رومانتيكية فائضة في عالم سريع التغيّر

الحياة ميدان تسوياتٍ مستديمة

شللي
شللي
TT

رومانتيكية فائضة في عالم سريع التغيّر

شللي
شللي

لم تعُدْ مفردة «الرومانتيكية» تُذكَرُ إلّا قليلاً، وحتى عندما تذكّرُ فغالباً ما تكون في سياق استذكار تاريخ التيارات الأدبية التي سادت في بدايات القرن التاسع عشر. من الصعب نسيانُ فرسان الرومانتيكية: شيللي وشيللر وكولردج وكيتس ووردزورث. تراجعت مفاعيل الرومانتيكية كثيراً في عصرنا بفعل مؤثرات العقلنة العلمية وسطوة الثورات التقنية المتوالية التي تتطلب عقلاً منضبطاً يتحرك بخوارزميات صارمة. بالنسبة لي صارت المرات القليلة التي تُعرَضُ لي فيها مفردةُ «الرومانتيكية» أو مشتقاتها اللغوية تذكّرني بكِتاب «رومنطيقيو المشرق العربي» لحازم صاغية الذي اختار مفردة «رومنطيقيو» بدلاً من «رومانتيكيو» في عنوان كتابه. المثيرُ أنّ أغلب أساطين الرومانتيكية العربية على صعيد السياسة والأدب نشأوا في حاضنة «الجامعة الأميركية في بيروت»، ونعلم جميعاً أنّ الفلسفة المعتمدة في الحياة الأميركية هي البراغماتية التي طوّرها وأنضجها ويليام جيمس، وهي أبعد ما تكون عن الرومانتيكية ومفاعيلها المتشعبة على الصعيدين الفردي والجمعي.

تتجوهر المعضلة الرومانتيكية (التي قادت بعض كبار الرومانتيكيين إلى الانتحار) في تغليب الخاص على العام. لكلٍّ منّا منخفضاته السيكولوجية وتحليقاته المتوهّجة. أحد الموضوعات الإشكالية هو تشخيص ومعرفة مناطق الاشتباك بين الخاص والعام: هل ما نعانيه نتاجُ توعّكاتنا الشخصية أم هو ردّة فعل لما يحصل في العالم، ولو حصل الاشتباك بين الخاص والعام (وهو حاصل بالتأكيد حدّ الصراع القاسي المفضي لنتائج مؤلمة) فكم هو حجمُ منطقة الاشتباك؟ هذه التشخيصات ليست يسيرة، وقد يحصل أن يتداخل الخاص والعام بطريقة مؤذية، وربما نكون نحنُ أحد الأطراف الساعية للنفخ في هذا الاشتباك على طريقة رومانتيكيي القرن التاسع عشر الذين تلذّذوا بمعاناتهم كلّما رأوها تتضخّم ككرة نار جهنّمية. ما أتمنّاه أولاً وقبل كل شيء أن لا يغرق أي شخص ذي ضمير حي في لجّة منطقة الاشتباك بين العام والخاص، وسواء حصل هذا الغرق بطريقة قصدية أو مُتوهّمة. لا يمكن فصل الأوهام عن كثير من ألوان معاناتنا النفسية لأنّ سلوكنا اليومي ليس سوى تمثّل ذهني شديد الخصوصية لما نراه في العالم وعن العالم، وهذه الرؤية مطبوعة ببصماتنا الذهنية والنفسية المتفرّدة كفرادة بصمات أصابعنا.

الحياة عملٌ شاق. ليست هذه العبارة محض عنوان يصلح لكتاب - مثل كتاب البروفسورة كيران سيتيا (Kieran Setiya) المنشور عام 2022 - بل هي قناعة تعززها الخبرة اليومية المتواترة. العالم مكان شديد الخطورة للعيش فيه والتعامل معه. هذه ليست تخريجة رومانتيكية أنتجتها حسّاسية أخلاقية مترفّعة. في العادة أتساءل، وكنوعٍ من التجارب الفكرية المثيرة: لو أنّ إنساناً رفيع الأخلاقيات، معروفاً بصرامة اعتباراته السلوكية، تركناه يتعامل مع البشر لساعة من الزمن - ليس أكثر- هل سيعود بعد هذه التجربة بالمواصفات الرفيعة التي كان عليها؟ لا أظنُّ ذلك.

الحياة عمل شاق، والعالمُ مكان يطفحُ بالسيئين أكثر بكثير من نظائرهم المخالفين لهم في الصفات. هذا ليس اكتشافاً جديداً، إنّه حقيقة أزلية. قد تدفعنا هذه الحقيقة إلى الخراب النفسي والظلام العقلي والشعور بالخواء المطبق؛ لكنّ أحد الامتيازات الكبرى التي تُحسَبُ لنا هي معرفتنا بهذه الحقيقة؛ ومع هذا نبقى محافظين على مخزوننا الاستراتيجي من الطاقة الروحية النشيطة والفاعلة والمؤثرة.

كيتس

ليس من المروءة أو الإنصاف تحميلُ أنفسنا عبء المعضلة الأخلاقية في هذا العالم. من الواجب أن نعرف أفاعيل الشر في العالم؛ لكن من السذاجة - فضلاً عن عدم الجدوى - أن نتعامل مع هذه الأفاعيل بالطريقة الرومانتيكية المعهودة التي قرأنا عنها. يجب وضعُ حدود صارمة قدر الاستطاعة بين الخاص والعام. المعضلات العالمية أو حتى الإقليمية ليست حكاية حب على شاكلة روميو وجولييت. ما هو ألعنُ من العبء الأخلاقي هو التصارع بين العقل - الضمير: هذه الثنائية التصارعية لا تقلّ شأناً في مترتباتها الأخلاقية والفلسفية عن معضلة الثنائية الديكارتية العقل - الجسد التي ظلّت أحد الأعمدة الجوهرية في المقاربات الفلسفية منذ عصر النهضة الأوروبية وحتى اليوم. لماذا نحمّلُ أنفسنا هذا العبء الأخلاقي باهض التكاليف؟ لا أقول هذا من باب تسكين الروح القلقة المحمّلة بالنزوع الإنساني الفائق؛ لكنّ واقع الحال ينبئنا أنّ خسارة أرواحنا لن تضيف شيئاً ولن تصنع فارقاً سوى زيادة مناسيب القباحة في هذا العالم، وليس هذا بالأمر المقبول في سياق المحاججة المنطقية الباردة أو في سياق مواجهة الشر وما تستلزمه من تفكّر وتسبيب للنتائج المتوقّعة. التعامل برومانتيكية فائضة في موضوعات ساخنة عالمية النطاق من حيث المؤثرات والنتائج مَهْلَكَةٌ مؤكدة. ربما سمعنا بمتلازمة القلب الكسير (Broken Heart Syndrome). الحَزَنُ الشديد والمفاجئ قد يدمّرُ قلب المرء ويورده موارد الموت المحتّم. هذا ما حصل لرومانتيكيي القرن التاسع عشر، وهو ما يمكن أن يحصل لأي فرد منّا عندما لا تتوازن الجرعة البراغماتية المطلوبة لديه في التعامل السلوكي اليومي مع حجم ردة الفعل الأخلاقية.

حتى لا أبقى في نطاق الأعالي التنظيرية سأتناول مثالاً مؤثراً على كامل مساحة العالم ولكل البشر بعيداً عن اعتبارات الزمان والمكان والجغرافية المحلية: الأغذية المعدّلة وراثياً (Genetically Modified Crops). لماذا لجأ العالمُ لهذه التقنية الثورية في زيادة غلّة المحاصيل والحفاظ عليها من التلف؟ لكي يستطيع إطعام المليارات المتزايدة من البشر، ولولا هذه التقنية لحلّت بالبشرية مجاعة كارثية رهيبة. صحيحٌ أنّ مذاقات الأطعمة لم تعد مثلما كانت. صارت الطماطم والقرنبيط وسواهما من الفواكه والخضراوات أشكالاً هندسية بديعة لكنها تفتقدُ إلى المذاق الأصيل للثمار غير المعاملة وراثياً. هذا جزء من التضحية التي يجب أن نقبل بها حتى لا يجوع مليارات البشر في العالم. إنها موازنة براغماتية دقيقة بين اللذة الشخصية والمصلحة الجمعية. لا تخلو كل فعالية عالمية النطاق من تحقيق مصالح لبعض الأطراف (شركات، حكومات، أفراداً أثرياء...)؛ لكنّ الحقيقة البيّنة أنّ الأغذية المعدلة وراثياً أنقذت البشر من مجاعة مهلكة. من الأفضل دوماً أن نؤكّد الحقيقة المركزية ولا نتغافل عنها بالتركيز على موضوعات جانبية سلبية مقترنة بكلّ فعالية بشرية. هكذا هي بعض حقائق الحياة التي نعيش. من هذه الموضوعات السلبية - مثلاً - أنّ الأغذية المعدّلة وراثياً قد تتسبب ببعض العلل وأنواع من السرطانات عقب عشرين سنة من تناولها المفرط. لنفترض صحة هذا الرأي. كم هي نسبة الإصابة؟ يقولون إنها لن تتعدى الواحد بالألف. أتساءل: لو امتلكتَ مصباح علي بابا السحري وعرفتَ أنّ «فلاناً» من البشر سيصابُ بالسرطان بعد عشرين سنة، ولو خيّرتَه بين السرطان أو الموت جوعاً، أيهما تظنُّ سيختار؟ أظنّ أنّ موتاً بعد عشرين سنة بمعدة ممتلئة أفضل من موت آني بشع بمعدة جائعة. برغم هذا ثمة فائض من الرفاهية ما زلنا نمتلكها، إذ يمكن لمن يريد أن يتبضّع أغذية عضوية بتكاليف تبلغ في العادة أربعة أضعاف تكاليف الأغذية المعدلة وراثياً. هل بعد كلّ هذه الرفاهية في الخيارات المتاحة نتحسر على عصر كنّا نأكل فيه طعاماً عضوياً؟ إنها رومانتيكية فائضة من مخلفات العصر الرومانتيكي الذي رأى في الآلة تحطيماً لروح الإنسان، وتناسى أنّ الآلة (التقنيات بمعنى أعمّ) هي التي رفعته في مرتقيات أعلى مقاماً على المستويين المادي والرمزي. يبقى على المرء أن يصمّم مقاربته الشخصية لبلوغ حالة التوازن بين العام والخاص.

الحياة الشخصية منحة مباركة وهِبَةُ ثمينة يجب أن نعيشها ولا نفرّط بها تحت أي شعار إنساني أو آيديولوجي، أو تحت ضغط أثقال نفسية وعقلية رهيبة ناجمة عن التصارع بين متطلبات الفضاء الخاص واشتراطات الحياة في الفضاء العام.

لم أكنْ واعياً بوجود الشر لأنني لم أكنْ أغادرُ المنزل

بورخيس

أتمنّى ألا نكتفي بتحويل منخفضاتنا النفسية - المتوقّعة بين حين وآخر - مرتفعاتٍ تسعى للتخوم البعيدة. ما أتمنّاه هو فضّ اشتباك صارم بين الخاص والعام، وأن تستعيد أرواحنا وعقولنا المنهكة من فرط التفكير غير المنتج ألقها وتوهجها بعيداً عن مؤثرات الإجهاد والإنهاك. لن نكسب شيئاً لو خسرنا أنفسنا. سنخسر حينها أنفسنا ومن نحب وما نحب.

تبدو الرومانتيكية الفائضة خصيصة شخصية تستمدّ مغذياتها من نقص المعرفة والخبرة. عندما يصبح المرء تجسيداً للمثال البورخسي (بمعنى المثال الذي حكى عنه بورخيس) حيث المرء يفضّلُ الانكفاء على معرفته السابقة وخبرته القديمة فحينها تتفجر فيه ينابيع الرومانتيكية التي قد تدفع صاحبها للغرق، ومعها تغرق كلّ أحلامه وتطلعاته. لا أظنّ أنّ من الحكمة غضَّ الطرف عن «الشر الذي في العالم» والانكفاء في منزل لا نبارحه، ويطيب لنا فيه رسمُ صورٍ عن العالم كيفما نشاء.

الحياة ميدانُ تسوياتٍ مستديمة، وما لم ننجح في إدامة تلك التسويات بمزيج متوازن من الرغائب الشخصية والإحساس البراغماتي المتناغم مع معادلات الواقع - أو غير المتصادم معها بعنف في أقلّ تقدير- فسننتهي إلى النهاية المفجعة التي انتهى إليها «رومانتيكيو المشرق العربي» وأجاد حازم صاغية في وصف مآلاتها الحزينة.


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.