هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

صاحب مصطلح «القوة الناعمة» في كتاب جديد يثير أصداء واسعة

جوزيف ناي
جوزيف ناي
TT

هل ستظل أميركا القوة العظمى لعام 2050؟

جوزيف ناي
جوزيف ناي

على عكس ما يشاع لن نتخلص من هيمنة الإمبريالية الأميركية عما قريب. كنا نعتقد أن الصين ستحل محلها بعد سنوات قريبة أو حتى حلت بالفعل، لكن أمانينا لن تتحقق بمثل هذه السرعة على ما يبدو، فالهيمنة الأميركية على العالم ستظل مستمرة حتى عام 2040، بل حتى عام 2050، كما يقول لنا البروفسور الأميركي المعروف، جوزيف ناي، في كتابه الجديد: «هل هي نهاية القرن الأميركي؟»، وهو كتاب أحدث ضجة كبرى، ولقي أصداء واسعة في الولايات المتحدة بعد صدوره قبل بضعة أشهر. ومعلوم أن جوزيف ناي هو صاحب المصطلح الشهير عن «القوة الناعمة» وتمييزها عن «القوة الخشنة» للأمم والشعوب، فليست الأساطيل الحربية هي وحدها التي تشكل قوة الدول المعاصرة وإنما الإشعاع الثقافي أيضا.
للتعريف به بشكل سريع نقول إن جوزيف ناي هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد وأحد أهم الاختصاصيين في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأميركية، وقد شغل منصب نائب وزير في عهد كارتر، ثم منصب سكرتير مساعد لشؤون الدفاع في عهد كلينتون، وبالتالي فعنده خبرة عملية، بالإضافة إلى ثقافته النظرية، وبالأخص في حركة التاريخ العميقة. بالمناسبة كل شخص غير مختص بفلسفة التاريخ لا أعده مثقفا. هذا قرار اتخذته من زمان ولا مرجوع عنه، لماذا؟ لأنه لا يرى إلا أبعد من أنفه أو عصره، وكل مثقف لا يرى إلا أبعد من عصره لا يمكن أن يكون مفكرا، باعتراف جان جاك روسو نفسه.. ولذلك قد تقرأ يوميا عشرات المقالات والتحليلات للمثقفين أو الصحافيين العرب دون أن تجد إضاءة واحدة! لحسن الحظ هناك استثناءات واعدة.
المهم أن هذا الخبير العالمي يقول لنا إن كثيرين تنبأوا عدة مرات بأفول القوة الأميركية على مدار العقود السابقة، لكن في كل مرة كانت تخطئ تنبؤاتهم، وتظل أميركا القوة العالمية الأولى بشكل لا يقارن ولا يقاس. ففي الخمسينات من القرن الماضي عندما وصل الروس إلى القمر قالوا لنا إن أميركا انتهت، وإن الاتحاد السوفياتي سبقها كليا، وكانت النتيجة العكس. وفي الثمانينات عندما حققت اليابان تفوقا اقتصاديا ومصرفيا هائلا قالوا لنا إن أميركا انتهت وحلت محلها اليابان كقوة اقتصادية وتكنولوجية عظمى.. والآن يقولون لنا نفس الشيء عن الصين.. إلخ. كل هذه تكهنات متسرعة لا تصمد أمام الامتحان، فأميركا لا تزال حتى الآن على رأس الدول فيما يخص النمو السكاني، والتكنولوجيات الجديدة، والتربية والتعليم، والاختراعات.. إلخ. وفيما يخص القوة الناعمة فإن الجامعات الأميركية لا تزال هي الأفضل عالميا، فمن بين أفضل 20 جامعة في العالم هناك 15 جامعة أميركية! وبالتالي فأميركا في جهة، والعالم كله في الجهة الأخرى، وحتى أعداء الإمبريالية الأميركية يفتخرون بأنهم يرسلون أولادهم إلى هناك للتخرج في جامعات العم سام. نتحدث هنا عن الأغنياء العرب بالطبع بل وغير العرب، وسينما «هوليوود» لا تزال مهيمنة على العالم على الرغم من منافسة السينما الهندية وسواها لها، فالثقافة الأميركية مبدعة وتواصل الابتكار باستمرار، وهذا يقلص إلى حد ما من السمعة السيئة لأميركا بصفتها دولة الإمبريالية والهيمنة والتوسع والعدوان وإخافة الآخرين، فالقوة الناعمة، أو الإشعاع الثقافي، يخفف إلى حد كبير من العجرفة الأميركية أو ما يعتقده الآخرون كذلك.
والآن لننتقل إلى القوة الخشنة.. هل تعتقدون أن الصين قادرة على مواجهة أميركا عسكريا؟ إنكم واهمون، فميزانية وزارة الدفاع الأميركية متفوقة على ميزانية الصين بأربع مرات. صحيح أن الصين زادت مصاريف الدفاع والتسلح بنسبة 10 في المائة منذ عشر سنوات، لكن أمامها شوطا طويلا قبل أن تلحق بأميركا.. هل تعلمون أن الصين لا تملك إلا حاملة طائرات واحدة أما الولايات المتحدة فتملك أكبر وأضخم عدد منها في العالم، وبالتالي فلا ينبغي أن نبالغ في قوة الصين ونهول، كما يحلو للبعض أن يفعل. صحيح أن العدد لصالح الصين بسبب المليار ونصف المليار صيني تقريبا، ولكن ينبغي العلم بأن الرئيس الصيني خفض قواته العسكرية بنسبة ثلاثمائة ألف جندي، وهذا يعني أن الجيش الصيني ضخم عدديا، لكن فاعليته ليست بمستوى ضخامته، فهناك الكمية وهناك النوعية، ولا أحد يستطيع القول بأن نوعية الجيش الصيني تعادل نوعية الجيش الأميركي وخبرته وفاعليته.
والآن لنتحدث عن القوة الاقتصادية، ولنقارن الآخرين بأميركا.. لا ريب أن الصين حققت نجاحات كبرى على هذا الصعيد في السنوات الأخيرة، وتستحق كل تقدير، لأنها أخرجت الملايين من شعبها من جحيم الفقر، وهي الآن أصبحت الاقتصاد العالمي الثاني بعد أميركا، والبعض يقول بأنها قد تتجاوز أميركا نحو عام 2030 إذا ما استمر نموها الاقتصادي الحالي على نفس الوتيرة 7 في المائة، لكن خبراء آخرين يقولون لنا إن ذلك لن يتحقق قبل 2040 أو 2050، لأن معدل النمو الاقتصادي الصيني سينخفض إلى 3 أو 4 في المائة في السنوات المقبلة، لكن حتى لو أصبحت الصين أكبر اقتصاد في العالم من حيث الضخامة والحجم فلن تكون الاقتصاد الأكثر تقدما وفاعلية.
ينبغي العلم بأن عدد الشركات متعددة الجنسيات أو العابرة للقارات يصل إلى خمسمائة في العالم حاليا، من بينها نحو خمسين شركة لأميركا وحدها، ومن بين أكبر خمس وعشرين شركة عالمية تملك أميركا تسع عشرة وحدها، وبالتالي فالهيمنة الأميركية ساحقة في هذا المجال. يضاف إلى ذلك أن سكان الصين أصبحوا يشيخون بسبب سياستها السكانية القائمة على الحد من النسل، وبالتالي فالصين عندها مشكلات حقيقية، ومن أهمها نظامها السياسي الديكتاتوري؛ نظام الحزب الواحد الذي لا يعرف معنى الديمقراطية والتناوب على الحكم.. فإلى متى ستظل قادرة على الاحتفاظ بهذا النظام الشيوعي سياسيا والرأسمالي اقتصاديا؟ يوجد هنا تناقض هائل غير محلول وقد يفجر الصين لاحقا.
نضيف أن الاقتصاد الأميركي كان يمثل 22 في المائة من الاقتصاد العالمي عام 2000، وقد ينخفض لاحقا إلى نسبة 18 في المائة، بسبب صعود البرازيل بشكل خاص.
والآن لنتحدث عن شؤون الطاقة والبترول.. قبل عشرين سنة كانوا يقولون بأن أميركا ستصبح عالة على بترول الآخرين أكثر فأكثر، لكن أصبح الآن واضحا أنها قد تتوصل إلى الاستقلالية الكاملة في هذا المجال عام 2020 أي غدا أو بعد غد، وبالتالي فحتى هنا نلاحظ أن أميركا متفوقة وتملك أوراقا جديدة لم تكن في الحسبان.. وعلى أي حال فإن الدكتور جوزيف ناي يعتقد أن أميركا ستظل القوة العظمى الأولى حتى بعد عام 2050.
لا ريب في أنها لن تكون الوحيدة كما عليه الحال حاليا، وإنما ستكون هناك قوى عظمى أخرى مثل الصين والهند والبرازيل.
هناك نقطة أساسية؛ وحدة الاتحاد الأوروبي، كان بإمكانه أن يهدد هيمنة أميركا على العالم لو أنه كان موحدا سياسيا، لكن من المستحيل أن يتوحد، لأنه مشكل من عدة أمم مختلفة مثل الأمة الفرنسية والأمة الألمانية والأمة الإنجليزية.. إلخ، يضاف إلى ذلك أن الاتحاد الأوروبي ليس عدوا لأميركا ولا يمكن أن يكون، لماذا؟ لأنه ينتمي إلى نفس النطاق الحضاري الذي يدعى الغرب، فالقيم الأساسية مشتركة بين الطرفين.
ينبغي ألا ننسى أن «أميركا هي بنت أوروبا» كما يقول الجنرال ديغول، وإن تفوقت البنت على الأم لاحقا.
وأخيرا.. يرى البروفسور جوزيف ناي أن الخطر على أميركا لا يأتي من جهة الصين، كما يتوهم كثيرون، وإنما من جهة الإرهاب الأصولي والهجوم الإلكتروني.
هنا تكمن مشكلة أميركا لعشرين وربما لخمسين سنة مقبلة، فحقد «داعش» و«القاعدة» وكل الجماعات الراديكالية عليها كبير جدا، وبالتالي أميركا تخشاها أكثر من الصين بمرات. نقول ذلك وبخاصة أن القيادة الصينية تظل عقلانية في تصرفاتها وتحسب حساباتها بدقة ويمكن التفاوض معها.. الصين لا تمثل خطرا وجوديا على أميركا مثل ألمانيا «الهتلرية» أو الاتحاد السوفياتي لستالين.. وبالتالي فلن تكون هناك حرب باردة مع الصين.
في الصين هناك فلسفة كونفوشيوس وحكمته العميقة، وهي تطبع العقلية الصينية على الرغم من الشيوعية، الصين ليست متهورة.. الصين ليست صدام حسين ولا «بن لادن» ولا «البغدادي»!
أما مع «داعش» فمن يستطيع أن يتفاوض؛ إما أن يفجروك وإما أن تفجرهم، ولا يوجد حل آخر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.