بعد إعلان جدري القردة طارئة صحية... هل يتجه العالم نحو وباء جديد؟

تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
TT

بعد إعلان جدري القردة طارئة صحية... هل يتجه العالم نحو وباء جديد؟

تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)
تظهر أنابيب الاختبار التي تحمل علامة «فيروس جدري القردة إيجابياً وسلبياً» (رويترز)

هل ينتشر جدري القردة عبر العالم بعد سنتين من موجة إصابات أولى؟ ما زال الوقت مبكراً للرد على هذا السؤال حسب ما قال الخبراء، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، لكن مرض جدري القردة (إمبوكس) يطرح حالياً أزمة خطيرة في قسم من القارة الأفريقية.

ما جدري القردة؟

عُرف هذا المرض بجدري القردة؛ لأنه ناتج من فيروس قريب من الجدري اكتُشف عام 1958 لدى قردة كانت تُستخدم في الأبحاث. ولاحقاً أطلقت عليه السلطات الصحية اسم «إمبوكس».

ويتسبّب الفيروس بارتفاع الحرارة وآلام في العضلات وطفح جلدي.

ورُصدت أول إصابة بشرية في جمهورية الكونغو الديمقراطية عام 1970، وبقي المرض محصوراً لمدة طويلة في نحو عشر دول أفريقية.

لكن في عام 2022 بدأ ينتشر إلى بقية أنحاء العالم، ولا سيما الدول المتطوّرة التي لم تسجّل أي إصابة من قبل.

صورة مجهرية إلكترونية ناقلة ملوّنة لجزيئات جدري القردة (أ.ف.ب)

ما المخاطر؟

من الصعب تحديد المرحلة التي يصبح فيها المرض فتاكاً. قبل تفشي جدري القردة في 2022، كانت تُذكر نسبة غير دقيقة من الوفيات، تتراوح بين 1 و10 في المائة.

وهذا التباين الكبير ناتج من وجود سلالتين رئيسيتين لفيروس «إمبوكس»: «السلالة 1»، و«السلالة 2» الأقل خطورة بكثير.

وهذه السلالة الثانية هي التي تسبّبت بتفشي الوباء عام 2022، وكانت نسبة الوفيات الناتجة منها أقل من 1 في المائة، ما يفسّر أيضاً بفاعلية أنظمة العناية الصحية في الدول المتطورة.

امرأة في مخيم بولينجو للاجئين في غوما بالكونغو تشك في أنها قد تكون مصابة بجدري القردة بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية انتشار المرض (أ.ب)

ما الجديد؟

«السلالة 1» هي التي تتسبّب هذه المرة بتفشي جدري القردة منذ نحو عام في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وبنسبة أقل في دول أفريقية أخرى مثل بوروندي وكينيا. وأعلنت جمهورية الكونغو الديمقراطية، الخميس، تسجيل 548 وفاة منذ مطلع العام من أصل نحو 16 ألف إصابة «محتملة» أُحصيت.

وهذا التفشي على ارتباط في جزء منه بـ«السلالة 1»، إنما كذلك بظهور متحور جديد هو «1 بي» يُشتبه بأنه أكثر خطورة، غير أنه لم يتم إثبات ذلك.

ورُصد هذا المتحور الجديد هذا الأسبوع في السويد، في أول إصابة خارج أفريقيا. وفي آسيا، رُصدت أول إصابة بجدري القردة في باكستان، من غير أن تُعرف السلالة.

وقال براين فيرغوسون، أستاذ علم المناعة في «كامبردج»، متحدثاً لمركز «ساينس ميديا سنتر» البريطاني: «ليس من المفاجئ نظراً إلى خطورة الوباء في أفريقيا وتفشيه فيها، أن تكون الرحلات بين القارات أتت بهذه الإصابة إلى أوروبا».

وتوقع «على الأرجح مزيداً» من الإصابات في العالم إذا لم تُتخذ أي تدابير محددة.

صبي صغير مصاب بجدري القردة بعد تلقيه العلاج في مركز «مونيجي الصحي» بجمهورية الكونغو الديمقراطية (إ.ب.أ)

مَن المهدَّدون بالمرض؟

كان تفشي المرض الحالي في أفريقيا أكثر فتكاً بين الأطفال، وهو أمر غير مفاجئ، إذ إن «السلالة 1»، «معروفة بالتسبب بأمراض أكثر خطورة لدى الأطفال الأصغر سناً والحوامل والأشخاص الذين يعانون نقص المناعة»، على ما أوضح خبير الفيروسات في مركز «ساينس ميديا سنتر» جوناس ألباراز.

لكنه أشار إلى أن المتحور «بي 1»، «ينتشر بصورة خاصة بين البالغين الشباب مع انتقاله عبر الاتصال الجنسي على ما يبدو».

وهذا الاختلاف يطرح مسألة طريقة انتقال الفيروس لكل متحور. ففي 2022 انتشر الفيروس عن طريق الاتصال الجنسي، وكانت الغالبية الكبرى من المصابين من الرجال المثليين ومزدوجي التوجه الجنسي.

غير أن الفيروس ينتقل بصورة أوسع من خلال السوائل الجسدية مثل اللعاب، والتماس المباشر مع الطفح الجلدي، ما يفسّر إصابة الأطفال.

ماذا الآن؟

لا يُعرف إلى أي مدى سينتشر الفيروس خارج أفريقيا. والمصاب في السويد كان آتياً من القارة الأفريقية. وقال البروفسور فرنسوا بالو من جامعة «كوليدج أوف لندن»، إنه «ليس هناك في الوقت الحاضر دليل على وجود عدوى في أوروبا».

ويرى «المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها» أن هذا الخطر ضعيف. لكن الوكالة رأت، الجمعة، أن من «المرجح جداً» أن تواجه الدول الأوروبية زيادة في الإصابات المستوردة بـ«السلالة 1»، وأوصت «السلطات الصحية» بأن تكون جاهزة «للسماح بتأمين رصد واستجابة سريعين لأي حالة جديدة».

وإن كانت السلطات الصحية تراقب بقلق انتشار الفيروس حالياً، وفي طليعتها منظمة الصحة العالمية التي أعلنت إنذاراً من أعلى مستوى، فذلك بسبب عواقبه الخطيرة في أفريقيا.

ويُعدّ التلقيح أساسياً بهذا الصدد. وثمة عدة لقاحات فعّالة للغاية ضد جدري القردة، لكنها غير متوافرة في أفريقيا، في حين أنه عند انتشار الفيروس في 2022، أطلقت الدول المتطورة بسهولة حملات تلقيح. وقال براين فيرغوسون إنه «من الممكن» مكافحة تفشي الفيروس، لكن «هذا يتطلّب تعاوناً دولياً سريعاً».

 

هل سيؤدي جدري القردة إلى جائحة أخرى؟

وعد تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» أن تحول جدري القردة إلى وباء غير مرجح للغاية. وأن عادةً ما تندلع الأوبئة، بما في ذلك أحدث الأوبئة مثل إنفلونزا الخنازير وكوفيد-19، بسبب الفيروسات المحمولة جواً والتي تنتشر بسرعة، بما في ذلك الأشخاص الذين قد لا تظهر عليهم الأعراض.

ينتشر فيروس الجدري، المعروف أيضاً باسم جدري القرود، في المقام الأول من خلال ملامسة الجلد للجلد عن قرب مع الأشخاص المصابين أو ملابسهم المتسخة أو ملاءات الأسرة. غالباً ما يسبب آفات جلدية مرئية يمكن أن تجعل الأشخاص أقل عرضة للاتصال الوثيق بالآخرين.

وينصح الخبراء بتجنب الاتصال الجسدي الوثيق مع شخص مصاب بآفات تشبه جدري القردة، وعدم مشاركة أدواته أو ملابسه والحفاظ على النظافة الجيدة مثل غسل اليدين بانتظام.

مريض يُظهر يده مصابة بقرحة ناجمة عن عدوى فيروس جدري القرود في منطقة عزل مرضى جدري القرود في مستشفى أرزوبيسبو لوايزا في ليما ببيرو (أ.ف.ب)

ما الفرق بين جدري القردة و«كوفيد-19»؟

ينتشر جدري القردة ببطء شديد على عكس فيروس كورونا. فبعد وقت قصير من تحديد فيروس كورونا في الصين، قفز عدد الحالات بشكل كبير من عدة مئات إلى عدة آلاف؛ في أسبوع واحد في يناير (كانون الثاني)، وزاد عدد الحالات بأكثر من عشرة أضعاف. وبحلول مارس (آذار) 2020، عندما وصفت منظمة الصحة العالمية (كوفيد-19) بأنه جائحة، كان هناك أكثر من 126 ألف إصابة و4600 حالة وفاة - بعد حوالي ثلاثة أشهر من تحديد فيروس كورونا لأول مرة.

على النقيض من ذلك، استغرق الأمر منذ عام 2022 حتى وصلت حالات الإصابة بجدري القردة إلى ما يقرب من 100 ألف حالة إصابة على مستوى العالم، مع حوالي 200 حالة وفاة، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

وتتوفر لقاحات وعلاجات لجدري القردة على عكس الأيام الأولى لجائحة (كوفيد-19).

قال الدكتور كريس بيرر، مدير معهد الصحة العالمية بجامعة ديوك: «لدينا ما نحتاجه لوقف جدري القردة. هذا ليس نفس الموقف الذي واجهناه أثناء كوفيد عندما لم يكن هناك لقاح ولا مضادات للفيروسات».


مقالات ذات صلة

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ صورة تحت المجهر الإلكتروني قدمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في عام 2024 لجزيئات فيروس «جدري القردة» باللون البرتقالي الموجودة داخل الخلايا المصابة باللون الأخضر (أ.ب)

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الفحوصات كشفت لاحقا أن مونستر وكوي كانا يحملان قوارير تحتوي على فيروس جدري القردة المعطل، بحسب مكتب التحقيقات الاتحادي.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

تقرير: زيادة «حادة» في الإصابات بسلالة متحورة من جدري القردة في أوروبا

حذر خبراء من ارتفاع حاد في إصابات سلالة متحورة من جدري القردة عبر أوروبا، حيث ينتشر الفيروس الآن بين أشخاص ليس لديهم تاريخ سفر معروف أو اتصالات مع حالات مصابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية في 19 يوليو 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية»: جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ عامة

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم (الاثنين)، إن تفشي جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ صحية عامة، وأصدر المدير العام للمنظمة مجموعة معدلة من التوصيات المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا صورة مجهرية مكبّرة لفيروس «إمبوكس» (رويترز)

السلطات الصحية البريطانية تحقق في إصابة بفيروس «إمبوكس»

أعلنت السلطات الصحية البريطانية، الاثنين، اكتشاف إصابة بفيروس «إمبوكس» من سلالة «كلايد 1 بي» لم يبلغ فيها المريض عن أي سفر أو اتصال بأشخاص مصابين آخرين. 

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا ينتشر جدري القردة عن طريق الاتصال الوثيق ويسبب أعراضاً تشبه تلك الناجمة عن الإنفلونزا (أرشيفية - رويترز)

الصين ترصد سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة

قالت السلطات الصحية في الصين، اليوم (الخميس)، إنها رصدت سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

فرنسا: العثور على 58 مهاجراً محتجزين داخل شاحنة من دون سائق

أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يشاركون في تدريب بجنوب باريس (رويترز)
أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يشاركون في تدريب بجنوب باريس (رويترز)
TT

فرنسا: العثور على 58 مهاجراً محتجزين داخل شاحنة من دون سائق

أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يشاركون في تدريب بجنوب باريس (رويترز)
أفراد من شرطة مكافحة الشغب الفرنسية يشاركون في تدريب بجنوب باريس (رويترز)

عثرت خدمات الطوارئ في باريس على 58 مهاجراً في شاحنة متوقفة عثر عليها خلال الليل دون سائق على أطراف العاصمة الفرنسية، حسبما أعلن مكتب المدعي العام، اليوم (الأربعاء)، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ولم يقدم المكتب أي معلومات عن حالة الأشخاص الذين عُثر عليهم. ويحاول المحققون تحديد ما إذا كان المهاجرون قد نقلوا إلى موقع معين بواسطة شبكة منظمة لتهريب البشر.

وفتح مكتب المدعي العام في باريس تحقيقاً بشبهة التسهيل المرتبط بالعصابات للدخول غير القانوني، والإتجار غير القانوني بالمواطنين الأجانب أو إقامتهم في فرنسا.

ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام الفرنسية، كان من بين الموجودين في الشاحنة نساء وأطفال. وتم نقل نحو 26 مهاجراً لا يحملون تصاريح إقامة سارية إلى مركز الاحتجاز.


بعد 6 سنوات في أميركا... الأمير هاري وميغان يصلان إلى بريطانيا

الأمير هاري وزوجته ميغان (أ.ف.ب)
الأمير هاري وزوجته ميغان (أ.ف.ب)
TT

بعد 6 سنوات في أميركا... الأمير هاري وميغان يصلان إلى بريطانيا

الأمير هاري وزوجته ميغان (أ.ف.ب)
الأمير هاري وزوجته ميغان (أ.ف.ب)

وصل الأمير هاري وزوجته ميغان إلى المملكة المتحدة، اليوم (الأربعاء)، ليبدآ حياة جديدة في بريطانيا بعد ست سنوات أمضياها في الولايات المتحدة، حسب ما ذكرته وسائل إعلام بريطانية.

وجاء وصول الزوجين بعد أقل من أسبوع من إعلان مفاجئ أثار اهتمام المتابعين، بشأن اعتزامهما العودة إلى بريطانيا.

وأفادت وسائل إعلام، من بينها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، بوصول الزوجين.

وذكرت «ديلي تلجراف» أن طائرتهما هبطت في مطار برمنغهام الدولي نحو ظهر اليوم الأربعاء.

وأظهرت مواقع تتبع الرحلات الجوية وصول طائرة خاصة مستأجرة قادمة من مدينة فان نويس بولاية كاليفورنيا الأميركية، إلى المطار في الساعة 11:56 صباحاً.

وسبق أن التحق طفلا الزوجين، الأمير آرتشي (7 سنوات) والأميرة ليليبت (5 سنوات)، بمدارس بريطانية، ومن المقرر أن يبدآ الدراسة في سبتمبر (أيلول) المقبل.

وتعتزم الأسرة الإقامة في منزل خاص غير تابع للعائلة المالكة خارج لندن، لكنها لم تكشف عن الموقع الدقيق للمنزل.

ورفض ممثل الأمير هاري التعليق على عودة الأسرة إلى بريطانيا.


تركيا ترفض قراراً جديداً للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن كافالا

واجهت تركيا انتقادات حادة من حلفائها الغربيين على خلفية اعتقال الناشط المدني عثمان كافالا منذ أكثر من 10 سنوات (أ.ب)
واجهت تركيا انتقادات حادة من حلفائها الغربيين على خلفية اعتقال الناشط المدني عثمان كافالا منذ أكثر من 10 سنوات (أ.ب)
TT

تركيا ترفض قراراً جديداً للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن كافالا

واجهت تركيا انتقادات حادة من حلفائها الغربيين على خلفية اعتقال الناشط المدني عثمان كافالا منذ أكثر من 10 سنوات (أ.ب)
واجهت تركيا انتقادات حادة من حلفائها الغربيين على خلفية اعتقال الناشط المدني عثمان كافالا منذ أكثر من 10 سنوات (أ.ب)

رفضت تركيا قراراً جديداً للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طالبت فيه بالإفراج الفوري عن الناشط البارز في مجال المجتمع المدني عثمان كافالا، المحكوم بالسجن مدى الحياة في اتهامات تتعلق بمحاولة إسقاط نظام الحكم، ووصفته بأنه «قرار مسيس»، ملوحة بالانسحاب من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

وفي قرار جديد طالبت المحكمة الأوروبية تركيا بالإفراج الفوري عن كافالا، المحتجز منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2017، على خلفية اتهامات تراوحت بين التجسس وتمويل احتجاجات «غيزي بارك» في إسطنبول عام 2013 والتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، معتبرة أن إدانته جنائياً «باطلة وملغاة».

وألزمت المحكمة، في قرارها الصادر الثلاثاء، تركيا بدفع تعويض، أكثر من 113 ألف يورو لكافالا، المولود في فرنسا والبالغ 68 عاماً، مؤكدة أن تركيا انتهكت حرية التعبير وحرية التجمع والحق في الحرية والحق في محاكمة عادلة له، وأخضعته لمعاملة لا إنسانية أو «مهينة».

قرارات متعاقبة ورفض تركي

وذكرت المحكمة في حكمها أن «الإجراءات المتخذة بحق مقدم الطلب (كافالا)، كانت مدفوعة في المقام الأول بغرض خفي يتمثل في معاقبته على دوره في مظاهرات «غيزي بارك» عام 2013 وعلى تعبيره عن آرائه بصفته مدافعاً عن حقوق الإنسان، وإسكاته.

إردوغان رفض التدخل الغربي في قضية كافالا (الرئاسة التركية)

وبرئ كافالا عام 2020 من تهمتي التجسس وتمويل الاحتجاجات، لكن أعيد توقيفه قبل أن يعود إلى منزله بتهم جديدة تتعلق بدعم محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، ما أزم الموقف بين تركيا وحلفائها الغربيين، ووصل الأمر إلى حد التهديد بطرد 10 سفراء غربيين من أنقرة عام 2021 لإصدارهم بياناً مشتركاً للمطالبة بإطلاق سراح كافالا.

وتحول كافالا، وهو مؤسس ومدير «مؤسسة الأناضول الثقافية» إلى رمز لما وصف بأنه «حملة قمع ضد المجتمع المدني في تركيا»، وتسبب اعتقاله في موجة انتقادات لأنقرة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لكن الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي كان رئيساً للوزراء في 2013، رفض جميع الانتقادات وقرارات المحكمة الأوروبية، متعهداً بعدم الإفراج عنه طالما بقي في حكم البلاد، عاداً أن المطالبات الغربية بالإفراج عنه تدخلاً في شؤون تركيا الداخلية.

كافالا وزوجته الأكاديمية عائشة بوغرا قبل اعتقاله (إعلام تركي)

وفي عام 2023، منح مجلس أوروبا كافالا جائزة «فاتسلاف هافيل» التي تقدّم كل عام منذ 2013 لشخصية من المجتمع المدني تقديراً «لأعمالها الاستثنائية لصالح حقوق الإنسان في أوروبا وخارجها»، في خطوة لتسليط الضوء على رفض تركيا الامتثال لأحكام المحكمة الأوروبية بحق، تسلمتها نيابة عنه زوجته الأكاديمية التركية عائشة بوغرا.

وجاء القرار الجديد للمحكمة، التي أصدرت من قبل قرارين في عامي 2019 و2022 بالإفراج عن كافالا، بموجب طلب ثان تقدم به إليها وقبلته في 9 أبريل (نيسان) 2024.

وفي رد على قرار المحكمة، وصف كبير مستشاري الرئيس التركي للشؤون القانونية، محمد أوتشوم، القرار بأنه ذو «دوافع سياسية».

وأضاف أن تفسير المادة 46 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على أنها تعني أن أحكام المحكمة الأوروبية ملزمة بشكل نهائي من حيث الجوهر يعني تجاهل مبدأ استقلال القضاء الوطني ومبدأ أولوية العدالة الوطنية، وأن سلطة الامتثال أو عدم الامتثال لأحكام المخالفة من اختصاص المحاكم الوطنية المختصة، ولا يحق لأي هيئة دولية أن تُملي تعليماتها على قضائنا الوطني.

انتقادات متبادلة مع أوروبا

وذكر أوتشوم، في بيان عبر حسابه في «إكس» أوروبا بممارسات من قبيل الإسلاموفوبيا وانتهاك حقوق اللاجئين، ولوح بانسحاب تركيا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، قائلاً إنه طالما أن المحكمة الأوروبية تصدر قرارات ذات دوافع سياسية، فلن يكون لها أي قيمة بالنسبة لتركيا... من الواضح أن تركيا تُجبر على إعادة النظر في وضعها باعتبارها طرفاً في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وحقها في تقديم طلبات فردية إليها.

ووجه أوتشوم في بيانه المعنون: «على المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وآمور أن يعرفا حدودهما» انتقادات لاذعة إلى مقرر تركيا في البرلمان الأوروبي ناتشو تسانشيز آمور، ووصفه بـ«المتغطرس» بسبب تعليقه على قرار المحكمة الأوروبية بالإفراج عن كافالا وانتقاداته لوزير العدل التركي أكين غورليك، مشدداً على أنه لا يحق لأحد أن يُهين وزير العدل في الجمهورية التركية، أو التشكيك في استقلال قضائها.

ووجد آمور، وهو نائب إسباني ومقرر تركيا بالبرلمان الأوروبي، في إسطنبول وحضر الثلاثاء إحدى جلسات محاكمة رئيس بلدية إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو والتقى زوجته «ديليك إمام أوغلو» على هامش الجلسة، بالتزامن مع صدور قرار المحكمة الأوروبية بشأن كالافا.

وقفة للمطالبة بالإفراج عن عثمان كافالا (أ.ب)

وأشار آمور إلى نقاش دار مؤخراً مع وزير العدل التركي، أكين غورليك، حول استقلال القضاء في تركيا، قائلاً: «ربما جاء اليوم أوضح رد على النقاش الدائر حول استقلال القضاء في تركيا من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي أعلنت قرارها في قضية كافالا الثانية... إنه أقوى بيان سمعته على الإطلاق من ستراسبورغ (مقر المحكمة الأوروبية). فهو يرفض من البداية إلى النهاية مزاعم السيد غورليك بأن القضاء في تركيا مستقل، ويرفضها رفضاً قاطعاً».

كما نشر آمور، عبر حسابه في «إكس» صورة من لقائه مع ديليك إمام أوغلو منتقداً إجراءات المحكمة، قائلاً: «أنا في سيليفري لحضور جلسة استماع أخرى في قضية بلدية إسطنبول، التي تشمل رئيس البلدية أكرم إمام أوغلو وأكثر من 400 متهم، وللقاء زوجته ديليك... الإجراءات معقدة للغاية لدرجة أن القضية نُقلت إلى قاعة محكمة ضخمة حديثة الإنشاء؛ أنت حقاً بحاجة إلى منظار هناك... توسيع المرافق، وتقليص العدالة».