نور عريضة: سرتُ عكس تزييف «السوشيال ميديا»

قالت المؤثرة لـ«الشرق الأوسط»: التطوير مهم في مسابقة ملكة جمال لبنان

مع والدتها وابنتها في صورة تبرز اهتمامها بعلاقة الأجيال (نور عريضة)
مع والدتها وابنتها في صورة تبرز اهتمامها بعلاقة الأجيال (نور عريضة)
TT

نور عريضة: سرتُ عكس تزييف «السوشيال ميديا»

مع والدتها وابنتها في صورة تبرز اهتمامها بعلاقة الأجيال (نور عريضة)
مع والدتها وابنتها في صورة تبرز اهتمامها بعلاقة الأجيال (نور عريضة)

منذ صغرها اهتمت المؤثرة اللبنانية نور عريضة بالصحة النفسية. أدركت أن سلامتها تنعكس على التفكير والتصرّف. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «إنها توازي سلامة صحتنا العامة. ومعها تصبح حياتنا أجمل وأفضل».

مؤخراً، أطلّت في مسابقة ملكة جمال لبنان لعام 2024، وشاركت في لجنة التحكيم التي تألفت من 8 نساء. وجاء قرارها بإعطاء جميع المتسابقات العلامة نفسها لتقييم نسبة جمالهن في سابقة بحدّ ذاتها. فوضعت علامة كاملة (10 على 10) لكل المتسابقات. لماذا اتخذت قرارها هذا، وما الهدف منه؟ ترد: «كنت أهدف لإيصال رسالة للنساء عامة وللمتسابقات خاصة. أرى أن جميع النساء جميلات، ولكل منهن ما يميّزها عن غيرها. وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة لإشعارهن بذلك. فالجمال لا يتألّف من مفهوم واحد ومحدد».

حققت سابقة في مباراة انتخاب ملكة جمال لبنان (نور عريضة)

تقول إنها ملمّة بمعايير الجمال في هذا النوع من المسابقات. ولكن حان الوقت لكسر هذا التقليد الشائع. فأن تكون المرشحة للقب صاحبة قامة طويلة، ونحيفة الجسم، وشعرها الطويل ينسدل على أكتافها أمرٌ يجب تجاوزه. وتتابع: «لنبحث عن تغيير يخرجنا عن المعروف بالـ(ستيريو تايب) (السائد)».

تحتل ابنة نور مساحة لا يُستهان بها من تفكيرها. وتشكّل نقطة الانطلاق لأي حملة أو مبادرة تقوم بها. وتتابع: «من الطبيعي أن تأسر آيلا فكري وأن تشكّل مصدر وحي لي. إنها ابنتي التي أخاف عليها من الانجراف في موجات رائجة. غالباً ما لا يفكر الصغار بصوت عال. وقلت في نفسي عندما ستُتابع الفتيات بعمرها الحفل عبر الشاشة الصغيرة، سيخيّل إليهن أن النساء الجميلات هنّ من ينجحن فقط. فالأولاد يمكن أن يتأثروا بأمور مشابهة، إذا كان الأهل لا يزودونهم بجرعات حبّ كبيرة. وهو ما جعلني أتمسك أكثر بقراري هذا».

على مقاعد الدراسة كانت نور عريضة متفوقة بين زملائها. «كنت أدرس كثيراً، وأحب المواد العلمية والحساب. وبعدها عندما دخلت عالم (السوشيال ميديا) مع زوجي، لاحظت أن ما يدور في فلكه تعمّه السطحية. فأنا بطبعي أفكر بأسلوب أعمق. وكنت أرفض أن يسموني (فاشينيستا)، لأنني أعمل في مجال عرض الأزياء. فوعدت نفسي بأن أتبع أسلوباً آخر يسلّط الضوء على قضايا المرأة عامة. وانطلقت بمشواري أبحث عن رسائل تتضمنها منشوراتي بعيداً عن الأسلوب الدرامي».

تستعد لمشاريع ضخمة عالمية (نور عريضة)

لا تتفرّد نور عريضة بقراراتها، وتركن إلى استشارة فريق عملها دائماً. «أفضّل أن أقف على رأيه فأتشاور معه للوصول إلى نتيجة مقنعة. هناك حملات شاركت فيها أحدثت الفرق الإيجابي عند نساء كثيرات. بعض تلك الحملات انعكست عليّ سلباً فشعرت بالإحباط والكآبة. تركت ثقلها الكبير علي مما دفعني إلى السفر كي أعيش فترة استراحة».

إذا ما تصفحت حسابات نور عريضة الإلكترونية لا بد أن تلاحظ أسلوبها القريب جداً من الناس. فهي تقدّم نفسها بطبيعية من دون فلسفة أو مبالغة. ومرات لا تتوانى عن نشر صورة لها وهي منهكة ومتعبة ومن دون مساحيق تجميل. وتعلّق: «إنني مثل باقي نساء العالم، أتعب ويبدو وجهي شاحباً، وعيناي يحيط بهما السواد. فلماذا علي أن أظهر دائماً بأفضل حالاتي؟ كل شيء في (السوشيال ميديا) مزيّف. كثيرون هم (الإنفلونسرز) الذين يلهثون وراء إبراز صورتهم الحلوة والمثالية. ولكنهم في الحقيقة يعيشون عكسها. من هنا أرى ضرورة تمتعنا بصحة نفسية جيدة كي لا نكذب على أنفسنا».

وأنت تتحدث مع نور عريضة تلفتك بساطتها وعفويتها. فتنسى بأنها من أهم وأشهر المؤثرات في لبنان والعالم. فهناك 11 مليون شخص يتابعون حسابها عبر صفحة «إنستغرام». وملايين آخرون يلحقونها على صفحات «فيسبوك» و«تيك توك». فما سرّها؟ وهل تجاربها الحياتية أدّت إلى تميزها عن غيرها؟

تقول: «هناك محطات كثيرة عشتها في حياتي تركت أثرها الكبير عليّ. وما أستطيع قوله هو إنني محظوظة، كوني عشت وتربيت في كنف عائلة تحكي وتعترف بأخطائها. وعندما ولدت ابنتي آيلا تغيرت كل حياتي، وصارت محورها. فأحيطها باهتمام كبير وأتمنى على باقي الأمهات القيام بالمثل».

تحرص نور على إعطاء العلاقة بين الأجيال حصتها من منشوراتها. غالباً ما تبرز هذه العلاقة في منشورات تصوّرها مع ابنتها. فتنقل عبرها مواقف تحمل رسائل توعوية. ومرات أخرى تجمع فيها إلى جانب ابنتها والدتها. وتقول في سياق حديثها: «أحب العائلة وأسترجع ذكرياتي معها وأنا أتصفّح ألبومات صور من الماضي. أتفرج على جدتي التي تعني لي الكثير. بالنسبة لي علاقة الأجيال تعني الاستمرارية. وأحياناً أخبّئ أغراضاً لي كي أعطيها لابنتي عندما تكبر. وأخبرها دائماً بأهمية العلاقة مع العائلة والاستمرارية. أخاف أن تتأثر بما يدور حولها من أمور سطحية وأخرى غريبة تخرج عن المألوف. مؤخراً قررت وزوجي ألّا نتحدث بأمور العمل أمامها. فهي تحتاج إلى بيئة سليمة تكبر فيها بدل أن تحمل همومنا».

متأثرة جداً بوالدها، ورثت نور عنه الطاقة الإيجابية، ومن والدتها تقول إنها تعلّمت الهدوء وعدم التسرّع. أما جرأتها في تناول موضوعات ساخنة فتصفها بأنها نتاج تجارب عدّة. «إنها تنبع من عدم اكتراثي بما يقوله الآخر. وكذلك من تفادي التبرير والانغماس في المظاهر. زوجي لعب دوراً كبيراً في هذا الموضوع. وحثني على القيام دائماً بما ينسجم مع قناعاتي ومن دون تردد أو خوف».

في مهرجان «بياف» كُرّمت بصفتها مؤثرة عالمية ناجحة (نور عريضة)

وتسأل «الشرق الأوسط» نور عريضة عمّا يعني لها المال، فترد ضاحكة: «قد لا تصدقونني إذا قلت إن هذا الموضوع لا يهمني بتاتاً. دور المال بالنسبة لي يقتصر على تأمين العلاج لي ولعائلتي. فلا أفكر باقتناء السيارات الفارهة ولا الأزياء الغالية، لست مهووسة أبداً بهذه الأمور. المادة لا تعني لي شيئاً، والأهم هو أن أعيش لحظات الجودة عائلياً وصحياً».

من مشاريعها المستقبلية حملة ضخمة تحضّر لها مع وجه شهير في عالم المرأة، «سنُطلقها في الشتاء المقبل وأنا متحمسة جداً لها. وهي أيضاً حملة خاصة بالمرأة. كما لديَّ علامة تجارية سأطلقها قريباً تحمل اسمي. وأنتظر بفارغ الصبر طرحها في الأسواق، لأنها ستُسهم في تغيير المرأة عالمياً. إضافة إلى مشاريع أخرى تدور بين لبنان وأوروبا».


مقالات ذات صلة

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

يوميات الشرق دعوة منزلية (أ.ف.ب)

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 % عام 2006 إلى 12 % عام 2022.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)

«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

مؤتمر صحافي عُقد في «فندق البستان» في بلدة بيت مري الجبلية، أُعلن فيه عن النسخة الـ32 من «مهرجان البستان الدولي»، التي تتضمن 16 حفلاً فنياً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق التمساح الذي أحبّته مدينة بأكملها (غيتي)

وداعاً «كلود»... سان فرانسيسكو تحزن على تمساحها الأبيض المحبوب

تجمّع المئات في سان فرانسيسكو للاحتفال بحياة التمساح الأبيض المحبوب في المدينة وإرثه.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
يوميات الشرق الدماغ في مواجهة ما لا نحب (شاترستوك)

لماذا نتهرَّب من أداء المَهمَّات الصعبة؟

ما الأسباب التي تدفع البعض إلى التردُّد قبل اتخاذ قرارات معيَّنة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.