بيت ضيافة لبناني ينتصر للمرأة المناضلة ويُشارك صوتها

صاحبه رفض التمييز ضدّ النساء وقدَّر معاناتهنّ منذ وعيه الأول

نساء مكرَّمات على جذوع الشجر (الشرق الأوسط)
نساء مكرَّمات على جذوع الشجر (الشرق الأوسط)
TT

بيت ضيافة لبناني ينتصر للمرأة المناضلة ويُشارك صوتها

نساء مكرَّمات على جذوع الشجر (الشرق الأوسط)
نساء مكرَّمات على جذوع الشجر (الشرق الأوسط)

أحبَّ اللبناني كمال فغالي الشخصيات المتمرّدة منذ الصغر، ولفتته النساء المناضلات لخوضهنّ غالباً تحدّياً أكبر من تحدّيات الرجل. كتاب نوال السعداوي، «الأنثى هي الأصل»، جعله يتوقّف جدّياً عند كفاح المرأة. كثَّف قراءاته عن التجارب النسوية واختلاف عناوين المعارك التي شُنَّت. وشغله سؤال: «إذا كان بعض المجتمعات لا يزال تقمع النساء حتى اليوم، فماذا نقول عن سيدات استطعن المجاهرة برفض الظلم قبل عقود؟ كنَّ رائدات ويستحققن من كلّ إنسان، ومن النساء اللواتي يعشن اليوم حرّيتهن، بأي شكل من الأشكال، أن يشكرهنّ. لذا اخترتُ (مشروع البيّاضة) لأوجّه تحية لهنّ. قلتُ، فليكن بمثابة ميدالية أودّ لو قدّمتها لكلّ منهن».

المكان تحية لنساء يسترحن على صفحات التاريخ (الشرق الأوسط)

يُشارك «الشرق الأوسط» حكاية الأشجار والبيوت والشوارع المؤدّية إلى المكان في بلدة جران بمنطقة البترون الوسطى المرتفعة 450 متراً عن سطح البحر؛ والمتّخذة جميعها أسماء نساء يسترحن على صفحات التاريخ. ليس التقدير الشخصيّ فحسب ما سرَّع تنفيذ فكرة شغلت صاحبها طويلاً، بل أيضاً رغبته في التعريف أكثر بهنَّ: «قد تكون محاولة للتحريض على الاقتداء بهنّ ولو بشكل غير مباشر. عندما تحلُّ هذه الأسماء في مكان سياحيّ يقصده بشر من توجّهات متنوّعة، لا بدّ أن يسأل زوّار عمّا تكون حكاية الشخصيات وماذا فعلت لنخصّها بالتسمية. اختيار الأسماء يُعزّز الهوية الثقافية ويُضيف بُعداً مُلهماً وتعليمياً لقاصدي المكان».

رغبة في تكريس أهمية النضال من أجل العدالة والمساواة (الشرق الأوسط)

يتيح الاحتفال بإرث النساء تكريس أهمية النضال من أجل العدالة والمساواة، مما يُغني التجربة السياحية ويُخرجها من كونها مجرَّد لقمة طيّبة واستراحة. يثق كمال فغالي بهذه الخلاصة، ويُكمل: «لذا حرصتُ على كتابة نبذة مختصرة عن كلّ شخصية، علّقتُ بعضها على جدران الغرف فيقرأها الضيف وربما يتأثّر. هذا الأمر دفعني إلى إجراء بحث موسّع عن النساء المناضلات حول العالم. قرأتُ عن نحو 5000 امرأة، واخترتُ التعمُّق في 1300 اسم. في المشروع فسحة سمّيتها (حديقة النسويات) أردتُها تكريماً لمقاماتهنّ. لا بدّ من الاعتراف بتوقّفي عند كلّ قصة متسائلاً: كيف فكَّرت هذه المرأة بهذا السياق الحداثي في ذلك الزمن؟ كيف قامت بما قامت به؟».

حرص كمال فغالي على كتابة نبذة مختصرة عن كلّ شخصية (الشرق الأوسط)

بذل كمال فغالي الجزء الأكبر من عقوده السبعة في القراءة والتتبُّع. طارد شغفاً لم يُهمده العُمر. نوعُه يتوهّج فمنبعه القضية ومُشعِله العدل الإنساني. قضيته إعلاء الصوت المؤثّر فلا يُحجَب أو يتلاشى. بل يسطع ويُواجه ويُغيِّر الأقدار. أطلق على الشارع الرئيسي المؤدّي إلى الدار «شارع نوال السعداوي»؛ مُلهمته الأولى والقلم المُحرِّك. توالت الأسماء: الأديبة مي زيادة، والنسوية اللبنانية زاهية قدّورة، والألمانية كلارا زتكن... يُخبر أنها أدّت دوراً في تنظيم النساء العاملات في النقابات، وأسّست عام 1891 صحيفة «المساواة» الطليعية لخطِّ مسار النضال الاجتماعي والسياسي بألمانيا. وفي 1932، عندما كان البرلمان في القبضة النازية، ألقت خطاباً أصبح وثيقة تاريخية لمقاومة الفاشية.

أسماء النساء تُضيف بُعداً مُلهماً لقاصدي المكان (الشرق الأوسط)

ويتحدّث عن الصحافية الأسترالية ليليان روكسون (1932-1973)، التي كتبت أول موسوعة لموسيقى الروك، واشتهرت على نطاق واسع في السبعينات بموقفها النسوي. ففي عام 1970، كتبت تقريراً عن مسيرة حقوق المرأة في نيويورك، نُشر في صحيفة «سيدني مورنينغ هيرالد»، وإليها نَسَبت المغنّية والممثلة هيلين ريدي الفضل في إدراكها للحركة النسوية وتوفير الزخم والإلهام لكتابة أغنيتها «أنا امرأة» التي أصبحت نشيد النساء المناضلات.

الرائدات مثل باقة، يحلو له شمَّها وردةً وردةً، لولا البُدَّ من الاختصار. يذكُر أنه في صغره، رأى دلال الأنثى في منزله، فكبُر على حقيقة أنّ المرأة قد لا تُوفَّق في زواجها، ويباغتها الحظّ برجل قهَّار، لذا وَجَب على عائلتها مدَّها بالمعاملة الحُسنى. في المقابل، لمح نساء يُعنَّفن في منازل أزواجهنّ، ولمّا يقصدن الأهل للحماية، يلقين الصدّ: «عودي إلى زوجكِ وأولادكِ. هذه مصائر المرأة». غضبه الداخلي أجَّجه الظلم، فشاء التصدّي: «أمضيتُ طفولتي أحلم بالإنصاف، وسنواتي أسعى من أجله. تطوّعتُ مع جمعيات نسوية لأفعل شيئاً. ثم خطرت لي فكرة إنشاء بيوت للضيافة بأسماء نسائية أعبِّر من خلالها عن وفائي لإنجازاتهنّ. لنحو 4 سنوات وأنا أقرأ بدوام كامل. بحثتُ ووسَّعتُ المعرفة. في المشروع مكتبة ضخمة تضمّ 25 ألف كتاب. هي دربي إليهنّ».

في المشروع مكتبة ضخمة تضمّ 25 ألف كتاب (الشرق الأوسط)

حصل على رخصة لإنشاء 22 منزلاً، أنجز منها 16 حتى الآن. لم يقطع شجرة، وإن اضطرَّ إلى إنشاء فتحة في السقف من أجلها. ويراعي البيئة باستعمال مواد مُعاد تدويرها. على تلك الأشجار، علَّق صور مناضلات. وكل جذع يحمل اسماً أثَّر. وفاء الرجال لعطاءات النساء لا يُثمَّن.


مقالات ذات صلة

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

يوميات الشرق الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة».

محمد الكفراوي (القاهرة )
رياضة عربية اللاعب المصري أحمد حسام «ميدو» (حسابه على فيسبوك)

توقيف وحبس نجل «ميدو» 15 يوماً بتهمة «حيازة مخدرات» يثير الجدل بمصر

قرر قاضي المعارضات بمحكمة جنح القاهرة الجديدة حبس نجل لاعب نادي الزمالك الأسبق والمنتخب المصري أحمد حسام الشهير بـ«ميدو» 15 يوماً على ذمة التحقيقات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محال تجارية تغلق أبوابها تنفيذاً لخطة ترشيد استهلاك الطاقة في مصر (محافظة الإسكندرية)

مصريون يواجهون «الإغلاق المبكر» بـ«تدوينات ساخرة»

«أندرتيكر داخل ولا إيه؟»... من وحي تميز المصارع الأميركي المعتزل بظاهرة إطفاء الأنوار وحلول الظلام الدامس مع دخوله صالة المنافسات، وصف مصريون الإغلاق المبكر.

محمد عجم (القاهرة )
يوميات الشرق لحظة يرى فيها العالم وجهاً آخر للجمال (أ.ب)

عارضات مُصابات بـ«متلازمة داون» يسرقن الأضواء في بوخارست

خطفت عشرات العارضات من ذوات «متلازمة داون» الأنظار، وهنَّ يتهادين على منصة عرض أزياء في العاصمة الرومانية...

«الشرق الأوسط» (بوخارست)
يوميات الشرق أجهزة الأمن كثَّفت حملات إلقاء القبض على بلوغرز (وزارة الداخلية)

توقيف «بلوغرز الرقص»... هل تهدد «السوشيال ميديا» قيم المجتمع المصري؟

في الآونة الأخيرة تزايدت وقائع القبض على صانعات محتوى على «السوشيال ميديا» بمصر للقيام بنشر مقاطع فيديو تتضمن مشاهد وألفاظ «خادشة للحياء».

محمد الكفراوي (القاهرة )

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
TT

«ينبوع الشباب» ... معرض عن الهوس بالعيش إلى الأبد

قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)
قطعة من العرض تمثل قصصاً شخصية لأشخاص مسنين (موقع المتحف)

في القاعة الأولى من معرض «بلوغ سن الرشد» في متحف «ويلكوم» في لندن، الذي يستكشف تجارب الشيخوخة وتصوراتها، تُعرَض سلسلة من 13 لوحة تُصوِّر أشخاصاً مُسنين إلى حدٍّ لا يُصدَّق. تُظهر لوحة محفورة من عام 1635، بعنوان «الرجل العجوز جداً»، توماس بار، وهو رجل ذو مظهرٍ ماكر، ادّعى أنه كان يبلغ من العمر 152 عاماً عند وفاته، ولا يزال يُستشهد بطول عمره غير المعقول في إعلانات حبوب مكافحة الشيخوخة في تسعينات القرن الـ19. وتُصوِّر لوحة محفورة أخرى زوجين من القرن الـ19، جون وسارة روفين، اللذين يبدوان رائعَين بالنسبة لعُمْريهما المزعومَين (172 و164 عاماً). ورغم ظهور بعض التجاعيد وانحناء ظهريهما، فإنهما لا يزالان نشيطَين ويرتديان تعبير بار الماكر والمتفاخر نفسه. جميع الشخصيات التي يُزعم أنها مُسنة في اللوحات كانت تحمل هذه الهالة.

لم يوضِّح النصُّ المعروض على الحائط ما إذا كانوا يكذبون عن عمد أم أنهم يعتقدون حقاً أنهم تغلبوا على الزمن. لكنه كان واضحاً في أمر واحد: «بالتأكيد، لم يعش أحد حتى يبلغ 164 أو 172 عاماً».

صور لأشخاص زعموا أنهم عاشوا أعماراً مديدة (جوانا يي - نيويورك تايمز)

ينبوع الشباب

لا مفر من هذا، لكن ذلك لم يمنع الناس قط من المحاولة. من بين أكثر من 120 قطعة معروضة في متحف «ويلكوم كوليكشن» - وهو متحف في لندن يربط بين العلوم والطب والفنون - أمثلة متنوعة على رغبة الإنسان ليس فقط في العيش لفترة أطول، بل في الحفاظ على شبابه: زجاجة مملوءة بماء من «ينبوع الشباب» في فلوريدا؛ إعلان من ثلاثينات القرن الماضي عن خصائص رقائق النخالة المضادة للشيخوخة؛ جهاز «الأشعة فوق البنفسجية». (وهو عبارة عن مجموعة من الأدوات الزجاجية الدقيقة تُوضع على الوجه، تحمل تيارات عالية التردد تُنتج توهجاً أرجوانياً خافتاً، ووعد صانعوها بإعادة الشباب مقابل مبلغ زهيد).

أدوات جهاز «الأشعة البنفسجية» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حلم تحقيق الخلود

لم يتقبل الناس فكرة أننا لا نبقى شباباً إلى الأبد، لكن يبدو أنَّ هناك قناعةً متناميةً بأننا قد نتمكَّن قريباً من شراء حلٍّ لهذه المشكلة برمتها. أبرز المتحدثين باسم هذا الاعتقاد هو برايان جونسون، المليونير التقني الذي يبدو أنه ينظر إلى عملية الشيخوخة على أنَّها انتهاك لحقه في التحكم بجسده. جونسون، مؤسِّس حركة «لا تموت»، كرَّس نفسه علناً لتحقيق الخلود، أو على الأقل، السعي إلى «إبطاء وتيرة شيخوخته إلى أدنى حد ممكن»، كما يقول في فيلم وثائقي حديث على «نتفليكس»، وذلك من خلال نظام غذائي صارم وبرنامج تمارين رياضية مكثف، ومراقبة دقيقة، وتدخلات طبية تجريبية، والتركيز التام على وقت النوم.

مقتطف من الفيلم الوثائقي «لا تموت: الرجل الذي يريد أن يعيش للأبد» (جوانا يي - نيويورك تايمز)

صرح في مقابلات صحافية بأنه بنى حياته بأكملها حول النوم، ونصح متابعيه بأن يعدُّوا أنفسهم «محترفين في النوم». عُرض مقتطف من الفيلم الوثائقي بشكل متكرر في متحف «ويلكوم»، يُفصّل نظامه الذي يُكلّفه مليوني دولار سنوياً: يتناول عشرات الحبوب، ويأكل الخضراوات بكميات كبيرة في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، ويستشير طبيبه، ويسأل أعضاءه الداخلية عمّا تحتاج إليه، ثم يخلد إلى النوم في الساعة 8:30 مساءً، وحيداً، دون استثناء. لا يبدو جونسون مُسناً - حتى إن منتقديه لا بد أنهم يلاحظون ذلك - لكنه لا يُشعّ شباباً أيضاً. أكثر من أي شيء آخر، بجسده المُشوّه وعينيه الجاحظتين الزجاجيتين، يبدو شخصيةً من لوحات الفنان الإيطالي من عصر النهضة برونزينو. صوّر برونزينو، رسام البلاط لدى آل ميديشي، رعاته الأثرياء بأسلوب مثالي مصطنع، جامد كالثلج، ببشرة كالرخام، حتى بدوا أقرب إلى أشكال خالدة منهم إلى بشر حقيقيين. يعيش الناس اليوم أعماراً أطول، لكن حياتهم لا تشبه الصورة التي تُروِّج لها حركة «لا تموت». فـ«الشيخوخة الصحية» لا تعتمد فقط على الخيارات الفردية، بل أيضاً على عوامل هيكلية كالطبقة الاجتماعية، والبيئة، وتوفُّر الرعاية الصحية، والتي تحدد طول العمر وكيفية قضاء هذه السنوات.

صور فوتوغرافية لكيميكو نيشيموتو «جدة السيلفي» التي اشتهرت في الثمانينات والتسعينات من عمرها بصورها الذاتية (جوانا يي - نيويورك تايمز)

حتى لو رغب معظم الناس في ذلك، لما استطاعوا تحمّل قضاء أيامهم في الاستعداد للنوم بجدّ. فالحياة الأطول قد تعني سنواتٍ أطول في مواجهة المرض أو الشعور بالوحدة. ليس هذا ما نرغب بالتفكير فيه. ففي وسائل الإعلام، غالباً ما تهيمن على النقاشات حول الشيخوخة شخصياتٌ مثل جونسون أو تحليلاتٌ ساخطة لما أجرته نساءٌ مشهوراتٌ على وجوههن. نفضّل عدم الخوض في الجوانب الطبيعية والصعبة للشيخوخة، أو التفكير فيما ستكون عليه حالنا عندما يحين ذلك الوقت.

لوحة «الرعاية» للفنانة باولا ريغو (جوانا يي - نيويورك تايمز)

يُكشف هذا التجنّب في لوحة «الرعاية» التي رسمتها الفنانة باولا ريغو بعد فترةٍ وجيزةٍ من إيداع والدتها دار رعاية المسنين. تنظر امرأةٌ مكتوفة الذراعين إلى المشاهد بنظرةٍ حزينةٍ متعبة، وربما لمحةٍ من العداء. تجلس على كرسيٍّ مع والدة الفنانة النائمة، نحيلةً وهزيلةً، تعتمد على ابنتها البالغة المحبة، التي تشعر بالذنب. ينتهي العرض بمشهد أشبه بمكتب سريالي للمفقودات، مليء بأشياء تُثير نقاشات حول واقع الشيخوخة اليوم، وما قد تكون عليه في المستقبل. تُعرَض سلسلة من المقابلات بشكل متكرِّر، وفي إحداها، يتحدَّث طبيب عن مرضاه. يقول: «من المثير للاهتمام أننا لا نستعد نفسياً بشكل كافٍ للشيخوخة. يبدو أننا نحمل تحيزاً كامناً ضد أنفسنا في المستقبل».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
TT

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)
أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات، وانتهت باكتشافه غير المتوقَّع في مكتبة محلّية يرتادها تابعة لمؤسّسة «أوكسفام».

وظلَّ بول ديكسون (66 عاماً) يبحث عن كتاب «فن إيونا الكلتي: أعمال ألكسندر ويوفيميا ريتشي» في طبعته التي نُشرت عام 2008. ويسجل الكتاب، وهو من تأليف ماري مكارثر ويقع في 80 صفحة، بشكل تأريخي وبترتيب زمني الحليّ المعقّدة وغيرها من الأعمال الفنّية اليدوية التي أبدعها ألكسندر ويوفيميا ريتشي، وباعاها، من متجرهما في جزيرة إيونا الذي تأسَّس عام 1899.

أصقل الفنانان مهاراتهما في كلية «غلاسكو» الراقية للفنون، وجعلا من الكتاب مرجعاً ضرورياً للمتحمّسين في حركة الفنون والأعمال الفنّية اليدوية التي تُعرف باحتفائها بالعمل الزخرفي الحرفي.

وفي هذا السياق، نقلت «الإندبندنت» عن ديكسون قوله إنّ رغبته في العثور على نسخة بدأت منذ 5 سنوات، وتزامنت مع وقت معرفته بوجود الكتاب للمرة الأولى. وأوضح: «أنا من أشدّ محبي الفنون والأعمال اليدوية وكلية (غلاسكو) للفنون، وأمتلك بعض المشغولات لألكسندر ريتشي، صانع الفضة والأشغال المعدنية الاسكوتلندي الشهير. وبمجرّد معرفتي بوجود الكتاب، شعرتُ بضرورة العثور على نسخة منه».

وشهدت رحلة بحثه المكتبات وبائعي الكتب النادرة في أنحاء المملكة المتحدة، بل وحتى تواصَلَ مع مكتبات في إيونا؛ الجزيرة الصغيرة النائية قبّالة الساحل الغربي لاسكوتلندا، طالباً منهم البحث عنه بين الكتب الموجودة على أرفف مكتباتهم. وأضاف: «بات الأمر سخيفاً قليلاً. كنت أستطيع إحضار كتب نادرة جداً من مختلف الأماكن، لكنّ هذا الكتاب الورقي الصغير، الذي نُشر خلال سنوات حياتي، قد راوغني كثيراً».

وأصبحت رحلة بحث ديكسون مثار الأحاديث في مكتبة «أوكسفام» التي كان من روّادها. وقال: «لقد تحوَّل الأمر إلى دعابة مستمرّة. وفي كلّ مرّة أدخل المكان، نتحدَّث عن الأمر. أعتقد أننا جميعاً قد بدأنا نتساءل عمّا إذا كان الكتاب موجوداً حقاً أم لا».

وبدت عملية البحث في نهايتها خلال نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، عندما وجد مدير المتجر، نيل باترسون، الكتاب بين مجموعة من الكتب المتبرَّع بها التي وردت إليه، وأوضح باترسون: «تحدّثنا عن ذلك الكتاب كثيراً. وعندما وَرَدَ، وضعنا لافتة على الواجهة الزجاجية نطلب فيها من بول المجيء لمعرفة ما إذا كان ذلك هو الكتاب المنشود الذي يبحث عنه».

مع ذلك، مضت أسابيع ولم يظهر ديكسون، وأضاف باترسون: «ظللتُ أتوقّع حضوره ودخوله من الباب، بل في وقت ما رأيته خارج المتجر يعقد رباط حذائه، وكنتُ أعمل مع زبائن ولم أتمكن من مناداته. وعندما نظرت مرة أخرى كان قد رحل. وبدأنا نتندَّر على الأمر، وقلتُ إنه أشبه بإعلان دليل (يلو بيدجز) الذي تظهر به شخصية (جيه أر هارتلي). شخص يتنقَّل بين المكتبات لسنوات عازماً على العثور على كتاب بعينه، ثم يجده أخيراً».

وظهر في الإعلان الكلاسيكي لـ«يلو بيدجز»، الذي عُرض للمرة الأولى في المملكة المتحدة عام 1983، رجل محبط يُدعى جيه أر هارتلي يبحث في المكتبة تلو الأخرى عن نسخة من كتابه «فلاي فيشينغ» الذي توقف طبعه.

فقط في يناير (كانون الثاني) 2026 عاد ديكسون إلى المتجر، ووجد أن لديهم الكتاب الذي يبحث عنه. وقال: «كان ردّ فعلي الأولي تجاه ما سمعته هو حالة من الدهشة وعدم التصديق. لقد توقّفت بالفعل عن البحث قبل أعياد الميلاد لأني كنت منشغلاً، ولم ألحظ اللافتة المُعلَّقة على الواجهة الزجاجية. لم أصدّق أنه ظهر بعد كلّ ذلك الوقت».

وقال باترسون إنّ تلك اللحظة تُجسِّد ما تُجيده المكتبات التابعة للجمعيات الخيرية. وأضاف: «لا يتعلَّق الأمر ببيع الكتب فحسب، بل بالمحادثات والاهتمامات المشتركة، وأحياناً مساعدة شخص في إتمام بحث لم يكن يتصوَّر أنه سينتهي».

وصرّحت مؤسّسة «أوكسفام» أنّ شبكتها، التي تضمّ 40 متجراً اسكوتلندياً، شهدت زيادة مقدارها 16 في المائة في مبيعات الكتب غير الروائية خلال العام المالي الحالي مقارنة بالعام الماضي، وأنّ إجمالي مبيعات كتبها المُستعملة ارتفع بنسبة 4.4 في المائة.

يُذكر أنّ الجمعية الخيرية شاركت تلك القصة احتفالاً باليوم العالمي للكتاب في 5 مارس (آذار).


«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
TT

«الإيموفيليا»... حين تقودك المشاعر إلى علاقات غير مستقرة

يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)
يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر (بكسلز)

قد يبدو الوقوع في الحب بسرعة أمراً رومانسياً، لكنه قد يخفي وراءه نمطاً سلوكياً يُعرف بـ«الإيموفيليا»، حيث يندفع البعض إلى علاقات عاطفية متكررة دون التعمق في فهم الطرف الآخر.

هذا النمط قد يؤدي إلى اختيارات غير صحية وعلاقات غير مستقرة على المدى الطويل.

ويشرح تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» مفهوم «الإيموفيليا»، أبرز علاماتها، أسبابها المحتملة، وتأثيرها على العلاقات، إلى جانب طرق التعامل معها لبناء ارتباطات أكثر توازناً واستدامة.

ما هي «الإيموفيليا»؟

«الإيموفيليا» هي مصطلح يُطلق على الشخص الذي يقع في الحب بسهولة وبشكل متكرر. وهي سمة مستمرة تظهر عبر العلاقات، وليست حالة عابرة. ورغم أنها ليست اضطراباً نفسياً مُشخّصاً، فإنها قد تؤدي إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر، واضطراب عاطفي، وعلاقات غير مستقرة.

أبرز العلامات

يميل الأشخاص المصابون بالإيموفيليا إلى الوقوع في الحب قبل التعرف الحقيقي إلى الطرف الآخر، وغالباً ما يعتقدون أن كل علاقة جديدة هي «العلاقة المثالية». وقد تتشكل لديهم مشاعر قوية قبل فهم شخصية الشريك بشكل كافٍ.

ومن أبرز العلامات أيضاً تجاهل الإشارات التحذيرية (Red Flags) التي قد تدل على أن الشريك غير مناسب أو حتى مؤذٍ. ويركّز هؤلاء أكثر على شعور الحب نفسه والصورة المثالية التي يرسمونها للطرف الآخر؛ ما قد يدفعهم للارتباط بأشخاص أنانيين أو نرجسيين.

كما قد ينخرط البعض في سلوكيات خطرة، مثل التسرّع في العلاقة أو اتخاذ قرارات غير مدروسة؛ نتيجة اعتقادهم بأن العلاقة «مصيرية». وغالباً ما يجدون أنفسهم عالقين في علاقات يصعب الخروج منها بسبب التعلق السريع.

الأسباب المحتملة

لا يوجد سبب واحد محدد للإيموفيليا، لكن يُعتقد أنها قد ترتبط بخلل في هرمونات الشعور بالسعادة مثل الدوبامين والسيروتونين. كما قد يكون لدى بعض الأشخاص ميل للبحث عن إثارة الوقوع في الحب بشكل متكرر.

وقد ترتبط هذه السمة أيضاً بالانجذاب إلى شخصيات معقدة أو سامة، حتى لو لم يمتلك الشخص نفسه هذه الصفات.

ويشير خبراء إلى أن الإيموفيليا قد تكون على طيف، تتراوح بين سلوك بسيط إلى تأثيرات سلبية عميقة على الحياة العاطفية.

تأثيرها على العلاقات

غالباً ما تؤدي الإيموفيليا إلى علاقات غير مستقرة، حيث ينتقل الشخص من علاقة إلى أخرى بسرعة. فالشعور الأولي القوي لا يدوم عادة؛ ما يترك العلاقات دون أساس متين للاستمرار.

كما أن التسرّع في الارتباط يمنع تقييم الشريك بشكل واقعي، وقد يؤدي إلى علاقات تفتقر إلى العمق الحقيقي. وفي بعض الحالات، قد تستمر العلاقة لفترة أطول من اللازم رغم عدم صحتها، أو تنتهي بسرعة قبل أن تتطور بشكل طبيعي.

كيف يمكن التعامل معها؟

يمكن التخفيف من الإيموفيليا عبر التمهّل في العلاقات ومنح الوقت الكافي للتعرف إلى الطرف الآخر من دون مثالية مفرطة. ومن المفيد أيضاً تحديد الصفات الأساسية المطلوبة في الشريك، والتمييز بين ما هو مرغوب وما هو غير قابل للتنازل.

كما يُنصح بالاستماع إلى آراء الأشخاص الموثوقين، والانتباه إلى سلوك الشريك مع مرور الوقت بدلاً من الاعتماد على الانطباع الأول.

متى تطلب المساعدة؟

قد يكون العلاج النفسي مفيداً لفهم أسباب هذا السلوك والعمل على تغييره، خاصة من خلال مختصين في العلاقات أو أنماط التعلق. كما أن قضاء فترة دون الدخول في علاقات قد يساعد على إعادة تقييم الأنماط العاطفية وتطوير علاقات أكثر استقراراً في المستقبل.