بوتين يحضّ خامنئي على «ضبط النفس» وموازنة أي ردّ على إسرائيل

الرئيس الروسي طلب تجنّب إسقاط ضحايا مدنيين

سيارات تمر من أمام لوح إعلاني مناهض لإسرائيل كُتب عليه بالخط الفارسي والعبري «ابتسم لبعض الوقت لأنك ستبكي كثيراً قريباً» في ميدان فلسطين بطهران (إ.ب.أ)
سيارات تمر من أمام لوح إعلاني مناهض لإسرائيل كُتب عليه بالخط الفارسي والعبري «ابتسم لبعض الوقت لأنك ستبكي كثيراً قريباً» في ميدان فلسطين بطهران (إ.ب.أ)
TT

بوتين يحضّ خامنئي على «ضبط النفس» وموازنة أي ردّ على إسرائيل

سيارات تمر من أمام لوح إعلاني مناهض لإسرائيل كُتب عليه بالخط الفارسي والعبري «ابتسم لبعض الوقت لأنك ستبكي كثيراً قريباً» في ميدان فلسطين بطهران (إ.ب.أ)
سيارات تمر من أمام لوح إعلاني مناهض لإسرائيل كُتب عليه بالخط الفارسي والعبري «ابتسم لبعض الوقت لأنك ستبكي كثيراً قريباً» في ميدان فلسطين بطهران (إ.ب.أ)

حضّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المرشد الإيراني علي خامنئي، على توجيه «رد محدود» على إسرائيل، على أثر اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» إسماعيل هنية في طهران، في وقت تتعرض إسرائيل لضغوط من حليفتها الولايات المتحدة، بشأن عدم الرد بطريقة متطرفة على الهجوم الإيراني المتوقع.

وأفادت «رويترز» عن مصدرين إيرانيين كبيرين، بأن بوتين طلب من خامنئي في رسالة نقلها سكرتير مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو، تجنّب استهداف مدنيين إسرائيليين.

وزار شويغو طهران، وعقد اجتماعات مع مسؤولين إيرانيين كبار في وقت تدرس فيه طهران ردّها على اغتيال هنية.

وقال المصدران إن طهران تضغط أيضاً على موسكو، من أجل تزويدها بطائرات مقاتلة روسية الصنع من طراز سوخوي سو-35.

ولم يقدّم المصدران مزيداً من التفاصيل حول المحادثات مع شويغو، وزير الدفاع السابق، الذي أصبح سكرتيراً لمجلس الأمن الروسي في مايو (أيار).

وصول شويغو إلى طهران، نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مسؤولَين إيرانيَّين، قالت إنهما على دراية بالحرب، وأحدهما من «الحرس الثوري»، أن إيران طلبت أنظمة دفاع جوي متقدمة من روسيا في إطار استعدادها لاحتمال نشوب حرب مع إسرائيل.

وقال المسؤولان اللذين تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالحديث عن المساعدات علناً، إن روسيا «بدأت بتسليم رادارات متقدمة ومعدات دفاع جوي».

وفي موسكو، لم يعلق الكرملين على التقارير، وذكرت وكالة الإعلام الروسية الرسمية، الثلاثاء، أن شويغو ناقش اغتيال هنية خلال زيارته طهران.

شويغو ورئيس الأركان الإيراني محمد باقري على هامش مباحثاتهما في طهران أمس (رويترز)

وقالا إن زيارة شويغو كانت إحدى السبل العديدة التي لجأت إليها موسكو لإبلاغ إيران بضرورة «ضبط النفس»، في مسعى لمنع نشوب حرب في الشرق الأوسط، بينما ندّدت في الوقت ذاته بمقتل هنية، ووصفته بأنه «اغتيال خطير للغاية».

وأضافا أن الشرق الأوسط على شفا حرب كبرى، ومن الواضح أن من يقفون وراء الاغتيال يحاولون إشعال فتيل هذا الصراع.

وتُوطّد روسيا علاقاتها مع إيران منذ بداية غزوها لأوكرانيا، وتقول إنها مستعدة لتوقيع اتفاقية تعاون واسعة النطاق مع طهران.

ولم يصدر تعليق فوري من وزارة الخارجية الإيرانية، التي قالت، الاثنين، إن طهران لا تسعى لتأجيج التوترات الإقليمية، لكنها بحاجة لمعاقبة إسرائيل؛ للحيلولة دون حدوث مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

الدبلوماسية لم تَعُد خياراً

في واشنطن حذّر مسؤول في إدارة الرئيس جو بايدن، الاثنين، من مخاطر اندلاع حرب إقليمية شاملة، وأكّد المسؤول، الذي طلب عدم كشف هويته، أن حجم رد إيران و«حزب الله» سيكون عاملاً رئيسياً في تحديد مدى الصراع المحتمل.

ورغم الجهود التي تبذلها دول غربية وإقليمية لإقناع إيران بالرد بطريقة مدروسة، أو عدم الرد على الإطلاق، فقد أبلغت طهران مسؤولين أجانب أنها ستردّ «بقسوة» على مقتل هنية في طهران، حيث كان يحضر حفل تنصيب الرئيس مسعود بزشكيان، وفقاً لما أكّدته 4 مصادر إيرانية بشكل مستقل.

وكتبت صحيفة «كيهان» التابعة لمكتب المرشد الإيراني علي خامنئي في عنوانها الرئيسي: «هذه المرة تختلف، إيران لن ترحم إسرائيل»، وقالت إن «إرسال الرسائل المتكررة ليس له تأثير»، وأضافت: «إيران وأصدقاؤها سيوجهون ضرباتهم بهدف وقف آلة الإرهاب».

وفي لبنان، قال مصدر لبناني بارز مقرّب من «حزب الله»، إن الضربة الانتقامية أمر لا مفر منه، والدبلوماسية لم تَعُد خياراً قابلاً للتطبيق، مضيفاً أن إيران تريد أن تكون الضربة «قاسية»، لكن لا تؤدي إلى حرب إقليمية.

ومع ذلك، قال إن هذا لا يستبعد احتمالية اندلاع حرب في لبنان بين «حزب الله» المدعوم من إيران، وإسرائيل.

وقال مسؤول أميركي كبير مهتم بالشرق الأوسط إن واشنطن تبذل كل ما في وسعها «لمنع جميع الأطراف من الوصول لنقطة لا يمكنها الرجوع عنها»، مؤكداً أن الدول الأخرى في المنطقة وأوروبا يجب أن تفعل المزيد.

وقال مسؤول قطري إن الدوحة تُجري مناقشات مستمرة مع إيران لتخفيف التوتر.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية ماثيو ميلر، مساء الاثنين، إن الولايات المتحدة حثت بعض الدول من خلال القنوات الدبلوماسية على إبلاغ إيران بأن التصعيد في الشرق الأوسط ليس في مصلحتها.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إنها «لحظة حرجة» بالنسبة إلى المنطقة، مضيفاً أن واشنطن «منخرطة في دبلوماسية مكثفة على مدار الساعة تقريباً» للمساعدة في تهدئة التوتر وسط مخاوف من استعداد إيران لشن ضربة انتقامية ضد إسرائيل.

وأضاف بلينكن، خلال لقاء مع نظيرته الأسترالية في واشنطن: «يجب على كل الأطراف الامتناع عن التصعيد». وتابع: «يتعين على جميع الأطراف اتخاذ خطوات لتهدئة التوتر. التصعيد ليس في مصلحة أحد... بل سيؤدي فقط لمزيد من الصراع ومزيد من العنف ومزيد من انعدام الأمن».

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين قولهم إنهم رصدوا منذ عطلة نهاية الأسبوع، تحريك إيران لمنصات الصواريخ وإجراء تدريبات عسكرية، في إشارة إلى استعداد طهران لشن هجوم خلال الأيام المقبلة.

وأشارت الصحيفة إلى «قلق إدارة جو بايدن» من أن الهجوم الإيراني قد تصاحبه هذه المرة ضربات من «حزب الله» والجماعات الموالية لإيران، في محاولة لإرباك الدفاعات الإسرائيلية.

وقال مسؤول أميركي: «نحن نستعد للدفاع عن إسرائيل بطريقة مشابهة لما حدث في أبريل (نيسان)».

وأكّد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، الاثنين، أن إسرائيل يجب أن تكون مستعدة لأي شيء، بما في ذلك الانتقال السريع إلى الهجوم.

غالانت يحضر اجتماعاً لقادة القوات الجوية بغرفة عمليات تحت الأرض في تل أبيب (الجيش الإسرائيلي)

ضغوط على إسرائيل

ورجّحت «رويترز» أن يعتمد رد إسرائيل على أي هجوم من جانب «حزب الله» أو إيران على الأضرار الناجمة، وليس على نطاق الهجوم، وفقاً لمصدرين مطلِعَين على تقييمات إسرائيلية حديثة.

ولم يعلن المسؤولون الإسرائيليون المسؤولية عن مقتل هنية، وتدعم إيران «حماس»، التي تخوض حرباً مع إسرائيل في قطاع غزة، وكذلك «حزب الله»، الذي تتبادل إسرائيل معه إطلاق النار منذ هاجمت «حماس» إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وأشعلت الصراع في القطاع.

وفي إسرائيل، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن مسؤولين إقليميين، «حضّوا إسرائيل على عدم الرد بطريقة متطرفة على الهجوم الإيراني المتوقَّع، كما تم التخطيط لرد قوي على الهجوم السابق، الذي وفقًا للإعلام الأجنبي، تم تخفيفه تحت ضغط دولي».

ونقل مسؤولون في التحالف الإقليمي بقيادة الولايات المتحدة، رسالة واضحة إلى المسؤولين الإسرائيليين بشأن الرد المحتمل على أي هجوم إيراني، في حال وقوعه. وجاء أن مسؤولي التحالف قالوا للإسرائيليين: «لا تبالغوا بالرد أكثر من اللازم».

وأضاف المسؤولون في التحالف الإقليمي: «فكِّروا ملياً قبل أن تردّوا على الهجوم، الهدف في النهاية ليس أن يؤدي إلى حرب شاملة».


مقالات ذات صلة

إيران تحذّر من «إصبع على الزناد»... وترمب يريد مفاوضات

شؤون إقليمية إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

إيران تحذّر من «إصبع على الزناد»... وترمب يريد مفاوضات

حذّر قائد «الحرس الثوري» واشنطن من أن قواته «إصبعها على الزناد»، في وقت قال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران لا تزال تبدو مهتمة بإجراء محادثات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي حينها تساحي هنغبي (ومستشار الأمن القومي لاحقاً) خلال فعالية في بروكسل ببلجيكا يوم 31 يناير 2018 (رويترز)

هنغبي يدعو نتنياهو للاستعجال في التوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية» مع سوريا

دعا الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي بالحكومة الإسرائيلية تساحي هنغبي، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الاستعجال في التوصل لاتفاق مع سوريا.

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
شؤون إقليمية إيرانية تمر أمام فرع لبنك صادرات تضرر جراء حريق اندلع خلال الاحتجاجات (إ.ب.أ)

طهران تعلن أول حصيلة رسمية للاحتجاجات: 3117 قتيلاً

كشفت السلطات الإيرانية، للمرة الأولى، عن حصيلة رسمية لضحايا الاحتجاجات الأخيرة، معلنة أن عدد القتلى بلغ 3117 شخصاً.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي (رويترز)

«الوكالة الذرية» تُحذّر من غموض مصير اليورانيوم الإيراني

قال مدير الوكالة الدولية الذرية رافاييل غروسي، إن المواجهة مع إيران بشأن حصر مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وتفتيش المنشآت لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.

«الشرق الأوسط» (لندن - دافوس)
تحليل إخباري محطة بوشهر النووية الإيرانية (رويترز - أرشيفية)

تحليل إخباري الأزمة الإيرانية تنطوي على مخاطر نووية محتملة

 يحذر محللون من أن الاضطرابات الداخلية التي تضرب الحكام في إيران قد تحمل في طياتها مخاطر تتعلق بالانتشار النووي 

«الشرق الأوسط» (لندن)

إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
TT

إسرائيل ترسخ اعترافها بـ«أرض الصومال» بلقاء هرتسوغ ورئيس الإقليم الانفصالي

الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)
الرئيس الإسرائيلي يلتقي قائد إقليم أرض الصومال الانفصالي على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

بعد أقل من شهر، من أزمة «الاعتراف» بـ«أرض الصومال»، وسَّعت إسرائيل من علاقاتها بالإقليم الانفصالي بلقاء جمع الرئيس إسحاق هرتسوغ مع قائد الإقليم عبد الرحمن عبد الله عرو، في خطوة عدَّها محللون «متعمدة».

فقد التقى هرتسوغ، الخميس، على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس بسويسرا، مع قائد إقليم «أرض الصومال» الانفصالي، وكتب عبر منصة «إكس»: «سُررتُ بلقاء الرئيس عبد الرحمن عبد الله رئيس أرض الصومال هنا في دافوس»، مضيفاً: «أُرحب بإقامة العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا، وأتطلع إلى تعزيز تعاوننا الثنائي لما فيه مصلحة شعبينا».

تلك الخطوة يراها خبير في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، «متعمدة من إسرائيل لزيادة ترسيخ اعترافها بالإقليم الانفصالي، لأهداف متعلقة بإيجاد نفوذ في البحر الأحمر»، متوقعاً ثلاثة سيناريوهات لذلك المسار، أرجحها «استمرار التعاون بلا اعتراف فعلي عبر مكاتب»، وأضعفهم «تراجع إسرائيل عن الاعتراف حال زادت كلفة ذلك التعاون».

هرتسوغ وعرو في دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وقال المحلل السياسي الصومالي عبد الولي جامع بري: «إسرائيل بهذا اللقاء تصر على ترسيخ علاقتها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي»، مشيراً إلى أن إصرار إسرائيل لا يرتبط فقط بـ«الاعتراف» بحدّ ذاته، بل بسياق استراتيجي أوسع.

ولفت إلى أن الإقليم يقع على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وقال إن إسرائيل «ترى القرن الأفريقي امتداداً مباشراً لأمنها البحري، خاصة مع تهديدات الحوثيين والنفوذ الإيراني واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً على أنها تريد اختراق الصومال لإضعاف الإجماع العربي والموقف الأفريقي الداعم لوحدة الدول».

وتوالت المواقف العربية والأفريقية الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بالإقليم الانفصالي في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تشدد على ضرورة عدم المساس بسيادة ووحدة الصومال.

وبعد ثلاثة أسابيع من اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال»، شارك الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مراسم تنصيب رئيس ولاية شمال شرقي الصومال، عبد القادر أحمد أوعلي، معلناً في كلمة أن تلك الولاية باتت «عضواً كامل العضوية في جمهورية الصومال الفيدرالية»، وسط تقديرات مراقبين بأنها رسالة لأرض الصومال.

وتضم ولاية شمال شرقي الصومال أجزاء من ثلاث محافظات هي صول وسناج وعين، وعاصمتها لاسعانود التي تُعد عاصمة إقليمية متنازعاً عليها مع إقليم أرض الصومال الانفصالي. وكان إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يسيطر على لاسعانود منذ عام 2007، لكن قواته اضطرت إلى الانسحاب منها بعد اشتباكات عنيفة مع القوات الصومالية وميليشيات مُوالية لمقديشو خلَّفت عشرات القتلى في 2023.

وكانت زيارة حسن شيخ محمود هي الأولى التي يُجريها رئيس في المنصب للمنطقة منذ نحو 50 عاماً.

ثلاثة سيناريوهات

ويرى المحلل السياسي جامع بري احتمال استمرار إسرائيل في تنمية علاقاتها مع أرض الصومال علناً رغم الرفض العربي والغربي، موضحاً أن الرفض «قائم على احترام وحدة الصومال والخشية من سابقة انفصالية، لكنه لا يزال سياسياً لفظياً أكثر منه عملياً، ولا توجد أدوات ضغط حقيقية تُمارس على إسرائيل في هذا الملف».

ويرجح بري ثلاثة سيناريوهات محتملة لاستمرار التواصل الإسرائيلي، يتمثل الأول في تعاون عبر لقاءات علنية على هامش المنتديات، وتعاون أمني وتقني ومساعدات اقتصادية محدودة دون اعتراف رسمي عبر مكاتب لتجنب صدام مع أفريقيا وإرباك علاقاتها مع دول عربية، وهو السيناريو الأرجح.

ويتمثل الثاني، بحسب بري، في تصعيد تدريجي مشروط، «وقد تلجأ إسرائيل إلى فتح مكاتب تمثيلية غير دبلوماسية ودعم دول أخرى للاعتراف وربط الملف بترتيبات أمن البحر الأحمر... لكن هذا مرهون بضعف الموقف الصومالي الرسمي وتصاعد الصراع الإقليمي».

والسيناريو الثالث، وهو الأضعف في رأيه، فيتمثل في تراجع إسرائيل عن مسار الاعتراف، «وهذا يحدث فقط إذا تحركت الدبلوماسية الصومالية بقوة، وإذا تبلور موقف عربي أفريقي عملي، وارتفعت كلفة الخطوة على إسرائيل دولياً».

ويخلص بري إلى أن إسرائيل لا تسعى بالضرورة إلى اعتراف فوري، بل تستهدف ترسيخ أمر واقع سياسي وأمني طويل المدى.


«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
TT

«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

حذّر قائد «الحرس الثوري» الإيراني، الخميس، واشنطن من أن قواته «إصبعها على الزناد» في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية، في وقت قال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران لا تزال تبدو مهتمة بإجراء محادثات.

وتبادلت إيران والولايات المتحدة في الأيام الأخيرة التهديدات بشنّ حرب واسعة النطاق إذا قُتل أي من زعيمي البلدين. ويأتي ذلك في ظل احتجاجات، اتهمت طهران واشنطن بتأجيجها، وبعد أن هدّد ترمب بعمل عسكري إذا قُتل مزيد من المتظاهرين في حملة القمع.

وكان ترمب قد أبقى مراراً خيار شنّ عمل عسكري جديد ضد إيران مفتوحاً، بعدما دعمت واشنطن وانضمت إلى حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، وهدفت إلى إضعاف البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.

وهزّت احتجاجات استمرت أسبوعين، وبدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، المؤسسة الحاكمة بقيادة المرشد علي خامنئي، قبل أن تخمد الحركة في مواجهة حملة قمع، يقول ناشطون إنها أسفرت عن مقتل الآلاف، وترافقت مع قطع غير مسبوق للإنترنت على مستوى البلاد.

ويبدو أن احتمال تحرّك أميركي فوري ضد طهران قد تراجع خلال الأسبوع الماضي، مع إصرار الجانبين على إعطاء الدبلوماسية فرصة، حتى مع ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن أن ترمب لا يزال يدرس خياراته.

وقال ترمب، في كلمة ألقاها أمام منتدى دافوس، إن الولايات المتحدة ضربت مواقع إيرانية لتخصيب اليورانيوم العام الماضي لمنع طهران من صنع سلاح نووي. وتنفي إيران أن برنامجها النووي يهدف إلى صنع قنبلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرتب سترته وهو يغادر مركز المؤتمرات خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

وذكّر ترمب بالضربات الأميركية على منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران العام الفائت، مؤكداً «عدم السماح» لطهران بأن تمتلك سلاحاً نووياً، وأضاف: «إيران تريد التفاوض، وسنتفاوض».

وقبل ذلك بساعات، شدّد ترمب في مقابلة ‌مع شبكة «‍سي إن بي سي» أنه على إيران وقف مساعيها لامتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن واشنطن تراقب ما ستفعله طهران في هذا الشأن، ومجدداً تحذيره من احتمال اتخاذ إجراءات لاحقة إذا لم تتوقف هذه الجهود.

وقال ترمب إن قوات الأمن كانت تطلق النار عشوائياً في الشوارع، مضيفاً أن إيران أوقفت قتل المتظاهرين بعدما وجّه لها تحذيراً الأسبوع الماضي بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية. وأشار إلى أن طهران «كانت تعتزم شنق 837 شخصاً»، قبل أن يتدخل، قائلاً إنه أبلغها بعدم جواز ذلك، معرباً عن أمله في ألا تُتخذ خطوات إضافية.

ومن دافوس، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن بلاده تدعو إلى تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أهمية خفض التصعيد وبناء الثقة لإتاحة فرصة حقيقية للحلول الدبلوماسية. وجاء ذلك بعد لقاء مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي واتصالات أجراها مع نظيريه الفرنسي جان - نويل بارو، والإيراني عباس عراقجي.

وقال السيناتور الأميركي، ليندسي غراهام، إن الرهان على إمكانية تغيير سلوك القيادة الإيرانية والتوصل إلى اتفاق معها «وهمٌ خطير»، معتبراً أن من يعتقد إمكانية ذلك «لا يفهم تاريخ النظام وطبيعته».

وشبّه غراهام فكرة التفاهم مع طهران بمحاولات عقد صفقة مع أدولف هتلر، مؤكداً أن «الشر لا يساوم بل يُواجه». ودعا إلى دعم الشعب الإيراني بوصفه الخيار الصحيح في التعامل مع الأزمة، منتقداً أي مقاربات تقوم على استرضاء النظام أو التعويل على تحول في نهجه.

وفي مواجهة اتسمت بتصريحات متقلبة، كان ترمب قد حذّر، الثلاثاء، قادة إيران من أن الولايات المتحدة «ستمحوهم من على وجه الأرض» إذا وقع أي هجوم على حياته، رداً على ضربة تستهدف خامنئي.

«أهداف مشروعة»

وحذّر قائد «الحرس الثوري»، الجنرال محمد باكبور، إسرائيل والولايات المتحدة من «أي سوء تقدير»، داعياً إلى «التعلم من التجارب التاريخية وما تعلّموه في الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، حتى لا يواجهوا مصيراً أكثر إيلاماً وندماً»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال باكبور: «إن (الحرس الثوري) وإيران العزيزة يضعان إصبعهما على الزناد، في أعلى درجات الجاهزية، ومستعدّين لتنفيذ أوامر وتدابير القائد الأعلى للقوات المسلحة، المرشد هو أعزّ عليهم من أرواحهم»، في إشارة إلى خامنئي.

وجاءت تصريحاته في بيان مكتوب، نقلته وسائل الإعلام الرسمية، بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بـ«الحرس الثوري»، القوة المكلفة بحماية ثورة عام 1979 من التهديدات الداخلية والخارجية.

متظاهرون يتجمعون وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في طهران في 9 يناير (رويترز)

وتولى باكبور قيادة «الحرس الثوري» العام الماضي بعد مقتل سلفه حسين سلامي، أحد أبرز القادة العسكريين، في أولى الضربات الإسرائيلية خلال حرب الـ12 يوماً، وهي خسائر كشفت عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق داخل الجمهورية الإسلامية.

وفي تحذير موازٍ، قال قائد العمليات المشتركة في هيئة الأركان، غلام علي عبداللهي، إن إيران سترد «بشكل سريع ودقيق ومدمّر» على أي هجوم يستهدف أراضيها أو أمنها أو مصالحها، محذراً من أن أي «خطأ في الحسابات» سيحوّل فوراً المصالح والقواعد ومراكز النفوذ الأميركية إلى «أهداف مشروعة».

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قوله إن مرحلة «الضرب والإفلات انتهت»، وإن أي ردّ إيراني مقبل سيكون «أسرع وأدق وأكثر تدميراً» مما يتصوره الخصوم.

وفي إشارة إلى احتمال ضرب المنشآت الصاروخية الإيرانية، قال عبداللهي إن القدرات الدفاعية الإيرانية «حقيقية وفاعلة وغير قابلة للمساس»، وترتكز إلى «إرادة وطنية وقدرات محلية»، مشيراً إلى أنها عطّلت الحسابات الاستراتيجية للخصوم، وأُثبتت عملياً في ميادين المواجهة. وأضاف أن إيران «لن تكون البادئة بالحرب»، لكنها ستقدّم «رداً قاسياً ومُندماً» على أي عمل عدائي.

وحمّل عبداللهي الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية «سوء تقدير استراتيجي» عبر دعم ما وصفه بـ«الفتن والأعمال الإرهابية». كما قال إن التهديدات الأميركية قوبلت بانتقادات داخلية حتى في الكونغرس، في مؤشر على «تراجع وعزلة» السياسات الأميركية.

من جانبه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي، في مقال رأي لافت نُشر الثلاثاء في صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن إيران «لن تضبط ردّها» إذا تعرّضت لهجوم، لكنه أضاف أنها «كانت دائماً مستعدة لمفاوضات حقيقية وجدية».

مراجع تدعم خامنئي

انتقد المرجع الديني ناصر مكارم شيرازي بشدة تهديدات الولايات المتحدة ضد إيران والمرشد علي خامنئي، معتبراً أنها «غير قابلة للتحمّل» وستواجه «رداً حاسماً». وقال، في بيان، إن «قادة أميركا في نهاية الضعف، ومن باب الحماقة باشروا تهديد قائد الثورة»، عادّاً التهديد «مصداقاً للمحاربة».

امرأة تمر أمام مبنى حكومي احترق خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال مكارم شيرازي، الذي تربطه صلات وثيقة بخامنئي: «كل شخص أو نظام يهدد القيادة والمرجعية أو يتعرض لهما (...)، فإن حكمه حكم المحارب».

ووجّه مكارم شيرازي انتقادات حادة لسياسات ترمب، قائلاً إن «رئيس الولايات المتحدة أسير الأوهام، ورأس مال ترمب الأساسي هو الكذب»، مضيفاً أن «التفاوض مع أميركا التي لا تلتزم بأي تعهد ليس منطقياً ولا عقلانياً». واعتبر العقوبات دليلاً على ضعف الولايات المتحدة، مؤكداً أنها «ستفقد فاعليتها أمام مقاومة الشعب والمسؤولين».

كما شدّد على أن الحفاظ على الوحدة الوطنية بات أكثر إلحاحاً، مع إقراره بأن الأوضاع المعيشية الصعبة وغلاء الأسعار وعدم استقرارها تمثل أسباباً رئيسية للسخط الاجتماعي. لكنه حذّر من أن الاحتجاجات «لا ينبغي أن تتحول إلى أرضية لاستغلال الأعداء».

ومن جانبه، قال المرجع حسين نوري همداني، وهو من أبرز مراجع قم الداعمة لخامنئي، إن رئيس الولايات المتحدة «يأتي علناً ليمنح مثيري الشغب الأمل» ويهدد قائد النظام، مضيفاً أنه «لا يستحق الردّ»، لكنه شدّد على أن أي تعرض للمرشد «يُعدّ محاربة».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه قوله، خلال لقائه أئمة جماعات في طهران، إن «مسؤولية رجال اليوم بالغة الأهمية في مرحلة، شنّ فيها العدو هجوماً كاملاً عبر الفضاء الافتراضي»، داعياً المؤسسة الدينية إلى «الحضور في الساحة» وعدم الاكتفاء بالدور التقليدي.

وانتقد نوري همداني صمت بعض «الخواص» أو تأخرهم في إعلان مواقفهم خلال «الفتن»، معتبراً أن ما جرى «لا يفسَّر بدوافع اقتصادية فقط»، ومشيراً إلى أن من «قتل الناس وأحرق الممتلكات لم يكن من عامة الشعب»، رغم إقراره بصعوبة الأوضاع المعيشية. ووصف دعم المرشد بـ«واجب شرعي»، وشدّد على ضرورة «الانسجام الداخلي».

إيرانيون يشاركون في جنازة عناصر أجهزة الأمن الذين قُتلوا في الاحتجاجات في 14 يناير (رويترز)

«زرّ القتل الوطني»

وفي إعلانهم أول حصيلة رسمية للاحتجاجات، قالت السلطات الإيرانية، الأربعاء، إن 3117 شخصاً قُتلوا.

وسعت مؤسسة «الشهداء والمحاربين القدامى» الإيرانية، في بيان، إلى التمييز بين «الشهداء» – وقالت إنهم من عناصر قوات الأمن أو مدنيين أبرياء – وبين ما وصفته بـ«المشاغبين» المدعومين من الولايات المتحدة.

ومن أصل 3117 قتيلاً، قالت المؤسسة إن 2427 شخصاً هم من «الشهداء». وصنّفت السلطات 690 شخصاً ضمن «الإرهابيين ومثيري الشغب وأولئك الذين هاجموا مواقع عسكرية».

لكن منظمات حقوقية تؤكد أن الحصيلة المرتفعة نتجت عن إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين، مشيرة إلى أن العدد الفعلي للقتلى قد يكون أكثر من المعلن، وربما يتجاوز 20 ألفاً.

وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 4902 شخصاً في الاضطرابات. وتراجع «هرانا» 9049 حالة وفاة إضافية. وقالت الوكالة، تم اعتقال ما لا يقل عن 26541 شخصاً.

من جانبها، قالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، ومقرها أوسلو، إنها تحققت من مقتل 3428 شخصاً على الأقل. وتحذّر المنظمة من أن حصيلتها الحالية لا تعكس العدد الحقيقي للضحايا.

وقال مدير المنظمة، محمود أميري مقدم، إن «جميع الأدلة التي تظهر تدريجيا من داخل إيران تُظهر أن العدد الحقيقي للأشخاص الذين قُتلوا في الاحتجاجات أعلى بكثير من الرقم الرسمي»، مضيفا أن حصيلة السلطات «لا تحظى بأي مصداقية على الإطلاق».

وقال مسؤول إيراني لـ«رويترز»، الأحد، إن عدد القتلى المؤكد حتى يوم الأحد بلغ أكثر من 5 آلاف قتيل، منهم 500 من قوات الأمن.

وأعاقت محاولات التحقق من حجم الخسائر عملية قطع الإنترنت على المستوى الوطني، إذ قالت منظمة «نت بلوكس»، المعنية بمراقبة الإنترنت، إن السلطات لجأت إلى ما وصفته بـ«زرّ القتل الوطني» منذ أسبوعين. ويدخل قطع الإنترنت أسبوعه الثالث مع حلول يوم الجمعة.

وكانت السلطات قد وعدت بإعادة خدمة الإنترنت، لكن أمين لجنة الأمن القومي التابعة لوزارة الداخلية، علي أكبر بورجمشيديان، قال للتلفزيون الرسمي، إن توقيت عودة الإنترنت والارتباط بالعالم الخارجي غير معروف بعد.

وتتهم منظمات حقوقية «الحرس الثوري» بالاضطلاع بدور متقدم في القمع الدموي للاحتجاجات. وقد صنّفت دول، من بينها أستراليا وكندا والولايات المتحدة، «الحرس الثوري» ككيان إرهابي، فيما طالبت حملات منذ سنوات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة باتخاذ خطوات مماثلة.

وأكّدت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، أن البرلمان صوّت بأغلبية ساحقة دعماً لتطلعات الشعب الإيراني، مشددة على أن «إيران يجب أن تكون حرة، وستكون كذلك».

ودعت ميتسولا السلطات الإيرانية إلى وقف العنف والقمع والقتل الجماعي للمتظاهرين السلميين، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام فوراً، والإفراج عن جميع المعتقلين والمتظاهرين والسجناء السياسيين.

كما طالبت بمحاسبة المسؤولين عن القمع، وتصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية وملاحقة قياداته قضائياً، مؤكدة تضامن البرلمان الأوروبي مع الإيرانيين «حتى في ظل قطع الاتصالات والتعتيم».

وفي مداخلة له في دافوس، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن «مستقبل الشعب الإيراني لا يمكن أن يكون إلا في تغيير النظام»، مضيفاً أن «نظام آيات الله في وضع هشّ للغاية».


ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

أحدثت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي، وأنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن يكف عن أخذ الرصيد عليها، لأنها تكنولوجيا أميركية؛ صدمة في تل أبيب، إذ اعتبرها البعض «خلطاً ما بين القبة الحديدية الإسرائيلية والقبة الذهبية الأميركية»، فيما رأى فيها آخرون «تصريحاً تجارياً يقصد به أن من يمول المشروع يكون صاحبه».

وفي كل الأحوال، أصدر نتنياهو تعليمات تمنع وزراءه وغيرهم من المسؤولين، التفوه في الموضوع، حتى لا يدخلوا في جدال مع الرئيس الأميركي.

بيد أن وسائل الإعلام العبرية لم تتردد في خوض الجدال. وراحت تؤكد أن «القبة الحديدية» هي منظومة إسرائيلية في الفكرة وفي التكنولوجيا، ولو أن الإدارة الأميركية تقدم لها تمويلاً سخياً جداً.

أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)

ووفقاً للموقع الخاص بهذا السلاح، في شركة «رفائيل» لإنتاج الأسلحة الإسرائيلية، فإن «القبة الحديدية» هي فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية، باعتبارها سلاحاً أحدث انعطافاً في الأسلحة المضادة للصواريخ، وكانت سابقة للعصر؛ لأنها صالحة للتصدي للطائرات المسيرة أيضاً، قبل أن تعرف هذه المسيرات كونها سلاحاً. وتعتبرها الشركة «من عجائب القرن»؛ إذ تم اختراعها وتطويرها وإدخالها للمجال العملي في غضون سنتين ونصف السنة فقط.

و«القبة الحديدية» هي منظومة دفاع جوي بالصواريخ ذات قواعد متحركة، طوّرتها شركة «رفائيل» لأنظمة الدفاع المتقدمة والهدف منها اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية.

طُرِحت فكرة، لأول مرة سنة 2006، إبان الحرب على لبنان، إذ وجد الجيش الإسرائيلي صعوبة في صد الصواريخ قصيرة المدى التي أطلقها «حزب الله» باتجاه إسرائيل، فأدت إلى مقتل 44 إسرائيلياً، وفي كل مرة كانت هذه الصواريخ تجبر نحو مليون إسرائيلي للهروب بهلع إلى الملاجئ. وتم طرح عدة حلول بينها إسقاط الصواريخ بالليزر. ولكن، وفي شهر فبراير (شباط) 2007، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه، عمير بيرتس، نظام القبة الحديدية رغم تكلفته الباهظة. ورصدت الحكومة مبلغ 900 مليون دولار لتطويره. وتوجهت إلى الولايات المتحدة طالبة تخصيص ميزانية بالمبلغ نفسه لتمويله.

نظام القبة الحديدية الإسرائيلي يعمل على اعتراض الصواريخ التي يتم إطلاقها من لبنان (أرشيفية - رويترز)

وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما، في حينه، على منح الميزانية في البداية باعتبارها جزءاً من ميزانية الدعم الأميركي السنوية، التي بلغت يومها 3.3 مليار دولار في السنة، ثم أضافها إلى هذا الدعم في ميزانية خاصة لهذا الغرض. ومنذ ذلك الوقت تدفع الولايات المتحدة مبلغ 350 مليون دولار في السنة لهذا الغرض، إضافة إلى 3.8 مليار دولار دعماً عسكرياً تقليدياً.

وقد تسلم الجيش الإسرائيلي هذه المنظومة في 2009 وأدخلها إلى العمليات الحربية لأول مرة في 2011، في مواجهة الصواريخ البدائية التي كانت تطلقها «حماس» من قطاع غزة.

وقد تمكنت من إسقاط الصواريخ بنسبة نجاح 75 في المائة، بحسب شركة «رفائيل»، وخلال عشر سنوات ارتفعت النسبة إلى 86 في المائة. وشيئاً فشيئاً أنتجت قبة حديدية خاصة لسلاح البحرية. ومنذ 2012 تبيع إسرائيل القبة الحديدية للجيش الأميركي ثم لبريطانيا ثم لدول أخرى. وجنباً إلى جنب مع تطويرها، تم العمل على تطوير سلاح يعتمد على أشعة ليزر ذي التكلفة الأرخص. وفي مطلع السنة أعلن الجيش الإسرائيلي عن إدخال المنظومة الجديدة إلى العمليات الحربية، ولكن ليس بدل القبة الحديدية، بل إلى جانبها.

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصاروخ أطلق من قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

القبة الذهبية

الولايات المتحدة من جهتها، وإزاء تعاظم حرب الصواريخ، وعدم جدوى القبة الحديدية في مواجهة الصواريخ الباليستية، قررت تطوير ما يسمى بـ«القبة الذهبية»، ولهذا الاسم توجد قصة. فالمهندس الإسرائيلي، الذي اخترع القبة الحديدية، كان قد أطلق عليها اسم «القبة الذهبية»، لكن رفاقه في إدارة الشركة نصحوه بالتواضع والاكتفاء باسم القبة الحديدية؛ لأنها لا تستطيع إسقاط صواريخ ثقيلة.

وهكذا؛ فإن الاسم جاء ملائماً للمنظومة الصاروخية الأميركية، لأنها تعمل بأربع طبقات دفاع، أولاها في الفضاء الخارجي. وهي المنظومة التي يعتبرها الرئيس ترمب مشروعاً شخصياً لعهده، كما قال في 20 مايو (أيار) 2025، عند الإعلان عنها، وطلب أن تنتهي عملية إنتاجها وإدخالها للعمليات الحربية حتى نهاية دورته الرئاسية.

وتوصف هذه المنظومة بأنها «نقلة نوعية» في مجال الدفاع الصاروخي، لمواجهة تهديدات الصواريخ المتطورة مثل الفرط صوتية، والصواريخ الروسية والصينية. وتدمج القبة الذهبية بين أنظمة متطورة أرضية وبحرية وفضائية، وتعتمد على أقمار صناعية مزودة بمستشعرات وتقنيات حديثة لاكتشاف التهديدات. وأثار البرنامج انتقادات دولية، خاصة من الصين وروسيا، بسبب تخوفهما من «عسكرة الفضاء وزعزعة الأمن العالمي».