«جدري القردة» بات الآن «طارئة صحية عالمية»

منظمة الصحة ترفع مستوى التحذير بعد انتشار سلالات مميتة في عدة دول أفريقية

TT

«جدري القردة» بات الآن «طارئة صحية عالمية»

ممرض يأخذ عينة من طفل مصاب بـ«جدري القردة» في منطقة نيراغونغو بالقرب من غوما بإقليم شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)
ممرض يأخذ عينة من طفل مصاب بـ«جدري القردة» في منطقة نيراغونغو بالقرب من غوما بإقليم شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

أكدت منظمة الصحة العالمية أن هناك خطراً من احتمال انتشار مرض «جدري القردة (Mpox)» مجدداً على المستوى الدولي بعد انتشاره عام 2022 وأن يصبح خطراً صحياً في عدد من الدول.

وأعلنت المنظمة الدولية أعلى حالة مستوى تحذير، أي «طوارئ صحية عامة مثيرة للقلق العالمى (public health emergency of international concern)»، بسبب ظهور سلالة جديدة فتاكة من فيروس «إم بوكس».

طبيب يعالج مريضاً مصاباً بـ«جدري القردة» في مركز علاج بإقليم شمال كيفو بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

ويؤدي إعلان مستوى التحذير الدولي إلى إطلاق استجابات طارئة في بلدان العالم بموجب قواعد الصحة الدولية الملزمة قانوناً.

ويعد «إم بوكس» مرضاً مُعدياً يسبِّبه فيروس ينتقل إلى الإنسان من حيوان مصاب، ويمكن أن ينتقل أيضاً من إنسان إلى آخر من خلال الاتصال الجنسي، ويسبب حمى وأوجاعاً عضلية وآفات جلدية تشبه الدمامل.

وهذه هي المرة الثانية في ثلاث سنوات التي تعلن فيها المنظمة عن وباء الجدري «حالة طوارئ عالمية». يأتي هذا في الوقت الذي تجاوز فيه عدد الحالات المبلَّغ عنها حتى الآن هذا العام، أكثر من 15600 حالة و537 حالة وفاة وفقاً للمنظمة.

وقال المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في مؤتمر صحافي: «اليوم، اجتمعت لجنة الطوارئ وأبلغتني أنه من وجهة نظرها، يشكّل الوضع (طارئة صحية عالمية) تثير القلق دولياً. وقبلت بهذا الرأي».

وقال تيدروس إن «رصد سلالة جديدة من جدري القردة وتفشيها السريع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ورصدها في بلدان مجاورة لم يسبق أن أبلغت عن إصابات بها، واحتمال تفشيها على نحو أكبر في أفريقيا وأبعد منها يثير قلقاً بالغاً».

ورغم أن بؤرة المرض تقع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإنه جرى الإبلاغ عن 90 إصابة خلال الأسابيع الأخيرة في دول مجاورة، حيث يوجد خطر بتفشي المرض. وقال تيدروس إن 500 شخص على الأقل لقوا حتفهم في الموجة الحالية من تفشي المرض. إذ رُصدت مؤخراً سلالة «إم بوكس- أي» لأول مرة في أوغندا ورواندا وبوروندي وكينيا.

تُظهر هذه الصورة غير المؤرّخة التي قدّمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المُعدية صورة مجهرية إلكترونية ملوّنة لجزيئات جدري القردة (باللون الأحمر) الموجودة داخل خلية مصابة (باللون الأزرق) (أ.ب)

وأضاف: «من الواضح أن الاستجابة الدولية المنسَّقة ضرورية لوقف التفشي وإنقاذ الأرواح»، لافتاً إلى أن الجميع يجب أن يكونوا معنيين.

أتى القرار بعدما أعلنت الهيئة الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي، الثلاثاء، حالة طوارئ صحية عامة بسبب تفشي الفيروس في القارة.

من جانبه، أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أنه يعزز إجراءات الجهوزية في أنحاء أفريقيا، لا سيما في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الأكثر تأثّراً. وأعرب عن «قلقه العميق» حيال تفشي الفيروس. وأفاد بأنه من خلال شبكته الواسعة، مستعد «للعب دور حاسم في احتواء انتشار المرض، حتى في المناطق التي يصعب الوصول إليها وحيث الحاجة تعد أكبر».

وكان المرض قد اكتُشف في جمهورية الكونغو الديمقراطية للمرة الأولى لدى البشر عام 1970، وانتشر إلى بلدان أخرى.

ولا يترتب على إعلان حالة الطوارئ أي عواقب ملموسة، بل إنها تهدف إلى تنبيه السلطات في أنحاء العالم كي تستعد لاحتمال تفشي المرض. ويتعلق مصدر القلق الرئيسي لدى منظمة الصحة العالمية بسلالة جديدة من الفيروس اكتُشفت أواخر عام 2023 شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية.

قوارير تحتوي على جرعات فردية من لقاح «جينيوس» ضد «جدري القردة» من مبرِّد بأحد مواقع التطعيم في باريس عام 2022 (أ.ب)

ويبدو أن المتحور الجديد الذي ظهر، والمعروف باسم «Clade 1b»، ينتشر بسهولة أكبر من خلال الاتصال الوثيق، خصوصاً بين الأطفال. وربما تكون هذه السلالة، وهي سلالة فرعية من سلالة (إم بوكس - آي)، معروفة باسم (آي بي) أكثر عدوى وتسبب أمراضاً أكثر خطورة من سلالات سابقة. ولم تصدر دراسات تفصيلية بعد.

قال جان كلود أوداهيوكا، من جامعة رواندا، كما نقلت عنه «سكاي نيوز» إن «1b» هو «بلا شك الأكثر خطورة حتى الآن من بين جميع سلالات Mpox المعروفة».

وتابع تيدروس أنه «خلال الشهر الماضي، سُجل نحو 90 إصابة بالسلالة (1بي) في 4 دول مجاورة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، لم تُسجِّل حالات (إمبوكس) في الماضي، هي بوروندي وكينيا ورواندا وأوغندا».

ويعد إعلان الأربعاء الثاني من نوعه على التوالي بشأن جدري القردة، وإن كان الأخير يركّز على سلالة مختلفة للفيروس وأكثر فتكاً. وفي مايو (أيار) 2022، انتشرت الإصابات بجدري القردة حول العالم، أثّرت معظمها على الرجال المثليين وازدواجيي التوجّه الجنسي، نتيجة سلالة متفرّعة عن السلالة «2بي».

وتتسبب السلالة الفرعية من السلالة «1بي» التي تنتشر في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ سبتمبر (أيلول) 2023 في حالات مرض أكثر شدّة من السلالة «2بي»، مع معدل وفيات أعلى. ولم تُعلَن «طوارئ الصحة العامة التي تسبب قلقاً دولياً» غير 7 مرّات منذ عام 2009 بسبب انتشار إنفلونزا الخنازير، وفيروس شلل الأطفال، وإيبولا، وفيروس زيكا، وإيبولا مرة أخرى، ثم كوفيد، وجدري القردة.

وأفادت مديرة مركز إدارة الأوبئة والكوارث في جامعة «إيراسموس» في روتردام، ماريون كوبمانز، بأن إعلان «طوارئ الصحة العامة التي تسبب قلقاً دولياً» يؤدي إلى «رفع مستوى التأهّب عالمياً، وقد يسمح لمنظمة الصحة العالمية بالوصول إلى التمويل اللازم للاستجابة الطارئة». لكن «تبقى الأولويات ذاتها: الاستثمار في إمكانات التشخيص والاستجابة الصحية العامة ودعم العلاج والتطعيم»، وفق كوبمانز التي حذّرت من أن ذلك سيشكّل تحدياً نظراً لافتقار جمهورية الكونغو الديمقراطية وجيرانها إلى الموارد. وأضافت، كما جاء في تقرير وكالة الصحافة الفرنسية، أنه على المستوى العالمي، و«رغم توافر الموارد والإمكانات الصحية العامة الأساسية، فإنه لم يجرِ احتواء التفشي الدولي الذي بدأ عام 2022».

ويقول علماء من مراكز أفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها (Africa CDC) إنهم بحاجة إلى أكثر من 10 ملايين جرعة لقاح ولكن 200000 فقط هي المتاحة.

ظهور حالات إصابة بمرض «جدري القردة» في إقليم نيراجونجو بالقرب من غوما في إقليم شمال كيفو (رويترز)

وفق ليندري مورهولا ماسيريكا، منسق الأبحاث في مقاطعة جنوب كيفو، فإن السلالة الجديدة لها نفس أعراض الأنواع الأخرى ولكنها أكثر حدة. وأشار تحليل للمرضى الذين نُقلوا إلى المستشفى من أكتوبر (تشرين الأول) إلى يناير (كانون الثاني) في شرق الكونغو إلى أن الشكل الجديد من «Mpox» تسبب في البداية في أعراض وإصابات أخف في الغالب على الأعضاء التناسلية، مما يجعل من الصعب اكتشافها.

لا يوجد حالياً علاج معتمَد خصيصاً لعدوى «Mpox»، وفق مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها التي تقول إن الرعاية الداعمة والسيطرة على الألم ستساعد معظم المرضى المصابين بـ«Mpox» الذين لديهم أجهزة مناعية سليمة ولا يعانون من مرض جلدي، على التعافي من دون علاج طبي.

ومع ذلك، جرى تطوير لقاح من جرعتين للحماية من الفيروس، وهو متاح على نطاق واسع في الدول الغربية ولكن ليس في أفريقيا.


مقالات ذات صلة

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ صورة تحت المجهر الإلكتروني قدمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في عام 2024 لجزيئات فيروس «جدري القردة» باللون البرتقالي الموجودة داخل الخلايا المصابة باللون الأخضر (أ.ب)

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الفحوصات كشفت لاحقا أن مونستر وكوي كانا يحملان قوارير تحتوي على فيروس جدري القردة المعطل، بحسب مكتب التحقيقات الاتحادي.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

تقرير: زيادة «حادة» في الإصابات بسلالة متحورة من جدري القردة في أوروبا

حذر خبراء من ارتفاع حاد في إصابات سلالة متحورة من جدري القردة عبر أوروبا، حيث ينتشر الفيروس الآن بين أشخاص ليس لديهم تاريخ سفر معروف أو اتصالات مع حالات مصابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية في 19 يوليو 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية»: جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ عامة

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم (الاثنين)، إن تفشي جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ صحية عامة، وأصدر المدير العام للمنظمة مجموعة معدلة من التوصيات المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا صورة مجهرية مكبّرة لفيروس «إمبوكس» (رويترز)

السلطات الصحية البريطانية تحقق في إصابة بفيروس «إمبوكس»

أعلنت السلطات الصحية البريطانية، الاثنين، اكتشاف إصابة بفيروس «إمبوكس» من سلالة «كلايد 1 بي» لم يبلغ فيها المريض عن أي سفر أو اتصال بأشخاص مصابين آخرين. 

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا ينتشر جدري القردة عن طريق الاتصال الوثيق ويسبب أعراضاً تشبه تلك الناجمة عن الإنفلونزا (أرشيفية - رويترز)

الصين ترصد سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة

قالت السلطات الصحية في الصين، اليوم (الخميس)، إنها رصدت سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

واشنطن تدعو إلى ضبط النفس إزاء نزاع إثيوبيا

أفراد من «قوة السلام في تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يقومون بدورية في شوارع ميكيلي عاصمة تيغراي الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من «قوة السلام في تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يقومون بدورية في شوارع ميكيلي عاصمة تيغراي الأحد (أ.ف.ب)
TT

واشنطن تدعو إلى ضبط النفس إزاء نزاع إثيوبيا

أفراد من «قوة السلام في تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يقومون بدورية في شوارع ميكيلي عاصمة تيغراي الأحد (أ.ف.ب)
أفراد من «قوة السلام في تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يقومون بدورية في شوارع ميكيلي عاصمة تيغراي الأحد (أ.ف.ب)

تزامنت تقارير عن إحكام القوات الإثيوبية سيطرتها على عاصمة إقليم تيغراي، الأحد، مع قمة تجمع قادة مصر وإريتريا والصومال والجيش السوداني في مصر، وسط اتهامات إثيوبية للقاهرة وأسمرة والجيش السوداني بدعم المتمرّدين، وتحذير أميركي من تداعيات التوتر الإثيوبي - الإريتري على المنطقة.

ودعت الولايات المتحدة إلى ضبط النفس والحوار في القرن الأفريقي؛ حيث تتهم إثيوبيا دولاً مجاورة بدعم التمرّد في إقليم تيغراي (شمال البلاد). وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان، إن «التوترات الحدودية المتنامية بين إثيوبيا وإريتريا قد تؤثر على المنطقة بأكملها، ولا يمكن للقرن الأفريقي أن يتحمّل صراعاً عسكرياً آخر وأزمة إنسانية». وأضافت: «نحثّ بشدة إثيوبيا وإريتريا على احترام سيادة جيرانهما وسلامة أراضيهم، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والعودة إلى الحوار».

عنصر من «قوة السلام في تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية في شارع بمدينة ميكيلي عاصمة تيغراي الأحد (أ.ف.ب)

مخاوف من تجدد الحرب الأهلية

وأفادت تقارير، الأحد، بأن القوات الإثيوبية أحكمت سيطرتها الكاملة على مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، فيما هاجمت طائرة مسيّرة العاصمة الإثيوبية. وكانت انفجارات ناجمة عن طائرات مسيّرة، وفق مراقبين، قد طالت مبنيين عسكريين في أديس أبابا، في أول استهداف من نوعه منذ فترة طويلة.

ومنذ 23 سبتمبر (أيلول)، تدور اشتباكات عنيفة في شمال إثيوبيا إثر هجمات شنّتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» على إقليمي عفر وأمهرة، ما أثار مخاوف من تجدد الحرب الأهلية المدمرة التي شهدها شمال البلاد بين عامي 2020 و2022، وأودت بنحو 600 ألف شخص.

ودخلت القوات الاتحادية، السبت، مدينة ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي، حسبما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر إنساني، بعدما أخلتها قوات السلطات الإقليمية المتمردة إلى حد كبير.

وصباح الجمعة، أفادت مصادر إعلامية محلية بأنّ «قادة وقوات (تحرير شعب تيغراي)»، «يغادرون ميكيلي... في هذه اللحظة، أصبحت المكاتب الحكومية ومراكز الشرطة خالية من أفراد الأمن».

وفي أبريل (نيسان)، أطاحت «جبهة تحرير شعب تيغراي» التي حكمت إثيوبيا لنحو 3 عقود حتى عام 2018، بالإدارة التي عيّنتها الحكومة الاتحادية في تيغراي.

تحوّل نحو حرب عصابات

ولم تعلّق قوات الدفاع الوطني الإثيوبية أو حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد على التطورات على الفور. وفي مقطع فيديو نُشر مساء الخميس، بدا رئيس «جبهة تحرير شعب تيغراي»، ديبريتسيون غبريميكائيل، وكأنه يقرّ بتكبّد قواته نكسات، ويدعو إلى التحول نحو حرب العصابات. وقال: «استراتيجيتنا هي ضرب العدو حيث نريد»، مذكّراً بأن «جبهة تحرير شعب تيغراي» كانت قد طردت القوات الحكومية من الإقليم «في الماضي... خلال 8 أشهر». وأضاف: «سنهزمهم مجدداً، إنها مسألة وقت فقط».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، استعاد الجيش الاتحادي السيطرة على ميكيلي في غضون 3 أسابيع إبان هجوم خاطف ضد «جبهة تحرير شعب تيغراي»، التي اتهمها بمهاجمة مواقع عسكرية في تيغراي.

وبعد عدة أشهر من حرب العصابات، شنّت «جبهة تحرير شعب تيغراي» المتمركزة في الجبال، هجوماً في يونيو (حزيران) 2021، واستعادت ميكيلي في غضون 10 أيام، ثم معظم تيغراي في غضون شهر. وأوقفت هذه القوات بواسطة طائرات مسيّرة على بعد نحو 200 كيلومتر من أديس أبابا، لتتراجع بعد ذلك إلى تيغراي التي تعرّضت لحصار فعلي من القوات الاتحادية امتد عدة أشهر. وفي عام 2022، أُبرم اتفاق لوقف الحرب، لكن عدداً من بنوده لم يُنفذ، ما أدى إلى تأجيج التوترات.


إثيوبيا: ولاية جديدة مرتقبة لآبي أحمد وسط تداعيات معارك تيغراي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

إثيوبيا: ولاية جديدة مرتقبة لآبي أحمد وسط تداعيات معارك تيغراي

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (وكالة الأنباء الإثيوبية)

يبدأ رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الاثنين، ولاية جديدة مرتقبة، وسط تداعيات معارك ضد «جبهة تحرير تيغراي»، بدأت في ولايته الأولى، مع اندلاع حرب استمرت بين عامي 2020 و2022.

وقال البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن المجلس سيصادق يوم الاثنين على آبي أحمد رئيساً لوزراء إثيوبيا لولاية ثالثة، بعد فوز حزبه «الازدهار» بالأغلبية في الانتخابات التي أجريت في يونيو (حزيران) الماضي.

وأشار إلى أنه حسب اللوائح والقواعد «فإن الحزب الذي فاز بالانتخابات هو من يقدم رئيساً للوزراء، وسيكون آبي أحمد، مرشحه المرتقب الذي يقود خطط الإصلاحات والتنمية والاستقرار المقبلة للبلاد».

ولفت إلى أن آبي أحمد سيختار وزراء حكومته، والبرلمان سيمنحهم لاحقاً المصادقة، مستبعداً أن «تؤثر ما يثار من اضطرابات في إقليم تيغراي على المشهد السياسي المنتظر، خاصة أن المتمردين في أضعف حالاتهم والدولة قادرة على مواجهتهم وتحقيق الاستقرار بالبلاد».

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته (وكالة الأنباء الإثيوبية)

والأحد، قالت 3 مصادر لـ«رويترز»، إن القوات الحكومية الإثيوبية وميليشيات متحالفة معها استعادت السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي، في انتكاسة كبيرة لتحالف المعارضة الذي يحكم الإقليم الشمالي.

وقالت «جبهة تحرير شعب تيغراي»، التي تقود تحالف المعارضة، في بيان نشرته على «فيسبوك» إنها انسحبت من العاصمة، وإن الحكومة الإقليمية ستُنقل «مؤقتاً من ميكيلي، وستعمل من مكان آخر».

هذا التراجع، بحسب المحلل الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» يؤكد أن عقبة تيغراي تتراجع، مشدداً على أن هذا يحسب لحكومة آبي أحمد التي ستواصل الحفاظ على استقرار البلاد.

وأرجع استمرار آبي أحمد في ولاية جديدة إلى ما «حققته الحكومة الإثيوبية برئاسته من الكثير من الأعمال، وفي مقدمتها إعادة هيكلة الكثير من القطاعات المدنية والعسكرية، وهيكلة الاقتصاد الإثيوبي، وإنجاز العديد من الإصلاحات الشاملة».

وأشار إلى أنه «رغم التحديات الداخلية والخارجية التي واجهتها، فإن حكومة آبي أحمد تمكنت من تجاوزها وحققت نمواً معتبراً، وتستحق أن تستكمل تلك المسيرة، وستعبر أي عقبات لاحقة أيضاً».

وستكون أبرز التحديات بحسب عبد الشكور، معالجة التحديات الداخلية التي تم ترحيلها منذ عقود. ولم تمنع توترات تواجهها إثيوبيا داخلياً في إقليمي أمهرة وتيغراي، وخارجياً مع مصر وإريتريا، من نيل الحزب الحاكم تفويضاً شعبياً كبيراً في أواخر يونيو مكنه من أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة المنتظرة.

وحصد الحزب الحاكم 438 مقعداً من أصل 486 في «مجلس نواب الشعب»، بنحو 90 في المائة من المقاعد التي جرى التنافس عليها.

وفي هذا الصدد، يرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية بـ«مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرات التكامل»، موسى شيخو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن حكومة آبي أحمد «تجاوزت أزمات داخلية عديدة وكذلك ضغوطاً خارجية، واستطاعت تنفيذ مشروعات استراتيجية وإصلاحات اقتصادية عميقة»، لافتاً إلى أن «سد النهضة كان أكبر الإنجازات بخلاف توسيع إنتاج الكهرباء وتدشين خطوط كهرباء بداخل البلاد، ومشروعات الطرق والتطوير الحضاري في أديس أبابا وغيرها من المدن، ودعم القطاع الخاص».

ويرى أن «التحدي الأبرز أمام آبي أحمد، هو أن تنعكس هذه الإنجازات بصورة أكبر على حياة المواطن وقدرته الشرائية، فالانتخابات منحت الأغلبية لحزب الازدهار التي خولته لتشكيل الحكومة، والولاية الجديدة ستكون مرحلة لاستكمال الإصلاحات، ويبقى الأمن والاستقرار من أكبر التحديات التي تحتاج لحلول سياسية، والقدرة على الجمع بين الأمن والنمو الاقتصادي والمصالحة الوطنية».

فوز متكرر

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أدى آبي أحمد، اليمين الدستورية رئيساً لوزراء إثيوبيا لولاية ثانية، بعد فوزه بالانتخابات التي جرت في شهر يونيو 2021، ووقتها حقق حزب «الازدهار» الذي يقوده فوزاً ساحقاً في الانتخابات التشريعية.

وعلى عكس ولايته الثانية التي تدهورت فيها العلاقات مع أسمرة، نجح آبي أحمد في ولايته الأولى عقب توليه السلطة عام 2018، في تطبيع العلاقة مع الجارة إريتريا، لينهي بذلك قطيعة امتدت لنحو عقدين من الزمن، بسبب الخلافات الحدودية التي نشبت بين البلدين نهاية القرن الماضي.

ووسط ذلك، ينتظر أن يواجه آبي أحمد الحاصل عام 2019 على جائزة «نوبل للسلام»، في السنوات الخمس المقبلة ملفات ساخنة، من أبرزها ملف الحرب المتجددة في إقليم تيغراي، وخلافات ملف «سد النهضة»، الذي يدخله في صراع مع مصر والسودان حول مياه نهر النيل، وصراع الوصول لمنفذ بحري بعد فقده عقب استقلال إريتريا عام 1993.

كما ينتظر آبي أحمد تحولاً جديداً غير مسبوق في تاريخ إثيوبيا، حيث يتجه البرلمان إلى مناقشة تحول البلاد من النظام البرلماني إلى الرئاسي، مع بدء جلساته أكتوبر الجاري، وسط تأكيد نيابي لـ«الشرق الأوسط»، أن مسودة هذا المشروع المحتمل ستكون مناقشتها وصدورها «أولوية قصوى» للبلاد الفترة المقبلة.

وفي أغسطس (آب) الماضي، قال البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد لـ«الشرق الأوسط» إن مخرجات «لجنة الحوار الوطني أوصت بتحويل النظام إلى رئاسي، وهناك مسودة متفق عليها ستناقش في البرلمان قريباً».


القوات الحكومية تستعيد السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي

يتجمع أفراد من «قوة سلام تيغراي» (TPF) الموالية للحكومة الإثيوبية بجوار شاحنة صغيرة أثناء قيامهم بدوريات في الشوارع، وذلك تزامناً مع دخول القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها إلى مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي (أ.ف.ب)
يتجمع أفراد من «قوة سلام تيغراي» (TPF) الموالية للحكومة الإثيوبية بجوار شاحنة صغيرة أثناء قيامهم بدوريات في الشوارع، وذلك تزامناً مع دخول القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها إلى مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي (أ.ف.ب)
TT

القوات الحكومية تستعيد السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي الإثيوبي

يتجمع أفراد من «قوة سلام تيغراي» (TPF) الموالية للحكومة الإثيوبية بجوار شاحنة صغيرة أثناء قيامهم بدوريات في الشوارع، وذلك تزامناً مع دخول القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها إلى مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي (أ.ف.ب)
يتجمع أفراد من «قوة سلام تيغراي» (TPF) الموالية للحكومة الإثيوبية بجوار شاحنة صغيرة أثناء قيامهم بدوريات في الشوارع، وذلك تزامناً مع دخول القوات الفيدرالية الإثيوبية والقوات المتحالفة معها إلى مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي (أ.ف.ب)

قالت 3 مصادر لـ«رويترز»، اليوم (الأحد)، إن القوات الحكومية الإثيوبية وميليشيات متحالفة معها استعادت السيطرة على عاصمة إقليم تيغراي، في انتكاسة كبيرة لتحالف المعارضة الذي يحكم الإقليم الشمالي.

وقالت «جبهة تحرير شعب تيغراي»، التي تقود تحالف المعارضة، في بيان نشرته على «فيسبوك» إنها انسحبت من العاصمة، وإن الحكومة الإقليمية ستُنقل «مؤقتاً من ميكيلي، وستعمل من مكان آخر».

وقال مصدر مقرب من ميليشيا «قوات سلام تيغراي» الموالية للحكومة إن مقاتليها دخلوا وسط مدينة ميكيلي بعد ظهر أمس (السبت)، أعقبهم الجيش الإثيوبي.

وأكد مصدر في قطاع الإغاثة وأحد سكان ميكيلي، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، أن المدينة أصبحت تحت سيطرة القوات الحكومية. ولم يرد مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي على طلب من «رويترز» للتعليق.

واشنطن تدعو إلى ضبط النفس

وفي السياق، دعت الولايات المتحدة إلى ضبط النفس والحوار في القرن الأفريقي، حيث تتهم إثيوبيا دولاً مجاورة بدعم التمرّد في إقليم تيغراي (شمال)، في الوقت الذي يجتمع فيه قادة إريتريا ومصر والصومال وقائد الجيش السوداني في مصر الأحد، على وقع هذه التطورات.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية في بيان: «إنّ التوترات الحدودية المتنامية بين إثيوبيا وإريتريا قد تؤثر على المنطقة بأكملها. ولا يمكن للقرن الأفريقي أن يتحمّل صراعاً عسكرياً آخر وأزمة إنسانية».

وأضافت: «نحثّ بشدة إثيوبيا وإريتريا على احترام سيادة جيرانهما وسلامة أراضيهم، وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والعودة إلى الحوار».

ومن جانبه، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم موقف بلاده الثابت الرافض لأي تدخلات خارجية في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية، والداعي إلى احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، بوصفها مبادئ أساسية؛ لا غنى عنها لاستقرار القارة.

وقال السيسي، في كلمة اليوم خلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، الذي تستضيفه مصر بمدينة العلمين الجديدة، «إن مصر تؤكد أن علاقات دولنا يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل وحُسن الجوار، والحوار والتشاور، بعيداً عن السياسات الأحادية أو المصالح الضيقة».

وتتهم إثيوبيا إريتريا ومصر والجيش السوداني بدعم جبهة «تحرير شعب تيغراي».

في المقابل، تُتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً مع الجيش السوداني منذ عام 2023.

وتشهد العلاقات بين إثيوبيا ومصر أصلاً توتراً على خلفية بناء أديس أبابا سد النهضة على نهر النيل، في حين عزَّزت القاهرة في الأشهر الأخيرة علاقاتها مع إريتريا.

أما الصومال، فينظر بقلق إلى التقارب بين أديس أبابا وأرض الصومال، التي أعلنت استقلالها في عام 1991.

أعمال «عدائية وعنف»

والجمعة، اتهمت إثيوبيا إريتريا بارتكاب أعمال «عدائية وعنف»، بعدما طردت 10 دبلوماسيِّين إريتريين وأغلقت سفارتها في أسمرة الخميس، بينما ردَّت إريتريا بأنها ستقطع «جميع العلاقات الدبلوماسية».

كذلك، أعلنت إثيوبيا الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد شخصاً غير مرغوب فيه، وأبلغت سفارة بلاده في أديس أبابا بضرورة مغادرته الأراضي الإثيوبية خلال 48 ساعة، من دون أن توضح أسباب هذه الخطوة. ووفق مبدأ المعاملة بالمثل، أعلنت مصر دبلوماسياً إثيوبياً في القاهرة شخصاً غير مرغوب فيه ومنحته مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد.

وقبل ساعات، طالت انفجارات ناجمة عن طائرات مسيّرة، وفق مراقبين، مبنيين عسكريين في أديس أبابا، في أول استهداف من نوعه منذ فترة طويلة.ومنذ 23 سبتمبر (أيلول)، تدور اشتباكات عنيفة في شمال إثيوبيا إثر هجمات شنَّتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» على إقليمَي عفر وأمهرة، ما أثار مخاوف من تجدُّد الحرب الأهلية المُدمِّرة التي شهدها شمال البلاد بين عامَي 2020 و2022 وأودت بنحو 600 ألف شخص.