القضايا الشائكة بين سوريا وتركيا تجعل تطبيع العلاقات تدريجياً

بينها سيطرة الأكراد والمعارضة السورية وعودة اللاجئين

إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
TT

القضايا الشائكة بين سوريا وتركيا تجعل تطبيع العلاقات تدريجياً

إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكاً بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقداً من الزمن، فإن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظراً للقضايا الشائكة بين الطرفين.

تقول نائبة رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد السلام الأميركي، منى يعقوبيان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن المصالحة «لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد». وتشير إلى «تعقيدات» في ملفات عدة عالقة، تجعل من المؤكد أن استعادة العلاقات «ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد».

قبل اندلاع النزاع في عام 2011، كانت تركيا حليفاً اقتصادياً وسياسياً أساسياً لسوريا. وكانت علاقة صداقة جمعت إردوغان بالأسد، لكن العلاقة انقلبت رأساً على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام، فقد دعت أنقرة بدايةً حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع المظاهرات بالقوة وتحولها تدريجياً إلى نزاع دامٍ، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي. وفي مارس (آذار) 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق، وقدمت دعماً للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة.

أرشيفية لإردوغان متحدثاً أمام ندوة في أنقرة حول الدستور الجديد (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان هذا الشهر، إنه قد يدعو الأسد إلى تركيا «في أي وقت»، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في عام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية. وأبدى الأسد، الاثنين الماضي، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحدّ ذاته إنما في مضمونه.

شريكان للرقص

جاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3.2 مليون لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم إلى بلدهم.

حرائق أشعلها أتراك في قيصري ضد اللاجئين السوريين (إكس)

يقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومقره الولايات المتحدة، إن «سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئاً كبيراً على إردوغان». ويعتبر أن «استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماماً بالفشل». لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو «القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي» قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنّت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ عام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنّفها «إرهابية» وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود. وتشترط دمشق منذ عام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربيها، مقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

صورة نشرتها وكالة الأنباء العربية السورية الرسمية في 15 يوليو تظهر الرئيس السوري بشار الأسد وهو يدلي بصوته خلال الانتخابات البرلمانية

وسأل الأسد الاثنين: «ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟»، مضيفاً: «هذا هو جوهر المشكلة».

وفق شتاين، إذا قال إردوغان إن «اللقاء مع الأسد ممكن»، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته، أن «رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه»، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

ورغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم «نزعتهم الانفصالية» وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم «داعش». وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

«الجزء الصعب»

يرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، سونير كاغابتاي، أن أنقرة «تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات». ويضيف: «عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غربي سوريا، مع التزام تركيا بسحب قواتها تدريجياً».

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها؛ أكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجياً من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها.

طفل سوري يحمل دلواً فارغاً في مخيم للنازحين بالقرب من سرمدا في محافظة إدلب شمال سوريا (أ.ف.ب)

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غربي سوريا، على أن يبقى الأمن «في يد أنقرة»، وأن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. لكنّ «الجزء الصعب» هو أن الكثير من المدنيين السوريين لا يرغبون في العيش تحت حكم الأسد مجدداً، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

سوريون في إدلب يحتجّون على مواقف إردوغان بخصوص التطبيع مع الأسد (د.ب.أ)

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت مظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام». وخرجت مظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة الشهر الحالي، رفضاً لـ«التطبيع» بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرقي البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد، «خياراً محفوفاً بالتحديات»؛ لذا فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هو «الأداة الوحيدة المتاحة؛ كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومترات من الحدود»، إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

دورية لجنود أميركيين على مشارف الرميلان بالحسكة شمال شرقي سوريا التي يسيطر عليها الأكراد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في عام 1998 توتراً بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجاً على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011. وتقول يعقوبيان، إنه يتعين الانتظار لمعرفة ما إذا كان بالإمكان «إعادة صياغة» الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة. ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة «تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية» تجاه سوريا.


مقالات ذات صلة

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

شؤون إقليمية قافلة تحمل عناصر من «داعش» من القامشلي إلى العراق (رويترز)

أنقرة: لا انسحاب عسكرياً من سوريا بعد

أكدت تركيا أن سحب قواتها من سوريا ليس مطروحاً، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج الموقّع بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني خلال لقائه مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس برّاك في الرياض (سانا)

الشيباني يلتقي برّاك في الرياض

التقى وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، الاثنين، في العاصمة السعودية الرياض المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال القمة العربية الطارئة بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر يوم 4 مارس 2025 (أ.ب)

مصر تنفي إصدار ضوابط جديدة لدخول السوريين

نفت مصر اتخاذ أي إجراءات جديدة ضد دخول السوريين للبلاد، بينما أفادت مصادر سورية «الشرق الأوسط»، بوجود حملات تدقيق أمني تستهدف مخالفي شروط الإقامة فقط.

هشام المياني (القاهرة)
المشرق العربي أرشيفية لنقطة تفتيش تابعة لقوى الأمن الداخلي السوري في السويداء (رويترز)

مقتل أربعة أشخاص برصاص عنصر أمن في جنوب سوريا

قتل أربعة أشخاص وأصيب الخامس بجروح خطيرة في محافظة السويداء جراء إطلاق أحد عناصر الأمن العام النار عليهم يوم السبت.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
TT

الطفلة ضحى تنزع عن وجه الجيش الإسرائيلي قناع إنسانية زائفة

ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)
ضحى أبو سنيمة ووالدتها تجلسان بجوار منزل مهدم (الشرق الأوسط)

قبل أشهر، انتشرت على صفحات التواصل الإسرائيلية صورة جندي يقف إلى جانب طفلة فلسطينية في منطقة نائية على حدود قطاع غزة، ويقدم لها يد العون بعدما ضلَّت الطريق ووصلت إلى مكان انتشار قواته.

راجت الصورة بقوة، فقد كانت مثالاً لـ«إنسانية» تدحض ما يتردد عن «انعدام رحمة» في ظل مجازر تُرتكب في قطاع غزة طوال حرب استمرت عامين وخلَّفت أكثر من 70 ألف قتيل.

لكن الأيام مرت والشهور، لتتكشف حقيقة ما حدث للطفلة ضحى أبو سنيمة (9 سنوات) التي اختفت أنباؤها بعد انتشار الصورة، واكتنف قصتها الغموض.

فبعد رحلة نزوح متكرر، وصلت ضحى إلى منطقة المواصي بغرب خان يونس في جنوب قطاع غزة، حيث أجرت معها «الشرق الأوسط» لقاء روت فيه قصة مغايرة تماماً لما حاكته ماكينة الجيش الإعلامية (الهاسبارا) التي لا تألو جهداً في محاولة تحسين صور الضباط والجنود.

وقصَّت ضحى كيف باتت واحدة من أصعب لياليها في العراء وسط أجواء قاسية، بعدما اقتادها الجنود هي ووالدها إلى موقع عسكري، ورفضوا تقديم أي غطاء لهما يقيهما من شدة البرد.

في العراء... من دون غطاء

كانت ضحى تعيش مع أسرتها في منزلهم بحي الشويكة شرق رفح، قبل أن يُجبر القصف اليومي والدتها على النزوح بشقيقاتها الصغار إلى منطقة مواصي خان يونس، حيث تعيش عائلة الأم، فيما بقت ضحى ووالدها في المنزل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية في سبتمبر (أيلول) 2025 وطلبت منهما ومن الجيران مغادرة منازلهم واقتادتهم لموقع عسكري بعد تفتيش المنازل وهدمها جميعها، بما فيها بيت أسرة ضحى التي شاهدت الهدم بعينيها.

فلسطينيون على عربات تجرها الدواب وسط مياه أمطار غمرت خيامهم في المواصي غرب خان يونس يوم 15 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

ونُقلت الصغيرة ووالدها إلى الموقع العسكري القريب من حي الشويكة، وهناك خضعت لتحقيق قصير، قبل التحقيق لساعات مع والدها الذي عُصّبت عيناه وقُيّدت يداه. وحين عاد إليها أبوها تقرر نقلهما إلى موقع كرم أبو سالم العسكري، حيث عاشت أقسى أيامها.

فهناك، وحسب رواية الصغيرة، رأت حشوداً عسكرية ضخمة، ثم اقتيد والدها للتحقيق معه مجدداً، هذه المرة لساعات طوال. وحين عاد إليها مع منتصف الليل، كانت في العراء في جو شديد البرودة؛ وعندما طلب الأب من أحد الجنود توفير «بطانية» لها رفض، ما اضطره لخلع سترته كي يدفئ بها ابنته التي نامت على حَجَر كبير.

وفي اليوم التالي، سُمح لها وأبيها بالتوجه نحو مسار دخول شاحنات المساعدات في محيط موقع كرم أبو سالم؛ ومن هناك عادا إلى بيتهما المدمر، وضع الأب خيمة بسيطة بجانبه. وبعد فترة عادت والدتها الحامل إلى المكان نفسه الذي كان شاهداً على مقتل بعض أشقائها، وفقدان أحدهم دون أن يُعرف مصيره، في حوادث منفصلة، وهم يحاولون توفير المياه والطعام للعائلة. ولاحقاً، قُتل الأب في غارة.

ومع اقتراب مخاض الأم المكلومة، اضطرت إلى النزوح مجدداً مع من تبقى من أطفالها، لتلد في أحد مستشفيات مواصي خان يونس.

العناء النفسي

لا تعرف ضحى أين كانت حين التُقطت صورتها مع الجندي الإسرائيلي، وإن كانت تظن أن المكان هو محيط الموقع العسكري الذي نُقلت إليه برفقة والدها أول مرة.

ولا تزال الصغيرة تتذكر وجه الجندي الذي كان يقف جانبها في الصورة، وكيف كانت ترتعد منه خوفاً من أن يقتلها.

وتقول والدتها إن طفلتها تعيش ظروفاً نفسية صعبة وما زالت تطاردها الكوابيس. وتضيف: «أصبحت أكثر عدوانية، وكثيراً ما نراها تبكي وحدها، وتتأثر بقوة كلما رأت طائرات أو قوات إسرائيلية».

وعن حياتها بعد عودتها إلى منطقة منزلها المدمر في الشويكة، قالت إنهم عاشوا ظروفاً مأساوية، لا يتوفر فيها طعام ولا ماء، وإنها اضطرت بعد مقتل زوجها للنزوح مجدداً إلى مواصي خان يونس.

كانت ضحى أقرب الأبناء لأبيها، كما تروي الأم، لذلك تأثرت كثيراً برحيله، ما زاد من تدهور حالتها النفسية.

أما ضحى، فقالت بصوت شَرَخَ الانكسار والوجع براءته: «ياريت أبويا ضل عايش، يجيب إلنا الأكل والمية. إحنا هون ما فيه أكل ولا مية ولا تعليم ولا لعب. بدنا الدنيا ترجع مثل ما كانت قبل. بدنا مدارس وأكل وشرب وثياب. إحنا هون مش مرتاحين، ولا حاجة عنَّا... حتى الفراش والبطاطين. بدي أعيش مثل العالم في بيت مثل كل أطفال العالم وأتعلم».

وتروي والدة ضحى كيف كانت ابنتها تحب الدراسة ومتعلقة بها. وبحسرة قالت: «كان حلمي أشوفها دكتورة لأنها ذكية».

وتظل صورة ضحى والجندي شاهداً حياً على «إنسانية زائفة» تروج لها «الهاسبارا» الإسرائيلية.


«القوات اللبنانية» يدفع بوجوه جديدة للاستحقاق النيابي

رئيس حزب «القوات اللبنانية» يترأس اجتماعاً لتكتل «الجمهورية القوية» في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات اللبنانية» يترأس اجتماعاً لتكتل «الجمهورية القوية» في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
TT

«القوات اللبنانية» يدفع بوجوه جديدة للاستحقاق النيابي

رئيس حزب «القوات اللبنانية» يترأس اجتماعاً لتكتل «الجمهورية القوية» في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)
رئيس حزب «القوات اللبنانية» يترأس اجتماعاً لتكتل «الجمهورية القوية» في معراب (أرشيفية - إعلام القوات)

مع فتح باب الترشح للانتخابات النيابية، بدأ تباعاً عدد من نواب كتلة «الجمهورية القوية»، وهو تكتل حزب «القوات اللبنانية» النيابي والأكبر في البرلمان (19 نائباً)، إعلان عدم ترشحهم للاستحقاق المقبل، في ظل قرار واضح لدى القيادة القواتية بالدفع بوجوه جديدة إلى الندوة البرلمانية، رغم أن بعض المتنحين هم نواب يمتلكون شعبية وحيثية معينة، وطرح استبعادهم أكثر من علامة استفهام.

وأعلن 4 نواب من أصل 19، وهو عدد أعضاء تكتل «القوات» الحالي، تنحيهم عن الترشح، وهم: ملحم رياشي، وجورج عقيص، وشوقي الدكاش، وسعيد الأسمر. إلا أن العدد لن يقتصر على 4، إذ ستتواصل هذه الخطوة خلال الأيام القليلة المقبلة، حسب ما أفادت به مصادر لـ«الشرق الأوسط».

وفي منشور له على موقع «إكس»، قال رياشي، الأربعاء، إنه قد جرى إبلاغه من قيادة القوات عن «رغبتها في بعض التغيير هذه الدورة، ومن ثم عدم ترشيحي إلى الانتخابات النيابية المقبلة»، متمنياً التوفيق للمرشحين، وموجهاً التحية لرئيس الحزب سمير جعجع.

موقف «القوات»

وتُعد مصادر «القوات» أن ما يجري في هذا السياق «أمر طبيعي جداً وصحي على الصعيد الحزبي، إذ إن التغيير يتم انطلاقاً من رؤية محددة لدى القيادة، وهو في نهاية المطاف تغيير في الأدوار، فالذين أعلنوا عدم ترشحهم سيبقون ضمن صفوف الحزب، وقد يتولون مناصب حزبية، في الهيئة التنفيذية أو غيرها، خلفاً لمن سبقوهم».

وتحدثت المصادر لـ«الشرق الأوسط» عن جملة عوامل تفرض هذا التغيير، من بينها «متطلبات القاعدة، والحسابات الانتخابية، والحيثيات الحزبية، وإعادة توزيع الأدوار داخل الحزب، فضلاً عن السعي إلى إدخال عناصر جديدة ونبض متجدد إلى التكتل النيابي». وشددت على أن ما يجري «جزء من العمل الحزبي الطبيعي، وليس إطلاقاً عملية إقصاء كما يصوّرها البعض».

وتُشير المصادر إلى أن «إعلان الترشيحات سيحصل تباعاً، على أن يكون هناك مؤتمر كبير يجمع كل المرشحين بدأ التحضير له».

استنفار حزبي

ويشهد معظم المقار الحزبية حالياً حالة استنفار انتخابي، بعدما باتت القوى السياسية على قناعة بأن الانتخابات ستُجرى في موعدها، أو في أقصى تقدير في يوليو (تموز) المقبل، في حال تقرر تأجيلها تقنياً لإتاحة المجال أمام المغتربين للحضور إلى لبنان والمشاركة في الاستحقاق. ويأتي ذلك في ظل معطيات تُشير إلى اتجاه لإسقاط حق اقتراعهم في بلدان الانتشار، نتيجة الخلافات السياسية حول البند المتصل بانتخابهم 6 نواب يمثلون الاغتراب في القارات الست، مقابل سعي قوى رئيسية إلى تعديله بما يتيح لهم التصويت لكامل أعضاء المجلس النيابي الـ128.

تكتل «الجمهورية القوية» بعد مشاركته في الاستشارات النيابية الملزمة في القصر الجمهوري يناير 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ويرى الباحث في «الشركة الدولية للمعلومات»، محمد شمس الدين، أن التغيير في التمثيل النيابي «مسألة صحية بوصفه عنصراً محفزاً للعمل النيابي، ومن ثم من المفيد أن يكون نهجاً متبعاً لدى كل الأحزاب اللبنانية».

سببان للتغييرات

أما فيما يتعلق بالأسباب الكامنة وراء التغييرات التي تطرأ على مرشحي «القوات»، فيشير شمس الدين لـ«الشرق الأوسط» إلى «سببين أساسيين: الأول أن بعض النواب لم يثبتوا فاعليتهم وحضورهم النيابي، وباتوا يشكّلون عبئاً على الحزب، ما يستدعي استبدالهم. أما الثاني، فتمثّل في اعتبار بعض النواب أنهم باتوا أكبر من الحزب ولهم فضل عليه، ما دفع القيادة القواتية إلى اتخاذ قرار بتبديلهم، لوضع حدٍّ لبعض الطموحات».

ورداً على سؤال حول عدد نواب «القواتيين» المتوقع في برلمان 2026، يشير شمس الدين إلى أنه «في أوساط الحزب يُتداول احتمال زيادة عدد نوابهم الحاليين بأربعة، بحيث يحققون فوزاً في كسروان وآخر في عكار، إضافة إلى نائب في البقاع الغربي-راشيا وآخر في بيروت الأولى. لكنني أرى أن هذا مبالغ فيه، وأرجح خسارة الحزب لمقعدين نيابيين، الأول في جزين والثاني في بعبدا، إذ إنه إذا تحالف مع (الكتائب)، سيحصل مرشح الأخير على مقعد النائب كميل شمعون».


شهادة الأسير أمام القضاء العسكري اللبناني تعزز الدفع ببراءة فضل شاكر

أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
TT

شهادة الأسير أمام القضاء العسكري اللبناني تعزز الدفع ببراءة فضل شاكر

أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)
أحمد الأسير والفنان اللبناني فضل شاكر يشاركان في احتجاج ببيروت عام 2013 (أرشيفية - رويترز)

لم تكن جلسة المواجهة التي عُقدت بين الفنان اللبناني فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير أمام المحكمة العسكرية كافية لوضع حدّ لمحاكمة شاكر في أربعة ملفات أمنية، ما دفع المحكمة إلى إرجاء الجلسة إلى 24 مارس (آذار) المقبل، بغية الاستماع إلى مزيد من الشهود. وخلال الجلسة، جدّد شاكر تأكيده أنه يُحاكَم استناداً إلى ملفات «مفبركة ومختلقة ومعروفة بدوافعها وخلفياتها».

وعقدت المحكمة العسكرية برئاسة العميد الركن وسيم فيّاض، جلستها الثانية لمحاكمة شاكر التي تحولت سرية بناءً على طلب موكلة شاكر.

ويُحاكم المغني وجاهياً أمام القضاء العسكري في أربعة ملفات أمنية سبق أن صدرت فيها أحكام غيابية تراوحت بين السجن خمس سنوات وخمس عشرة سنة مع الأشغال الشاقة. وتشمل هذه الملفات اتهامات بــ«تمويل مجموعة مسلّحة وُصفت بالإرهابية (جماعة الشيخ أحمد الأسير)، والمشاركة في تأليف مجموعة مسلّحة بقصد الإخلال بالأمن وهيبة الدولة، والتورط في أحداث عبرا (التي وقعت بين الجيش وجماعة الأسير في 13 يونيو/ حزيران 2013)، إضافة إلى حيازة أسلحة حربية من دون ترخيص، وإطلاق مواقف اعتُبرت مسيئة لعلاقات لبنان بدولة شقيقة»، في إشارة إلى سوريا خلال حكم بشار الأسد.

إفادة الأسير

الجلسة خُصصت للاستماع إلى إفادة الأسير كشاهد في هذه القضايا الأربع، وجاءت أقواله لتصبّ في مصلحة شاكر. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مواكبة لمسار المحاكمة، أن الأسير نفى بشكل قاطع «تلقيه دعماً مالياً من فضل شاكر أو شراء سلاح لصالح جماعته». وقال: «أنا لا أقبل أموالاً منه ولا من غيره، وكل ما يربطنا هو علاقة دينية؛ إذ كان فضل يتردد من حين إلى آخر إلى (مسجد بلال بن رباح) لأداء صلاة الجمعة، أو حضور درس ديني». وكرر ما سبق أن أدلى به خلال محاكمته في قضية أحداث عبرا، لجهة أنه «لم يكن يحمل السلاح ولم يطلق النار على الجيش»، مضيفاً أنه «لم يشاهد فضل شاكر يوماً مسلحاً أو يستخدم السلاح».

الفنان اللبناني فضل شاكر (إنستغرام)

وشكّلت أسئلة ممثل النيابة العامة العسكرية القاضي نضال الشاعر محوراً أساسياً في الجلسة، لا سيما حين سأل الأسير عن أسباب لجوء فضل شاكر إلى المربع الأمني التابع له (للأسير) في عبرا قبل أيام من اندلاع المعركة. فأوضح أن شاكر «انتقل إلى عبرا ليحتمي من تهديدات عناصر (حزب الله) الذين حاولوا قتله أكثر من مرة، وفي المرّة الأخيرة أقدموا على إحراق الفيلا العائدة له في صيدا».

«شاكر لم يحمل السلاح ولم يطلق النار»

ولدى الاستيضاح من الأسير مجدداً عن الجهة التي بادرت إلى إطلاق النار على حاجز الجيش في عبرا، ما أدى إلى اندلاع المواجهات، قال الأسير إنه كان داخل المسجد حين سمع إطلاق النار الذي تطور إلى اشتباك مسلح، مشيراً إلى أن «المسؤول العسكري التابع له هو من كان موجوداً على الأرض». وأضاف: «عندما خرجت لاستطلاع ما يجري، كان الرصاص ينهمر علينا من الأبنية التي كان يتحصّن فيها مقاتلو (حزب الله)». وجدد تأكيده أنه «لا يعادي الجيش اللبناني»، جازماً بأن فضل شاكر «لم يحمل السلاح ولم يطلق النار، لا خلال معركة عبرا ولا قبلها». وعما إذا كان شاكر موجوداً معه عند اندلاع الاشتباكات، أوضح الأسير أنه «لم يكن معه، ولكن علم لاحقاً أن شاكر مختبئ في غرفة للموسيقى في منزله، ومنذ ذلك الوقت لم يلتقِه».

ووفق المصادر نفسها، أكد الأسير أن ما كان يجمعه بفضل شاكر «علاقة أخوية»، موضحاً أن شاكر كان «مؤيداً لموقفه المعادي للنظام السوري السابق الذي ارتكب مجازر بحق الأبرياء في سوريا، وكذلك لدور (حزب الله) الذي شارك في قتل الشعب السوري». غير أنه لفت إلى أن هذه العلاقة «انقطعت بينهما قبل أحداث عبرا، وعلم بالتواتر أن شاكر كان ينسّق مع مخابرات الجيش اللبناني لتسوية الوضع القانوني لبعض مرافقيه، وكان يتهيأ لمغادرة لبنان».

وإثر الانتهاء من سماع إفادة الأسير أُرجئت الجلسة إلى 24 مارس المقبل، للاستماع إلى شاهدَين آخرَين.