«جبيل تحتضن بيروت» مدينة الأمل العنيد

معرض في ذكرى مأساة المرفأ يستعيد مسار التشكيل اللبناني

المنزل التراثي بحجره العتيق وَهَب شكله المُهدَّم إلى فكرة إعادة الإحياء (صور جوني فنيانوس)
المنزل التراثي بحجره العتيق وَهَب شكله المُهدَّم إلى فكرة إعادة الإحياء (صور جوني فنيانوس)
TT

«جبيل تحتضن بيروت» مدينة الأمل العنيد

المنزل التراثي بحجره العتيق وَهَب شكله المُهدَّم إلى فكرة إعادة الإحياء (صور جوني فنيانوس)
المنزل التراثي بحجره العتيق وَهَب شكله المُهدَّم إلى فكرة إعادة الإحياء (صور جوني فنيانوس)

في داخل منزل تراثي جوار قلعة جبيل التاريخية، اتّكأت لوحات ومنحوتات تُخبر حكاية بيروت وفنّها التشكيلي. فالمَعْلم السياحي يستعدّ لعملية ترميمه، ممّا ألهم الدكتور في علم الإدراك البيئي جوني فنيانوس فكرةَ العلاقة بين اللوحة البيروتية ومأساة المرفأ في ذكراها الرابعة، وسط ما يبدو أنه دُمِّر أو هُشِّم جراء مشروع الترميم. في «ذي هاوس» الشهير بـ«قلب بيبلوس»، أُقيم معرض «إكسبو إكسبلو، جبيل تحتضن بيروت»، بمشاركة نحو 60 فناناً شكَّلت لوحاتهم ومنحوتاتهم سرداً تاريخياً لمدينة الأمل العنيد.

المنزل المُقبل على الهدم وإعادة البناء شكَّل محاكاة لبيروت (صور جوني فنيانوس)

تُخبر منسّقة الأعمال الفنّية كارلا شنتيري صفا «الشرق الأوسط»، بأنّ البَيْع أُريد منه رَيْع أعمال الترميم. فالمنزل المُقبل على الهدم وإعادة البناء شكَّل محاكاة لبيروت المُرتَطمة بالمآزق لكنها المُحرِّضة على النهوض. ليست فاجعة الرابع من أغسطس (آب) وحدها «سيّدة» العرض، وإن شكَّلت مناسبته وتحوّلت الناطقة الأولى باسمه. بل المدينة قبله وبعده، مُجسَّدة بإبداعات تشكيليين ونحّاتين صوَّروها متباهية وجريحة، فاقعة الألوان وبالأسود والأبيض، وبذروة جموحها واستغرابها وأسئلتها وهواجسها وصدى الآهات الهائمة في سمائها المُقمِرة رغم الظلمة.

المعرض يشكّل مشهدية بانورامية لثنائية الورطة والنجاة (صور جوني فنيانوس)

أُريد للذكرى الأليمة التجسُّد بجانب لوحات ومنحوتات تهمس أخبار بيروت بين الأمس واليوم. بدا المعرض أشبه بمسيرة وطن طبعها التشكيل والنحت على مدى عقود. فالمنزل التراثي المقسوم إلى غرف - بحجره العتيق وتشرُّب جدرانه رائحة الملح الآتية من البحر القريب - وَهَب جدرانه وزواياه ورمزية شكله المُهدَّم إلى إعادة الإحياء، فتُخبر تلك الجدران، وما عُلَّق عليها ووقف صامداً في زواياها، عن نُبل الاحتضان وجدوى التآزُر في المواجع. اللوحات؛ تلك النازفة بدماء الضحايا والبيوت المُشلَّعة، وتلك المُحاكية لمجد جبيل العائمة على صفاف البحر المتوسط، تُمثّل، إضافة إلى أخرى، ثيمات تعمَّد المعرض فرزها لخَلْق مزاج قابل ليُسقَط على الزائر؛ وهو الشعور الإنساني الموحَّد أمام المأساة أو النوستالجيا أو صفحات التاريخ.

وفَّر «ذي هاوس» على صاحب فكرة المعرض جوني فنيانوس هدم الجدران للإشارة إلى الخسائر بعد الانفجار الرهيب. فبعضها مُهدَّم من تلقائه مما سهَّل التنفيذ. «أردنا الإشارة إلى صمود الفنّ أمام الأهوال»، يقول لـ«الشرق الأوسط». ذلك الصمود تؤكّده لوحة تظلُ مُعلَّقة على جدران انهار ما حولها، وتجسّده موسيقى تُعزَف لتُطيّب الجراح، فيتسلّل نغمها إلى الفوضى والخراب والأرض المحروقة ليس بالنار وحدها بل بالقهر والغضب والموت.

المعرض أشبه بمسيرة وطن طبعها التشكيل والنحت على مدى عقود (صور جوني فنيانوس)

ولأنّ الأذواق تتدخّل في شكل العلاقة بين العمل الفنّي ومُتلقّيه، توقّف فنيانوس ومعه كارلا شنتريري وتجمُّع الفنّ النسائي في لبنان، «آرتيست أوف بيروت»، مع منسّقة المعارض موريال أسمر، عند جدوى الفصل بين العناوين، فتتلاقى في ما يوحِّدها، أي المدينة، وتتشعَّب أمام ما مرَّت به، لتشكّل محطّاتها منذ عقود، حتى الذكرى الرابعة لاغتيال المرفأ، مشهدية بانورامية لثنائية الورطة والنجاة.

«ذي هاوس» الشهير بقلب بيبلوس في الليل (صور جوني فنيانوس)

المنحوتة فوق الردم، وصرخة «وي وِلْ رايز أغاين» (سننهض مرّة أخرى)، يُجسّدان أيضاً رؤية النحّات اللبناني بسام كريلوس للتجاوز، مُختزلة روح المعرض وفعل الاحتضان. وإنْ أيقظت الذكرى المرعبة مشاعرَ وأحالتها على فَيْضٍ يأسر العيون والخفقان ضمن لوحات ومنحوتات مُحاكية لليوم الأليم، فإنّ الجانب الآخر للعرض، أي التاريخ والتراث ومسار الإبداع اللبناني في فضاء الفنّ التشكيلي له حضوره، ويستوجب التوقّف عنده لمعاينة الماضي وإسقاطاته على ما تمنحه الريشة أو أداة التشكيل والنحت إلى المادة من فكرة وسياق.

المدينة مُجسَّدة بإبداعات تشكيليين ونحّاتين صوَّروها متباهية وجريحة (صور جوني فنيانوس)

يحلو لمنسّقة جميع الأعمال في المعرض الإشارة إليها فرادةً، بدءاً من المدرسة القديمة في التشكيل، مروراً بالتجريدي والمعاصر والواعد. تخشى من نسيان فنان لتأكيدها على نتاجهم في مسار الحركة التشكيلية اللبنانية، منذ مصطفى فروخ وعمر أنسي وسيزار الجميّل، إلى خطّ سامية عسيران، ومدارس جميل ملاعب وحسن جوني وحسين ماضي المُغادر في يناير (كانون الثاني) 2024 تاركاً الإرث القدير.

نحو 60 فناناً شكَّلت أعمالهم سرداً تاريخياً لمدينة الأمل العنيد (صور جوني فنيانوس)

بدوره، يتطلّع المدير العام لشركة «إيه إيه سي» للاستشارات، القائمة على مشروع «ذي هاوس»، أندريه أبي شديد، إلى استضافته نشاطات اجتماعية وثقافية وترفيهية بزخم بعد ترميمه. يقول لـ«الشرق الأوسط»: «الشركة تموِّل المشروع من خلال تجمُّع لشخصيات، لتشغيله في مرحلة ما بعد الترميم. إعادة إعمار المنزل التراثي محاكاة لإعادة الحياة إلى لبنان بعد كل أزمة»، مستعيداً أسطورة «طائر الفينيق» الشهيرة في بلسمة الجرح المتّسع. فالمنزل مثَّل الحاجة إلى نفض الخراب والعبور؛ ولمّا احتضن لوحات رُسم بعضها قبل 7 عقود، مع نتاج ما بعد الانفجار، شهد على لقاء المراحل التاريخية أمام عظمة الصمود.

تجسُّد فاجعة المرفأ بجانب لوحات ومنحوتات تهمس أخبار بيروت (صور جوني فنيانوس)

في منحوتة الأهراءات المُهشَّمة لبسام كريلوس، ولوحة الطائرة المغادرة فوق منازل المدينة وبحرها المُعانِق لصخرتها الأسطورية بمنطقة الروشة لجميل ملاعب، بجانب أعمال لعشرات، منهم ريتا عضيمة وندى كرم وبولا شاهين، والدخان اللئيم المُتصاعد من مقتلة أغسطس في لوحة جان جبور... حضرت بيروت بسحر المتغلّبين على عذاباتهم، المُحلّقين بأجنحة مكسورة.


مقالات ذات صلة

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

يوميات الشرق محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق ماهر عطّار وموريال واكد في معرض «خارج الإطار» للمصوّرين الناشئين (أرت ديستريكت)

بين البترون وبيروت... الفنّ التصويري والتشكيلي في تحية ومبادرة

المبادرة وُلدت من مبدأ بسيط: «إذا كنتَ لا تستطيع أن تزورنا، فنحن نزورك»...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق «الأبد هو الآن» يربط الحضارة بالفنون المعاصرة (لوحة من النسخة الماضية فيسبوك)

فنانات عالميات يتصدرن النسخة السادسة من «الأبد هو الآن»

يتعامل معرض «الأبد هو الآن» مع هضبة الجيزة بوصفها موقعاً أثرياً ومشهداً ثقافياً حياً يواصل إلهام البحث الفني والخيال المعاصر.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق فرح سلامة ترى أن لوحات المعرض تعبر عنها (الشرق الأوسط)

«هل لاحظت وجودي؟!»... دعوة لاقتناص السعادة وسط هموم الحياة

تبدو السمكة في لوحات فرح سلامة سيرة ذاتية مرسومة، ومرآة يرى فيها كلُّ مُتلقٍّ شيئاً من نفسه.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق لوحة في المعرض تُجسّد البيئة الساحلية (الشرق الأوسط)

«إجازة فن»... 22 فناناً يروّجون للغردقة بالريشة

المعرض تجربة فنّية وسياحية جمعت بين الإبداع التشكيلي والترويج للمقصد السياحي المصري.

محمد الكفراوي (القاهرة )

أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
TT

أحمد عبد العزيز: أحلم بتجسيد السادات... والمسرح المصري «يمرض ولا يموت»

تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)
تكريم الفنان أحمد عبد العزيز في «مهرجان المسرح المصري» (الشرق الأوسط)

قال الفنان المصري أحمد عبد العزيز إنّ أبرز المسرحيات التي قدَّمها على مدار مشواره الفني لم تحظَ بفرصة للتصوير أو التوثيق اللازم، مؤكداً، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن عدم تصوير عروض عدة له ولزملائه من الفنانين أثَّر بشكل كبير في عملية التأريخ والأرشفة. كما تحدَّث عن تفاصيل إتقانه الشخصية الصعيدية، وعلاقته بمواقع التواصل الاجتماعي، ورغبته في تقديم شخصية الرئيس الراحل أنور السادات درامياً.

واستعاد أبرز المسرحيات التي قدَّمها، بعدما كُرِّم في الدورة الـ19 من «المهرجان القومي للمسرح المصري»، لافتاً إلى أنه بدأ مشواره المسرحي في مرحلة الطفولة، وامتد إلى المدرسة والجامعة، ثم «أكاديمية الفنون»، وبعدها مسرح «الطليعة» محترفاً. وأضاف: «في سنوات الدراسة الأولى قدّمتُ كثيراً من الأعمال، أبرزها أوبريت (موكب النصر)، وأوبريت (رمضان جانا)، ومسرحية (ثمن الحرية)».

وخلال سنوات الدراسة الجامعية والأكاديمية، قدَّم أحمد عبد العزيز مسرحيات عدة، من بينها «المنصورة واحد» ممثلاً، فيما أخرج «المخطّطين»، و«سور الصين العظيم»، و«سمك عسير الهضم»، و«عريس لبنت السلطان»، و«الابن الضال»، و«ميديا». وفي مسرح «الطليعة»، قدَّم «المغنية الصلعاء»، و«الواغش»، و«مسافر الظهر»، إلى جانب إخراجه مسرحية «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور.

وأكد أنّ عدم تصوير بعض المسرحيات للعرض التلفزيوني كان سبباً في طمس مشوار مسرحي مهم، مضيفاً: «عدم التصوير، خصوصاً في عقدي الستينات والسبعينات، حين كان التصوير أمراً صعباً وليس كما هو في هذه الأيام، أثر سلباً بشكل كبير في تاريخ المسرح المصري وأرشيفه».

أحمد عبد العزيز قدَّم عدداً من الأعمال المسرحية (الشرق الأوسط)

وتابع: «هناك أعمال مسرحية مهمة عُرضت ولم تُصوَّر، سواء في المسرح الجامعي هاوياً أو في مسرح الدولة محترفاً، مثل (سمك عسير الهضم)، و(ميديا)، ثم (مأساة الحلاج). وبالنسبة إلى كثير من زملائي الفنانين، هناك أعمال كثيرة لم تنل حظها ولم تُصوَّر، مما أثر تأثيراً بالغاً في عملية التأريخ والأرشفة».

وعن رأيه في حال المسرح المصري راهناً في القطاعين العام والخاص، قال أحمد عبد العزيز: «من خلال متابعتي حركة المسرح في مصر خلال 50 عاماً، أرى أن المسرح المصري يمرض ولا يموت. فهو يمر بمراحل من الأزمات، وأخرى من الازدهار، وأخرى بين هذا وذاك. ولذلك أعتقد أنه آن الأوان لتهتمّ الدولة به، خصوصاً المسرح المدرسي، بوصفه رافداً مهماً في تغذية الحركة المسرحية».

الفنان المصري أحمد عبد العزيز يستعيد 50 عاماً مع المسرح (الشرق الأوسط)

وأكد الفنان المصري أن مشواره في الدراما التلفزيونية وتألقه فيها لسنوات طويلة لم يكونا على حساب وجوده بكثافة في المسرح والسينما، مضيفاً: «لست نادماً على وجودي الطاغي في التلفزيون، فكل هذه الوسائط الفنية تصبّ في مصلحة الفنّ والتأثير في الجمهور بشكل أو بآخر».

وعن تحضيراته وبراعته في تقديم الشخصية الصعيدية في كثير من الأعمال، قال: «في بداية مشواري، درستُ وحضّرت كثيراً للشخصية الصعيدية، خصوصاً خلال الإعداد لفيلم (الطوق والأسورة) في الأقصر عام 1985، حيث عكفنا على دراسة الشخصية واللهجة الصعيدية، وعادات المجتمع الصعيدي بشكل عام، والملابس على اختلاف محافظات الوجه القبلي. ثم بعد ذلك لم أكن بحاجة إلى تكرار هذه الدراسة عند تقديم أي شخصية صعيدية أخرى».

جانب من تكريم الفنان أحمد عبد العزيز (الشرق الأوسط)

وقدَّم أحمد عبد العزيز خلال مشواره الفني السيرة الذاتية لشخصيات تاريخية، مثل الإمام محمد عبده، لكنه لا يزال يحلم بتقديم سيرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في دراما تلفزيونية طويلة، وفق قوله.

وفي حال اختياره لتقديم جزء جديد من مسلسلي «المال والبنون» أو «ذئاب الجبل»، علَّق: «لا أعتقد أن هناك امتداداً درامياً لأحداث (ذئاب الجبل)، ولكن الأمر يختلف بالنسبة إلى (المال والبنون)؛ لذلك هو الأقرب إلى وجود جزء آخر».

وإلى جانب مشواره المسرحي، قدَّم بطولات درامية تلفزيونية، من بينها «الوسية»، و«المال والبنون»، و«ذئاب الجبل»، و«الفرسان»، و«من الذي لا يحب فاطمة»، و«السيرة الهلالية»، و«سوق العصر». وفي السينما، قدَّم أفلاماً مثل «حارة برجوان»، و«القانون لا يعرف الحب»، و«المتهمون»، و«السياسي»، و«الشرسة»، و«الذئب»، و«حكمت فهمي»، إلى جانب عدد من السهرات التلفزيونية والمسلسلات الإذاعية.


محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
TT

محمد سهيل يُعيد رسم معنى الاكتمال

محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)
محمد سهيل يفتّش في الجسد عن أثر الآخر (الشرق الأوسط)

تتكدَّس أجساد الدمى وأطرافها داخل لوحات محمد سهيل كما لو أنَّها نجت لتوّها من انفجار، ثم عادت فحاولت الانتظام في حياة جديدة. يستحضر الفنان العراقي الشاب محمد سهيل في معرضه «Altruism» عالم الطفولة، من خلال مفرداته المألوفة، من الدمى والألعاب والأجساد المصغَّرة والألوان، ثم يُعيد تركيبها وقد دخل عليها الخوف والعنف وذاكرة لا تنفصل عن الحرب.

أجساد تستعير من الآخر ما يُعيدها إلى الحياة (الشرق الأوسط)

وسط هذا الزحام تظهر الأرجل والأذرع المبتورة، دمى ناقصة وأخرى مركَّبة، أسلحة بلاستيكية، سيارات عسكرية، قنابل، سكاكين، سيارة إسعاف، وكوفية تتكرَّر لتصبح أرضية حاضنة للمشهد. كلّ شيء يبدو عادياً في البداية، ثم يتبدَّل مع طول النظر.

ينطلق سهيل المولود عام 2000 والمتخرّج في كلّية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 2023، من واقعية دقيقة لا تستخدم الإتقان التقني لطمأنة العين. على العكس، كلّما ازداد سطح الدمية لمعاناً ونعومة، ازدادت المفارقة قسوةً. هذه ألعاب يُفتَرض أن تنتمي إلى عالم اللهو، لكنها تحمل آثار الحرب والفَقْد والجسد الذي تعرَّض للنقص ومحاولة ترميم ما انكسر. وهو ابن العراق، لذلك يصعب فصل هذه الصور عن بلد خبرت أجياله الحرب منذ طفولتها، من دون أن تتحوّل اللوحات إلى سرد سياسي صريح أو شهادة توثيقية.

الأرزة تحية للمدينة التي تستقبل تجربة الفنان العراقي الشاب (الشرق الأوسط)

تتشكّل الفكرة المركزية للمعرض حول ما يُسميه المشروع «Cyborg Empathy». ومفهوم «السايبورغ»، الذي ظهر مصطلحه عام 1960، يُشير أساساً إلى كائن يجمع في جسده أجزاءً عضوية وأخرى اصطناعية تساعده على تجاوز حدود الجسد وقدراته. يستعير سهيل هذه الفكرة، ثم ينقلها من علاقة الإنسان بالآلة إلى علاقة الإنسان بالإنسان.

الطرف الاصطناعي بالمعرض ليس قطعة تكنولوجية باردة، والالتحام لا يحدُث بين معدن ولحم. نرى أجساداً تحمل أطرافاً تختلف ألوان بشرتها عن لون الجسد الذي التحقت به. ذراع داكنة في جسد فاتح أو جزء فاتح يستكمل جسداً أسمر. الاختلاف مُتعمَّد، ومنه تستمدّ هذه الأجساد معناها الأخلاقي والفكري، إذ يغدو اكتمال الجسد ممكناً من خلال الآخر.

الجسد يحتفظ بلون مَن أكمله (الشرق الأوسط)

هكذا تصبح البشرة، بدلاً من أن تفصل جسداً عن آخر، أثراً لِما جمع بينهما. لا يُحاول سهيل إخفاء الفارق اللوني كي يوهمنا بأنَّ الجسد «عاد كما كان». يترك أثر الاختلاف ظاهراً، لأنَّ النجاة ينبغي ألا تمحو تاريخ الجرح ولا هوية مَن منح جزءاً من نفسه. الطرف الجديد لا يُطابِق صاحبه لكنه يُنقذه من النقص. وفي هذا الخلل المرئي تنشأ صورة أكثر اتّساعاً للإنسان، يصبح فيها اكتمال الجسد فعلاً من أفعال الأخذ والعطاء، واعترافاً بأنَّ ما ينقص فرداً قد يمنحه إياه جسد آخر، بلون آخر ومن مكان آخر.

يضع مؤسِّس الغاليري الذي يستضيف الأعمال، كليم بشارة (منطقة ستاركو في بيروت)، «الإيثار» ضمن هذه الرؤية. يتحدَّث في تقديمه للمعرض عن خيار واعٍ يرتكز على رؤية معاناة الآخرين والشعور بالمسؤولية تجاهها. في اللوحات، يأخذ التضامن شكلاً محسوساً يتجاوز الفكرة المجرّدة. إنها تمنحه لحماً وأطرافاً وندوباً وخِياطة ظاهرة. يتحوّل التعاطف إلى عملية جسدية تقريباً. إلى انتقال جزء من إنسان ليستمرَّ إنسانٌ آخر.

اللعب وقد مرَّت عليها الحرب (الشرق الأوسط)

يحضر هذا المعنى أيضاً في الكوفية التي تتكرَّر في اللوحات، ويرى فيها الفنان علامةً على الهوية العربية. تظهر خلف الدمى والأجساد مثل خيط يمنح المشهد مرجعيّته العربية ويصل بين عناصره المختلفة. فوقها تلتقي ألعابٌ تنتمي إلى ثقافات وألوان وطفولات مختلفة لتصبح الهوية مساحة تجمع الاختلاف وتحتويه. ومع دخول الأسلحة البلاستيكية إلى اللوحة، تتغيَّر دلالة اللعب. فالأشياء التي تنتمي إلى عالم الطفل تختلط بالبنادق والقنابل والدبابات، ويصبح اللعب حاملاً لصور العنف التي فرضتها الحرب على مخيّلة الطفولة.

ففي إحدى اللوحات تظهر «ميني ماوس» جريحة ومضمَّدة، وفي أخرى تحضر الدمى إلى جانب قنبلة أو بندقية أو دبابة. الجرح يُصيب حتى الشخصيات التي صنعتها الثقافة الشعبية كي تكون مُبهِجة وآمنة، لتكشف المفارقة كيف امتدَّت صُوَر الحرب إلى عالم اللعب وأصبحت جزءاً من ذاكرته البصرية.

طفولة خرجت من الحرب بضمّاداتها (الشرق الأوسط)

وفي لوحة «Beirut Girl»، تحمل الدمية الأرزة اللبنانية على ثوبها، في إشارة مباشرة إلى المدينة التي تستقبل تجربة محمد سهيل للمرة الأولى. ويكتسب عرض أعمال فنان عراقي شاب في بيروت دلالةً تتّصل بما عاشته المدينتان من حروب وخسارات، وبقدرتهما المستمرّة على استعادة الحياة. عبرها، تأتي النجاة من واقع تعرفه بغداد كما تعرفه بيروت، ويمنح الفنّ لذاكرتين مُثقَلتين بالعنف فرصة اللقاء من دون أن تفقد أي منهما خصوصيتها.

اللعبة التي وُلدت للفرح تجد نفسها محاطةً بمفردات الحرب (الشرق الأوسط)

وتبدو لوحات «Altruism» مجتمعةً كأنَّها أجزاء من مشهد واحد تتّصل عناصره ودلالاته من عمل إلى آخر. إنها عالم مكتظّ بأجساد ناقصة، لكنه ليس عالماً مستسلِماً للنقص. يرسم محمد سهيل واقعاً مرَّت الحرب فوق أجساده وتركت فيها ما لا يمكن محوه. شيء منها فُقِد، وشيء آخر جاء ليملأ الفراغ، فيما بقي أثر القِطَع ظاهراً ليشهد على الحكاية. فالجسد الذي عَبَرَ الكارثة لا يعود مُطالَباً باستعادة صورته السابقة. له أن يقبل شكله الجديد من دون خجل، ويحمل نقصه كما يحمل ما وهبه الآخرون له. عندها يتغيَّر معنى الاكتمال، ويستعيد الإنسان قدرته على مواصلة الحياة حتى وهو يحمل الدليل على أنه احتاج يوماً إلى إنسان آخر.


أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
TT

أزعج قيلولة دب قطبي... فغُرّم آلاف الدولارات

ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)
ينام مطمئناً... فالقانون يسهر على قيلولته (رويترز)

فرضت السلطات النرويجية غرامةً ماليةً على شخص استخدم بوق الضباب (جهاز صوتي يُستخدَم على السفن للتحذير عند ضعف الرؤية) لإيقاظ دب قطبي كان نائماً في أرخبيل سفالبارد، وفق ما نقلت «بي بي سي» عن مسؤول محلّي.

ووقعت الحادثة مؤخراً، بعدما أطلق شخص بوق الضباب من على سفينة كانت تبحر في أحد المضائق البحرية شمال غربي سفالبارد، على مسافة نحو ألف كيلومتر (620 ميلاً) من القطب الشمالي.

وأكد حاكم الإقليم، الخميس، أنَّ الشخص، الذي لم تُكشف هويته، غُرّم 50 ألف كرونة نرويجية (نحو 3890 جنيهاً إسترلينياً) على خلفية الواقعة.

وتنصُّ اللوائح المحلية في المنطقة على أنه «يُحظَر إزعاج الدب القطبي أو استدراجه أو ملاحقته من دون داعٍ». وأُعلن الدب القطبي من الأنواع المحمية في سفالبارد عام 1972.

وكان آخر تقدير علمي لأعداد الدببة القطبية في الأرخبيل، أُجري عام 2015، قد أحصى نحو 250 دباً قطبياً.

وقال حاكم سفالبارد، لارس فوس، في بيان، إنَّ ركاب السفينة، خلال مرورها بالقرب من الحيوان، «يُقال إنهم شاهدوا دباً قطبياً نائماً على اليابسة».

وأضاف أنّ «شخصاً على السفينة استخدم بوق السفن، ممَّا أدى إلى إيقاظ الدب الذي انتقل إلى مكان آخر».

ووافق الشخص المعني على دفع الغرامة. وليست هذه المرة الأولى التي تُفرَض فيها غرامة على أشخاص بسبب إزعاج الحيوانات في منطقة سفالبارد.

فعام 2024، غُرِّم سائح 11500 كرونة نرويجية (نحو 900 جنيه إسترليني) بعدما اقترب أكثر مما ينبغي من حيوان الفظ.

وينصُّ قانون البيئة في سفالبارد على ضرورة أن تُجرى جميع حركات التنقل في الأرخبيل بطريقة لا تؤدّي إلى إزعاج غير ضروري للحياة البرّية المحلّية، التي تشمل الدببة القطبية، والفقمات، والحيتان، وحيوانات الرنة، والثعالب القطبية.