تقنية جينومية جديده لتتبع الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية في المستشفيات

رصدت جيناتها المضادة للأدوية لدى 40% من المرضى

الفحص المختبري للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية
الفحص المختبري للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية
TT

تقنية جينومية جديده لتتبع الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية في المستشفيات

الفحص المختبري للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية
الفحص المختبري للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية

طور باحثون دوليون تقنية جينومية جديدة تتيح تتبع انتشار عدة جراثيم مقاومة للمضادات الحيوية في المستشفيات بشكل متزامن، ما قد يسهم في السيطرة أو حتى منع العدوى الشائعة في المستشفيات بشكل أسرع وأكثر فاعلية من ذي قبل.

التسلسل العميق لمسببات الأمراض

في دراسة حديثة نُشرت في 20 أغسطس (آب) 2024 في مجلة Lancet Microbe أجراها فريق من معهد «ويلكوم سانجر» من المملكة المتحدة وجامعة أوسلو في النرويج ومؤسسة سان ماتيو في إيطاليا، تم تطوير نهج جديد يعرف بـ«التسلسل العميق لجميع مسببات الأمراض».

ويسمح هذا النهج بالتقاط بيانات تسلسل الجينوم الكامل لمجموعة واسعة من مسببات الأمراض في وقت واحد ويمكنه توفير هذه البيانات الجينومية بالسرعة التي تستطيع فيها المستشفيات معالجة العينات. والتسلسل العميق هو مجموعة من التقنيات المستخدمة لتحديد وقياس أنواع الحمض النووي الريبي (أر إن إيه) RNA بطريقة متوازية على نطاق واسع ما يسمح بتغطية عميقة وتحليل مفصل للتعبير الجيني للمسببات المرضية.

التقاط بكتيريا المستشفيات

وفي إطار دراسة إثبات المفهوم - وهي إدراك طريقة معينة أو فكرة لإظهار الجدوى منها بهدف معاينة إمكانية التطبيق أو التنفيذ أو الاستخدام - تم التقاط مجموعة كاملة من البكتيريا المسببة للأمراض في وحدات العناية المركزة والأجنحة العادية في مستشفى إيطالي خلال الموجة الأولى من جائحة كوفيد - 19 في عام 2020 وأخذ الفريق عينات من 256 مريضاً وتم تحديد 52 نوعاً من البكتيريا في هذه العينات منها 66 بالمائة من سلالات مختلفة من أكثر سبعة أنواع من عدوى البكتيريا الأكثر شيوعاً في المستشفيات.

التأثير على وحدات العناية المركزة

وتشكل العدوى المكتسبة من المستشفيات خطراً كبيراً على المرضى وخاصة في وحدات العناية المركزة. وخلال الموجة الأولى من جائحة كوفيد - 19 زاد عدد المرضى بشكل كبير ما زاد من صعوبة فاعلية تدابير مكافحة العدوى. وهدفت الدراسة إلى تقييم المخاطر ومدى انتقال مسببات الأمراض في ظل الضغط الكبير على وحدات العناية المركزة وذلك من خلال تصميم نهج جديد للتسلسل الجينومي العميق deep genomic sequencing approach، والذي يمكن دمجه مع أنظمة المراقبة السريرية الروتينية وسير العمل التشخيصي.

ويشير التسلسل الجينومي العميق إلى تسلسل منطقة جينومية عدة مرات وأحياناً مئات أو حتى آلاف المرات. ويتيح نهج التسلسل من الجيل التالي للباحثين اكتشاف أنواع أو خلايا أو ميكروبات مستنسخة نادرة لا تشكل سوى 1 بالمائة من العينة الأصل.

جينات مقاومة المضادات الحيوية

وأظهرت النتائج أن جميع المرضى في وحدات العناية المركزة تقريباً كانوا يحملون بكتيريا واحدة على الأقل قادرة على التسبب في مرض شديد وأن جينات مقاومة المضادات الحيوية كانت موجودة في 40 بالمائة من هذه الحالات على الأقل. كما تمكن الفريق من رسم خريطة لانتشار البكتيريا في المستشفيات خلال فترة أخذ العينات التي استمرت خمسة أسابيع، ما سمح لهم بالتنبؤ بالبكتيريا الأكثر احتمالاً للتسبب في العدوى المكتسبة أثناء الإقامة في المستشفى.

وتعزز هذه التقنية الجديدة من فاعلية الرعاية الصحية من خلال تقديم وسيلة أسرع وأكثر شمولاً لتتبع الجراثيم المقاومة للمضادات الحيوية مما قد يساعد في تحسين تشخيص العدوى والسيطرة عليها في المستشفيات

تطبيقات أوسع

وقال البروفسور جوكا كوراندر رئيس قسم الإحصاء الحيوي كلية الطب جامعة أوسلو، والمؤلف المشارك الرئيسي للدراسة إن هذه الطريقة تلتقط المعلومات الجينية عن سلالات بكتيرية متعددة وفي نفس الوقت لديها القدرة على تحويل المراقبة الجينية لمسببات الأمراض، ما يمكننا من التقاط المعلومات الأساسية بشكل أسرع وأكثر شمولاً من أي وقت مضى دون فقدان الدقة. ويمكن الآن استخدام هذا النهج بثقة في الأبحاث المستقبلية لالتقاط النطاق الكامل للبكتيريا عالية الخطورة في منطقة ما، ونأمل أن تساعد المستشفيات في تتبع انتشار البكتيريا المقاومة للعلاج والحد منه.

وأوضح الدكتور هاري ثورب المؤلف الأول للدراسة في قسم الإحصاء الحيوي كلية الطب جامعة أوسلو والباحث الزائر في معهد ويلكوم سانجر أن الدراسة تعكس كيفية استخدام علم الجينوم لخلق صورة شاملة للبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية في وحدات العناية المركزة وأماكن أخرى داخل المستشفيات. وأشار إلى أن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تتطور وتنتشر بسرعة مما يتطلب من أساليب التتبع أن تواكب هذا التطور وبيَّن أن معرفة تسلسل جميع البكتيريا في العينة توفر صورة أكثر شمولاً للتنوع البكتيري في منطقة ما وهو أمر أساسي للتنبؤ بالمخاطر وفهم العوامل الخارجية التي تسهم في انتشار سلالة معينة.

بكتيريا مقاومة أثناء جائحة «كوفيد»

من جانبه أكد البروفسور فاوستو بالدانتي مدير وحدة علم الأحياء الدقيقة والفيروسات في مؤسسة سان ماتيو أن وحدته كانت أول من اكتشف حالة إصابة بكوفيد - 19 في العالم الغربي مشيراً إلى أنهم شهدوا بداية الوباء جنباً إلى جنب مع الجهود العلمية العالمية الضخمة التي ركزت على فيروس «سارس كوف 2». ومع ذلك أظهرت الدراسة التي أجراها الباحثون أن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية لم تختفِ خلال تلك الفترة. بل أضاف أن الوجود المتزامن لأنواع متعددة من البكتيريا المقاومة للأدوية في أجنحة العناية المركزة التي استقبلت مرضى كوفيد - 19 قد يكون جزءاً مهماً من الصورة السريرية المعقدة للمرض الجديد في تلك الأيام الحرجة.

وفي تعليق له على الدراسة أشار البروفسور نيكولاس تومسون عالم الطفيليات والميكروبات معهد ويلكوم سانجر في كمبريدج المملكة المتحدة إلى أن العدوى المقاومة للمضادات الحيوية لا تزال تمثل مشكلة مستمرة في المستشفيات رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها العاملون في الرعاية الصحية للحد منها. وأكد على أهمية رؤية وتتبع هذه البكتيريا من خلال دمج نهج التسلسل الجينومي العميق في أنظمة الرعاية الصحية مما يسهم في تشخيص العدوى بشكل أفضل وتحديد تفشيها والسيطرة عليها، خاصة في وحدات العناية المركزة.


مقالات ذات صلة

علوم خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة

تطورات «كريسبر»: من قصّ الجينات إلى قراءة عقل الخلية

خطوات محورية في دراسة السرطان واضطرابات المناعة... حيث تتفاعل مسارات جينية متعددة لإحداث المرض

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

أداة حاسوبية جديدة تكشف عن الروابط الخفية بين الجينات وأدوية السرطان

تسرع اكتشاف علاجات مخصّصة لكل مريض بشكل أكثر دقة وكفاءة

د. وفا جاسم الرجب
يوميات الشرق امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

تكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

الجينات تحدد فاعلية خياراتنا اليومية في مواجهة الشيخوخة

توظيف النظام الغذائي الصحي والنشاط البدني يختلف في تأثيراته بحسب الاستعداد الجيني لكل فرد

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟
TT

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

كيف ستُغيّر مهمة «ناسا» القمرية المقبلة الاقتصاد العالمي؟

قد ينتج مجال المنافسة المقبل حول استكشاف القمر تقديم خدمات لوجستية خارج كوكب الأرض، مثل الشحن القمري، وأنظمة النقل على سطحه، واستخدام الروبوتات، وتطوير أنظمة الطاقة. كما يُمهّد برنامج «أرتميس» الأميركي الطريق لاقتصاد قمري تجاري، كما كتبت لوسيا أورباخ(*).

كشوفات جديدة

في الشهر الماضي، انطلق 4 رواد فضاء إلى أبعد نقطة وصل إليها أي إنسان من قبل، إذ صعد كل من ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوتش، وجيريمي هانسن على متن مركبة «أرتميس 2» التابعة لـ«ناسا»، مُسجّلين بذلك أول رحلة مأهولة إلى القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وقد شاهد الطاقم أجزاء من القمر لأول مرة، بما في ذلك تباينات الألوان، والتضاريس المتعرجة الفريدة، والفوهات الصغيرة الساطعة التي بدت كأنها «أغطية مصابيح بها ثقوب صغيرة جداً ينفذ منها الضوء»، كما قالت كوتش.

موقع مأهول على القمر

بعد نجاح هبوطها على الأرض، تستعد وكالة «ناسا» لإطلاق مزيد من المهمات القمرية، بما في ذلك مهمة مُقررة في عام 2028، بهدف تهيئة البشرية لتحويل القمر بشكل دائم إلى موقع مأهول بالسكان.

قبل إطلاق مهمة «أرتميس 2»، صرّح جاريد إسحاقمان مدير «ناسا»، في بيان صحافي بأنهم «ملتزمون بتحقيق ما يُعتبر شبه مستحيل مرة أخرى، وهو العودة إلى القمر قبل نهاية ولاية الرئيس ترمب، وبناء قاعدة قمرية، وترسيخ وجود دائم، والقيام بكل ما يلزم لضمان الريادة الأميركية في الفضاء».

مركز علمي وأسطول من المركبات

وإذا تمكنت «ناسا» من الالتزام بتنفيذ خططها فقد سيصبح القمر موقعاً لما هو أقرب إلى ما لدينا على الأرض، مركزاً للصناعة والعلوم، تتخلله أسطول من المركبات القمرية، تعمل بالطاقة النووية، ونقطة انطلاق لمغامرات كونية أبعد في المستقبل.

بناء قاعدة على سطح القمر

ويخطط الأميركيون لبدء بناء قاعدة على القطب الجنوبي للقمر عام 2028.

يُشبه القطب الجنوبي للقمر صحراء بركانية، فهو موطن لتقلبات حرارية هائلة تصل إلى مئات الدرجات، بالإضافة إلى الغبار القمري والإشعاع الكوني. ولكنه يحتوي أيضاً على احتياطيات كبيرة من المياه المتجمدة، وهو المورد الذي يجعل القمر جذاباً للغاية للمستثمرين. ووفقاً لما صرح به جورج ساورز، مهندس ميكانيكي في كلية كولورادو للمناجم، لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك» فإن: «الماء هو نفط الفضاء».

ستكون هناك عدة مهمات أخرى ضمن برنامج «أرتميس» قبل إطلاق المهمة الأولى لإجراء تجارب عملية. ستختبر مهمة «أرتميس 5» العناصر التكنولوجية الأساسية للتأكد من سلامة عملية البناء حتى في مراحلها الأولى.

* إنشاء قاعدة مأهولة دائمة على القمر تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية*

روبوتات ورواد فضاء لبناء منشآت قمرية

ستشمل المرحلة الثانية زيارات منتظمة من الروبوتات ورواد الفضاء للمساعدة في وضع الأساسات الأولية. وتصف «ناسا» هذه المرحلة بأنها بناء «بنية تحتية شبه صالحة للسكن»، لكنها لم تُقدم تعريفاً أكثر تفصيلاً.

ستشمل المرحلة الثالثة عمليات نقل شحنات ثقيلة وإسهامات من وكالات الفضاء الشريكة لإنشاء قاعدة مأهولة دائمة تُشبه إلى حد كبير محطة الفضاء الدولية.

وسائل نقل قمرية

يقول تيم كرين، وهو أحد مؤسسي شركة «إنتويتيف ماشينز»، وهي شركة لاستكشاف الفضاء مقرها هيوستن، في معرض حديثه عن نجاح مهمة «أرتميس»: «لقد كانت فرصة ذهبية». وتركز شركته حالياً على تطوير تقنيات القمر، بما في ذلك وسائل النقل على سطح القمر ومركبات الهبوط الخاصة بالشحنات.

ويؤكد كرين أن شكل القمر بعد تطويره لن يكون شبيهاً بالبنية التحتية للمدن التي نعرفها، وبدلاً من ذلك، ستكون هناك مراكز نائية تعمل محطات علمية متخصصة في دراسة الرواسب الغنية بالمياه في الفوهات أو محطات توليد الطاقة.

مركبات استكشاف التضاريس

وقد اختارت وكالة «ناسا» شركة «إنتويتيف ماشينز» لبناء مركبات استكشاف التضاريس القمرية (LTVs)، بالإضافة إلى مشروع «لونار آوتبوست» ومختبر «فينتوري أسترولاب». تُعتبر المركبات القمرية الخفيفة (LTVs) بمثابة «عربة القمر» الحديثة التي رافقت مهمات أبولو في سبعينات القرن الماضي. وستكون هذه المركبات الحديثة ذاتية التشغيل إلى حد كبير؛ حيث ستتجول وتعمل بشكل مستقل بينما يقوم رواد الفضاء بالمهام الحيوية.

بداية اقتصاد قمري

وتقول لوري غليز، مديرة برنامج «من القمر إلى المريخ» التابع لـ«ناسا»، إنه بمجرد إنشاء الأنظمة على سطح القمر، ستتاح الفرصة لبدء «اقتصاد قمري تجاري». ومن المتوقع أن يكون استخراج الموارد القمرية هو الصادرات الرئيسية.

وسيُتيح وجود الماء تقليل اعتماد العمليات القمرية على إمدادات الأرض. الهيليوم-3 نظير نادر وغير مشع للهيليوم، ويوجد بوفرة على سطح القمر، في حين يندر وجوده على الأرض.

نظير الهيليوم لتبريد مراكز البيانات

يتمتع الهيليوم-3 بخصائص تبريد معينة قد توفر بدائل لتبريد مراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة وأجهزة الكمبيوتر الكمومية العملاقة، فضلاً عن كونه مصدراً جديداً للوقود في الاندماج النووي.

* نمو الاقتصاد الفضائي سيضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً*

ازدهار الفضاء

ويقول فيليب ميتزجر، خبير هندسة رحلات الفضاء في معهد فلوريدا للفضاء: «قد ينمو الاقتصاد الفضائي ليُضاهي حجم الاقتصاد الأرضي خلال 50 عاماً».

ويعتمد نجاح هذا الاقتصاد الجديد على قدرة رواد الفضاء ومركبات النقل القمرية على إيجاد كميات كافية من المياه. ومن دون ذلك، ستكون أي تطورات بلا جدوى. لكن في حال العثور على الماء، سيحتاجون أيضاً إلى وضع آلية لحماية القاعدة من اصطدامات النيازك. ومع تجاوز هذين العائقين الرئيسيين، قد يصبح تشغيل الأنظمة ممكناً.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك... هل تكشف طريقة استخدامك الشاشة عن مرضك قبل الطبيب؟

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟
ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

لم يعد الهاتف الذكي مجرد وسيلة للاتصال أو نافذة للترفيه، بل بدأ يتحول تدريجياً إلى ما يشبه «المرآة البيولوجية الصامتة» التي تعكس تفاصيل دقيقة عن صحة الإنسان الجسدية والنفسية والعصبية.

وفي بلدٍ مثل المملكة العربية السعودية، حيث تتجاوز أعداد اشتراكات الهواتف عدد السكان، ويقترب استخدام الإنترنت من مستوى الانتشار الكامل تقريباً، أصبحت الهواتف الذكية جزءاً ملازماً للحياة اليومية؛ ما يجعلها مصدراً هائلاً للبيانات السلوكية والصحية غير المرئية.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صمت هاتفك

الذكاء الاصطناعي «يقرأ المؤشرات من الشاشة»

الذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بتحليل الصور الطبية أو نتائج المختبرات، بل بدأ يقرأ الإنسان من طريقته اليومية في استخدام الشاشة نفسها: سرعة الكتابة، وقوة الضغط على الأزرار، وعدد الأخطاء الإملائية، ونمط الحركة على الهاتف، وساعات النشاط والصمت الرقمي، وحتى التردد القصير قبل لمس الشاشة... كلها تحولت إشاراتٍ رقمية قد تحمل معنى طبياً خفياً.

والمثير أن بعض هذه التغيرات قد تظهر قبل أشهر من ملاحظة الأعراض السريرية التقليدية؛ ما يفتح الباب أمام جيل جديد من «الطب غير المرئي»، حيث قد يتحول الهاتف الذي نحمله في جيوبنا أداةً تلتقط إشارات المرض بصمت قبل أن يلتقطها الطبيب، وربما حتى قبل أن يشعر بها المريض نفسه.

ماذا ترى الخوارزمية داخل هاتفك؟

في دراسة حديثة نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة الطب الرقمي (npj Digital Medicine) التابعة لمجموعة «نيتشر» (Nature)، قاد الباحث الدكتور أندرو كامبل (Andrew Campbell) من كلية دارتموث الأميركية (Dartmouth College) فريقاً بحثياً لدراسة العلاقة بين أنماط استخدام الهواتف الذكية والتغيرات النفسية والإدراكية المبكرة لدى الإنسان.

لكن الباحثين هذه المرة لم يفتشوا داخل الدم أو الدماغ، بل داخل السلوك اليومي الصامت الذي يتركه الإنسان على شاشة هاتفه.

الذكاء الاصطناعي بدأ يحلل سرعة الكتابة، وتكرار تصحيح الكلمات، وطريقة لمس الشاشة، وتغير أوقات استخدام الهاتف، واضطراب الإيقاع اليومي، وحتى طبيعة التفاعل الاجتماعي عبر التطبيقات المختلفة.

مؤشرات الإدراك والحركية

ثم قارنت الخوارزميات هذه الأنماط ببيانات سريرية ونفسية، لتكشف عن ارتباطات دقيقة بحالات مثل الاكتئاب، والإرهاق النفسي، واضطرابات النوم، والتراجع الإدراكي المبكر، بل وحتى بعض المؤشرات العصبية المرتبطة بمرض باركنسون (Parkinson’s Disease).

واللافت، أن بعض هذه الإشارات ظهر قبل فترات متفاوتة من ظهور الأعراض السريرية الواضحة؛ ما يشير إلى أن الهاتف الذكي قد يتحول مستقبلاً نظام إنذار صحي مبكراً يعمل بصمت داخل الحياة اليومية للإنسان.

حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

من «البيانات الضخمة» إلى «الهمسات الرقمية»

التحول الأعمق هنا أن الطب لم يعد يعتمد فقط على التحاليل المختبرية أو الصور الشعاعية، بل بدأ ينظر إلى السلوك اليومي الرقمي بوصفه مصدراً طبياً جديداً للمعلومات. فالخوارزمية لم تعد تهتم فقط بما يكتبه الإنسان، بل بطريقة الكتابة نفسها: كيف يكتب؟ متى يتوقف؟ كم مرة يتردد أو يخطئ؟ وهل تغيّر نمطه المعتاد بصورة مفاجئة؟

هذه التفاصيل الصغيرة، التي تبدو عابرة في الحياة اليومية، بدأت تتحول تدريجياً «بصماتٍ سلوكية» يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها وربطها بالحالة النفسية والعصبية للإنسان.

وفي جامعة ستانفورد الأميركية (Stanford University)، يعمل باحثون على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على ربط التغيرات الدقيقة في التفاعل مع الهاتف الذكي بالحالة العصبية والنفسية للمستخدم. كما تدرس مشاريع أوروبية حديثة إمكانية استخدام الهواتف الذكية للكشف المبكر عن التدهور الإدراكي لدى كبار السن، من خلال مراقبة التحولات السلوكية اليومية بصورة غير مباشرة ومن دون تدخل طبي تقليدي.

وكأن الهاتف لم يعد مجرد جهاز نحمله في جيوبنا، بل تحوّل تدريجياً إلى ما يشبه «المستشعر البيولوجي الصامت» الذي يراقب إيقاع حياتنا اليومية، ويلتقط تغيرات قد لا يلاحظها الإنسان نفسه.

هل تصبح طريقة لمس الشاشة جزءاً من الفحص الطبي؟

المثير، أن كثيراً من هذه الإشارات تبدو للبشر تفاصيل عابرة لا تحمل أهمية تُذكر، لكنها بالنسبة لأنظمة الذكاء الاصطناعي قد تمثل «همسات رقمية» تكشف عن تغيرات صحية مبكرة يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.

فزيادة زمن التوقف قبل الكتابة، أو تغير سرعة لمس الشاشة، أو تراجع النشاط الليلي، أو اختلاف إيقاع التفاعل مع الهاتف... كلها قد تتحول داخل الخوارزميات مؤشراتٍ أولية على اضطرابات عصبية أو نفسية ناشئة.

ولهذا؛ بدأ بعض الباحثين يطرحون سؤالاً كان يبدو قبل سنوات أقرب إلى الخيال العلمي: هل يمكن أن تصبح طريقة استخدام الهاتف الذكي جزءاً من الفحص السريري الروتيني في المستقبل؟

أي أن الذكاء الاصطناعي قد يتمكن يوماً ما من اكتشاف بوادر الاكتئاب، أو التدهور الإدراكي، أو بعض الأمراض العصبية، ليس عبر التحاليل التقليدية وحدها، بل من خلال التغيرات اليومية الدقيقة التي يتركها الإنسان على شاشة هاتفه دون أن ينتبه إليها.

الوجه المظلم... حين يتحول الهاتف مراقباً صحياً دائماً

لكن هذا التقدم العلمي يفتح في الوقت نفسه باباً أخلاقياً بالغ الحساسية. فإذا أصبحت طريقة استخدام الهاتف تحمل مؤشرات صحية ونفسية وعصبية، فمن يملك هذه البيانات فعلاً؟ ومن يحق له تحليلها أو الوصول إليها؟

والأكثر تعقيداً، أن كثيراً من الناس قد لا يدركون أصلاً أن طريقة الكتابة، أو سرعة لمس الشاشة، أو أنماط التفاعل اليومية مع الهاتف، قد تتحول مستقبلاً إلى ما يشبه «الملف الطبي غير المرئي».

ولهذا؛ يحذّر خبراء أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من أن التوسع غير المنظم في هذا النوع من التحليل قد يقود إلى شكل جديد من «المراقبة الصحية الصامتة»، حيث تتحول الحياة الرقمية اليومية مصدرَ تقييمٍ مستمر للحالة النفسية والعصبية والسلوكية للإنسان، أحياناً من دون وعي كامل منه.

وهنا يظهر أحد أكثر التحديات حساسية في طب المستقبل: كيف يمكن الاستفادة من هذه التقنيات للكشف المبكر وتحسين الرعاية الصحية، من دون أن تتحول في المقابل أدواتٍ تقترب من الحياة الداخلية للإنسان أكثر مما ينبغي؟

فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت دقته، لا يثير أسئلة طبية فقط... بل يفرض أيضاً أسئلة جديدة حول الخصوصية، وحدود المراقبة، ومعنى الحرية الشخصية في العصر الرقمي.

الهاتف الذي يراقبك بصمت

الطب المقبل... حين يكشف الصمت الرقمي عمَّا لا يقوله الإنسان

ورغم هذه المخاوف الأخلاقية، يرى كثير من الباحثين أن الاستخدام المسؤول لهذه الأنظمة قد يغيّر مستقبل الطب الوقائي بصورة جذرية، خصوصاً في الأمراض التي يعتمد نجاح علاجها على الاكتشاف المبكر والتدخل السريع.

وربما تكمن المفارقة الأكثر إثارة في أن الهاتف الذكي لا «يفهم» الإنسان بالمعنى الإنساني الحقيقي، لكنه قد يصبح قادراً على ملاحظة تغيراته الصامتة قبل أن يلاحظها أقرب الناس إليه، وربما قبل أن يدركها الإنسان نفسه.

وفي طب المستقبل، قد لا يقتصر التقييم الطبي على نتائج التحاليل أو الأعراض الظاهرة فقط، بل قد تصبح الأنماط الرقمية اليومية جزءاً من الصورة السريرية الكاملة، تماماً كما تُستخدم اليوم المؤشرات الحيوية أو الصور الشعاعية.

وهنا، قد يتغير معنى الفحص الطبي ذاته. فبدل أن يسأل الطبيب عمّا يشعر به المريض، قد تبدأ الأنظمة الذكية في تحليل ما لا يقوله الإنسان مباشرة: تغير إيقاعه الرقمي، وصمته المفاجئ، واختلاف عاداته اليومية الدقيقة.

وربما سيأتي يوم لا يسأل فيه النظام الذكي: «ماذا تشعر؟»، بل يطرح سؤالاً أكثر هدوءاً... وأكثر قلقاً: «لماذا تغيّرت طريقة استخدامك هاتفك؟».


دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»
TT

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

دراسة جينية تفتح باباً جديداً لعلاج اضطراب «ثنائي القطب»

تمكّن باحثون وللمرة الأولى من تحديد الأسس الجينية المحددة لحالة الهوس، وهي السمة الأساسية التي تميّز اضطراب ثنائي القطب. ويقدّم هذا الاكتشاف فهماً أعمق لأحد أكثر اضطرابات الصحة النفسية تعقيداً، وقد يسهِم في تحسين التشخيص والعلاج بشكل مبكر وأكثر دقة.

أُجريت الدراسة بتعاون باحثين من كلية كينغز لندن وجامعة فلورنسا في إيطاليا ونُشرت في 27 يناير (كانون الثاني) 2026 في مجلة «Biological Psychiatry»، حيث يصيب الاضطراب ثنائي القطب bipolar disorder نحو 2 في المائة من سكان العالم، ويتميّز بتقلّبات حادة في المزاج ومستويات الطاقة والنشاط.

«ثنائي القطب»

ما الذي يميّز الاضطراب ثنائي القطب (الهوس الاكتئابي) عن غيره؟ رغم أن المصابين بالاضطراب قد يمرّون بنوبات اكتئاب أو ذهان وأعراض أخرى، فإن الهوس mania هو ما يميّز هذا المرض عن غيره من الاضطرابات النفسية. وخلال نوبات الهوس قد يشعر الشخص بطاقة عالية أو تهيّج شديد مع قلة الحاجة إلى النوم، وتسارع في الأفكار والكلام، وأحياناً ضعف في الحكم على الأمور أو سلوكيات اندفاعية أو أعراض ذهانية.

وحتى الآن، كان من الصعب دراسة بيولوجيا الهوس بدقة لأن كثيراً من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يعانون أيضاً الاكتئاب؛ ما جعل من الصعب على العلماء تحديد التغيرات البيولوجية الخاصة بالهوس وحده.

تحليل وراثي واسع النطاق

ولتجاوز هذه العقبة؛ حلّل فريق البحث بيانات من دراسات وراثية دولية واسعة النطاق شملت أكثر من 27 ألف شخص مصاب باضطراب ثنائي القطب الشديد وأكثر من 576 ألف شخص خضعوا لدراسات حول الاكتئاب. واستخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً متقدماً سمح لهم بفصل الإشارات الجينية المرتبطة بالهوس عن تلك المرتبطة بالاكتئاب.

بعبارة أبسط، تعامل الباحثون مع الأمر وكأنهم يزيلون «الضجيج» من الصورة. فقد استبعدوا التأثيرات الجينية المرتبطة بالاكتئاب من الصورة الكاملة للاضطراب ثنائي القطب ليتبقى فقط ما يخص الهوس وحده. وبهذه الطريقة تمكّنوا لأول مرة من النظر إلى الهوس على حدة وفهمه كحالة بيولوجية مستقلة، وليس مجرد جزء مختلط مع الاكتئاب أو أعراض أخرى.

الهوس يشكّل اللبّ الجيني للاضطراب

وأظهرت النتائج أن الهوس يفسّر أكثر من 80 في المائة من التباين الجيني في الاضطراب ثنائي القطب؛ ما يؤكد دوره المحوري في هذا المرض. كما حدّد الباحثون 71 متغيراً جينياً مرتبطاً تحديداً بالهوس، من بينها 18 منطقة جينية لم تكن مرتبطة سابقاً بالاضطراب ثنائي القطب.

وتبيّن أن الكثير من هذه الجينات مرتبط بقنوات الكالسيوم ذات البوابات الجهدية voltage-gated calcium channels، وهي عناصر أساسية في تواصل الخلايا العصبية وتنظيم المزاج. وتعدّ هذه النتيجة مهمة لأنها تشير إلى مسارات بيولوجية واضحة يمكن استهدافها علاجياً.

بصمة جينية مختلفة عن بقية الاضطرابات

وعند مقارنة البصمة الجينية للهوس بسمات أخرى تبيّن أن الهوس يشترك جينياً بدرجة أقل مع تعاطي المواد المخدّرة، وبدرجة أكبر مع مؤشرات مرتبطة بالرفاه النفسي والتحصيل التعليمي مقارنة بالاضطراب ثنائي القطب ككل. ويشير ذلك إلى أن للهوس توقيعاً بيولوجياً مميزاً وليس مجرد النقيض للاكتئاب.

وتكتسب هذه النتائج أهمية كبيرة على المستوى الطبي. فكثير من المصابين بالاضطراب ثنائي القطب يطلبون المساعدة لأول مرة خلال نوبات اكتئاب، حيث قد يبدو المرض مشابهاً للاكتئاب الشديد أو الفصام. ونتيجة لذلك؛ قد يستغرق التشخيص الصحيح ما يصل إلى عشر سنوات.

ومن خلال تحديد الخصائص الجينية الخاصة بالهوس تقرّب هذه الدراسة العلماء من اكتشاف مؤشرات بيولوجية مبكرة للاضطراب ثنائي القطب؛ ما قد يقلّل من طول رحلة التشخيص ويساعد المرضى على الحصول على العلاج المناسب في وقت أبكر.

لماذا يتأخر تشخيص الاضطراب ثنائي القطب؟

كما قد تسهم النتائج في تحسين تصنيف الاضطراب ثنائي القطب وعلاجه. فالأطباء يميّزون حالياً بين أنواعه المختلفة مثل النوع الأول والنوع الثاني واضطراب المزاج الدوري cyclothymia اعتماداً على نمط نوبات المزاج عبر الزمن. وقد يساعد الفهم الأدق لبيولوجيا الهوس على تحسين هذه التصنيفات وتطوير رعاية أكثر تخصيصاً.

وتسلّط الدراسة الضوء أيضاً على مسارات علاجية محتملة، لا سيما تلك المرتبطة بقنوات الكالسيوم، وتشير إلى أن أدوية معروفة مثل الليثيوم lithium قد تعمل من خلال هذه الأنظمة البيولوجية.

نحو تشخيص مبكر وعلاج أدق

وقال الدكتور جوزيبي بييرباولو ميرولا، من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلوم الأعصاب كلية كينغز لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن هذا البحث يمثّل خطوة حاسمة إلى الأمام، مضيفاً أنه من خلال عزل البنية الجينية للهوس أصبح بإمكاننا فهم ما يميّزه بوضوح؛ ما يفتح الباب أمام علاجات أكثر دقة وتخصيصاً.

من جانبه، أشار البروفسور جيروم برين، من كلية كينغز لندن والمشارك المراسل، إلى أن الهوس ظل لفترة طويلة صعب الدراسة بحد ذاته، وقال: «تمنحنا نتائجنا صورة أوضح عن بيولوجيا الهوس، وقد تساعد الأطباء على التعرف إلى الاضطراب ثنائي القطب في وقت أبكر وتحسين نتائج العلاج للمرضى».