بعد إعلان جدري القردة طارئة صحية... هل يتجه العالم نحو وباء جديد؟

تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
TT

بعد إعلان جدري القردة طارئة صحية... هل يتجه العالم نحو وباء جديد؟

تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)

هل ينتشر جدري القردة عبر العالم بعد سنتين من موجة إصابات أولى؟ ما زال الوقت مبكراً للرد على هذا السؤال حسب ما قال الخبراء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن مرض جدري القردة (إمبوكس) يطرح حالياً أزمة خطيرة في قسم من القارة الأفريقية.

ما جدري القردة؟

عُرف هذا المرض بجدري القردة؛ لأنه ناتج من فيروس قريب من الجدري اكتُشف عام 1958 لدى قردة كانت تُستخدم في الأبحاث. ولاحقاً أطلقت عليه السلطات الصحية اسم «إمبوكس».

ويتسبّب الفيروس بارتفاع الحرارة وآلام في العضلات وطفح جلدي.

ورُصدت أول إصابة بشرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 1970، وبقي المرض محصوراً لمدة طويلة في نحو عشر دول أفريقية.

لكن في عام 2022 بدأ ينتشر إلى بقية أنحاء العالم، ولا سيما الدول المتطوّرة التي لم تسجّل أي إصابة من قبل.

صورة مجهرية إلكترونية ناقلة ملوّنة لجزيئات جدري القردة (أ.ف.ب)

ما المخاطر؟

من الصعب تحديد المرحلة التي يصبح فيها المرض فتاكاً. قبل تفشي جدري القردة في 2022، كانت تُذكر نسبة غير دقيقة من الوفيات، تتراوح بين 1 و10 في المائة.

وهذا التباين الكبير ناتج من وجود سلالتين رئيسيتين لفيروس «إمبوكس»: «السلالة 1»، و«السلالة 2» الأقل خطورة بكثير.

وهذه السلالة الثانية هي التي تسبّبت بتفشي الوباء عام 2022، وكانت نسبة الوفيات الناتجة منها أقل من 1 في المائة، ما يفسّر أيضاً بفاعلية أنظمة العناية الصحية في الدول المتطورة.

امرأة في مخيم بولينجو للاجئين في غوما بالكونغو تشك في أنها قد تكون مصابة بجدري القردة بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية انتشار المرض (أ.ب)

ما الجديد؟

«السلالة 1» هي التي تتسبّب هذه المرة بتفشي جدري القردة منذ نحو عام في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبنسبة أقل في دول أفريقية أخرى مثل بوروندي وكينيا. وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، تسجيل 548 وفاة منذ مطلع العام من أصل نحو 16 ألف إصابة «محتملة» أُحصيت.

وهذا التفشي على ارتباط في جزء منه بـ«السلالة 1»، إنما كذلك بظهور متحور جديد هو «1 بي» يُشتبه بأنه أكثر خطورة، غير أنه لم يتم إثبات ذلك.

ورُصد هذا المتحور الجديد هذا الأسبوع في السويد، في أول إصابة خارج أفريقيا. وفي آسيا، رُصدت أول إصابة بجدري القردة في باكستان، من غير أن تُعرف السلالة.

وقال براين فيرغوسون، أستاذ علم المناعة في «كامبردج»، متحدثاً لمركز «ساينس ميديا سنتر» البريطاني: «ليس من المفاجئ نظراً إلى خطورة الوباء في أفريقيا وتفشيه فيها، أن تكون الرحلات بين القارات أتت بهذه الإصابة إلى أوروبا».

وتوقع «على الأرجح مزيداً» من الإصابات في العالم إذا لم تُتخذ أي تدابير محددة.

صبي صغير مصاب بجدري القردة بعد تلقيه العلاج في مركز «مونيجي الصحي» بجمهورية الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ)

مَن المهدَّدون بالمرض؟

كان تفشي المرض الحالي في أفريقيا أكثر فتكاً بين الأطفال، وهو أمر غير مفاجئ، إذ إن «السلالة 1»، «معروفة بالتسبب بأمراض أكثر خطورة لدى الأطفال الأصغر سناً والحوامل والأشخاص الذين يعانون نقص المناعة»، على ما أوضح خبير الفيروسات في مركز «ساينس ميديا سنتر» جوناس ألباراز.

لكنه أشار إلى أن المتحور «بي 1»، «ينتشر بصورة خاصة بين البالغين الشباب مع انتقاله عبر الاتصال الجنسي على ما يبدو».

وهذا الاختلاف يطرح مسألة طريقة انتقال الفيروس لكل متحور. ففي 2022 انتشر الفيروس عن طريق الاتصال الجنسي، وكانت الغالبية الكبرى من المصابين من الرجال المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي.

غير أن الفيروس ينتقل بصورة أوسع من خلال السوائل الجسدية مثل اللعاب، والتماس المباشر مع الطفح الجلدي، ما يفسّر إصابة الأطفال.

ماذا الآن؟

لا يُعرف إلى أي مدى سينتشر الفيروس خارج أفريقيا. والمصاب في السويد كان آتياً من القارة الأفريقية. وقال البروفسور فرنسوا بالو من جامعة «كوليدج أوف لندن»، إنه «ليس هناك في الوقت الحاضر دليل على وجود عدوى في أوروبا».

ويرى «المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها» أن هذا الخطر ضعيف. لكن الوكالة رأت، الجمعة، أن من «المرجح جداً» أن تواجه الدول الأوروبية زيادة في الإصابات المستوردة بـ«السلالة 1»، وأوصت «السلطات الصحية» بأن تكون جاهزة «للسماح بتأمين رصد واستجابة سريعين لأي حالة جديدة».

وإن كانت السلطات الصحية تراقب بقلق انتشار الفيروس حالياً، وفي طليعتها منظمة الصحة العالمية التي أعلنت إنذاراً من أعلى مستوى، فذلك بسبب عواقبه الخطيرة في أفريقيا.

ويُعدّ التلقيح أساسياً بهذا الصدد. وثمة عدة لقاحات فعّالة للغاية ضد جدري القردة، لكنها غير متوافرة في أفريقيا، في حين أنه عند انتشار الفيروس في 2022، أطلقت الدول المتطورة بسهولة حملات تلقيح. وقال براين فيرغوسون إنه «من الممكن» مكافحة تفشي الفيروس، لكن «هذا يتطلّب تعاوناً دولياً سريعاً».

 

هل سيؤدي جدري القردة إلى جائحة أخرى؟

وعد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» أن تحول جدري القردة إلى وباء غير مرجح للغاية. وأن عادةً ما تندلع الأوبئة، بما في ذلك أحدث الأوبئة مثل إنفلونزا الخنازير وكوفيد-19، بسبب الفيروسات المحمولة جواً والتي تنتشر بسرعة، بما في ذلك الأشخاص الذين قد لا تظهر عليهم الأعراض.

ينتشر فيروس الجدري، المعروف أيضاً باسم جدري القرود، في المقام الأول من خلال ملامسة الجلد للجلد عن قرب مع الأشخاص المصابين أو ملابسهم المتسخة أو ملاءات الأسرة. غالباً ما يسبب آفات جلدية مرئية يمكن أن تجعل الأشخاص أقل عرضة للاتصال الوثيق بالآخرين.

وينصح الخبراء بتجنب الاتصال الجسدي الوثيق مع شخص مصاب بآفات تشبه جدري القردة، وعدم مشاركة أدواته أو ملابسه والحفاظ على النظافة الجيدة مثل غسل اليدين بانتظام.

مريض يُظهر يده مصابة بقرحة ناجمة عن عدوى فيروس جدري القرود في منطقة عزل مرضى جدري القرود في مستشفى أرزوبيسبو لوايزا في ليما ببيرو (أ.ف.ب)

ما الفرق بين جدري القردة و«كوفيد-19»؟

ينتشر جدري القردة ببطء شديد على عكس فيروس كورونا. فبعد وقت قصير من تحديد فيروس كورونا في الصين، قفز عدد الحالات بشكل كبير من عدة مئات إلى عدة آلاف؛ في أسبوع واحد في يناير (كانون الثاني)، وزاد عدد الحالات بأكثر من عشرة أضعاف. وبحلول مارس (آذار) 2020، عندما وصفت منظمة الصحة العالمية (كوفيد-19) بأنه جائحة، كان هناك أكثر من 126 ألف إصابة و4600 حالة وفاة - بعد حوالي ثلاثة أشهر من تحديد فيروس كورونا لأول مرة.

على النقيض من ذلك، استغرق الأمر منذ عام 2022 حتى وصلت حالات الإصابة بجدري القردة إلى ما يقرب من 100 ألف حالة إصابة على مستوى العالم، مع حوالي 200 حالة وفاة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وتتوفر لقاحات وعلاجات لجدري القردة على عكس الأيام الأولى لجائحة (كوفيد-19).

قال الدكتور كريس بيرر، مدير معهد الصحة العالمية بجامعة ديوك: «لدينا ما نحتاجه لوقف جدري القردة. هذا ليس نفس الموقف الذي واجهناه أثناء كوفيد عندما لم يكن هناك لقاح ولا مضادات للفيروسات».


مقالات ذات صلة

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ صورة تحت المجهر الإلكتروني قدمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في عام 2024 لجزيئات فيروس «جدري القردة» باللون البرتقالي الموجودة داخل الخلايا المصابة باللون الأخضر (أ.ب)

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الفحوصات كشفت لاحقا أن مونستر وكوي كانا يحملان قوارير تحتوي على فيروس جدري القردة المعطل، بحسب مكتب التحقيقات الاتحادي.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

تقرير: زيادة «حادة» في الإصابات بسلالة متحورة من جدري القردة في أوروبا

حذر خبراء من ارتفاع حاد في إصابات سلالة متحورة من جدري القردة عبر أوروبا، حيث ينتشر الفيروس الآن بين أشخاص ليس لديهم تاريخ سفر معروف أو اتصالات مع حالات مصابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية في 19 يوليو 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية»: جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ عامة

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم (الاثنين)، إن تفشي جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ صحية عامة، وأصدر المدير العام للمنظمة مجموعة معدلة من التوصيات المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا صورة مجهرية مكبّرة لفيروس «إمبوكس» (رويترز)

السلطات الصحية البريطانية تحقق في إصابة بفيروس «إمبوكس»

أعلنت السلطات الصحية البريطانية، الاثنين، اكتشاف إصابة بفيروس «إمبوكس» من سلالة «كلايد 1 بي» لم يبلغ فيها المريض عن أي سفر أو اتصال بأشخاص مصابين آخرين. 

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا ينتشر جدري القردة عن طريق الاتصال الوثيق ويسبب أعراضاً تشبه تلك الناجمة عن الإنفلونزا (أرشيفية - رويترز)

الصين ترصد سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة

قالت السلطات الصحية في الصين، اليوم (الخميس)، إنها رصدت سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية
TT

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

أوروبا تسعى لحماية نفسها صاروخياً وصفقة دفاعية كبرى فرنسية - أوكرانية

من بين العروض العسكرية العشرة التي ترأسها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ وصوله إلى قصر الإليزيه ربيع عام 2017، كان ما شهدته جادة الشانزليزيه أمس الأضخم بكل المعايير: أولاً، لجهة ضيوف الشرف الذين دعوا إلى المنصة الرسمية وهم عملياً جميع قادة الدول الذين شاركوا في قمة «تحالف الراغبين» الخاص بتوفير الدعم لأوكرانيا والاستعداد لإرسال وحدات عسكرية تنتشر على الأراضي الأوكرانية، وتضمن أمنها براً وبحراً وجواً بعد توقف القتال أو بعد توصل الطرفين إلى اتفاق سلام.

وقد حضر العرض ما لا يقل عن 35 رئيس دولة وحكومة (ألمانيا، بريطانيا، إسبانيا، أوكرانيا، الدنمارك، السويد وكندا... إضافة إلى رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية وأمين عام الحلف الأطلسي).

طائرات «إيرباص 400» خلال العرض العسكري في باريس (رويترز)

وحرصت باريس على جعل العرض الذي يُجرى سنوياً بمناسبة العيد الوطني الفرنسي على أن يتخطى حدود فرنسا لجعله أوروبيا لا بل دولياً من خلال مشاركة عناصر من دول التحالف، إن من خلال وحدات المشاة أو من خلال مشاركة طائرات حربية أوروبية. وأريد لهذا السيناريو أن يكون باكورة للدفاع الأوروبي الذي يسعى الأوروبيون لبلوغه لكنه ما زال اليوم في المهد.

وتجدر الإشارة إلى أن الحشد العسكري الذي ضاقت به جادة الشانزليزيه والجادات والشوارع اللصيقة هو الأضخم على الإطلاق حيث شارك فيه نحو 6700 جندي من المشاة، و98 طائرة حربية بينها طائرات ألمانية وبريطانية، و31 مروحية، و315 مركبة وكل ذلك وسط حضور جماهيري واسع. واستبقت مصادر الإليزيه الحدث بتأكيد أن هدف الحشد العسكري الاستثنائي إبراز تعزيز القدرات العسكرية الاستراتيجية لفرنسا وحالة اليقظة الاستراتيجية في أوروبا.

عرض عسكري استثنائي

رغم ما سبق، فإن المستفيد الأول، خارج ماكرون، هو الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي كان على منصة الشرف إلى جانب القادة الآخرين؛ إذ إنه لن يعود فارغ اليدين من العاصمة الفرنسية.

فمن جهة، تعهد «تحالف الراغبين» الذي أطلقته باريس لندن في شهر فبراير (شباط) الماضي، ويتشكل أساساً من دول أوروبية، مواصلة تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، بما في ذلك نشر قوات على الأرض بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وذلك لردع روسيا عن شن أي هجمات لاحقة.

وجديده قرار «التحالف» البدء، في الأشهر المقبلة، بإجراء مناورات عسكرية في إطار الاستعدادات لنشر قوة دعم متعددة الجنسيات جرى التخطيط لها مسبقاً، فإن التدريبات ستثبت، بحسب ماكرون، أن التحالف «مستعد ويتمتع بالمصداقية براً وبحراً وجواً»، وأن التحالف بات يمتلك الآن قوة متعددة الجنسيات جاهزة للانتشار من أجل دعم أوكرانيا، وسبق له أن شدد، في خطابه الاثنين أمم القوات المسلحة على أن باريس «أثبتت قدرتها على إطلاق تحالفات» مثل تحالف الراغبين أو المهمة البحرية في مضيق هرمز.

والحال أن هذين التحالفين ما زالا افتراضيين، ولم تتوفر بعد شروط انطلاقتهما. وفي ما يخص تحالف الراغبين، ثمة عقبتان رئيسيتان: الأولى، أن روسيا ترفض أي انتشار لقوات أوروبية ـ أطلسية على الأراضي الأوكرانية. والثانية، أن العديد من دول «التحالف» وعلى رأسها ألمانيا، تربط مساهمتها بالحصول على ضمانات أميركية بدعم ومساندة القوات المنتشرة في حال تعرُّض روسيا لها.

كثيرة هي البادرات الإيجابية التي أطلقها التحالف باتجاه أوكرانيا وليس أقلها الإعلان المشترك لـ11 دولة أوروبية بإطلاق «تحالف مواجهة الصواريخ الباليستية» وذلك استجابة لطلب من زيلينسكي. ويرى الأخير أن التهديد الأكبر الذي تواجهه بلاده يتمثل في الصواريخ الباليستية الروسية، والنقص الذي تعاني منه القوات الأوكرانية في ما يخص صواريخ «باتريوت» القادرة وحدها على مواجهة التهديد الصاروخي الروسي.

بيد أن التحالف الجديد وُضع في إطار أشمل هو «توفير الحماية لأوروبا الأمر الذي يتطلب حلاً شاملاً قوامه إنشاء منظومة متكاملة للدفاع الصاروخي، بهدف ردع التهديدات الصاروخية المستقبلية والتصدي لها، وذلك من خلال جهد جماعي، وانفتاح تكنولوجي، وتعاون صناعي قائم على الثقة».

جنود من الفيلق الأجنبي الفرنسي في العرض العسكري (رويترز)

يضاف إلى ما سبق أن باريس خصصت لزيلينسكي بادرة رمزية، حيث شارك طياران أوكرانيان في التحليق فوق باريس في طائرتي «ميراج 2000» ستنقلان لاحقاً إلى كييف في إطار اتفاق سابق حول تسليمها 6 طائرات من هذا النوع. وكان ماكرون قد أعلن، أمس، في ختام قمة «تحالف الراغبين» أن بلاده ستسلم أوكرانيا 15 طائرة من طراز «رافال»، وهي أحدث ما تنتجه مصانع «داسو للطيران». وجاء البيان المشترك للرئيسين الفرنسي والأوكراني الذي وزعه قصر الإليزيه بعد ظهر الثلاثاء ليكشف عن صفقة دفاعية واسعة بين الطرفين لم يسبق أن أبرما مثلها.

صفقة دفاعية فرنسية لأوكرانيا

جاء في البيان أن كييف طلبت شراء 16 طائرة «رافال» مع أسلحتها (من أصل 100 طائرة تم التوافق عليها العام الماضي)، وسيتم تمويل الصفقة من خلال قرض الـ90 مليار يورو الذي تعهد به الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا.

الرئيس إيمانويل ماكرون وقادة دول «تحالف الراغبين» في صورة جماعية في جادة الشانزليزيه بمناسبة العرض العسكري الثلاثاء (أ.ف.ب)

وجاء في البيان أن البلدين «اتفقا على منح أولوية قصوى للمشروعات الهادفة إلى تعزيز قدرات سلاح الجو والدفاع الجوي والدفاع ضد الصواريخ الباليستية في أوكرانيا». يأمل الطرفان تسليم أول 4 طائرات «رافال» بعد مرحلة تدريب الطيارين الأوكرانيين التي يمكن أن تبدأ هذا العام. وينص البيان على أنواع الأسلحة التي ستزود بها هذه المقاتلات مع كميات كافية من الذخائر.

وأكثر من ذلك، ستمنح كييف ترخيصاً لإنتاج قنابل وصواريخ متطورة من طراز «سكالب». وأكثر من ذلك، فإن كييف سوف تحصل على 4 منظومات دفاع جوي من طراز «إس آي إم بي ـ تي» التي تنتجها شركات فرنسية ــ إيطالية، وتعد قريبة من صواريخ «باتريوت» الأميركية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول مجموعة السبع في إيفيان شرق فرنسا (أ.ف.ب)

وستسمح باريس وروما لأوكرانيا أيضاً بإنتاج صواريخ «أستير» للدفاع الجوي. وجاءت هذه القرارات بعد أن أعلن الرئيس الأميركي، بمناسبة قمة الحلف الأطلسي الأخيرة، تمكين أوكرانيا من إنتاج صواريخ «باتريوت» وهي الوحيدة التي تمتلكها والقادرة على إسقاط الصواريخ الباليستية الروسية. وفي السياق عينه، ووفق البيان المشترك، فإن أوكرانيا ستحصل على 7 رادارات متطورة، كما أن باريس تقبل إعارة منظومتي دفاع جوي للقوات الأوكرانية على أن تستعيدها بعد أن يتم تسليمها ما أوصت عليه.

ونظراً لحاجة كييف لمنظومات الدفاع الجوي بجميع مكوناتها، فإن باريس وروما قبلتا تقديم العديد من التسهيلات لأوكرانيا التي ستستخدم القسط الأول من القرض الأوروبي الكبير لتمويل هذه المشتريات الدفاعية.

الرئيس الفرنسي ورئيس الوزراء البريطاني خلال قمة «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا في باريس الاثنين (أ.ف.ب)

وأخيراً، تلتزم فرنسا بـ«دعم تطوير الصواريخ الاعتراضية الأوكرانية المضادة للصواريخ الباليستية، لا سيما مشروع «فريا»، من خلال دعم التعاون الصناعي مع الشركات الفرنسية، وتوفير الخبرات الفنية من المديرية العامة للتسليح الفرنسية.

منذ ما يقارب 10 سنوات، يركز ماكرون على أهمية تعزيز الدفاعات الأوروبية ليس بديلاً عن الحلف الأطلسي ولكن إلى جانبه، لكن دعواته السابقة لم تكن تلقى الصدى الإيجابي المطلوب بسبب التمسك المطلق بالحلف الأطلسي وبمظلته النووية الأميركية - الأطلسية، لكن المخاوف التي أثارتها تصريحات الرئيس ترمب المشككة في جدوى الحلف الأطلسي والتخوف الأوروبي من احتمال تخليه عن الالتزام بالدفاع عن القارة القديمة، وفرت لدعوات ماكرون الأرض الخصبة لجهة الحاجة لبناء صناعات دفاعية أوروبية قوية، وتقليص الاعتماد على واشنطن في هذا القطاع.

صورة جماعية لقادة ورؤساء حكومات الدول المشاركة في «تحالف الراغبين» لدعم أوكرانيا خلال اجتماعهم في باريس الاثنين (أ.ب)

من هنا، فإن التحالف الخاص بمواجهة الصواريخ الباليستية يعد خطوة متقدمة شرط أن يجد طريقه إلى التنفيذ. وفي أي حال، فإن ماكرون الذي رأس آخر عرض عسكري قبل انتهاء ولايته لثانية أراد من خلال ضخامته والحضور الدولي الواسع أن يحقق هدفين؛ الأول، إقناع مواطنيه بأنه عمل على بناء جيش حديث وقوي قادر على الدفاع عنهم. والثاني، إقناع الأوروبيين، وفق تقدير مصدر رئاسي، أن قارتهم أخذت «تدرك مخاطر العالم، وتعي ضرورة تولي زمام مصيرها بنفسها».


أوكرانيا تشتري طائرات «رافال» وأنظمة دفاع جوي بموجب اتفاق مع فرنسا

مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من حاملة الطائرات «شارل ديغول» قبالة سواحل جزيرة كورسيكا الفرنسية (أ.ف.ب)
مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من حاملة الطائرات «شارل ديغول» قبالة سواحل جزيرة كورسيكا الفرنسية (أ.ف.ب)
TT

أوكرانيا تشتري طائرات «رافال» وأنظمة دفاع جوي بموجب اتفاق مع فرنسا

مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من حاملة الطائرات «شارل ديغول» قبالة سواحل جزيرة كورسيكا الفرنسية (أ.ف.ب)
مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» تقلع من حاملة الطائرات «شارل ديغول» قبالة سواحل جزيرة كورسيكا الفرنسية (أ.ف.ب)

من ‌المتوقع أن تستخدم أوكرانيا قرضاً أوروبياً لشراء أنظمة دفاع جوي فرنسية - إيطالية من الجيل الجديد وطائرات مقاتلة فرنسية من طراز «رافال» للمرة الأولى، مع الحصول في الوقت نفسه على الموافقة على إنتاج صواريخ غربية رئيسية بموجب اتفاقيات أبرمتها كييف وباريس اليوم الثلاثاء.

وأعلن البلدان أن أوكرانيا ستطلب شراء 16 طائرة من طراز «رافال» في المرحلة الأولى، وهي الدفعة الأولى من أسطول مكون من 100 طائرة تم الإعلان عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وسيتم تمويل هذه الصفقة من خلال برنامج قروض دعم أوكرانيا التابع للاتحاد الأوروبي.

وجاء في بيان مشترك للرئاستين الفرنسية والأوكرانية أن تدريب الطيارين والفنيين الأوكرانيين في فرنسا قد يبدأ خلال العام الجاري، على أن تُسلَّم أول أربع طائرات بعد استكمال التدريب، وذلك في أول تفاصيل تُعلن بشأن صفقات الشراء التي كُشف عنها أمس الاثنين.

كما تخطط أوكرانيا لاقتناء أربعة أنظمة دفاع جوي وصاروخي من الجيل الجديد من طراز «سامب/تي-إن.جي» لتصبح بذلك أول دولة تنشر هذا النظام الفرنسي - الإيطالي في القتال. وسيتم إرسال نسختين قديمتين إلى أوكرانيا إلى حين تسليم الأنظمة الجديدة.

وتأتي هذه الخطوة في إطار مبادرة أوسع نطاقاً للدفاع الجوي كشفت عنها أوكرانيا والعديد من الحلفاء الأوروبيين أمس الاثنين، وتهدف إلى تطوير قدرات مضادة للصواريخ الباليستية بتكلفة أقل، في وقت تكثف فيه روسيا هجماتها على المدن الأوكرانية.

كما سمحت فرنسا وإيطاليا لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «أستر 30» الاعتراضية، في حين وافقت فرنسا لأوكرانيا على إنتاج قنابل موجهة من طراز «إيه إيه إس إم» وصواريخ «كروز» من طراز «سكالب»، مما يعمق التعاون الصناعي الدفاعي مع كييف.

وكثفت روسيا هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة في أنحاء أوكرانيا خلال الأسابيع القليلة الماضية، مما زاد الضغط على كييف لتعزيز دفاعاتها الجوية وتأمين إمدادات إضافية من المعدات الاعتراضية.


اتفاق تاريخي يسهّل عبور الحدود بين إسبانيا وجبل طارق

مركبات مصطفة عند خط على الحدود بين إسبانيا وجبل طارق (أ.ف.ب - أرشيفية)
مركبات مصطفة عند خط على الحدود بين إسبانيا وجبل طارق (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

اتفاق تاريخي يسهّل عبور الحدود بين إسبانيا وجبل طارق

مركبات مصطفة عند خط على الحدود بين إسبانيا وجبل طارق (أ.ف.ب - أرشيفية)
مركبات مصطفة عند خط على الحدود بين إسبانيا وجبل طارق (أ.ف.ب - أرشيفية)

سيصبح التنقل اليومي لآلاف العمال الإسبان والبريطانيين أكثر سهولة مع دخول اتفاق لحرية الحركة بين جيب جبل طارق البريطاني وإسبانيا حيّز التنفيذ الأربعاء، بعد سنوات من الطوابير الطويلة والانتظار المرهق عند الحدود، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووُقّع الاتفاق الثلاثاء في بروكسل برعاية المفوضية الأوروبية، بعد ست سنوات من خروج المملكة المتحدة رسمياً من الاتحاد الأوروبي، ويتيح رفع القيود المفروضة على التنقل بين جبل طارق، الواقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الآيبيرية، وإسبانيا.

ويستقبل جبل طارق، وهو إقليم بريطاني صغير يبلغ عدد سكانه نحو 40 ألف نسمة، يومياً نحو 15 ألف عامل إسباني، أي ما يقارب نصف قوته العاملة.

وقال رئيس اتحاد الشركات الصغيرة في جبل طارق أوين سميث لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «انسيابية الحدود ستسهّل حياة» العمال المقيمين في إسبانيا، كما ستساعد شركات جبل طارق على استقطابهم والاحتفاظ بهم.

وجاء الاتفاق بعد سنوات من المفاوضات الصعبة أعقبت التوتر بين لندن وبروكسل إثر «بريكست» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي).

وقال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس لإذاعة «كادينا سير»، الثلاثاء، إن الاتفاق «يفتح عهداً جديداً» و«آفاقاً هائلة بعد ثلاثة قرون».

«هدم آخر جدار»

من المقرر أن يزور رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز المنطقة الحدودية، الأربعاء، فيما تتواصل منذ أسابيع أعمال تفكيك السياج المعدني القديم ونقاط العبور التي تفصل جبل طارق عن إسبانيا.

وقال سانشيز: «أخيراً، وبعد مئات السنين، سيصبح من الممكن هدم آخر جدار ما زال قائماً في الاتحاد الأوروبي».

ورأى رئيس حكومة جبل طارق فابيان بيكاردو أن الاتفاق يتيح إزالة «الحواجز المادية التي تعود إلى حقبة اتسمت بالتوتر»، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بـ«مفاتيح بوابتنا الخاصة».

وكانت التوترات قد بلغت ذروتها عام 1969، عندما أغلق نظام الديكتاتور فرانشيسكو فرانكو الحدود، بعدما صوّت سكان جبل طارق بغالبية ساحقة في استفتاء لمصلحة البقاء تحت السيادة البريطانية.

ولم تُفتح الحدود بالكامل مجدداً إلا عام 1985.

توترات دبلوماسية

ومنذ إعادة فتحها، كانت الطوابير الطويلة تتشكل بحسب منسوب التوتر الدبلوماسي بين مدريد ولندن بشأن السيادة على الإقليم، ما كان يدفع إسبانيا إلى تشديد إجراءات المراقبة.

وقال المسؤول النقابي في منطقة كامبو دي جبل طارق الإسبانية مانويل تريانو باوليت إن «كثيراً من العمال كانوا لا يعرفون متى يتعين عليهم مغادرة منازلهم للوصول إلى العمل في الوقت المحدد»، ولا في أي ساعة سيعودون إلى بيوتهم.

وأضاف الأمين العام الإقليمي لنقابة «اللجان العمالية» أن «من المهم أن ينتهي هذا التهديد المعلّق فوق رؤوس العمال».

ويقوم اقتصاد جبل طارق، الذي تقلّ مساحته عن مساحة غابة فانسن في باريس، على الخدمات المالية وألعاب القمار عبر الإنترنت، وهو يسجل أحد أعلى مستويات دخل الفرد في العالم، وفق «وكالة الصافة الفرنسية».

وخرجت المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي عام 2020، تاركة العلاقة بين جبل طارق، الذي شكّل تاريخياً قاعدة عسكرية مهمة للبريطانيين، والتكتل الأوروبي من دون تسوية.

وأواخر عام 2020، توصلت مدريد ولندن في اللحظات الأخيرة إلى اتفاق مؤقت للحفاظ على حرية التنقل عند الحدود بين إسبانيا وجبل طارق، لكن توقيع اتفاق نهائي ظل متعثراً.

وكانت إسبانيا قد تنازلت عن جبل طارق للتاج البريطاني عام 1713 بموجب معاهدة أوترخت، لكنها لم تتوقف منذ ذلك الحين عن المطالبة بالسيادة عليه، ما أبقاه ملفاً متوتراً بين مدريد ولندن.