد، ومواصلة مكافحة الفساد، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، مع مواصلة سياسة تقليص الاعتماد المفرط على عائدات المحروقات من خلال تنويع موارد الاقتصاد وتشجيع الصادرات غير النفطية.

وقال وليد إن الاقتصاد الجزائري سجل أداء إيجابياً خلال عام 2023، حيث بلغ معدل النمو 4.2 في المائة، وسجل ميزان المدفوعات الإجمالي فائضاً بأكثر من 7 مليارات دولار، وارتفعت احتياطيات النقد الأجنبي إلى 70 مليار دولار.

وأوضح أن الميزان التجاري حقق فائضاً بأكثر من 12 مليار دولار، وانخفض معدل التضخم إلى 6 في المائة، وارتفع متوسط دخل الفرد إلى 5 آلاف دولار، مع تخلص الجزائر من ديونها الخارجية، ما أدى إلى احتلال البلاد للمرتبة الاقتصادية الثالثة في القارة الأفريقية، والانتقال من فئة البلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا إلى فئة البلدان متوسطة الدخل من الشريحة العليا.

وأشار إلى أن التحضيرات للانتخابات تسير في أجواء طيبة وعادية، في إطار انتخابات حرة وشفافة ونزيهة، انطلقت حملتها الانتخابية في 15 أغسطس (آب) 2024، مع توفير أفضل الظروف لمشاركة واسعة وقوية للناخبين المقيمين في الخارج، والمقدر عددهم بأكثر من 865 ألف ناخب، خلال الفترة الممتدة من 2 إلى 7 سبتمبر 2024.


مقالات ذات صلة

أرباح «بلاكستون» تتراجع مع اضطراب الأسواق وتباطؤ التخارج من الاستثمارات

الاقتصاد لافتة تحمل اسم مجموعة «بلاكستون» خارج مقر الشركة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة  (رويترز)

أرباح «بلاكستون» تتراجع مع اضطراب الأسواق وتباطؤ التخارج من الاستثمارات

أعلنت «بلاكستون»، أكبر شركة لإدارة الأصول البديلة في العالم، تراجع أرباحها خلال الربع الثالث، في ظل اضطراب الأسواق الذي حدّ من قدرتها على التخارج.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يؤمّنون المنطقة بالقرب من الجمعية الوطنية وسط اشتباكات مع محتجين في باريس (رويترز)

عوائد السندات الفرنسية تُسجّل أعلى مستوياتها منذ 2002 وسط مخاوف مالية وسياسية

تسجل عوائد السندات الفرنسية أعلى مستوياتها منذ 2002، مع اتساع الفارق عن ألمانيا، وسط مخاوف مالية وسياسية وارتفاع توقعات الفائدة الأوروبية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد إيلون ماسك يصل للمشاركة في فعالية داخلية ضمن الاحتفالات بموكب تنصيب الرئيس الأميركي بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب)

اندماج «تسلا» و«سبيس إكس» يواجه تحديات الصين والأمن القومي

قد يواجه الاندماج المحتمل بين شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، المملوكتين للملياردير إيلون ماسك، عقبات تنظيمية مرتبطة بالصين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- بكين)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

تركيا: «فضيحة صناديق الاستثمار» تشعل التوتر بين إردوغان والمعارضة

رفعت «فضيحة صناديق الاستثمار» في تركيا حدة التوتر بين الرئيس رجب طيب إردوغان والمعارضة، التي تتهمه بالفشل في التعامل مع الفضيحة...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد شاحنات تحمل صهاريج لتحميل النفط من مصفاة دانغوتي النيجيرية (إكس)

«دانغوتي» النيجيرية تستحوذ على 25 % في شبكة خطوط أنابيب النفط الكينية

كشف الملياردير النيجيري أليكو دانغوتي، الأربعاء، أن شركته استحوذت على حصة قدرها 25 % في شركة خطوط الأنابيب الكينية المخصصة لنقل المنتجات النفطية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أرباح «بلاكستون» تتراجع مع اضطراب الأسواق وتباطؤ التخارج من الاستثمارات

لافتة تحمل اسم مجموعة «بلاكستون» خارج مقر الشركة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة  (رويترز)
لافتة تحمل اسم مجموعة «بلاكستون» خارج مقر الشركة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)
TT

أرباح «بلاكستون» تتراجع مع اضطراب الأسواق وتباطؤ التخارج من الاستثمارات

لافتة تحمل اسم مجموعة «بلاكستون» خارج مقر الشركة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة  (رويترز)
لافتة تحمل اسم مجموعة «بلاكستون» خارج مقر الشركة في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة (رويترز)

أعلنت «بلاكستون»، أكبر شركة لإدارة الأصول البديلة في العالم، الخميس، تراجع أرباحها خلال الربع الثالث، في ظل اضطراب الأسواق الذي حدّ من قدرتها على التخارج من الاستثمارات وتحقيق عوائد منها.

وتشهد الأسواق العالمية تقلبات بفعل ارتفاع عوائد السندات، وتوقعات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، إلى جانب تصاعد التقلبات المرتبطة بالحرب مع إيران.

وأدت هذه الظروف إلى تأجيل عدد من الصفقات المحتملة، ما أسهم في تباطؤ عمليات الاندماج والاستحواذ والطروحات العامة الأولية خلال النصف الأول من العام.

ووفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG)، تراجع نشاط عمليات الاندماج والاستحواذ عالمياً بنسبة 41 في المائة في الربع الثالث مقارنة بالربع السابق.

وانخفضت حصيلة «بلاكستون» من التخارج من الاستثمارات، التي تعكس العائدات المتحققة من بيع الأصول والاستثمارات، بنسبة 34 في المائة إلى نحو 332 مليون دولار، متأثرة بتراجع بلغ نحو 50 في المائة في أعمال الملكية الخاصة.

لكن تدفقات نقدية جديدة تجاوزت 63 مليار دولار أسهمت في تخفيف أثر هذا التراجع، ورفعت الأصول التي تديرها الشركة إلى 1.37 تريليون دولار، كما عززت الأرباح المرتبطة بالرسوم بنسبة 6 في المائة. واستقطعت أنشطة الائتمان والتأمين النصيب الأكبر من التدفقات الجديدة، بنحو 36 مليار دولار، تلتها أعمال الملكية الخاصة بتدفقات بلغت 12.6 مليار دولار.

وفي المقابل، قفزت الأرباح المرتبطة بالرسوم الناتجة عن إدارة صناديق الملكية الخاصة بنسبة 26 في المائة إلى 619 مليون دولار.

وتراجعت الأرباح القابلة للتوزيع على المساهمين، وهي المقياس الذي يعكس الأرباح المتاحة للتوزيع، بنسبة 13 في المائة إلى 1.32 دولار للسهم.

وتواجه شركات إدارة الأصول البديلة ضغوطاً على أسهمها منذ بداية العام، مع تزايد حذر المستثمرين حيال آفاق تباطؤ النمو المستقبلي، والمخاطر المحتملة الناجمة عن التطورات في الذكاء الاصطناعي وتأثيرها على الشركات المدرجة ضمن محافظها الاستثمارية.

ويخضع الائتمان الخاص على وجه الخصوص لتدقيق متزايد من المستثمرين، بعدما أعلنت شركات كبرى لإدارة الأصول ارتفاع طلبات الاسترداد خلال الأرباع الماضية.

وقالت «بلاكستون»، الشهر الماضي، إن طلبات الاسترداد من صندوقها «بي سي ريد» (BCRED) ظلت مرتفعة خلال الربع الثالث، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الأسس المالية لمحفظة الصندوق لا تزال سليمة. وهبط سهم «بلاكستون» بنحو 30 في المائة منذ بداية العام، في تراجع يتماشى إلى حد كبير مع أداء شركات أخرى لإدارة الأصول، مقارنة بمكاسب بلغت 13 في المائة للسوق الأوسع، ونحو 2 في المائة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» للقطاع المالي.


عوائد السندات الفرنسية تُسجّل أعلى مستوياتها منذ 2002 وسط مخاوف مالية وسياسية

أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يؤمّنون المنطقة بالقرب من الجمعية الوطنية وسط اشتباكات مع محتجين في باريس (رويترز)
أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يؤمّنون المنطقة بالقرب من الجمعية الوطنية وسط اشتباكات مع محتجين في باريس (رويترز)
TT

عوائد السندات الفرنسية تُسجّل أعلى مستوياتها منذ 2002 وسط مخاوف مالية وسياسية

أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يؤمّنون المنطقة بالقرب من الجمعية الوطنية وسط اشتباكات مع محتجين في باريس (رويترز)
أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يؤمّنون المنطقة بالقرب من الجمعية الوطنية وسط اشتباكات مع محتجين في باريس (رويترز)

ارتفعت علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالسندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات، مقارنة بالسندات الألمانية الأكثر أماناً، إلى أعلى مستوى لها في 15 عاماً، الخميس، مع استمرار المخاوف بشأن قدرة فرنسا على ضبط أوضاعها المالية العامة، وسط احتجاجات شعبية متواصلة.

وتعهد وزراء فرنسيون بتعزيز الإجراءات الأمنية بصورة كبيرة خلال احتجاجات جديدة مرتقبة السبت، مع توقع نشر قوات عسكرية إلى جانب أعداد إضافية من الشرطة.

وارتفع العائد على السندات الفرنسية القياسية لأجل 10 سنوات، بمقدار 11.5 نقطة أساس إلى 5.11 في المائة، بعدما سجّل في وقت سابق 5.1415 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2002.

ودفع ذلك الفارق بين عوائد السندات الفرنسية ونظيرتها الألمانية إلى 173.58 نقطة أساس، وهو الأوسع منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، خلال أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو، في إشارة إلى تزايد قلق المستثمرين إزاء الآفاق المالية لفرنسا.

كما زادت حالة عدم اليقين السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، إلى جانب الصعوبات التي تواجهها باريس في إقرار الموازنة، من الضغوط على الأسواق.

وقالت جيادا جياني، الخبيرة الاقتصادية لدى «سيتي»، إن هناك توافقاً على أن أوروبا باتت اليوم أكثر استعداداً للتعامل مع الأزمات، وأن مؤسساتها أقوى مما كانت عليه قبل 15 عاماً، ما قد يُسهل تنسيق استجابة أوروبية للأزمة الحالية، مقارنة بأوضاع دول الأطراف في منطقة اليورو مطلع العقد الماضي، لكنها حذّرت من أن عودة النزعة المشككة في الاتحاد الأوروبي تُمثل قيداً إضافياً.

واستمر تراجع السندات الحكومية الفرنسية رغم بيانات أظهرت تحسن معنويات القطاع الصناعي في أكتوبر (تشرين الأول).

ووصفت شارلوت دي مونبلييه، كبيرة الاقتصاديين لشؤون فرنسا وسويسرا لدى «آي إن جي»، هذا التحسن بأنه مفاجأة إيجابية، مشيرة إلى أن بيانات ثقة الشركات جُمعت في وقت كانت فيه المخاطر السياسية والمالية الناجمة عن الاضطرابات الاجتماعية حاضرة بقوة.

السندات الألمانية تستفيد من طلب الملاذ الآمن

وارتفعت تكاليف الاقتراض خلال العام الحالي مع صعود أسعار الطاقة، الذي عزّز توقعات تشديد السياسة النقدية، ما زاد الضغوط على ديون الدول ذات المديونية المرتفعة، وفي مقدمتها فرنسا.

واستقرت رهانات الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة عند توقع نحو 3 زيادات إضافية في أسعار الفائدة من البنك المركزي الأوروبي بحلول أواخر عام 2027.

وفي المقابل، تراجع العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات (المعيار المرجعي لمنطقة اليورو) بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.38 في المائة، مدعوماً بالطلب على الأصول الآمنة، رغم ارتفاع أسعار النفط.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من دولارين للبرميل الخميس، عقب هجمات جديدة شنها الحوثيون في السعودية، فيما استقرت أسعار الغاز الطبيعي قرب أعلى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

وامتدت الضغوط إلى أسواق السندات السيادية الأخرى في منطقة اليورو؛ إذ اتسع الفارق بين عوائد السندات البلجيكية والألمانية بأكثر من 10 نقاط أساس إلى 111.28 نقطة، وهو أعلى مستوى منذ 2012. كما اتسع الفارق الإيطالي بمقدار 10.5 نقطة أساس إلى 123 نقطة، والإسباني بمقدار 7.5 نقطة إلى 71 نقطة، واليوناني بمقدار 8.5 نقطة إلى 102 نقطة.

وتراجع العائد على السندات الألمانية لأجل عامين (الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة) بمقدار 0.5 نقطة أساس إلى 3.08 في المائة.

وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، قد قالت في نهاية الشهر الماضي إن الاستجابة النقدية المعتدلة لا تزال مناسبة، وذلك في وقت كانت فيه الأسواق تتوقع نحو 4 زيادات في أسعار الفائدة بحلول أواخر عام 2027.

وارتفعت توقعات أسعار الفائدة قليلاً، إذ باتت الأسواق النقدية تسعّر وصول سعر الفائدة على الودائع لدى البنك المركزي الأوروبي إلى 3.26 في المائة بحلول أواخر 2027، مقارنة بالمستوى الحالي البالغ 2.50 في المائة، فيما بلغت توقعات سعر الفائدة لشهر ديسمبر 2.73 في المائة.


اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
TT

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة، ما عزّز الطلب على خدمات الموانئ السعودية، خصوصاً على الساحل الغربي. وبينما تتيح هذه التحولات فرصاً تشغيلية واستثمارية جديدة فإنها ترفع في المقابل تكلفة نقل البضائع، بفعل ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وإطالة الرحلات وازدحام بعض الموانئ، وهي أعباء يتحمل جانباً منها المستوردون والمستهلكون.

وفي مؤشر على انعكاسات هذه التحولات، قال الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «محطات بوابة البحر الأحمر»، بدر العتيبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطلب على خدمات الشركة ارتفع بنحو 20 في المائة منذ بداية عام 2026، مدفوعاً بزيادة حركة الشحن العابر وتحويل مسارات البضائع نتيجة الاضطرابات التي تشهدها بعض الممرات والموانئ الإقليمية.

وأضاف العتيبي أن الطلب يواصل تسجيل نمو متصاعد، مع توقعات باستمرار الزيادة خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن التوسعات السابقة وزيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ السعودية على الساحل الغربي ساعدتا في استيعاب التدفقات الإضافية من السفن والحاويات، والحد من التأخيرات التشغيلية التي كان يمكن أن تصاحب التحول المفاجئ في حركة التجارة.

استثمارات جديدة لمواكبة تحولات الشحن

وكشف العتيبي عن استثمار نحو 200 مليون ريال (53.3 مليون دولار) لمواكبة المتغيرات التشغيلية والتحولات في مسارات الشحن، مؤكداً أن جاهزية الموانئ السعودية وتطوير مرافقها أسهما في التعامل مع زيادة حركة البضائع وتخفيف التحديات التي واجهت المستوردين والمصدرين، خصوصاً المرتبطة باضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الشركة نفّذت خلال مراحل سابقة استثمارات بلغت نحو 3.6 مليار ريال (960 مليون دولار). كما أشار إلى مشروعات بقيمة 1.6 مليار ريال (426.6 مليون دولار) في مرافق البضائع المتعددة، ومشروعات بالقيمة نفسها في محطة للحاويات بالشراكة مع جهة فرنسية، ضمن جهود تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة المناولة والخدمات التشغيلية.

وفيما يتعلَّق بالتوسع المستقبلي، أفاد بأن الشركة تدرس فرص دخول أنشطة المستودعات والخدمات اللوجستية خارج الموانئ، وفق احتياجات السوق والجدوى الاستثمارية، فيما يتركز نشاطها الاستثماري حالياً على تطوير المحطات البحرية وتشغيلها.

الوقود والتأمين يرفعان تكلفة الشحن

في المقابل، قال الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك البحرية» (Folk Maritime)، بول هيستبيك، لـ«الشرق الأوسط»، إن اضطرابات الملاحة رفعت تكاليف وقود السفن إلى 3 أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الفترات، فيما تبلغ حالياً نحو ضعفين ونصف الضعف. كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن العاملة في المناطق عالية المخاطر إلى عدة أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الحالات.

وأوضح هيستبيك أن تغيير مسارات الشحن فرض تعقيدات تشغيلية إضافية، بسبب ازدحام بعض الموانئ وإطالة الرحلات وإعادة توزيع السفن بين الخطوط الملاحية، وأدى ذلك إلى تراجع محدود في الطاقة التشغيلية الفعلية للشركة، فيما جاءت أحجام الشحن المنقولة منذ بداية العام أقل قليلاً من توقعاتها.

وأشار إلى أن الموانئ التي تستقبل شحنات إضافية نتيجة تغيير المسارات ليست بالضرورة مستفيدة على المدى الطويل، إذ قد تكون فقدت شحنات خلال أزمات سابقة عندما اتجهت حركة التجارة إلى منافذ أخرى، ما يجعل المكاسب الحالية مرتبطة باتجاهات الملاحة المتغيرة أكثر من ارتباطها بنمو مستدام في التجارة.

وقال هيستبيك إن أصحاب البضائع يتحملون جانباً كبيراً من التكلفة الإضافية، نتيجة إطالة زمن النقل، وتعقيد العمليات داخل الموانئ، وارتفاع نفقات الشحن والنقل البري المرتبط بالمسارات البديلة.

وأضاف أن بعض البضائع اتجهت إلى منافذ جديدة، من بينها موانئ في الإمارات وعُمان، قبل نقلها براً إلى وجهاتها النهائية. وأوضح أن حركة السفن تتبع في نهاية المطاف مسارات البضائع، الأمر الذي دفع الشركة إلى إعادة توزيع أسطولها استجابة للتغيرات في تدفقات التجارة.

وأكد أن «فُلك البحرية» تمكّنت من تمرير معظم الزيادات في تكاليف التشغيل إلى عملائها، ومن ثم إلى المستهلكين، مشيراً إلى أن ارتفاع الإيرادات ساعد في تغطية الأعباء الإضافية، والحفاظ على معدلات جيدة لاستخدام سفن الشركة.

وفي المقابل، ذكر العتيبي أن تكاليف النقل البري والخدمات اللوجستية داخل السعودية لم تشهد ارتفاعات ملحوظة، وظلّت ضمن مستويات معقولة، معتبراً أن التأثير الأكبر للأزمة تركّز في تكاليف الشحن البحري والتأمين.

وتعكس هذه التطورات تفاوت أثر اضطرابات الملاحة بين أطراف القطاع؛ إذ تستقطب بعض الموانئ تدفقات إضافية من البضائع، فيما تواجه شركات الشحن تكاليف تشغيل أعلى، ويتحمل المستوردون والمستهلكون جزءاً من الأعباء الناتجة عن تغيير المسارات وطول الرحلات. ولا تعني زيادة النشاط في بعض الموانئ بالضرورة ارتفاع إجمالي حركة التجارة الإقليمية، إذ قد تكون هذه الزيادة نتيجة إعادة توزيع الشحنات بين المنافذ.

خدمة جديدة وخطط لتوسيع الأسطول في 2027

وفي إطار التكيّف مع المتغيرات، كشف هيستبيك عن إطلاق خدمة ملاحية جديدة خلال العام الحالي تربط ميناء ينبع بموانئ في مصر والأردن. وأوضح أن الخدمة لا تزال في مرحلة التطوير، لكنها تُسجل مؤشرات مشجعة، ضمن توجه الشركة لتعزيز الربط بين موانئ البحر الأحمر وشبكتها الملاحية الدولية.

كما أعلن عن خطط لتوسيع أسطول سفن الحاويات خلال عام 2027 عبر الاستحواذ على سفن إضافية، رهناً بتوفر السفن بالمواصفات المطلوبة، بهدف دعم حركة التجارة بين شبه القارة الهندية والشرق الأوسط والخليج والبحر الأحمر.

وتوقع استمرار التحديات التي تواجه الملاحة خلال العام المقبل، في ظل عدم وضوح آفاق استقرار الأوضاع في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مؤكداً أن ضمان وصول السلع الأساسية إلى السعودية يُمثل الأولوية القصوى للشركة.

وجاءت التصريحات على هامش المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026، الذي انطلقت أعماله الأربعاء في جدة تحت رعاية وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر، بمشاركة قيادات شركات الشحن ومشغلي الموانئ والخدمات اللوجستية.

ويناقش المؤتمر تحولات المسارات التجارية وتنافسية الموانئ والاستثمارات في البنية التحتية البحرية، إلى جانب التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تعزيز مرونة شبكاتها التشغيلية والاستثمار في قدرات جديدة لمواجهة التقلبات في التجارة الدولية.