«عام الإبل»... مبادرة سعودية تعزز القيم الثقافية الفريدة لأبناء الجزيرة العربية

تاريخ وثقافة وماضٍ أصيل أبرزتها فعاليات متنوعة محلياً وعالمياً

تجربة استثنائية يجدها الزائر في جناح وزارة الثقافة بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (الشرق الأوسط)
تجربة استثنائية يجدها الزائر في جناح وزارة الثقافة بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (الشرق الأوسط)
TT

«عام الإبل»... مبادرة سعودية تعزز القيم الثقافية الفريدة لأبناء الجزيرة العربية

تجربة استثنائية يجدها الزائر في جناح وزارة الثقافة بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (الشرق الأوسط)
تجربة استثنائية يجدها الزائر في جناح وزارة الثقافة بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (الشرق الأوسط)

تحتفي السعودية في كل عام بعنصر مميز من العناصر الثقافية؛ وتعرّف بقيمته ودلالته، عبر مبادرات وبرامج متنوعة، من بينها تسمية عام 2024 «عام الإبل» احتفاء بالقيمة الثقافية الفريدة التي تُمثّلها «سفينة الصحراء» في حياة أبناء الجزيرة العربية منذ القدم وحتى اليوم، وتأصيلاً لمكانتها، وتعزيزاً لحضورها محلياً وعالمياً، عبر كثير من الفعاليات والأنشطة الثقافية والأدبية والترفيهية والرياضية، تتولى وزارة الثقافة تنفيذها بالتعاون مع شركائها.

وتمثل الإبل رمزاً أصيلاً في تاريخ الجزيرة العربية الذي ارتبطت به ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً على مر العصور، فحضرت بكامل تفاصيلها في حياة الإنسان اليومية، منذ اعتماده على معطيات الطبيعة بشكل أكبر وحتى دخوله في دائرة دول العالم الكبرى اقتصادياً، وتطور المجتمع مع الحياة العصرية، مع محافظته على قيمه وعاداته وتقاليده.

جانب من جناح وزارة الثقافة السعودية للتعريف بـ«عام الإبل» في «معرض الكتاب» بالمدينة المنورة (الشرق الأوسط)

ارتباط وثيق

وتملك السعودية تاريخاً عريقاً يزخر بالتفرد والتنوع في موروثه العريق وعناصره الثقافية الأصيلة التي تعدّ مصدراً للفخر والاعتزاز بين أبنائها، وتشكل بالنسبة إليهم جزءاً لا يتجزأ من هويتهم الوطنية التي تمزج الأصالة بالحداثة في تناغم مثير، توارثوه وقدموا من خلاله للعالم نموذجاً فريداً لتجربة ثقافية ثرية وإرثاً تاريخياً عريقاً.

جانب من الترحيب بزوار جناح «عام الإبل» بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (واس)

مبادرات تعزز القيمة الثقافية

ودشنت وزارة الثقافة السعودية مطلع العام الحالي كثيراً من الأنشطة والمبادرات في عدد من المناطق للاحتفاء بـ«عام الإبل» وإبرازها بوصفها أحد الشواهد الحية في حياة الإنسان السعودي منذ سنواتٍ طويلة؛ ولشرح نشوء العلاقة بين الإنسان وبيئته في قالب ثقافي، ضمن جهودها للاحتفاء في كل عام برمز ثقافي محدد وتسليط الضوء على جذوره وقيمه وعناصره الثقافية الأصيلة داخل المجتمع، ومن ثم إبرازها للعالم.

وعبر 7 أركان داخل جناح وزارة الثقافة السعودية في منطقة «سيتي ووك»؛ إحدى مناطق «موسم جدة الترفيهي»، يعايش الزوار من داخل وخارج المملكة تجربة فريدة يتعرفون عبرها على القيمة الحضارية للإبل، والعادات المرتبطة بها، والموروث التاريخي العريق الذي تمثله، مع إلقاء الضوء على أهمية الإبل الاقتصادية، وإمكاناتها الفريدة، وتعزيز فرص التبادل الثقافي الدولي المرتبط بهذا الموروث.

زائرة للمعرض تشارك في لعبة تفاعلية لتحديد أسماء الإبل بجناح وزارة الثقافة بمنطقة «سيتي ووك» بجدة (الشرق الأوسط)

ويوفر الجناح ركناً جمالياً مبهراً لمجسمات بالحجم الطبيعي للإبل في مراحلها العمرية المختلفة، وكسوة وزينة الإبل المتعارف عليها، ويدمجها مع ديكورات تراثية وأزهار الخزامى البرية فتحاكي الطبيعة التي تعيش فيها الإبل. وفي الداخل يخوض الزائر تجربة استثنائية يتعرف فيها؛ عبر جداريات مضيئة من الخشب والأكريليك باللغتين العربية والإنجليزية، على أهداف وسبب تسمية 2024 «عام الإبل». بعدها يخوض الزائر تجربة صوتية استثنائية تمكنه من التعرف على أصوات الإبل التي شكلت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للإنسان.

ومن خلال شاشة تفاعلية؛ يوفر الجناح لرواده تجربة بصرية فريدة من نوعها لاستعراض أبرز النقوش التاريخية المرتبطة بالإبل والتي توجد في عدد من مناطق السعودية، كما يتعرف على أبرز أسماء الإبل ‏التي زخرت بها معاجم اللغة العربية منذ القدم. وعبر ‏«ركن مزيونة» يستكشف الزوار عوالم من الثقافة والفنون والتراث، ويشاركون في لعبة تفاعلية شيقة، يطلعون عبرها على أبرز الأمثال التي ذُكرت بشأن الإبل في رفقتها الطويلة للإنسان ووفائها الشديد له.

تجربة سماع أصوات الإبل حظيت بإقبال كبير (الشرق الأوسط)

يقول فهد شاهين، أحد المرشدين في جناح وزارة الثقافة في «سيتي ووك» بجدة، لـ«الشرق الأوسط» إن الجناح يشهد يومياً إقبالاً مزداداً من مختلف الجنسيات والأعمار من الراغبين في خوض التجربة الصوتية المتعلقة بسماع أصوات الإبل والاطلاع على المنحوتات الصخرية والتعرف على أسماء الإبل وزينتها.

وشمال مدينة جدة، وتحديداً في المدينة المنورة، يقدم جناح «عام الإبل» في معرض الكتاب، الذي دشن الثلاثاء، محتوىً معرفياً عن الإبل، يشمل خصائصها، وأسماءها، وقيمتها التاريخية، عبر تصميم ثلاثي الأبعاد، يدعو الزوار إلى التفكر في هذا المخلوق العجيب الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الجزيرة العربية وثقافتها؛ حيث يمنح الجناح تجربة استثنائية للزوار للتعرف على الجوانب المتعلقة بالإبل، ويستعرض سلالات الإبل المختلفة في السعودية، ويبيّن ما تتميز به كل سلالة.

جانب من جناح «عام الإبل» المشارك في «معرض الكتاب» بالمدينة المنورة (الشرق الأوسط)

 

مشاركات متعددة واهتمام متواصل

وشاركت السعودية في تدشين «السنة الدولية للإبليّات - 2024» التي أطلقتها «منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)»، وذلك تتويجاً لجهودها الحثيثة في الاهتمام بقطاع الإبل، وانطلاقاً من أهميته في تحقيق مستهدفات الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي. ولتكريس الاهتمام بالإبل وبيان ارتباطها بالحياة الثقافية، والاجتماعية، والاقتصادية، أطلقت وزارة الثقافـة بالتعاون مع وزارة البيئة والمياه والزراعة أخيراً منحـة «دراسات الإبل» التي تُغطي 6 مجالات رئيسية مرتبطة بالإبل.

المعرض السعودي الذي أقيم على هامش «السنة الدولية للإبليّات» في روما نال إعجاب الجميع بما عكسه من تنوع وإبهار (واس)

كما شاركت السعودية في «مسيرة الإبل» التي أقيمت بالعاصمة الفرنسية باريس في أبريل (نيسان) الماضي تحت مظلة «المنظمة الدولية للإبل»، وبرعاية وزارة الثقافة و«نادي الإبل» في المملكة، لتسليط الضوء على قيمة الإبل بصفتها رمزاً ثقافياً لا يزال يحظى بمكانةٍ كبيرةٍ، إلى جانب توعية الرأي العام بالقيمة الاقتصادية والثقافية للإبل في حياة الشعوب، وتعزيز التبادل الثقافي الدولي بوصفه أحد أهداف الاستراتيجية تحت مظلة «رؤية السعودية 2030».

مسيرة فخر واعتزاز لـ«نادي الإبل» السعودي بمناسبة «اليوم الوطني الـ93»... (واس)

يذكر أن السعودية خطت خطوات مهمة لتطوير كل ما يتعلق بالإبل، وزيادة الوعي المجتمعي بأهميتها ودورها في توفير الغذاء والمعيشة لأصحابها ومربيها، وتشجيع زيادة الإنتاج، والعمل على محاربة الأمراض والأوبئة التي تفتك بها وتحصينها دورياً، إلى جانب تحسين تسويق منتجات الإبل لرفع مدخولات المُربّين وتحسين مستويات معيشتهم، والتعاون مع الهيئات الدولية في تطوير وتحديث كل ما يتعلق بأنظمة وقوانين ممارسة الأنشطة المتعلقة بالإبل.

جانب من مشاركة السعودية في «مسيرة الإبل» بالعاصمة الفرنسية باريس إلى جانب أكثر من 30 دولة (واس)

 


مقالات ذات صلة

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

الخليج يضم المعرض مطاراً متكاملاً بمدرج يبلغ طوله 2700 متر مزوداً بـ4 ممرات للطائرات وساحات عرض واسعة (الشرق الأوسط)

معرض الدفاع العالمي ينطلق غداً في الرياض وسط توسّع المشاركات الدولية

تستعرض شركات الصناعات الدفاعية والعسكرية أحدث ما توصلت إليه من تقنيات ومنظومات متقدمة، وذلك في معرض الدفاع العالمي 2026، الذي ينطلق غداً في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان والوزيرة تانيا فاجون عقب توقيعهما مذكرة التفاهم في ليوبليانا الجمعة (الخارجية السعودية)

السعودية وسلوفينيا توقِّعان اتفاقية تعاون عامة

أبرمت السعودية وسلوفينيا اتفاقية تعاون عامة لتعزيز التعاون بينهما في مختلف المجالات، وتكثيف العمل المشترك.

«الشرق الأوسط» (ليوبليانا)
الخليج عناصر الأمن الباكستاني يبعدون الناس عن موقع الانفجار في إسلام آباد الجمعة (أ.ب)

السعودية تدين استهداف مسجد في إسلام آباد

أدانت السعودية واستنكرت بشدة، الجمعة، التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجداً في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وأدى لسقوط عدد من القتلى والجرحى.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى رسالة من رئيس المالديف

تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية، من الرئيس المالديفي محمد معز، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تكامل جدة والطائف كنموذج يجمع بين الموروث البحري والهوية الزراعية والتنوع الثقافي (موقع المعهد)

جدة والطائف تنالان لقب «منطقة طهي عالمية 2027»

فازت «جدة والطائف» في السعودية بلقب «منطقة فنون طهي عالمية» لعام 2027، الذي يُمنح للمناطق المنضمة إلى منصة المعهد الدولي لفن الطهي والثقافة والفنون والسياحة.

«الشرق الأوسط» (جدة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.