نقلات نوعية كبرى تجسد الأحلام واقعاً لـ«جودة الحياة» في السعودية

في ظل دعم لا محدود من قيادة البلاد لتحقيق مستهدفات «رؤية 2030»

أتاحت المواسم الترفيهية في السعودية مزيجاً من التجارب المحلية والعالمية استمتع بها الزوار من داخل وخارج البلاد (موسم الرياض)
أتاحت المواسم الترفيهية في السعودية مزيجاً من التجارب المحلية والعالمية استمتع بها الزوار من داخل وخارج البلاد (موسم الرياض)
TT

نقلات نوعية كبرى تجسد الأحلام واقعاً لـ«جودة الحياة» في السعودية

أتاحت المواسم الترفيهية في السعودية مزيجاً من التجارب المحلية والعالمية استمتع بها الزوار من داخل وخارج البلاد (موسم الرياض)
أتاحت المواسم الترفيهية في السعودية مزيجاً من التجارب المحلية والعالمية استمتع بها الزوار من داخل وخارج البلاد (موسم الرياض)

أينما تتجه داخل السعودية، تجد مجتمعاً كريماً ومضيافاً تستشعر معه سمات الاستمتاع بالحياة والشعور بالتفاؤل والرضا، في ظل ما أولته قيادة البلاد من اهتمام ورعاية لتحسين سبل العيش وزيادة فرص العمل والترفيه مع تحديد مؤشرات ومعايير علمية لقياس مدى تطبيق الجهات التي توكل لها المشاريع المعنية بـ«جودة الحياة».

ومنذ إطلاق برنامج «جودة الحياة» عام 2018، كأحد برامج «رؤية السعودية 2030»، أسهم البرنامج في تحويل البلاد إلى وجهة للفعاليات الرياضية والترفيهية العالمية التي حققت شهرة واسعة، جعل منها نقطة جذب سياحية إقليمية ودولية، في الوقت الذي حققت فيه السعودية المركز الثاني عالمياً في نسبة نمو عدد السياح الوافدين خلال الشهور السبعة الأولى من عام 2023.

مكنت «رؤية 2030» من تجسيد الأحلام واقعاً يعيشه السعوديون والمقيمون والزوار على حد سواء في البلاد (واس)

ويأتي برنامج «جودة الحياة» ضمن 12 برنامجاً أنشأته الحكومة السعودية للعمل على تحقيق رؤيتها التي ترتكز على 3 محاور هي «مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح»، وهو أقرب البرامج إلى المواطنين والمقيمين والزائرين المعني بتلبية احتياجاتهم وتحسين نمط حياتهم.

ومكنت «رؤية 2030» من تجسيد الأحلام واقعاً ومستقبلاً يعيشه السعوديون والمقيمون والزوار على حد سواء في البلاد، بعدما تضافرت كل الجهود لخلق نوعية حياة أفضل، من خلال تهيئة واستحداث مجموعة من الخيارات المتنوعة في جميع القطاعات، وتعزيز مشاركة الفرد والمجتمع في الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية، والتمتع بحياة صحية مفعمة بالنشاط، وتطوير مناطق حضرية أكثر ملاءمة للعيش، وابتكار قطاعات واعدة، وتوفير الفرص الاقتصادية والاستثمارية التي تساهم في تنويع فرص العمل، وتحسين الحياة في جميع المدن السعودية.

تزخر مناطق السعودية بمقومات طبيعية وتمتاز بإرث حضاري منذ آلاف السنين (واس)

وحقق برنامج «جودة الحياة»، وفقاً لتقريره السنوي لعام 2023، نقلات نوعية في جميع القطاعات التي تندرج تحت مظلته، والمرتبطة بالمشهد الحضري والقطاع الأمني وقطاعات الثقافة والتراث، والرياضة، والسياحة، والترفيه والهوايات، مسجلاً إنجازات وأرقاماً قياسية؛ إذ حقق 22 مؤشر نسبة إنجاز تجاوزت أكثر من 100 في المائة، مساهماً بـ400 مليون دولار (1.5 مليار ريال) في الناتج المحلي، إضافة إلى تقدم البرنامج في تنفيذ 127 مبادرة متنوعة، بالتعاون الوثيق مع 17 جهة تنفيذية.

وقال أحمد الخطيب، وزير السياحة السعودي رئيس لجنة البرنامج، عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس» إن تقرير برنامج «جودة الحياة» لعام 2023 يؤكد الدعم اللامحدود من القيادة السعودية لتحقيق «رؤية 2030» والمستهدفات والطموحات في جميع قطاعات البرنامج، وتابع: «بتعاون شركائنا سنكمل مسيرتنا نحو تطلعات وطننا... مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح».

عمل برنامج «جودة الحياة» على تحسين نمط حياة الفرد وبناء مجتمع حيوي (واس)

وسلط التقرير الضوء على حجم الجهود المبذولة لمستقبل يتسم بجودة حياة ترقى بمواطني ومقيمي وزوار السعودية من خلال توفير الخيارات المتنوعة وتطوير الأنظمة ورأس المال البشري وبناء وتطوير البنية التحتية، ولفت التقرير إلى مساهمة البرنامج في تمكين مختلف القطاعات ودعمها، التي نتج عنها اتفاقيات وشراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي، وتسويق عدد من الفرص الاستثمارية، وتنفيذها مشاريع متنوعة تسهم في تحقيق مستهدفات جودة الحياة بقيمة تصل إلى 213.3 مليون دولار (800 مليون ريال).

وفيما يتعلق بتحسين المشهد الحضري، حققت مؤشرات ومستهدفات البرنامج تقدماً ملحوظاً؛ حيث زاد معدل نصيب الفرد من مساحات الأماكن العامة بنسبة 132 في المائة، ليصل نصيب الفرد إلى 6.61 متر مربع، فيما بلغ عدد الحدائق 8328 حديقة، كما وصل عدد الملاعب إلى 5515 ملعباً و222.9 مليون متر مربع من المساحات الخضراء، إلى جانب الارتقاء بجودة الخدمات، والاهتمام بأنسنة المدن ومعالجة التشوهات البصرية، وتطوير الطرق، وتعزيز التحول الرقمي في القطاع البلدي.

حقق برنامج «جودة الحياة» نقلات نوعية في جميع القطاعات التي تندرج تحت مظلة البرنامج (واس)

وفي الرياضة شهد العام الماضي ارتفاعاً بنسبة 37 في المائة في عدد الأشخاص الممارسين للأنشطة الرياضية والبدنية أسبوعياً، متجاوزاً المعدل المستهدف بنسبة 103 في المائة في الوقت الذي سجلت تراخيص المنشآت الرياضية الخاصة ارتفاعاً وصل إلى 3039 ترخيصاً، كما ارتفع عدد الأماكن التي تنفذ فيها الفعاليات والبرامج الرياضية إلى 2.793 موقعاً.

وفي قطاع الترفيه جرى دعم الفعاليات العالمية وتأهيل الكوادر البشرية عبر مجموعة من البرامج التدريبية والتعليمية، ومنها برامج منتهية بالتوظيف لـ600 مستفيد، وتدريب 90 من قادة الترفيه، ولدعم وتحفيز الاستثمارات أطلقت مسرعات الترفيه، مجموعة من الأنشطة منها احتضان 28 مشروعاً ناشئاً، وعلى صعيد المؤشرات فقد زاد عدد الأماكن الترفيهية إلى 584، متجاوزاً المستهدف بنسبة 169 في المائة بمؤشر «نسبة مساحة المولات بالمتر المربع على الفرد»، محققاً قفزة نوعية بنسبة 0.68 متر مربع للشخص، متجاوزاً المستهدف بنسبة 183 في المائة. في حين وصل عدد أندية الهواة إلى 569 متجاوزاً المستهدف بنسبة 142 في المائة.

جانب من إحدى الفعاليات العالمية ضمن موسم الرياض الترفيهي (موسم الرياض)

وفيما يتعلق بقطاع السياحة فقد شهد قفزات نوعية هامة؛ حيث تم تسجيل أكثر من 100 مليون زيارة سياحية مع نهاية عام 2023، أي قبل 7 أعوام من المدة المحددة مسبقاً لتحقيق هذا الهدف محققاً الهدف الاستراتيجي المسند إلى برنامج «جودة الحياة» (تطوير قطاع السياحة)، ليرفع مستهدف 2030 إلى 150 مليون زيارة سياحية، بينما بلغ حجم إنفاق السياح أكثر من 66.6 مليار دولار (250 مليار ريال)، منها 36 مليار دولار (135 مليار ريال) للسياح الوافدين.

وتم العمل كذلك على العديد من الحلول المبتكرة والتطبيقات الإلكترونية؛ إذ حققت هذه المبادرات العديد من الإنجازات ضمن مشروع تطوير منظومة البيانات السياحية، بالإضافة إلى إتاحة فرص التدريب والتأهيل في القطاع للشباب السعودي من الجنسين.

وشهد القطاع الثقافي تقدماً كبيراً في المشاريع الإنشائية والبرامج التدريبية والتأهيلية في دعم القطاع الثقافي؛ حيث زاد عدد الموظفين السعوديين في القطاع الثقافي إلى 216.878 موظفاً، بنسبة بلغت 201 في المائة عن المستهدف، ووصل عدد المنشآت الثقافية المكتملة إلى 45 منشأة، كما ارتفع عدد أيام الفعاليات الثقافية إلى 3934 يوماً.

عمل برنامج «جودة الحياة» على تحسين سبل العيش وزيادة فرص العمل والترفيه (واس)

كما تم افتتاح مجموعة من المتاحف، واكتملت أعمال التأهيل والترميم لعدد من المواقع التاريخية، منها قصر القشلة بحائل، وقصر الملك عبد العزيز، وموقع جرش، وتشغيل المراكز الحرفية في المدينة المنورة، وتبوك، والأحساء، إضافة إلى تسجيل موقع محمية بني معارض في قائمة التراث العالمي «اليونسكو».

وسجل عام 2023 تقديم دعم كبير لتطوير وتأهيل الكوادر السعودية الثقافية، من خلال عدد من البرامج التعليمية والتأهيلية والتدريبية، كما أقام المعهد الملكي للفنون عدداً من البرامج والمبادرات التعليمية والتدريبية التي استفاد منها أكثر من 4 آلاف شخص، كما أعلن عن إطلاق شركة «حرف» السعودية التي تطمح لتوفير فرص عمل للحرفين.

يتطلّع برنامج «جودة الحياة» للتأثير في رفاهية السعوديين والمقيمين وجودة حياتهم (واس)

 


مقالات ذات صلة

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

يوميات الشرق المباني القديمة في محافظة وادي الفرع (الشرق الأوسط)

«وادي الفرع»... ذاكرة التاريخ والعيون الجارية التي لم تغادرها القوافل

قبل أن تُرسم الطرق الحديثة على خرائط الجزيرة العربية، وقبل أن تختصر السيارات المسافات بين المدن، كانت الأودية هي الممرات، وكانت العيون الجارية هي محطات الحياة.

سعيد الأبيض (الرياض)
خاص وزير التنمية الاقتصادية خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى سان بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (المنتدى)

خاص وزير الاقتصاد الروسي لـ«الشرق الأوسط»: موسكو شريك موثوق للسعودية

أكد وزير التنمية الاقتصادية في روسيا الاتحادية، مكسيم ريشيتنكوف، ارتياح بلاده لمستوى تطوُّر العلاقات الاستراتيجية مع السعودية.

رائد جبر (موسكو)
عالم الاعمال «مجموعة أباريل» تتعاون مع «الهيئة السعودية للسياحة» ضمن «حملة صيف السعودية - صيفنا على كيفنا»

«مجموعة أباريل» تتعاون مع «الهيئة السعودية للسياحة» ضمن «حملة صيف السعودية - صيفنا على كيفنا»

أعلنت «مجموعة أباريل»؛ الشركة الرائدة في قطاع الأزياء ونمط الحياة، عن تعاونها مع «الهيئة السعودية للسياحة» بصفتها شريكاً رئيسياً ضمن حملة «صيف السعودية 2026».

الاقتصاد المكتب المخصص لأولى رحلات «طيران ناس» المتجهة من الرياض إلى ميلانو (طيران ناس)

الرياض ترتبط مباشرة بميلانو عبر رحلات جديدة من «طيران ناس»

أعلن «طيران ناس» عن تسيير رحلات مباشرة تربط العاصمة السعودية الرياض بمدينة ميلانو الإيطالية، وذلك بالتعاون مع «برنامج الربط الجوي»، و«الهيئة السعودية للسياحة».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في العاصمة الرياض (صندوق الاستثمارات العامة)

«بوينغ دريملاينر» ستحلّق بأول مسافري «طيران الرياض» في يوليو

يدخل «طيران الرياض»، الناقل الوطني الجديد، المملوك بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، المشهد الجوي العالمي من بوابة العاصمة البريطانية، لندن.

بندر مسلم (الرياض)

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
TT

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)

برحيل الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن عمر ناهز 88 عاماً في العاصمة البريطانية لندن، يفقد عالم الفن أحد أبرز رموزه وأكثرهم تأثيراً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. فقد اشتهر هوكني بألوانه النابضة بالحياة، وأسلوبه التشخيصي المميز، ونهجه التجريبي المبتكر في الفنون البصرية، وأسهم في إعادة الاعتبار للفن التمثيلي في فترة هيمنت فيها المدارس التجريدية على المشهد الفني. وقد ترك خلفه إرثاً فنياً امتد لأكثر من 6 عقود من الإبداع والتجديد.

مقابلة مع ديفيد هوكني أمام لوحته «المجموعة الخامسة» (رويترز)

وُلد هوكني في 9 يوليو (تموز) 1936 بمدينة برادفورد في مقاطعة يوركشاير لأسرة من الطبقة العاملة، وبرزت موهبته الفنية منذ طفولته. وبعد دراسته في مدارس فنية محلية، التحق بالكلية الملكية للفنون في لندن عام 1959، حيث تأثر إلى حد كبير بأعمال بابلو بيكاسو، وطوَّر أسلوباً خاصاً جمع بين التجريب الفني والموضوعات المألوفة.

شكّلت زيارته إلى نيويورك عام 1961 محطة مهمة في مسيرته، إذ عززت انجذابه إلى الولايات المتحدة التي رآها أكثر تحرراً اجتماعياً من بريطانيا آنذاك.

وسرعان ما اتسعت شهرته خلال ستينات القرن الماضي. وبعد زيارته لوس أنجليس عام 1964، استلهم من ضوء المدينة الساطع، وأحواض السباحة، وأسلوب الحياة المريح فيها عدداً من أشهر أعماله، من بينها لوحات جسدت أجواء جنوب كاليفورنيا، ورسخت مكانته بوصفه أحد أبرز الفنانين الذين وثّقوا هوية المنطقة بصرياً.

هوكني أمام لوحتيه «لاعبو الورق رقم 3» و«لاعبو الورق الأكبر» خلال عرض صحافي لمعرضه «الرسم والتصوير» في لندن (أ.ف.ب)

وبرز فن البورتريه بوصفه أحد أهم مجالات إبداعه وأكبر إنجازاته. ففي أواخر الستينات وأوائل السبعينات أنجز سلسلة من البورتريهات المزدوجة الشهيرة التي صوّرت أصدقاءه وجامعي الأعمال الفنية وشخصيات ثقافية بارزة، وجمعت بين الدقة والملاحظة البصرية والعمق النفسي، كاشفةً عن علاقات معقدة بين الموضوعات.

وعُرف هوكني بشغفه الدائم بتجربة وسائط وتقنيات جديدة طوال مسيرته الفنية. ففي مطلع سبعينات القرن الماضي بدأ إنتاج أعمال فوتوغرافية مركبة بأسلوب الكولاج، تجمع صوراً متعددة في تكوين واحد مستلهماً أفكار المدرسة التكعيبية. وتحدّت هذه الأعمال المنظور الأحادي التقليدي من خلال تقديم الموضوعات من زوايا مختلفة في الوقت نفسه، قبل أن يطوّر لاحقاً هذه الأفكار في لوحات طبيعية واسعة مستوحاة من ريف يوركشاير.

هوكني خلال تقديم معرضه «منظور أوسع» في متحف غوغنهايم بمدينة بلباو الإسبانية عام (إ.ب.أ)

كما عارض هيمنة منظور عصر النهضة التقليدي، معتبراً أن الفن ينبغي أن يمنح المشاهد تجربة أكثر انغماساً وتفاعلاً. واستلهم رؤيته من الفن التكعيبي واللفائف التصويرية الصينية التي تقدِّم أكثر من منظور داخل العمل الواحد، وهو اهتمام ظل حاضراً في مجمل إنتاجه الفني.

ولم تقتصر إنجازاته على الرسم، إذ حقق نجاحاً ملحوظاً في تصميم الديكورات والأزياء المسرحية لعدد من العروض المسرحية والأوبرالية، من بينها أعمال لمهرجان غليندبورن وأوبرا متروبوليتان، حيث نالت تصميماته إشادة واسعة بفضل ألوانها الجريئة وطابعها التشكيلي المبتكر.

الملك تشارلز الثالث يتحدث مع الفنان خلال مأدبة غداء لأعضاء وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام بلندن (إ.ب)

ومع تقدمه في العمر، أصبح من أبرز المدافعين عن الفن التشكيلي، وانتقد المؤسسات التي فضّلت الفن التجريدي. كما روّج لنظريات مثيرة للجدل حول استخدام فناني عصر النهضة للأدوات البصرية في إنتاج أعمالهم. ونشر عام 2001 كتابه «المعرفة السرية»، الذي استعرض فيه اعتماد كثير من الفنانين التاريخيين على المرايا والعدسات لإنتاج تأثيرات بصرية واقعية.

ورغم الجدل الذي أحاط ببعض آرائه، ظل هوكني فناناً غزير الإنتاج على نحو استثنائي. فقد عمل في مجالات الحفر والطباعة والتصوير الفوتوغرافي ورسوم الغرافيك الحاسوبية والرسم الرقمي، وكان من أوائل الفنانين الذين تبنوا الأدوات الرقمية خلال حقبة الثمانينات. كما استخدم لاحقاً جهاز «آيباد» وسيلةً إبداعية لإنتاج العديد من الأعمال الفنية الرقمية حتى السنوات الأخيرة من حياته. وعكست رغبته المستمرة في تبني الوسائل التكنولوجية الحديثة فضوله الدائم ورفضه أن يُقيَّد بالحدود الفنية التقليدية.

وأمضى هوكني معظم حياته متنقلاً بين بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا. ورغم حبه لصحبة الأصدقاء والمتعاونين، كان يفضل في كثير من الأحيان البيئات الهادئة التي تساعده على التركيز في عمله. وخلال سنواته الأخيرة واجه صعوبات متزايدة في التواصل الاجتماعي بسبب ضعف السمع، لكنه ظل نشيطاً وواصل العمل والإبداع رغم تراجع حالته الصحية.

الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا تُقلّد الفنان وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام (رويترز)

كما حظيت مسيرته بتقدير عالمي واسع من خلال معارض كبرى وتكريمات عدَّة. وعلى الرغم من رفضه وسام الفروسية عام 1990، فإنه قبل لاحقاً وسام الاستحقاق البريطاني، أحد أرفع الأوسمة في المملكة المتحدة. كما استضافت مؤسسات عالمية مرموقة معارض لأبرز أعماله، من بينها «متحف تيت»، و«متحف المتروبوليتان للفنون»، و«مركز بومبيدو»، في حين ضمَّ معرضه الكبير الأخير في «مؤسسة لوي فويتون» بباريس أكثر من 400 عمل فني، مستعرضاً الاتساع الاستثنائي لمسيرته المهنية.

واصل هوكني خلال السنوات الأخيرة من حياته الرسم من مرسمه في لندن رغم القيود الجسدية التي فرضها التقدم في العمر. وظل متمسكاً بشغفه الفني ومخلصاً للفن حتى النهاية، محافظاً على مكانته بوصفه مبتكراً تحدَّى باستمرار القواعد الفنية السائدة من دون أن يتخلَّى عن اهتمامه بالإنسان وتفاصيل الحياة اليومية.

هوكني في معرض «الرسم والتصوير» بغاليري «آنيلي جودا للفنون الجميلة» في لندن (إ.ب.أ)

ويبقى إرث هوكني مرتبطاً ليس بإنجازاته التقنية والفنية فقط، بل أيضاً بقدرته على تصوير الألفة، والمشاعر الإنسانية، والحياة اليومية بصدق وعمق. وهذا الجمع بين التفوُّق الفني والبصيرة الإنسانية سيظل أحد أبرز إسهاماته الراسخة في تاريخ الفن الحديث.

* خدمة «نيويورك تايمز»


توموهيكو إيتو: «حارس شجرة الكافور» رحلة من العزلة إلى الأمل

عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)
TT

توموهيكو إيتو: «حارس شجرة الكافور» رحلة من العزلة إلى الأمل

عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم في نيويورك ضمن فعاليات مهرجان «ترايبيكا» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الياباني توموهيكو إيتو إنّ الفكرة الجوهرية التي تُحرّك فيلم الرسوم المتحركة الجديد «حارس شجرة الكافور» تتمحور حول تأكيد الوجود الذاتي ومنح الإنسان شعوراً بأنّ له مكاناً حقيقياً ينتمي إليه في هذا العالم المعاصر، مؤكداً أنّ الفيلم يعالج قضايا الشباب الذين يعانون العزلة الشديدة، وضياع الهوية والبوصلة الشخصية في المدن الحديثة الكبرى.

وقال المخرج الياباني لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «صناعة هذا العمل كانت محاولة جادّة ومُلحّة لملامسة الفراغ الوجودي والوحدة القاتلة اللذَين قد يدفعان بعض الشباب إلى الانزلاق في طريق الجريمة والانحراف نتيجة استغلال ظروفهم الصعبة من قبل بعض الجماعات»، مشيراً إلى أنّ الفنّ السينمائي والرسوم المتحركة وسيلتان مثاليتان لفهم تفاصيل معاناتهم والبحث عن سبل حقيقية لإنقاذهم من هذا الاغتراب النفسي والاجتماعي الحاد.

وأضاف أنّ رحلة البطل «رايتو» تعكس رحلة جيل كامل من الشباب الياباني، بل ربما من شباب العالم كلّه، وهو جيل يجد نفسه فجأة أمام متطلبات واقع قاسٍ دون أن يمتلك الأدوات النفسية أو الدعم الأسري الكافي للتعامل معه. ولذلك فإنّ الانتقال من حالة الضياع والجريمة إلى حالة المسؤولية ورعاية كائن حيّ وقديم مثل الشجرة يُمثّل عملية تطهير روحي وإعادة بناء للشخصية من الصفر.

المخرج الياباني توموهيكو إيتو يعالج ضياع الهوية لدى الشباب (الشركة المنتجة)

وعدَّ إيتو أنّ هذا النمط السينمائي يُقدّم نموذجاً مُلهماً لكيفية تحويل الطاقة السلبية الناتجة عن الإحباط والفشل إلى طاقة إيجابية مثمرة من خلال العثور على غاية أسمى للوجود، مؤكداً أنّ «الأمل ليس وهماً نبيعه للجمهور، بل ضرورة حتمية للبقاء والاستمرار، وأنّ دور الفنّ يتلخّص في فتح النوافذ المُغلقة وإضاءة العتمة التي قد تحيط بمصائر كثير من البشر في لحظات ضعفهم الإنساني».

وتدور قصة فيلم الرسوم المتحركة «حارس شجرة الكافور» حول الشاب «رايتو» الذي يجد نفسه وحيداً ومتخبطاً في شوارع العاصمة طوكيو بعد الخسارة التي ألمَّت به بوفاة والدته، ممّا يقوده إلى سلسلة من القرارات الخاطئة والوقوع في شرك العزلة، حتى ينتهي به المطاف خلف قضبان السجن من دون أي أمل في المستقبل. قبل أن تتغيَّر حياته بشكل جذري ومفاجئ حين يتدخّل محامٍ يمثّل عائلة ذات نفوذ ليعرض عليه صفقة فريدة للنجاة، شرط أن يتولّى مهمة غامضة ومقدّسة تتمثَّل في أن يصبح الحارس الرسمي لشجرة كافور أثرية عملاقة تقع في قلب ضريح شهير يحيطه الغموض.

وحظي الفيلم، المقتبس عن الرواية الأكثر مبيعاً للكاتب الياباني الشهير كيغو هيغاشينو، التي يحمل الفيلم اسمها، بعرضه العالمي الأول في منطقة أميركا الشمالية ضمن مهرجان «ترايبيكا» السينمائي الدولي بمدينة نيويورك في نسخته الأحدث.

الفيلم مقتبس عن رواية شهيرة تحمل الاسم نفسه (الشركة المنتجة)

وأكد توموهيكو إيتو أنّ الحفاظ على روح الرواية الأصلية مع إعادة تفسيرها سينمائياً كان يُمثّل موازنة دقيقة جداً، فأعاد صياغة بعض المحاور الأساسية لتتناسب مع لغة السينما، من دون الابتعاد عن الجوهر الفكري والأخلاقي الذي خطَّه الكاتب هيغاشينو، مشيراً إلى أن الإبقاء على أحداث الفيلم في العصر الحديث وفي بيئة واقعية حال دون الانحراف البصري المبالغ فيه نحو الفانتازيا المُطلقة.

وأوضح المخرج أنّ التحدّي الأكبر كان يكمن في كيفية نقل المشاعر الداخلية المعقّدة والصامتة للشخصيات وتحويلها إلى لغة بصرية سينمائية، من دون الاعتماد المباشر على الحوارات الطويلة أو الشروحات السردية المباشرة، وهو ما تطلَّب جهداً استثنائياً من فريق التحريك لضبط خطوط الواقعية وجعل الرسوم تفيض بالروح والحياة في كلّ لقطة وحركة، مشيراً إلى أنّ «التفاصيل الدقيقة، مثل حركة العينين والتنفس والانحناءات الجسدية الطفيفة، كانت الأدوات الأساسية التي مكَّنت الفيلم من ملامسة قلوب الجمهور من دون الحاجة إلى ثرثرة نصّية قد تُضعف القيمة الجمالية للعمل»، وفق تعبيره.

وتطرَّق إيتو إلى الرؤية الجمالية التي اعتمدها في تصوير العاصمة اليابانية، موضحاً أنه تجنَّب السقوط في فخ المقارنة التقليدية بين برود المدينة العصرية ودفء الريف، بل عمد إلى «تقديم طوكيو في بداية الفيلم على أنها بيئة موحشة وباردة تعجّ بالبشر والمباني الشاهقة وتعكس مشاعر البطل المنكسر، ثم تبدأ هذه الخلفيات الحضرية بالتحوّل التدريجي، لتصبح أكثر تقبلاً للأمل والتغيير الإيجابي كلّما تعمق (رايتو) في فهم علاقته بالشجرة والضريح، وفي تنقّله المستمر بين صخب المدينة وهدوء الطبيعة الأثري»، وفق قوله.

يأمل المخرج أن يُعيد الفيلم الاهتمام بالعلاقات العائلية (الشركة المنتجة)

وأكد المخرج أنّ الصمت لعب دوراً جوهرياً في بناء هذا العالم السينمائي؛ إذ يرى أنّ «الأنمي» يكتسب روحه وحياته من خلال الحركة وإعطاء الوجود الفيزيائي للشخصيات حتى في اللحظات التي لا يتحدّثون فيها، مما يمنح المُشاهد فرصة لاستشعار التاريخ الممتدّ والحزن الدفين الذي تحمله الشخصيات تحت السطح، مشيراً إلى أنّ السينما الحقيقية هي تلك التي تجعل من الفراغات الصوتية مساحة تفاعلية تتيح للمتلقّي أن يُسقط مشاعره وتجاربه الخاصة على الحيّز البصري المعروض أمامه.

وأعرب المخرج الياباني توموهيكو إيتو عن أمله في أن يترك الفيلم أثراً إنسانياً وعاطفياً عميقاً في نفوس الجماهير بمختلف ثقافاتهم وخلفياتهم عند مغادرتهم قاعات العرض السينمائي، مؤكداً أنه صرَّح للجمهور الياباني سابقاً بأنّ الهدف الأسمى للفيلم هو جعل المُشاهد يشعر برغبة عارمة في الاتصال بوالديه أو عائلته فور انتهاء العرض للاطمئنان عليهم وسماع أصواتهم.


3 عادات غير مريحة تقودك إلى نجاح طويل الأمد

الناجحون يُدركون أن تخصيص الوقت لما هو مهم يتطلب بالضرورة التخلي عن بعض الخيارات الأخرى (بيكسلز)
الناجحون يُدركون أن تخصيص الوقت لما هو مهم يتطلب بالضرورة التخلي عن بعض الخيارات الأخرى (بيكسلز)
TT

3 عادات غير مريحة تقودك إلى نجاح طويل الأمد

الناجحون يُدركون أن تخصيص الوقت لما هو مهم يتطلب بالضرورة التخلي عن بعض الخيارات الأخرى (بيكسلز)
الناجحون يُدركون أن تخصيص الوقت لما هو مهم يتطلب بالضرورة التخلي عن بعض الخيارات الأخرى (بيكسلز)

يدرك معظمنا أن النجاح لا يتحقق من دون تضحيات، لكن ما لا يُدركه كثيرون هو أن جوهر هذه التضحيات لا يكمن في الجهد وحده، بل في القرارات الصعبة والمشاعر غير المريحة التي تصاحبها. فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بحجم الإنجاز، بل بقدرتك على تحمّل ما يتطلبه الطريق من صبر وانضباط واختيارات قد تبدو غير مريحة على المدى القصير.

في هذا السياق، تشير دوري كلارك، مؤلفة كتاب «اللعبة الطويلة: كيف تكون صاحب تفكير استراتيجي في عالم سريع التغير»، والتي أمضت أكثر من عقد في تدريس برامج التعليم التنفيذي، إلى أن ما يُميز أصحاب الأداء العالي حقاً هو استعدادهم لاتخاذ قرارات صعبة تُبنى على رؤية طويلة المدى. والتحدي الأكبر لا يكمن في إنجاز المهام بحد ذاته، وإنما في القدرة على تحمّل الشعور بعدم الارتياح الذي تفرضه تلك المهام، خاصة على المستوى العاطفي. ومع ذلك، فإن مواجهة الأسئلة الصعبة ومصارحة الذات تبقى من أهم مفاتيح تحقيق نجاح مستدام.

فيما يلي ثلاثة أمور غير مريحة، لكن الأشخاص الأكثر نجاحاً يُبدون استعداداً للقيام بها، وفقاً لشبكة «سي إن بي سي»:

1. رفض الفرص الجيدة

يُدرك الناجحون أن الوقت مورد محدود، وأن تخصيصه لما هو مهم يتطلب بالضرورة التخلي عن بعض الخيارات الأخرى، حتى وإن بدت مغرية. فإفساح المجال للفرص المميزة يعني، في المقابل، رفض فرص جيدة لكنها لا تخدم الأهداف بعيدة المدى.

وتروي كلارك تجربة شخصية عندما تلقت دعوة للإقامة لمدة أسبوع في منزل أحد الزملاء في توسكانا، وهي فرصة جذابة بكل المقاييس. غير أن توقيتها تزامن مع فترة حساسة تسبق إطلاق كتاب لصديقة لها، ما دفعها -على مضض- إلى رفض الدعوة. ورغم إمكانية محاولة الجمع بين الأمرين، أدركت أن ذلك كان سيؤدي إلى تجربة مرهقة وغير مُرضية.

وللمساعدة في اتخاذ القرار، يمكن طرح الأسئلة التالية:

- على مقياس من 1 إلى 10، ما مدى حماسي لهذه الفرصة؟

- إلى أي حد يمكن أن تُحدث فرقاً في مسيرتي المهنية؟

- ما الذي سأضطر للتخلي عنه أو تأجيله إذا وافقت؟

وغالباً ما يقع كثيرون في فخ القبول عندما يكون مستوى الحماس متوسطاً (6 أو 7 من 10)، فيملأون جداولهم بالتزامات عادية تحجب عنهم فرصاً أكثر قيمة.

2. الاستمرار في تطوير المهارات حتى في غياب الاهتمام

يلعب تشجيع الآخرين دوراً مهماً في تحفيز الاستمرار، لكن الاعتماد عليه وحده قد يكون عائقاً. فحين تبدأ مشروعاً جديداً أو تسعى لاكتساب مهارة، قد لا تجد اهتماماً أو دعماً كافياً من المحيطين بك، ما يجعل الالتزام أكثر صعوبة.

في مثل هذه الحالات، قد يتسلل إليك التساؤل: «من سيلاحظ إن توقفت؟» لكن الحقيقة أن الاستمرارية هي العامل الحاسم في تحقيق التقدم، سواء كنت تعمل على تحسين مهارات الكتابة، أو تطوير قدراتك في الخطابة، أو تعلم البرمجة.

ورغم أن التقدم في البداية قد يبدو بطيئاً ومحبِطاً، فإن المثابرة تُثمر مع الوقت عن خبرة أعمق، وتفتح أبواباً لفرص جديدة، كما تساعدك على بناء شبكة علاقات داعمة. صحيح أن العمل في صمت قد يكون موحشاً أحياناً، لكنه يحمل في طياته تراكماً تدريجياً قادراً على إحداث تحول حقيقي في حياتك.

3. الاعتراف بتغير الأهداف أو الهوية

من أصعب التحديات التي قد يواجهها الإنسان هو الاعتراف بأن أهدافه أو تطلعاته قد تغيرت. فكثيراً ما يكون من الأسهل التمسك بصورة قديمة عن الذات، خاصة إذا كانت مرتبطة بجهد طويل أو إنجازات سابقة.

لكن الاستمرار في طريق لم يعد يعكس ما تريده حقاً قد يكون أكثر تكلفة من التغيير نفسه. لذلك، فإن القدرة على مراجعة الذات بصدق، واتخاذ قرار بتعديل المسار عند الحاجة، تُعد من أهم سمات الأشخاص الناجحين.

فالتغيير لا يعني التخلي عن الماضي، بل هو تعبير عن نضجك واستيعابك لما يناسبك في مرحلتك الحالية. وكلما كان اتخاذ هذا القرار مبكراً، زادت فرصك في توجيه طاقتك نحو ما يحقق لك الرضا والنجاح الحقيقي.