كيف ترى واشنطن احتمالات التصعيد في لبنان؟

استبعاد رسمي للحرب الشاملة... وتوقعات بـ«استنزاف مستمر»

الجيش اللبناني يصل قرب موقع الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
الجيش اللبناني يصل قرب موقع الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
TT

كيف ترى واشنطن احتمالات التصعيد في لبنان؟

الجيش اللبناني يصل قرب موقع الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)
الجيش اللبناني يصل قرب موقع الغارة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

شدد مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون، تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، على استبعاد شبح حرب شاملة في المنطقة بعد غارة إسرائيلية على بيروت، عصر الثلاثاء، استهدفت الرجل الثاني في «حزب الله» اللبناني فؤاد شكر.

وقال مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط»، طلب عدم نشر اسمه لحساسية المعلومات التي ناقشها، إن إسرائيل أخطرت الولايات المتحدة مسبقاً بالضربة في جنوب بيروت وتم إرسال الرسالة عبر قنوات أمنية وتبادل بعض التفاصيل العملياتية المحدودة. لكنه لم يفصح عن مستوى هذه التفاصيل، وما إذا كانت هناك ضربات أخرى متوقعة على لبنان.

«ثمن باهظ»

وتوقع دنيس روس، مستشار «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» والمنسق الأميركي السابق لعملية السلام الشرق الأوسط، أن تسعى إسرائيل إلى «ثمن باهظ» لسقوط الصاروخ الذي أدى إلى مقتل 12 طفلاً في مجدل شمس في الجولان.

وقال في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن واقعة مجدل شمس «تخطت كل الخطوط لأنها لم تكن تستهدف أي هدف عسكري من قريب أو بعيد، وسواء ادعى (حزب الله) أنه كان عملاً خاطئاً أم لا، فمن الطبيعي والمتوقع أن ترد إسرائيل. وما رأيناه من استهداف في لبنان، يؤكد أنها سترد على حزب الله وسيكون هناك ثمن باهظ».

تجمع قرب موقع الغارة الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

وشدد روس على أن «إسرائيل تريد القيام بضربة انتقامية قوية لكن دون الانجرار إلى حرب شاملة»، مستبعداً أن يكون هذا القصف الإسرائيلي بداية لتوسيع الصراع إلى حرب شاملة. وأضاف أن الهجوم الإسرائيلي «كان محدداً ودقيقاً للغاية وهي طريقة ترسل بها إسرائيل رسالة قوية إلى (حزب الله)».

وعن الرد المتوقع من جانب «حزب الله» على هذه الضربة الإسرائيلية، قال روس: «سبق أن استهدفت إسرائيل أحد قادة (حزب الله) في بيروت ورد (حزب الله) بوابل من الصواريخ. لكن رغم عددها الكبير، إلا أنها كانت محدودة جغرافياً، واستهدفت مناطق كانت مستهدفة من قبل، ولم يكن لها خسائر كبيرة وكانت الرسالة للإسرائيليين إنكم فعلتم شيئا نعتقد أنه يتطلب منا الرد، وما نقوم به يشير إلى أننا لا نريد توسع الصراع».

وأوضح أن «كلا الجانبين استخدم القوة، وأتوقع أنهما سيتفهمان هذه الضربات المتتابعة التي لها هدف محدد دون رغبة في التصعيد». وقال: «سنرى ما الذي سيقدم عليه (حزب الله) من رد فعل وما إذا كان سيستمر في الهجوم ضد إسرائيل حتى انتهاء الحرب في غزة».

«حرب استنزاف مستمرة»

ولا يختلف تقييم الدبلوماسي المخضرم أرون ديفيد ميللر، المفاوض السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط ونائب رئيس مركز «كارنيغي»، الذي يرى أن «التصعيد ليس حتمياً».

تصاعد الدخان فوق قرية الخيام الحدودية بعد قصف إسرائيلي الثلاثاء (رويترز)

وقال ميللر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن الإدارة الأميركية تحاول كبح جماح الخطاب اليمني الإسرائيلي حول التصعيد وإبقاء الأهداف الإسرائيلية في إطار إيذاء (حزب الله) دون إشعال حرب إقليمية».

وأوضح أن «الإسرائيليين أطلقوا عملية مصممة لاستهداف الرجل الثاني الأكثر أهمية لحسن نصر الله، ولم ينصتوا لوجهة نظر الإدارة الأميركية بعدم الضرب في بيروت، والسؤال - سواء تم تأكيد مقتل فؤاد شكر أم لا - هو كيف سيستجيب (حزب الله) لضرب إسرائيل لبيروت، وما إذا سيتم الرد دون تصعيد كبير، فما يملكه من أسلحة عالية الدقة يجعل الأمور على المحك، واتوقع انها ستكون حرب استنزاف مستمرة».

ولفت ميللر إلى أنه حتى لو توصلت إسرائيل وحركة «حماس» إلى اتفاق لوقف النار، فإن «حدود إسرائيل ولبنان ستظل غير محسومة، مع ما يمتلكه (حزب الله) من ترسانة تضم أكثر من 150 ألف صاروخ، وأعتقد أنه يتعين علينا أن نعتاد على حقيقة أن هاتين حربا استنزاف ولا توجد لهما نهايات مرتبطة أو أنيقة».

غير أن الدبلوماسي المخضرم شدد على أن «الأمر يعتمد على حسابات إسرائيل الدقيقة لأن المعركة مع (حزب الله) على طول الحدود لن تتوقف».

وأشار إلى أن «ايران لا تريد رؤية (حزب الله) مدمراً، إذا انحرف الأمر إلى مواجهة كبرى بين إسرائيل والحزب تتضمن مقتل المئات، إن لم يكن الآلاف، من الإسرائيليين واللبنانيين، وهجمات على البنية التحتية، فمن الصعب أن نتخيل أن إيران يمكن أن تبقى بعيدة، وعلينا أن نامل أن ما فعله الإسرائيليون يرسل رسالة قوية وأن إسرائيل لا تريد صعود سلم التصعيد».

دعم رسمي لإسرائيل

على المستوى الرسمي، جاء أول تعليق من نائبة الرئيس كامالا هاريس التي قالت للصحافيين، مساء الثلاثاء: «أريد أن أتحدث عما حدث خلال الساعات الماضية في الشرق الأوسط، وأن أكون واضحة للغاية بشأن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وأنا أؤيد بشكل لا لبس فيه حق إسرائيل في الدفاع عن أمنها ضد المنظمة الإرهابية حزب الله». وأضافت: «مع كل ما حدث لا يزال يتعين علينا العمل لإيجاد حل دبلوماسي لإنهاء هذه الهجمات وسنواصل القيام بهذا العمل».

المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض الثلاثاء (ا.ب)

وقالت كارين جان بيير، المتحدثة باسم البيت الأبيض، للصحافيين بعد وقت قصير من وقوع الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية: «نحن على علم بالتقارير التي تفيد بأن الجش الإسرائيلي نفذ للتو ضربة في لبنان».

وأضافت: «علينا أن نستمر في التفاؤل، وأعتقد أنه من المهم التوصل إلى حل دبلوماسي ولا نريد أن نرى تصعيداً. لا نعتقد أن الحرب الشاملة أمر لا مفر منه ونعتقد أنه لا يزال من الممكن تجنب ذلك».

وأشار فيدانت باتيل، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إلى أن الولايات المتحدة في نقاشات مستمرة مع الإسرائيليين واللبنانيين وستواصل دعم الجهود الرامية للتوصل إلى حل دبلوماسي على طول الخط الأزرق الحدودي، مؤكداً الدعم الأميركي «القوي والثابت» لإسرائيل.

لكن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أدلى بتصريحات رفعت من مستوى القلق بقوله إن الولايات المتحدة ستساعد إسرائيل في الدفاع عن نفسها في حال اندلاع حرب شاملة مع «حزب الله» في لبنان. وتزامنت هذه التصريحات مباشر مع تقارير - لم يتم التأكد منها - تحدثت عن تحركات لبوارج حربية أميركية في طريقها إلى السواحل اللبنانية.


مقالات ذات صلة

من يقود «حزب الله» بعد اغتيال إسرائيل قادته وكوادره؟

المشرق العربي قاسم سليماني وحسن نصر الله وعماد مغنية في لافتة على مبنى بالضاحية الجنوبية لبيروت بالقرب من موقع غارة إسرائيلية بحارة حريك (أرشيفية - إ.ب.أ)

من يقود «حزب الله» بعد اغتيال إسرائيل قادته وكوادره؟

لم تكن الضربات الإسرائيلية المتتالية التي طالت البنية القيادية لـ«حزب الله» خلال السنوات الأخيرة مجرد خسارة أسماء بارزة...

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس خلال مؤتمر صحافي مشترك عقب اجتماعهما في أثينا باليونان (إ.ب.أ)

الرئيس اللبناني من أثينا: الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح مساران متلازمان

أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لبنان حسم خياره لجهة معالجة أزمتي الاحتلال الإسرائيلي والسلاح خارج سلطة الدولة بـ«التلازم والتزامن والتوازي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

الرئيس اللبناني يرفض تحويل الجنوب «ورقة تفاوض»

جدّد رئيس الجمهورية جوزيف عون التزامه الكامل بحصرية السلاح الشرعي بيد الدولة اللبنانية، وبسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية.

كارولين عاكوم (بيروت)
خاص جنود في «اليونيفيل» ينفذون دورية راجلة قرب السياج الحدودي مع إسرائيل في جنوب لبنان (يونيفيل)

خاص بري لـ«الشرق الأوسط»: البديل لـ«اليونيفيل» قوة تحت علم الأمم المتحدة

أكد بري أن الاتفاقات الثنائية بين لبنان وإسرائيل ليست البديل عن الحضور الدولي في الجنوب، طالما أن الأخيرة ترفض ما توصل إليه البلدان بموجب «اتفاق الإطار»

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي عنصر في الجيش اللبناني فوق آلية عسكرية على مدخل مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين جنوب بيروت (أرشيفية - إ.ب.أ)

إيران تضع سلاح «حماس» وحلفائها في لبنان في سلة عتاد «حزب الله»

بالتوازي مع تعثر مسار معالجة سلاح «حزب الله»، يتراجع الحديث عن السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، بعدما كانت عملية سحبه قد بدأت فعلياً العام الماضي.

بولا أسطيح (بيروت)

بعد 14 عاماً على إغلاقها... الدنمارك تعيد فتح سفارتها في دمشق

خلال مشاركة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ووزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في العاصمة دمشق بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا (سانا)
خلال مشاركة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ووزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في العاصمة دمشق بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا (سانا)
TT

بعد 14 عاماً على إغلاقها... الدنمارك تعيد فتح سفارتها في دمشق

خلال مشاركة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ووزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في العاصمة دمشق بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا (سانا)
خلال مشاركة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني ووزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن في مراسم افتتاح سفارة مملكة الدنمارك في العاصمة دمشق بحضور عدد من رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا (سانا)

أعادت الدنمارك، الاثنين، فتح سفارتها في دمشق، وفق ما أفادت وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا)، بعد 14 عاماً على تعليق كوبنهاغن أنشطتها الدبلوماسية في سوريا.

وأوردت «سانا»: «بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، وزير الخارجية الدنماركي لارس لوك راسموسن يعيد افتتاح سفارة بلاده في دمشق بعد انقطاع 14 عاماً».

وقال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بعيد افتتاح السفارة الدنماركية في تصريحات نقلتها «سانا»، إن هذا «فصل جديد يكتب في العلاقات السورية الدنماركية»، مضيفاً: «هذه الخطوة تشجع بقية الدول الأوروبية على الاستثمار في سوريا وانتهاج النهج نفسه»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأغلقت العديد من الدول الأوروبية سفاراتها في دمشق، وقطعت علاقتها الدبلوماسية مع حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد بعد القمع الدامي للاحتجاجات الشعبية التي اندلعت ضدّه وتحوّلت إلى نزاع طال أكثر من 13 عاماً.

وبعد إطاحة الأسد أواخر عام 2024، تحاول السلطات الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إعادة ترميم علاقات سوريا مع الغرب والدول الأوروبية التي تستضيف مئات الآلاف من السوريين الذين تركوا بلدهم بسبب الحرب، من بينها الدنمارك.

واتخذت بعض الدول الأوروبية خطوات دبلوماسية تجاه دمشق في العامين الأخيرين. وفي يوليو (تموز)، وخلال زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، أعلن الشرع عن اتفاق على بدء تبادل السفراء في وقت قريب بعدما أقفلت السفارة الفرنسية أبوابها منذ عام 2012، عقب اندلاع النزاع السوري.

وبعد إطاحة الحكم السابق، عيّنت فرنسا قائماً بالأعمال في دمشق، من دون أن تفتح أبواب سفارتها بعد.

وفي مارس (آذار) 2025، أعادت برلين رسمياً فتح سفارتها في دمشق تزامناً مع زيارة لوزيرة الخارجية حينها، كما عاودت السفارة الإيطالية نشاطها في دمشق.

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، رفعت إسبانيا علمها فوق مقر سفارتها في دمشق، بحضور وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، بعد نحو 13 عاماً من تعليق مدريد أنشطتها الدبلوماسية في سوريا.

وأعلنت لندن في يوليو 2025 إعادة علاقاتها الدبلوماسية الكاملة مع سوريا تزامناً مع زيارة لوزير خارجيتها إلى دمشق.

وكانت تركيا من أولى الدول التي تعيد فتح سفارتها في دمشق عقب إطاحة الأسد بعد إغلاقها منذ عام 2012، تلتها قطر.


إسرائيل تلقت 4 ضربات كبيرة في سوريا... والخامسة قادمة

صورة أرشيفية لرفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين بالسويداء
صورة أرشيفية لرفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين بالسويداء
TT

إسرائيل تلقت 4 ضربات كبيرة في سوريا... والخامسة قادمة

صورة أرشيفية لرفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين بالسويداء
صورة أرشيفية لرفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع صورة الشيخ حكمت الهجري من قِبل الموالين بالسويداء

قالت صحيفة عبرية إن اتفاق الحكومة السورية مع تنظيم «قسد» الذي يقضي بحل هيكله العسكري ودمج عناصره في مؤسسات الدولة، يقوض استراتيجية إسرائيل القائمة على الاستفادة من الانقسامات الداخلية في سوريا.

وترتفع أصوات في تل أبيب حتى في صفوف اليمين الحاكم بضرورة تغيير الاتجاه الإسرائيلي الحالي، الذي ما زالت فيه حكومة بنيامين نتنياهو تتعامل بعدائية مع حكومة دمشق، وذلك في أعقاب التطورات الجديدة في سوريا، تسوية الصراع مع الأكراد ودمجهم في الوطن بالكامل، وفشل فكرة انفصال الطائفة العربية الدرزية التي طرحها الشيخ حكمت الهجري، والمعارضة الأميركية لتمزيق البلاد إلى مناطق نفوذ، وتعزيز نهج الحفاظ على سوريا موحدة.

وبحسب الكاتب د. تسفي برئيل، في صحيفة «هآرتس»، الاثنين، عند سقوط نظام الأسد اعتبرت إسرائيل الأكراد والدروز ركيزة استراتيجية يمكنها تقويض فكرة سوريا الموحدة التي تخضع لسيطرة نظام «جهادي» مدعوم عسكرياً وسياسياً من تركيا. وقد عززت إسرائيل هذا التصور من خلال تشجيع التعاون العسكري بين الأكراد في سوريا وبعض الميليشيات الدرزية في محافظة السويداء في الجنوب، والمعارضة المشتركة التي قامت بها هاتان المجموعتان ضد النظام السوري الجديد في بدايته.

صورة نشرتها «السويداء 24» لعناصر «الحرس الوطني» (الهجري) على دوار العنقود في مدينة السويداء يمنعون الطلاب من التوجه إلى مراكز الامتحانات بريف السويداء

وأدت التوترات الطائفية في السويداء يوليو (تموز) 2025، والتي تسببت في قتل 1700 شخص، معظمهم من الدروز، وقبل ذلك مواجهات الساحل مع أبناء الطائفة العلوية، إلى خلق تحالف طائفي يقوم على الخوف، الأمر الذي عزز التصور الذي شجعت عليه إسرائيل. وحسب هذا الرأي ينبغي إحاطة النظام السوري بجدران طائفية تقلل من قدرته على السيطرة على كل البلاد، وتجعل إسرائيل لاعبة رئيسية في الساحة السياسية في سوريا.

مظلوم عبدي وإلهام أحمد مع الرئيس الشرع (متداولة - «فيسبوك»)

وذكرت «هآرتس» أن إسرائيل تلقت 4 ضربات كبيرة في سوريا، هي: اندماج «قسد» في الدولة السورية الذي أنهى مشروع التقسيم، ورفع سوريا عن قوائم الدول الداعمة للإرهاب الذي أسقط سردية السلطة الإرهابية، وتراجع شعبية الشيخ الهجري في السويداء جعل ورقة السويداء غير فاعلة، وتدفق الاستثمارات إلى سوريا، وهي عناصر ستزيل عنها صفة الدولة الفاشلة، كما أن هناك مشاريع كبيرة انتقلت من إسرائيل إلى سوريا مثل مشروع مد الألياف الضوئية.

أما الضربة الخامسة فقادمة على الطريق، وهي تتعلق بقرار الولايات المتحدة فتح السفارة الأميركية في دمشق قريباً.

بناءً على ذلك، يقول برئيل، وكما كان متوقعاً، وصف المبعوث الأميركي لسوريا، توم براك، الذي يعد مهندس الاتفاق مع الأكراد، الإعلان عن حل القوات الكردية بأنه «خطوة تاريخية».

بعد استكمال توحيد البلاد. ومن دون الأكراد أصبحت الاستراتيجية الإسرائيلية تعتمد على موطئ قدم الدروز في محافظة السويداء. وقال الزعيم الروحي البارز حكمت الهجري، مؤخراً، إن الدروز يرون أنفسهم جزءاً من دولة إسرائيل، و«يشاركونهم نفس المعتقد». ولكن حتى هو نفسه لا يمكنه الجزم بأن الولايات المتحدة لن تملي على إسرائيل تغيير سياستها، وتأمرها بالتوقف عن التدخل في عملية الاندماج السورية التي يقودها براك بتوجيه من ترمب، وتحت تأثير من تركيا والسعودية وقطر.

السبت الماضي، تلقى الهجري ضربة لمشروعه، إذ عُقد في قرية بين جن الدرزية التي تقع في الجليل الأعلى داخل إسرائيل، مؤتمر بمبادرة ناشطين بارزين في (الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل) بمشاركة العشرات. وتناول المشاركون قضيّة الهويّة والانتماء لدى العرب الدروز ومحاولات التطاول عليها في ظلّ الأزمة السوريّة وآثارها الإقليميّة عربيّاً وعلى التجمّعات الدرزيّة في المنطقة.

مؤتمر بمبادرة «الحركة الوطنيّة في الجولان المحتلّ والحركة التقدّمية للتواصل» في بيت جن بالجليل الأعلى (مواقع عربية في إسرائيل)

وجاء في البيان الختاميّ في معرض توضيح دواعي عقد اللقاء: «تأتي الدعوة إلى هذا اللقاء... في لحظة استثنائية فرضتها التطورات المتسارعة في سوريا، لا سيما المجازر التي شهدتها محافظة السويداء، وما خلّفته من تداعيات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت آثارها إلى الدروز في كل أماكن وجودهم، بالتوازي مع تدخل إسرائيلي متزايد ومحاولات واضحة لتوظيف هذه الأحداث في إعادة صياغة موقع الدروز وعلاقتهم بمحيطهم الوطني والعربي».

مظلوم عبدي يعلن حل «قسد» من قصر الشعب (سانا)

وقرر المجتمعون رفض مشروع الهجري، وجاء في بيانهم الختامي: «يدين المشاركون بأشدّ العبارات تصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي زعم فيها أن الدروز (جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل)، وأن بينهم وبينها اشتراكاً (حتى في العقيدة)»، ويرون فيها خطاباً منفلتاً يكشف جهلاً فادحاً بموروث عقيدة التوحيد وتاريخ الدروز وهويتهم العربية الإسلامية. إن الزجّ بالعقيدة في تبرير الارتباط بإسرائيل ليس سوى محاولة بائسة ومشينة لاسترضاء رعاته الإسرائيليين، وتوظيف الدين في خدمة مشروع سياسي يتقاطع مع مخططات الاحتلال والتفتيت. وقد آن الأوان لوضع حدّ لهذا النهج الذي قاده الهجري ومجموعته، بعدما عاثوا فساداً في المشهد، وحوّلوا أهل السويداء إلى رهينة لغاياتهم وحساباتهم السياسية، مقامرين بمصير الجبل وأهله.

وأعلن المشاركون إدانتهم القاطعة وبراءتهم التامة من هذه المواقف ومن كل من يتبناها أو يروّج لها، مؤكدين أنها لا تمثل الدروز ولا عقيدتهم ولا تاريخهم وانتماءهم الوطني والعربي، وأن أصحابها وحدهم يتحملون مسؤوليتها وتبعاتها».

واختتم د. تسفي برئيل، مقاله في الموضوع السوري، قائلاً: «إن حل القوات الكردية ليس فقط تسوية داخلية في سوريا، بل هو أيضاً بمنزلة إنذار لإسرائيل؛ فالسياسة التي تعتمد على الأقليات وعلى وقف دمشق وعلى الأمل في تقسيم سوريا، أصبحت الآن تتعارض بشكل مباشر مع الواقع الإقليمي والخط الأميركي. وإذا أرادت إسرائيل الحفاظ على نفوذها فيجب عليها التخلي عن وهم التفكيك، وأن تبدأ في النظر للنظام السوري، ليس فقط كعدو، بل أيضاً كشريك محتمل في التسوية».


بري يرفض «المناطق العازلة» ويحذر من التفاوض «تحت النار»

رئيس البرلمان نبيه بري متحدثاً في  الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس البرلمان نبيه بري متحدثاً في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بري يرفض «المناطق العازلة» ويحذر من التفاوض «تحت النار»

رئيس البرلمان نبيه بري متحدثاً في  الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس البرلمان نبيه بري متحدثاً في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، رفض إقامة أي «مناطق عازلة أو أحزمة أمنية» في جنوب لبنان، مشدداً على أن مسؤولية حماية الجنوب والدفاع عنه وإعادة إعمار ما دمرته الاعتداءات الإسرائيلية تقع على عاتق الدولة، في وقت جدد فيه رفض التفاوض المباشر مع إسرائيل «تحت النار»، قائلاً إن جولات التفاوض السابقة «لم تسفر عن أي نتيجة».

الجيش والوحدة الوطنية «خطوط حمراء»

وقال بري، في كلمة له في الذكرى الـ48 لتغييب الإمام موسى الصدر، إن «السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني خطوط حمراء، ممنوع تجاوزها، والمساس بها مرفوض تماماً»، مؤكداً التمسك بـ«مظلة الجيش اللبناني في الجنوب مع وجود قوات اليونيفيل».

ورفض «التشكيك في دور الجيش»، داعياً إلى «تأمين كل مقومات دعمه»، ومشدداً على أن «الجنوب جزء لا يتجزأ من لبنان، ومسؤولية حفظه والدفاع عنه إلى جانب أهله وإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي تقع على عاتق الدولة». وأضاف: «لن نقبل أن تكون هناك مناطق عازلة أو أحزمة أمنية في الجنوب».

مواطنون يتفقدون أنقاض منزل دُمِّر جراء غارة جوية إسرائيلية يوم الخميس الماضي في قرية عرب صاليم بجنوب لبنان (أ.ب)

تحذير من التفاوض «تحت النار»

فيما يتعلق بالمسار التفاوضي مع إسرائيل، قال بري: «حذرنا من التفاوض المباشر مع إسرائيل تحت النار، بينما جولات التفاوض لم تسفر عن أي نتيجة».

وجدد موقفه من «اتفاق الإطار»، قائلاً: «نؤكد أننا مارسنا حقنا الديمقراطي في رفض اتفاق الإطار، وما زلنا على الموقف نفسه».

وأكد أن «المرحلة الراهنة بمخاطرها الوجودية على الجنوب وعلى لبنان لا تعطي أحداً حق التصرف بأي من العناوين السيادية تحت أي مسمى، سواء اتفاق إطار أو ملحقات سرية». وشدد كذلك على «رفض التنازل عن حق مقاضاة إسرائيل بجرائم الإبادة التي ترتكبها ضد جنوب لبنان».

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (د.ب.أ)

«مقاربة وطنية» للحرب مع إسرائيل

إلى ذلك، رأى بري أن الحرب مع إسرائيل «تتطلب مقاربة وطنية بعيداً عن أي حسابات مناطقية أو حزبية أو طائفية أو مذهبية»، محذراً من محاولات دفع لبنان نحو انقسامات داخلية.

وقال: «المطلوب إسرائيلياً ليس «حزب الله»، وليس سلاحه، ولا «حركة أمل»، ولا الطائفة الشيعية، بل إسرائيل تريد الفتنة»، مضيفاً أن «لبنان يمثل نقيضاً لعنصرية إسرائيل».

ودعا اللبنانيين إلى تجنب الصراعات الداخلية، قائلاً: «لا تضيعوا لبنان في حروب داخلية ولا في انقسامات أو سقطات سياسية أو أمنية قاتلة».

تمسك بـ«اتفاق الطائف»

وفي الشأن الداخلي، جدد بري تمسكه بـ«اتفاق الطائف»، مؤكداً أن «كل مخططات التقسيم والفيدرالية لا تتوافق مع هذا الاتفاق».

وتأتي مواقف بري في ظل نقاش سياسي داخلي متصاعد حول الملفات السيادية والأمنية ومستقبل الوضع في الجنوب، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والجمود الذي يطبع المسار التفاوضي.

دعم جهود التهدئة في الخليج

على المستوى الإقليمي، أكد بري «دعم وتأييد كل الجهود العربية والباكستانية لإنهاء التوتر وإرساء الاستقرار في منطقة الخليج». كما وجه «تحية لكل الدول الشقيقة والصديقة التي كانت وما زالت تقف إلى جانب لبنان».