أوروبا تتجه للتجنيد الإجباري خوفاً من اتساع نطاق الحرب الروسية - الأوكرانية

جنود في الجيش النرويجي (رويترز)
جنود في الجيش النرويجي (رويترز)
TT

أوروبا تتجه للتجنيد الإجباري خوفاً من اتساع نطاق الحرب الروسية - الأوكرانية

جنود في الجيش النرويجي (رويترز)
جنود في الجيش النرويجي (رويترز)

مع ازدياد المخاوف من تحول الحرب الروسية على أوكرانيا إلى صراع أوسع يشمل عديداً من الدول الغربية الكبرى، تتجه الدول الأوروبية إلى التجنيد الإجباري؛ بغرض تعزيز دفاعاتها وقدراتها للتصدي لأي هجوم روسي محتمل.

وفي هذا السياق، نقلت شبكة «سي إن إن» الأميركية عن روبرت هاميلتون، رئيس أبحاث أوراسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية، الذي خدم ضابطاً في الجيش الأميركي لمدة 30 عاماً، قوله: «لقد وصلنا إلى إدراك أنه قد يتعين علينا تعديل الطريقة التي نحشد بها للحرب، وتعديل الطريقة التي ننتج بها المعدات العسكرية، وكيفية قيامنا بتجنيد وتدريب الأفراد».

وأضاف هاميلتون: «من الصحيح بشكل مأساوي أننا هنا في عام 2024، وما زلنا نتصارع مع أسئلة حول كيفية تعبئة ملايين الأشخاص ليتم إلقاؤهم في مفرمة حرب محتملة، ولكن هذا هو المكان الذي وضعتنا فيه روسيا».

ومن جهته، قال الجنرال الأميركي المتقاعد، ويسلي كلارك، القائد السابق لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إن مخاطر نشوب حرب أكبر في أوروبا ازدادت بعد أن «لجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أخيراً إلى صراع مفتوح» في أوكرانيا؛ سعياً لتحقيق هدفه، المتمثل في «إعادة إنشاء الإمبراطورية السوفياتية».

وقال كلارك، الذي قاد قوات «الناتو» خلال حرب كوسوفو عام 1998: «لدينا الآن حرب في أوروبا لم نكن نعتقد بأننا سنشهدها مرة أخرى». وتابع: «من غير الواضح ما إذا كانت هذه حرباً باردة جديدة أم حرباً ساخنة ناشئة، لكن هذا تحذير وشيك جداً لحلف الناتو بأن علينا إعادة بناء دفاعاتنا».

وأكد أن هذه الجهود تشمل التجنيد الإجباري.

عودة التجنيد الإجباري

أوقف عدد من الدول الأوروبية التجنيد الإلزامي بعد نهاية الحرب الباردة، التي نشأت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وحلفائهما من فترة منتصف الأربعينات حتى أوائل التسعينات. لكن عديداً من الدول - خصوصاً في الدول الاسكندنافية ودول البلطيق - أعادت العمل بهذا النظام في السنوات الأخيرة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى التهديد الروسي.

وفي بعض البلدان، يمكن أن يؤدي الهروب من التجنيد إلى فرض غرامات كبيرة أو حتى السجن.

وتعدّ لاتفيا الأحدث في تنفيذ التجنيد الإجباري. وقد أعادت الخدمة العسكرية الإلزامية في الأول من يناير (كانون الثاني) من هذا العام، بعد إلغائها في عام 2006.

ويقضي هذا النظام بتجنيد المواطنين الذكور في غضون 12 شهراً من بلوغهم سن الـ18، أو التخرج بالنسبة لأولئك الذين لا يزالون في نظام التعليم.

وقال أرتورس بيلاسيس، وهو طالب يبلغ من العمر 20 عاماً لم يتقدم بعد للتجنيد ولكنه ذهب طوعاً إلى دورة عسكرية مدتها شهر: «في البداية كان هناك كثير من المعارضة لهذا النظام. لكن في نهاية المطاف، تفهَّم الجميع حاجة الدولة إلى نظام دفاع قوي. بعد العدوان الروسي غير المبرَّر على أوكرانيا، لم يعد بإمكاننا أن نقف مكتوفي الأيدي ونعتقد بأن الأمور ستسير كما كانت من قبل».

جنود في جيش لاتفيا (رويترز)

وفي أبريل (نيسان)، قدمت النرويج خطة طموحة طويلة الأجل من شأنها أن تضاعف ميزانية الدفاع للبلاد تقريباً، وتضيف أكثر من 20 ألف جندي وموظف وجنود احتياط إلى القوات المسلحة.

وقال رئيس الوزراء جوناس جار ستور: «نحن بحاجة إلى دفاع مناسب للغرض في البيئة الأمنية الناشئة».

وأضاف: «تمثل هذه الخطة دفعة تاريخية في الإنفاق الدفاعي، وتتضمن تعزيزاً كبيراً لجميع فروع القوات المسلحة».

والتجنيد في النرويج إلزامي. وفي عام 2015 أصبحت النرويج أول عضو في «تحالف الناتو الدفاعي»، يقوم بتجنيد الرجال والنساء على قدم المساواة.

تحول عقلي كبير

تُجرى أيضاً مناقشات حول التجنيد الإجباري في دول أوروبية أخرى لا تحتاج ذلك حالياً. وفي المملكة المتحدة، طرح المحافظون هذه الفكرة في حملتهم الانتخابية.

ولكن ربما يكون التحول الأكثر إثارةً للدهشة في ألمانيا، التي كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تكره الحديث عن العسكرة والخدمة العسكرية.

وقامت ألمانيا هذا العام بتحديث خطتها في حالة اندلاع صراع في أوروبا، وقدم وزير الدفاع بوريس بيستوريوس اقتراحاً في يونيو (حزيران) بشأن خدمة عسكرية تطوعية جديدة. وقال: «يجب أن نكون مستعدين للحرب بحلول عام 2029».

وقال شون موناغان، زميل زائر في برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «نحن نرى النقاش محتدماً في ألمانيا الآن. هذه هي الخطوة الأولى. هذا لا يحدث بين عشية وضحاها، إنه تحول عقلي كبير».

لكن، طلبات التجنيد لا تحظى بدعم وموافقة جميع المواطنين في بعض البلدان. وفي ليتوانيا، على سبيل المثال، تتباين الآراء حول الخدمة العسكرية بين الطلاب، كما قال باوليوس فايتيكوس، رئيس الاتحاد الوطني للطلاب في ليتوانيا.

ومنذ أن أعادت البلاد نظام الخدمة العسكرية الإجبارية في عام 2015؛ بسبب «الوضع الجيوسياسي المتغير»، يتم تجنيد بين 3500 و4 آلاف ليتواني تتراوح أعمارهم بين 18 و26 عاماً كل عام لمدة 9 أشهر.

وقال فايتيكوس إن الطلاب أطلقوا مبادرات لإرسال الإمدادات إلى الخطوط الأمامية الأوكرانية. وأضاف أن هناك «تحولاً في عقلية الشباب نحو أهمية القيام بنشاط أكبر للدفاع عن بلادهم، بعيداً عن التجنيد الإجباري».

وقال موناغان إنه مع استمرار موضوع التجنيد الإجباري الذي لا يحظى بشعبية في بعض البلدان، فإن «الناتو» يكافح لتحقيق هدفه الجديد، المتمثل في وجود 300 ألف فرد في حالة تأهب قصوى في غضون شهر واحد، ونصف مليون آخرين في غضون 6 أشهر.

نماذج قوة احتياطية استراتيجية كبيرة

تتمتع فنلندا، وهي من أحدث أعضاء حلف «الناتو»، بوجود أكثر من 900 ألف جندي احتياط.

وقال روبرت هاميلتون، رئيس أبحاث أوراسيا في معهد أبحاث السياسة الخارجية، إن «فنلندا مثال جيد». وأوضح أن فنلندا، تاريخياً كانت «محصورة» بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد السوفياتي، ولم تكن متحالفة مع أي منهما، لذا كانت بحاجة إلى أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها بمفردها.

ولدى النرويج والسويد نماذج مماثلة، حيث تحتفظ كل منهما بأعداد كبيرة من جنود الاحتياط، وإن لم يكن العدد مماثلاً لما هي عليه الحال في فنلندا.

واستدعت السويد نحو 7 آلاف فرد في عام 2024. وسيرتفع العدد إلى 8 آلاف في عام 2025، وفقاً للقوات المسلحة السويدية.

وقالت مارينيت نيه رادبو، مديرة الاتصالات في الوكالة التي تساعد على اختبار المجندين وتقديم التقارير إلى وزارة الدفاع: «لقد قامت السويد بالتجنيد الإجباري منذ عام 1901، لذا فهو جزء من ثقافتنا بطريقة ما».

وأضافت: «عندما تم تفعيل التجنيد الإجباري مرة أخرى، قلنا في البداية إن التجنيد جيد لسيرتك الذاتية، وللتقدم لوظيفة جديدة على سبيل المثال. لكن رسالتنا اليوم، بعد اندلاع حرب أوكرانيا، تركز على أن هذا الأمر واجب عليك القيام به من أجل السويد».

هل «الناتو» مستعد للحرب؟

قام حلف «الناتو» بمراجعة استراتيجيته وتعزيز قدراته على مدى العقد الماضي؛ رداً على التهديد المتزايد من موسكو.

وقد دفع هجوم روسيا واسع النطاق على أوكرانيا في عام 2022، أعضاء الحلف إلى إعادة تقييم ما إذا كانوا مستعدين للحرب وتعزيز دفاعاتهم.

قوات فنلندية وسويدية تشارك في مناورات لحلف «الناتو» قرب هيتا بفنلندا في 5 مارس 2024 (رويترز)

وقالت فرح دخل الله، المتحدثة باسم «الناتو»، لشبكة «سي إن إن»: «منذ عام 2014، شهد الناتو أهم تحول في دفاعه الجماعي منذ فترة طويلة. لقد وضعنا الخطط الدفاعية الأكثر شمولاً منذ الحرب الباردة، ويوجد حالياً أكثر من 500 ألف جندي في حالة استعداد عالٍ».

لكن هناك دعوات لأعضاء الحلف لزيادة قدراتهم بشكل أكبر وأسرع.

وقال موناغان: «على الرغم من أن أعضاء الناتو مستعدون بالتأكيد للقتال الليلة، فلا يزال هناك سؤال حول ما إذا كانوا مستعدين لحرب طويلة الأمد مثل الحرب في أوكرانيا»، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك عمل يتعين القيام به في عدد من المجالات. وتشمل هذه المجالات القدرات الصناعية، والإنفاق الدفاعي، والقدرة على الصمود المجتمعي ومسألة التجنيد الإجباري.

وقالت دخل الله إن الطريقة التي يتم بها تجنيد الأفراد العسكريين وتدريبهم هي قرار يخص كل دولة على حدة، مضيفة: «نحو ثلث أعضاء الناتو لديهم شكل من أشكال الخدمة العسكرية الإجبارية».

وأضافت: «لكننا بصفتنا تحالفاً لا نفرض الخدمة العسكرية الإلزامية. الشيء المهم هو أن يستمر أعضاء الحلف في امتلاك قوات مسلحة قادرة على حماية أراضينا وسكاننا».

وبالإضافة إلى القتال في أوكرانيا، شنّت روسيا أيضاً حرباً هجينة في جميع أنحاء أوروبا، كما يقول الخبراء، تضمّنت هجمات على البنية التحتية، والهجمات الإلكترونية، والتضليل، والتخريب، والتدخل في الانتخابات، وتسليح الهجرة.

وقال موناغان: «لقد أصبح هذا أكثر عدوانية». «كل هذا يعني أن حلفاء الناتو يواجهون وضعاً جيوسياسياً مختلفاً تماماً عمّا كانوا عليه خلال العقدين الماضيين».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)
أوروبا جانب من عملية تبادل الأسرى في موقع غير معلن بأوكرانيا الخميس (إ.ب.أ) p-circle

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا وتبادل قصف البنى التحتية ومرافق الطاقة

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو (رويترز)

روسيا لاستجواب اثنين من المشتبه بهم في محاولة اغتيال جنرال بالمخابرات

اثنان من المشتبه بهم في محاولة اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية الروسية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف «سيتم استجوابهما قريباً»، وفقاً لوسائل إعلام روسية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز) p-circle

مسيَّرات أوكرانية تهاجم مصنعاً روسياً لوقود الصواريخ

كشف مسؤول ​في جهاز الأمن الأوكراني، اليوم السبت، عن أن طائرات مسيَّرة أوكرانية هاجمت ‌مصنعاً لإنتاج مكونات ‌وقود ‌الصواريخ ⁠في ​منطقة ‌تفير غرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
TT

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات.

وأضاف أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين.

وقال زيلينسكي إن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات بقصف البنى التحتية في البلدين. وقالت كييف، أمس، إن قواتها قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وبدورها شنَّت قوات موسكو هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، وأكدت أن صواريخها استهدفت مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.


تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

تحوُّل في لهجة موسكو حيال الوضع بجنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

أعلن السفير الروسي لدى أرمينيا، سيرغي كوبيركين، أن روسيا تراقب من كثب مشروع «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين» الأرميني الأميركي، وأنها مستعدة لمناقشة إمكانية المشاركة في هذه المبادرة.

وحمل التصريح تطوراً في الموقف الروسي حيال النشاط الأميركي المتزايد في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت لقرون منطقة نفوذ حيوي لموسكو، والخاصرة الرخوة لروسيا التي شهدت مراراً تقلبات وتهديدات للنفوذ الروسي.

مصافحة ثلاثية بين دونالد ترمب وإلهام علييف ونيكول باشينيان في البيت الأبيض يوم 8 أغسطس 2025 بعد توقيع الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان (رويترز)

وفي إشارة إلى مشروع «ممر زنغزور» البري المثير للجدل الذي يربط أذربيجان بمنطقة نخجوان (ناخيتشيفان وفق التسمية الأرمينية) عبر جنوب أرمينيا، قال الدبلوماسي إن بلاده «تتابع التطورات المتعلقة بالمشروع، ونحن على استعداد للانخراط في مفاوضات ومناقشة إمكانية الانضمام إلى هذه المبادرة، مع الأخذ في الاعتبار -من بين أمور أخرى- التعاون الوثيق بين روسيا وأرمينيا في صيانة وتطوير قطاع سكك الحديد في جمهورية أرمينيا».

وكان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، قد أشار إلى هذا الموضوع بشكل مبهم في وقت سابق، عندما قال إن «التفاصيل العملية المحددة لهذا المشروع بدأت تتبلور للتو، وإن إطلاقه سيستغرق بعض الوقت».

من اليسار إلى اليمين: قادة أذربيجان وكازاخستان وروسيا وبيلاروسيا وأوزبكستان وطاجيكستان وأرمينيا يصلون إلى مقر قمة رابطة الدول المستقلة في دوشانباي يوم 10 أكتوبر (إ.ب.أ)

كما أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن روسيا مستعدة لاستكشاف الخيارات المتاحة لمشاركتها في المشروع، بما في ذلك الاستفادة من الخبرة الفريدة لشركة سكك الحديد الروسية.

وكانت موسكو قد أعربت عن تحفظ في وقت سابق على بعض تفاصيل الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان في أغسطس (آب) من العام الماضي. وعلى الرغم من أنها رحبت بجهود السلام المبذولة بين باكو ويريفان فإن مسؤولين روساً أبدوا استياء واضحاً من التفاصيل المتعلقة بمنح الولايات المتحدة وجوداً مباشراً في المنطقة.

وكان الطرفان الأذري والأرميني قد وقَّعا اتفاقاً أولياً للسلام وإنهاء عقود من النزاع، خلال اجتماع عُقد برعاية أميركية، ولم تُدعَ إليه موسكو التي كانت وسيطاً مباشراً بينهما لعقود. وتضمن الاتفاق بشأن إرساء السلام وتعزيز العلاقات بين البلدين بنداً يتعلق بإنشاء ممر يربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان ذات الحكم الذاتي عبر أرمينيا، وكان يشكل نقطة خلافية جوهرية بينهما.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

ووافقت يريفان على التعاون مع الولايات المتحدة وأطراف ثالثة، لإنشاء الممر الذي بات يحمل تسمية «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين». وشكل التطور تهديداً مباشراً لمصالح روسيا وإيران في المنطقة؛ خصوصاً مع ازدياد الحديث عن دعوة شركات أميركية لتنفيذ المشروع، ما يعني تثبيت حضور أميركي اقتصادي وتجاري وأمني لفترة طويلة. وفي مقابل تجنب موسكو توجيه انتقاد مباشر لواشنطن، واكتفاء بعض المسؤولين بالإعراب عن استياء ضمني، عارضت إيران بقوة إنشاء الممر، خشية أن يؤدي إلى عزلها عن القوقاز، وجلب وجود أجنبي إلى حدودها.

وقبل أيام، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقاء مع وزير الخارجية الأرميني أرارات ميرزويان، أن يريفان ستمنح واشنطن حصة في الممر على أراضيها. وقالت وزارة الخارجية إنه سيتم إنشاء شركة تكون ملكيتها تابعة للولايات المتحدة بنسبة 74 في المائة، وستتكلَّف بناء البنية التحتية للسكك الحديد والطرق على هذه القطعة من الأرض.

ويفترض أن يسمح المشروع باستثمارات أميركية، ووصول «المعادن الحيوية والنادرة» إلى السوق الأميركية، كما يحدد النص الإطاري لوزارة الخارجية.

وقال روبيو خلال هذا الاجتماع، إن «الاتفاق سيصبح نموذجاً للعالم؛ إذ سيُظهر كيف يمكننا الانفتاح على النشاط الاقتصادي والازدهار، دون المساس بالسيادة وسلامة الأراضي».

وأضاف: «سيكون هذا أمراً جيداً لأرمينيا، وجيداً للولايات المتحدة، وجيداً لجميع المعنيين»، مؤكداً أن إدارة ترمب ستعمل الآن «على تنفيذ الاتفاق».

رئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان (يمين) يتبادل الاتفاقيات الموقعة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماعهما في يريفان (إ.ب.أ)

من جهته، أكد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن أمن الممر الذي يربط أذربيجان بناخيتشيفان سوف تضمنه «أرمينيا وليس دولة ثالثة».

وترافق التطور في موقف روسيا حيال المشروع والبدء في الحديث عن استعدادها للانضمام إليه، مع توجيه موسكو إشارات إلى أرمينيا التي كانت حليفاً وثيقاً لروسيا قبل أن تتجه لتعاون أوسع مع أوروبا. وقبل أيام، قال الوزير لافروف، خلال لقائه برئيس الجمعية الوطنية الأرمينية، ألين سيمونيان: «آمل بصدق أن تُدرك أرمينيا تماماً ما يكمن وراء هذا الوضع؛ حيث أعلن الاتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي الأوروبي الحرب صراحة على روسيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بها. أتمنى بشدة ألا تهيمن رواية زرعت الشكوك -بل والأكاذيب- على الرأي العام في بلدينا». وأكد الوزير أن روسيا «لا تعترض أبداً على أي شريك يُطوِّر علاقات خارجية في أي اتجاه. فإن نظراءهم من الاتحاد الأوروبي يُخيِّرون الدولة المعنية باستمرار بين خيارين: إما معنا وإما معهم».


زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
TT

زيلينسكي يكشف عن مهلة أميركية حتى يونيو لإنهاء الحرب في أوكرانيا

جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)
جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ متعددة باتجاه القوات الروسية في منطقة دونيتسك (رويترز)

كشف الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة منذ قرابة 4 سنوات، مضيفاً أنه إذا لم يتم الوفاء بالموعد النهائي وهو يونيو (حزيران) المقبل، فمن المرجح أن تمارس إدارة ترمب ضغوطاً على كلا الجانبين للوفاء به.

وقال زيلينسكي في حديثه إلى الصحافيين: «يقترح الأميركيون أن ينهي الطرفان الحرب بحلول بداية هذا الصيف، ومن المحتمل أن يمارسوا ضغوطاً على الطرفين وفقاً لهذا الجدول الزمني تحديداً». وأضاف زيلينسكي أن واشنطن «عرضت لأول مرة أن يلتقي فريقا التفاوض في الولايات المتحدة، على الأرجح في ميامي، خلال أسبوع».

وتم حظر نشر تصريحات زيلينسكي حتى صباح السبت. وأضاف: «ويقولون إنهم يريدون القيام بكل شيء بحلول يونيو. وسيبذلون قصارى جهدهم لإنهاء الحرب. ويريدون جدولاً زمنياً واضحاً لجميع الأحداث».

الفريق الأميركي: المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر (رويترز)

وتابع أن «الولايات المتحدة اقترحت عقد الجولة التالية من المحادثات الثلاثية، الأسبوع المقبل، بها للمرة الأولى. على الأرجح في ميامي. لقد أكدنا مشاركتنا».

يأتي الموعد النهائي في أعقاب محادثات ثلاثية بوساطة أميركية عقدت في أبوظبي ولم تسفر عن أي تقدم، حيث يتمسك الجانبان المتصارعان بمطالب حصرية. وتضغط روسيا على أوكرانيا للانسحاب من دونباس، حيث لا يزال القتال محتدماً، وهو شرط تقول كييف إنها لن تقبله على الإطلاق. وأقرَّ الطرفان بأن المحادثات كانت صعبة.

وأعرب زيلينسكي مراراً عن استيائه لمطالبة بلاده بتقديم تنازلات غير متناسبة بالمقارنة مع ما يُطلب من روسيا. واقترحت أوكرانيا تجميد النزاع على خطوط الجبهة الحالية، لكن روسيا رفضت ذلك.

قال زيلينسكي السبت، كما نقلت عنه وكالات دولية عدة، إن ممثلي الولايات المتحدة في أبوظبي اقترحوا مجدداً هدنة في مجال الطاقة، وافقت أوكرانيا عليها، لكن روسيا لم تقدم موافقتها بعد، حسبما أفادت وكالة الأنباء الوطنية الأوكرانية (يوكرينفورم). وأضاف زيلينسكي: «اقترحت الولايات المتحدة أن يدعم الجانبان مجدداً مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض التصعيد فيما يتعلق بمجال الطاقة، حيث أكدت أوكرانيا دعمها للاقتراح، ولكن روسيا لم ترد بعد». وأشار زيلينسكي إلى أن الروس عادة ما يردون على مثل هذه المبادرات بعد العودة إلى روسيا. وأضاف عارضاً نتائج المحادثات التي جرت الأربعاء والخميس في أبوظبي أن «أوكرانيا أعطت موافقتها على هذا اللقاء الجديد».

كثَّفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في الأسابيع الأخيرة، مساعيها لوضع حد للحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات، غير أن هذه المساعي لا تزال تتعثر عند مسألة المناطق التي تطالب بها موسكو.

الوفد الأوكراني برئاسة رستم عمروف (رويترز)

وتطالب روسيا التي تحتل نحو 20 في المائة من الأراضي الأوكرانية بالسيطرة على كامل منطقة دونيتسك الشرقية ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب، ما يعني انسحاب القوات الأوكرانية من المساحات التي لا تزال تسيطر عليها في المنطقة. وتهدد موسكو باحتلالها بالقوة في حال فشل المفاوضات.

في المقابل، ترفض أوكرانيا هذا المطلب، وتطالب من أجل توقيع أي اتفاق أن ينصَّ على ضمانات أمنية بعدم التعرُّض لغزو روسي جديد في المستقبل.

مفاوضات أبوظبي الثلاثية أفضت إلى عملية تبادل أسرى وجثامين جنود قتلى من دون إحراز تقدم بشأن مسألة الأراضي الشائكة.

الوفد الروسي برئاسة مدير الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف (رويترز)

وتضغط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على موسكو وكييف لوضع حد للحرب المستمرة بينهما منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، والذي سيدخل عامه الخامس مع نهاية الشهر الحالي. وأكد زيلينسكي مرة جديدة أن بلاده لن تقبل باتفاقات تبرمها الولايات المتحدة مع روسيا ولا تشارك كييف في المحادثات بشأنها. وقال زيلينسكي: «إن أي اتفاق بشأن أوكرانيا لا يمكن أن يتعارض مع الدستور والقوانين الأوكرانية».

شنَّت روسيا هجوماً كبيراً على شبكة الطاقة الأوكرانية تسبب بانقطاع الكهرباء عن جزء كبير من البلاد، بحسب ما أفادت شركة تشغيل الكهرباء، السبت. وبدورها أكدت وزارة الدفاع الروسية استهداف صواريخها مرافق البنية التحتية للطاقة والنقل في أوكرانيا.

وحدة أوكرانية تطلق قذيفة مدفعية باتجاه مواقع روسية في منطقة خاركيف 2 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وتبادلت روسيا وأوكرانيا الاتهامات وقصف البنية التحتية، خصوصاً مرافق الطاقة. وقالت هيئة الأركان العامة للجيش الأوكراني، السبت، إن القوات الأوكرانية قصفت مستودع نفط يُعرَف باسم «بالاشوفو» في منطقة ساراتوف الروسية. وأضافت، في بيان على تطبيق «تلغرام»، أن القوات قصفت أيضاً مراكز عدة للتحكم في الطائرات المسيّرة موجودة في الأراضي التي تحتلها روسيا.

وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منشور على «إكس»، السبت، إن محطات الطاقة النووية الأوكرانية خفَّضت إنتاجها؛ بسبب تأثير تجدد الأنشطة العسكرية على محطات الكهرباء الفرعية، وفصل بعض خطوط الكهرباء.

وقال الرئيس الأوكراني إن روسيا استهدفت أوكرانيا ليلاً بأكثر من 400 طائرة مسيّرة، ونحو 40 صاروخاً من أنواع مختلفة. وأكد زيلينسكي، في منشور عبر منصة «إكس»، أن الغارات الليلية الروسية استهدفت بشكل رئيسي شبكة الطاقة ومحطات التوليد والتوزيع، وتم الإبلاغ عن وقوع أضرار في مناطق كثيرة من البلاد.

وانتقد الرئيس الأوكراني روسيا قائلاً إنها تختار شن مزيد من الهجمات كل يوم عن الدبلوماسية الحقيقية. وطالب دول العالم التي تدعم المفاوضات الثلاثية بين بلاده والولايات المتحدة وروسيا بالرد على تلك الهجمات. وأردف: «يجب حرمان موسكو من قدرتها على استخدام الطقس البارد سلاحاً ضد أوكرانيا».

وقال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها إن الهجمات الروسية أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة عن المدن والمجتمعات، خصوصاً في غرب أوكرانيا، وطالب بمحاسبة المسؤولين عنها. وأعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الجمعة، فرض حظر كامل على الخدمات البحرية المتعلقة بالنفط الخام الروسي ضمن الحزمة العشرين من العقوبات على روسيا.

موظف بشركة طاقة يتفقد محولاً كهربائياً بعد أن ألحقت غارات جوية روسية بطائرات مسيّرة وصواريخ أضراراً بالغة بالبنية التحتية المدنية الحيوية في كييف (رويترز)

من جانب آخر أعادت السلطات البولندية فتح مطارَي لوبلين وجيشوف، اليوم (السبت)، بعد إعلانها انتهاء عمليات ​جوية عسكرية شملت تحليق طائرات لحلف شمال الأطلسي في المجال الجوي للبلاد، وذلك بسبب القصف الروسي في أوكرانيا. وذكرت قيادة العمليات بالقوات المسلحة البولندية أنه لم تقع أي انتهاكات للمجال الجوي للبلاد. وفي منشور على منصة ‌«إكس»، شكرت القيادة ‌حلف شمال الأطلسي ‌والقوات ⁠الجوية ​الألمانية «التي ‌ساعدت طائراتُها في ضمان السلامة في الأجواء البولندية اليوم». وقالت: «انتهت عمليات الطيران العسكري في مجالنا الجوي، المتعلقة بالضربات التي شنتها روسيا الاتحادية على أوكرانيا».