القضايا الشائكة بين سوريا وتركيا تجعل تطبيع العلاقات تدريجياً

بينها سيطرة الأكراد والمعارضة السورية وعودة اللاجئين

إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
TT

القضايا الشائكة بين سوريا وتركيا تجعل تطبيع العلاقات تدريجياً

إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009
إردوغان والأسد رفقة زوجتيهما في دمشق عام 2009

رغم مؤشرات على اجتماع قد يكون وشيكاً بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ونظيره السوري بشار الأسد، بعد قطيعة تجاوزت عقداً من الزمن، فإن تطبيع العلاقات لا يمكن أن يحصل، وفق محللين، إلا بشكل تدريجي نظراً للقضايا الشائكة بين الطرفين.

تقول نائبة رئيس مركز الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد السلام الأميركي، منى يعقوبيان، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن المصالحة «لن تحصل بين عشية وضحاها، بغض النظر عما يحدث، حتى لو جرى لقاء بين إردوغان والأسد». وتشير إلى «تعقيدات» في ملفات عدة عالقة، تجعل من المؤكد أن استعادة العلاقات «ستحصل في أحسن الأحوال بشكل تدريجي وطويل الأمد».

قبل اندلاع النزاع في عام 2011، كانت تركيا حليفاً اقتصادياً وسياسياً أساسياً لسوريا. وكانت علاقة صداقة جمعت إردوغان بالأسد، لكن العلاقة انقلبت رأساً على عقب مع بدء الاحتجاجات ضد النظام، فقد دعت أنقرة بدايةً حليفتها إلى إجراء إصلاحات سياسية، لكن مع قمع المظاهرات بالقوة وتحولها تدريجياً إلى نزاع دامٍ، دعا إردوغان الأسد إلى التنحي. وفي مارس (آذار) 2012 أغلقت تركيا سفارتها في دمشق، وقدمت دعماً للمعارضة السياسية، قبل أن تبدأ بدعم فصائل معارضة مسلحة.

أرشيفية لإردوغان متحدثاً أمام ندوة في أنقرة حول الدستور الجديد (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان هذا الشهر، إنه قد يدعو الأسد إلى تركيا «في أي وقت»، بعدما كان أرسل مؤشرات إيجابية تجاه الأسد في عام 2022، ويبدأ مسؤولون من البلدين عقد لقاءات ثنائية بوساطة روسية. وأبدى الأسد، الاثنين الماضي، إيجابية تجاه مبادرة إردوغان، لكنه قال إن المشكلة ليست في حصول اللقاء بحدّ ذاته إنما في مضمونه.

شريكان للرقص

جاءت تصريحات إردوغان على وقع تفاقم مشاعر معادية للاجئين السوريين في تركيا التي تستضيف نحو 3.2 مليون لاجئ سوري، يشكل مصيرهم قضية حساسة في السياسة الداخلية مع تعهد خصوم إردوغان إعادتهم إلى بلدهم.

حرائق أشعلها أتراك في قيصري ضد اللاجئين السوريين (إكس)

يقول آرون شتاين، رئيس معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومقره الولايات المتحدة، إن «سوريا واللاجئين السوريين باتوا عبئاً كبيراً على إردوغان». ويعتبر أن «استثمار أنقرة في المعارضة السياسية، من وجهة نظر عسكرية، باء تماماً بالفشل». لكن تركيا تعتبر أن هدف وجودها في سوريا، وفق ما يوضح مصدر في وزارة الدفاع، هو «القضاء على الهجمات الإرهابية والتهديدات ضد أراضيها ولمنع إنشاء ممر إرهابي» قرب حدودها، في إشارة إلى المقاتلين الأكراد الذين يقودون «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية.

وشنّت تركيا عمليات عسكرية عدة داخل سوريا منذ عام 2016، استهدفت بشكل رئيسي الوحدات الكردية، التي تصنّفها «إرهابية» وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، الذي يخوض تمرداً ضدها على أراضيها منذ عقود. وتشترط دمشق منذ عام 2022 أن تسحب تركيا قواتها، التي سيطرت بفضل عملياتها العسكرية على شريط حدودي واسع في شمال البلاد وتحظى بنفوذ في شمال غربيها، مقدمة للقاء الأسد وإردوغان.

صورة نشرتها وكالة الأنباء العربية السورية الرسمية في 15 يوليو تظهر الرئيس السوري بشار الأسد وهو يدلي بصوته خلال الانتخابات البرلمانية

وسأل الأسد الاثنين: «ما هي مرجعية اللقاء؟ هل ستكون إلغاء أو إنهاء أسباب المشكلة التي تتمثل بدعم الإرهاب، وانسحاب (القوات التركية) من الأراضي السورية؟»، مضيفاً: «هذا هو جوهر المشكلة».

وفق شتاين، إذا قال إردوغان إن «اللقاء مع الأسد ممكن»، فقد يحصل. لكنه يوضح في الوقت ذاته، أن «رقصة التانغو تتطلب وجود شريكين، وشريكه هو قاتل يكرهه»، وهو تعبير استخدمه إردوغان إثر اندلاع النزاع لوصف الأسد.

ورغم التباينات، تتفق أنقرة ودمشق على رفض الحكم الذاتي للأكراد. وبينما تريد أنقرة إبعادهم عن حدودها، تحمل دمشق عليهم «نزعتهم الانفصالية» وتلقيهم الدعم من واشنطن، بعدما شكلوا رأس حربة في دحر تنظيم «داعش». وتثير المؤشرات على تقارب بين دمشق وأنقرة مخاوف الإدارة الكردية، التي يقول محللون إنها قد تدفع الثمن الأكبر، مع رغبتها بالحفاظ على مكتسبات حققتها خلال سنوات الحرب.

«الجزء الصعب»

يرى مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، سونير كاغابتاي، أن أنقرة «تريد من الأسد أن يقضي على حزب العمال الكردستاني حتى يصبح التنظيم في حالة سبات». ويضيف: «عندها سيبدأ التطبيع الحقيقي في شمال غربي سوريا، مع التزام تركيا بسحب قواتها تدريجياً».

ويثير هذا السيناريو مخاوف ملايين السوريين المقيمين في منطقة إدلب ومحيطها؛ أكثر من نصفهم نازحون فروا تدريجياً من محافظات سورية أخرى مع سيطرة القوات الحكومية عليها.

طفل سوري يحمل دلواً فارغاً في مخيم للنازحين بالقرب من سرمدا في محافظة إدلب شمال سوريا (أ.ف.ب)

في مرحلة انتقالية، لا يستبعد كاغابتاي أن يعترف إردوغان بسلطة الأسد في شمال غربي سوريا، على أن يبقى الأمن «في يد أنقرة»، وأن يكون الهدف النهائي إعادة اللاجئين السوريين من تركيا. لكنّ «الجزء الصعب» هو أن الكثير من المدنيين السوريين لا يرغبون في العيش تحت حكم الأسد مجدداً، ويمكن أن يناصبوا حينها العداء لتركيا.

سوريون في إدلب يحتجّون على مواقف إردوغان بخصوص التطبيع مع الأسد (د.ب.أ)

عند بروز مؤشرات تقارب عام 2022، خرجت مظاهرات غاضبة في مناطق عدة في إدلب، تحت سيطرة «هيئة تحرير الشام». وخرجت مظاهرات مماثلة وإن كانت محدودة الشهر الحالي، رفضاً لـ«التطبيع» بين أنقرة ودمشق.

وفي شمال شرقي البلاد، يرى شتاين أن الوجود الأميركي سيجعل أي هجوم تشنه تركيا بتفويض من دمشق تجاه الأكراد، «خياراً محفوفاً بالتحديات»؛ لذا فإن تفعيل اتفاقية أضنة الموقعة بين تركيا وسوريا هو «الأداة الوحيدة المتاحة؛ كونها تخول تركيا شن عمليات في سوريا على عمق خمسة كيلومترات من الحدود»، إذا تعرض أمنها القومي للخطر.

دورية لجنود أميركيين على مشارف الرميلان بالحسكة شمال شرقي سوريا التي يسيطر عليها الأكراد (أرشيفية - أ.ف.ب)

وأنهى الاتفاق عند توقيعه في عام 1998 توتراً بين الدولتين، حين حشدت تركيا قواتها قرب الحدود احتجاجاً على دعم قدمته دمشق لحزب العمال الكردستاني.

ولطالما اتهمت دمشق أنقرة بخرق الاتفاق منذ بدء النزاع عام 2011. وتقول يعقوبيان، إنه يتعين الانتظار لمعرفة ما إذا كان بالإمكان «إعادة صياغة» الاتفاق مع سيطرة الأكراد على مساحات واسعة. ومع قرب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة واحتمال وصول إدارة جديدة، لا تستبعد يعقوبيان أن يكون التقدم نحو المصالحة بمثابة «تحسب لأي تحول محتمل في السياسة الأميركية» تجاه سوريا.


مقالات ذات صلة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

المشرق العربي صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
خاص نساء يرفعن صور ضحايا مجزرة التضامن عقب صلاة الجمعة في حي التضامن احتفالاً بتوقيف المتهم أمجد يوسف (رويترز)

خاص السلطات السورية تعتقل «متورطين» في إخفاء متهم بمجزرة التضامن

تسود أجواء من الحذر والقلق في قرية نبع الطيب بسهل الغاب بريف حماة الغربي، عقب القبض على والد أمجد يوسف، المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة التضامن في دمشق.

سعاد جروس (دمشق)
شمال افريقيا لاجئات سودانيات في أسوان (مفوضية اللاجئين)

مصر: ترحيل الوافدين المخالفين يُربك أسراً رتبت أوضاعها

رَحلَّت مصر خلال الأشهر الماضية آلاف الوافدين المُخالفين لشروط الإقامة، ضمن حملة موسَّعة بدأت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ومستمرة إلى الآن.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي قوات الدفاع الوطني الرديفة لنظام الأسد (أرشيفية)

محاكمة سوري في هولندا متهم بالتعذيب خلال الحرب السورية

وصف المتهم الضحايا التسعة في القضية والشهود والشرطة الهولندية، بالكذب. وقال، متحدثاً عبر مترجم: «جميعهم يتآمرون ضدي».

«الشرق الأوسط» (لاهاي (هولندا))
المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
TT

إنذارات إخلاء توسّع «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان… وغارات مكثفة ترفع حصيلة الضحايا

سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)
سكان من جنوب لبنان يحملون أسماء بلداتهم المحتلة والمعرضة للتدمير الإسرائيلي خلال اعتصام في ساحة الشهداء بوسط بيروت (أ.ف.ب)

وسّعت إسرائيل نطاق «المنطقة الحمراء» جنوب لبنان إلى مناطق تبعد نحو 22 كيلومتراً عن الحدود في صور والنبطية، عبر إنذارات إخلاء متلاحقة شملت ما يزيد على عشرين بلدة، أدت إلى موجة نزوح إضافية باتجاه مدينة صيدا، قبل أن تترجمها بسلسلة غارات مكثّفة رفعت منسوب الخسائر البشرية ووسّعت رقعة الدمار، في موازاة فرض واقع ميداني جديد يتجاوز حدود «الخط الأصفر».

سكان ورؤساء بلديات ورجل دين من جنوب لبنان خلال اعتصام في ساحة الشهداء تنديداً بتدمير منازلهم (أ.ف.ب)

إنذارات متلاحقة وتوسّع جغرافي

أصدر الجيش الإسرائيلي الخميس، سلسلة تحذيرات عاجلة لسكان بلدات جنوبية بضرورة الإخلاء الفوري، شملت في مرحلتين قرى في صور والنبطية، ما عكس توسيعاً واضحاً لدائرة العمليات.

وضمّ الإنذار الأول بلدات السماعية، والحنية، والقليلة، ووادي جيلو، والكنيسة، وكفرا، ومجدل زون وصديقين، قبل أن تتعرض هذه المناطق لضربات مباشرة عقب التحذير.

وفي إنذار ثانٍ، وسّع الجيش الإسرائيلي دائرة التحذيرات لتشمل جبشيت، وحبوش، وحاروف، وكفر جوز، والنبطية الفوقا، وعبا، وعدشيت الشقيف، وعرب صاليم، وتول، وحومين الفوقا، (قضاء النبطية)، والمجادل، وأرزون، ودونين، والحميري ومعروب (قضاء صور). ودعا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي السكان إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن ألف متر.

وتحدثت مصادر أوساط جنوبية لـ«الشرق الأوسط» عن نشوء «منطقة حمراء» موسعة، تحاذي «الخط الأصفر»، تمتد إلى محيط النبطية على مساحة تتجاوز 35 كيلومتراً عرضاً، وتتعمق لنحو 25 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، وتشمل عشرات القرى التي باتت عُرضة للقصف أو لإنذارات الإخلاء، ما أدى إلى موجات نزوح كبيرة.

وقد شهد الطريق من الجنوب باتجاه مدينتي صيدا وبيروت موجة نزوح جديدة، خصوصاً من النبطية ومحيطها، وذلك عقب التهديد الأخير الذي نشره أدرعي.

غارات تواكب الإنذارات

ترافقت التحذيرات مع ضربات مباشرة، حيث استهدفت غارات عدداً من البلدات المشمولة بها. كما استهدفت مسيّرة دراجة نارية في بلدة الشهابية، ما أدى إلى سقوط قتيلين وجريح، في حين شنّ الطيران الحربي غارة على حي آل حمزة بين النبطية الفوقا وكفررمان.

ونفّذت القوات الإسرائيلية تفجيراً فجراً في بلدة الخيام، في وقت تواصلت فيه الغارات على مناطق عدة، بينها تولين والجميجمة، إضافة إلى قصف أصاب صفد البطيخ وزبقين وجبال البطم وقبريخا وخربة سلم.

تصاعد الدخان من جنوب لبنان إثر غارات إسرائيلية (رويترز)

وفي بنت جبيل، أصابت التفجيرات منازل وبنى تحتية في منطقة خلة المشتى، فيما دمّرت غارة منزلاً تراثياً في النبطية الفوقا يعود لأكثر من مائة عام. كما أدت غارة على باتوليه إلى تدمير محطة المياه، ما تسبب في توقف الضخ للسكان.

حصيلة بشرية مرتفعة

أفادت المعطيات بسقوط 42 قتيلاً خلال 24 ساعة، ليرتفع عدد الضحايا منذ 2 مارس (آذار) إلى 2576 قتيلاً و7962 جريحاً.

وفي حصيلة تفصيلية، أعلن مركز عمليات طوارئ الصحة سقوط 9 قتلى، بينهم طفلان وخمس سيدات، و23 جريحاً بينهم 8 أطفال و7 سيدات.

كما سُجّل سقوط 7 قتلى في غارة استهدفت بلدة زبدين، في إطار استمرار الضربات على قرى النبطية.

كما استأنفت فرق الدفاع المدني عمليات البحث في بلدة جويا عن مفقودين، بعد انتشال خمس جثث، في حين انهار منزل في الحنية فوق ساكنيه وسط صعوبات في وصول فرق الإنقاذ. وسُجل أيضاً خرق للطيران الحربي الإسرائيلي لجدار الصوت فوق منطقة البقاع، ما أحدث دوياً قوياً بعد الظهر.

تصعيد متبادل بالمسيّرات

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف أربع دبابات «ميركافا» في بنت جبيل والقنطرة باستخدام مسيّرات انقضاضية، مؤكداً تحقيق إصابات مباشرة، إضافة إلى استهداف مدفعية جنوب بلدة يارين.

كما أعلن إسقاط مسيّرة إسرائيلية من طراز «هرمز 450» بصاروخ أرض - جو فوق أجواء النبطية، وهو ما أقرّ به الجيش الإسرائيلي.

وأعلن الجيش الإسرائيلي إصابة 12 جندياً نتيجة استهداف آلية عسكرية بمسيّرة انقضاضية في شوميرا، مشيراً إلى تنفيذ عمليات ضد عناصر «حزب الله» وتفكيك مواقع إطلاق صواريخ.

لا وقف لإطلاق النار فعلياً

ميدانياً، أكد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، خلال جولة في محيط الطيبة، أن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة عند «الخط الأصفر»، ولن تنسحب قبل ضمان أمن مستوطنات الشمال، مشدداً على أنه «لا وقف لإطلاق النار في جبهة القتال».

دمار واسع عند نقطة عبور في بلدة كفركلا جنوب لبنان (رويترز)

وكشفت هيئة البث الإسرائيلية عن نقاش دار بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، حيث دعا ترمب إلى مزيد من الحذر في العمليات داخل لبنان، محذراً من أن استهداف المباني يضر بصورة إسرائيل دولياً.

وأشار إلى جهود لمنع انهيار وقف إطلاق النار خلال الأسبوعين المقبلين، في وقت طلبت فيه إسرائيل تحديد إطار زمني للمفاوضات حتى منتصف مايو (أيار)، عادّاً أن «(حزب الله) هو المشكلة، وأن إنهاء نفوذ إيران قد يفتح الباب أمام استقرار لبنان».


أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
TT

أجواء «إيجابية» في محادثات القاهرة حول مقترح الوسطاء الجديد

فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)
فلسطيني يحمل عبوات ماء مملوءة بين خيام النازحين في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الخميس (أ.ب)

وصفت حركة «حماس» اللقاء «الأولي» الذي أجراه وفدها، مساء الأربعاء، مع الوسطاء في مصر لمناقشة المقترح الجديد بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأنه كان «إيجابياً».

واطلعت «الشرق الأوسط» على رسالة وجّهتها «حماس» إلى الفصائل الفلسطينية، جاء فيها أنه كان «لقاءً أولياً صريحاً وواضحاً، وموجزاً، بأجواء إيجابية».

ونقلت الرسالة من «حماس» إلى الفصائل أن وفد الحركة أبلغ الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وفريقه، بأنه «لا بد من تنفيذ واضح للمرحلة الأولى قبل الحديث عن المرحلة الثانية»، مذكّرة بأن «هذا الموقف بالأساس تبنته الحركة والفصائل الفلسطينية». ووفقاً للرسالة، فإن «الوسطاء في انتظار رد إسرائيل كي تتضح الخطوات اللاحقة».

محاولة عرقلة إسرائيلية ومقاربات

وأكد مصدر قيادي في «حماس» محتوى الرسالة، وأن «الأجواء كانت إيجابية» خلال لقاءات عُقدت مع الوسطاء، مساء الأربعاء، مشيراً إلى أن لقاء آخر «عُقد في ساعة متأخرة من ذات المساء مع ملادينوف وشخصيات أخرى».

وبحسب المصدر، فإن ملادينوف الذي وصل إلى القاهرة من إسرائيل، ظهر الثلاثاء، كان يحمل موقفاً إسرائيلياً من الورقة المقدمة مؤخراً والمحدّثة فيما يتعلق بالمرحلتين الأولى والثانية، مشيراً إلى أن لقاءات أخرى ستُعقد الخميس.

فلسطينيون نازحون يودّعون جثامين 4 أشخاص قُتلوا بغارة إسرائيلية استهدفت مركبة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وعبّر المصدر عن اعتقاده بأن «إسرائيل ما زالت تحاول عرقلة الاتفاق من خلال محاولة فرض بعض الشروط المتعلقة بربط أي تقدم في الاتفاق بنزع السلاح، والحصول على موافقة موقّعة من (حماس) والفصائل على ذلك، وهو أمر ترفضه الفصائل جميعها المشاركة في الحوارات بالقاهرة».

وبيّن المصدر أن «هناك محاولات من الوسطاء وملادينوف من أجل إيجاد مقاربات، وهو أمر قد يتحقق من خلال اللقاءات التي ستستمر حتى الجمعة، وفق الجدول المفترض لذلك».

ملاحظات من فصائل اليسار

ورغم «الإيجابية» التي تتحدث عنها «حماس» مع مطالباتها بوضع جدول زمني واضح للتنفيذ ووجود ضمانات حقيقية؛ فإن بعض الفصائل، وخاصةً من اليسار الفلسطيني المنضوية تحت «منظمة التحرير»، قدمت خلال لقاءات مع وفد الحركة سلسلة من الملاحظات المتعلقة بورقة الوسطاء الأخيرة، والتي كانت «الشرق الأوسط» كشفت تفاصيلها.

ووفقاً لمصدر قيادي من فصائل اليسار، فإن ملاحظاتها ركزت على «غياب جدول زمني ملزم للانسحاب الإسرائيلي، مع وجود آلية رقابة واضحة، وإعداد جدول واضح للمرحلة الثانية، وتقليص الدور الوطني الفلسطيني لصالح إدارة دولية، والغموض في آليات تنفيذ المرحلة الأولى، وربط الإعمار بنزع السلاح، وإغفال المناطق الواقعة خلف (الخط الأصفر) في خطط الإعمار».

واقترحت فصائل اليسار الفلسطيني أن يكون «حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية وفق الشرعية الدولية، وأن تباشر اللجنة الإدارية للقطاع مهامها منذ المرحلة الأولى، وأن يتم تحييد السلاح باتفاق وطني في إطار ترتيبات أمنية، وبإشراف الدول الضامنة، وخاصةً مصر، واعتباره وديعة لديها».

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وطرحت الفصائل اليسارية كذلك أن «يتزامن تحييد السلاح مع انسحاب إسرائيلي كامل، ونزع سلاح العصابات المسلحة المرتبطة به، وانتشار القوات الدولية بدءاً من (الخط الأصفر) واستكماله بعد الانسحاب، وتوفير ضمانات دولية لتنفيذ الانسحاب والإعمار، مع ضمان بدء الإعمار في كل المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية بشكل كامل، بما فيها خلف (الخط الأصفر)، وإطلاق خطة التعافي المبكّر مع بداية تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى».

وشدد المقترح على «ضمان حرية العمل السياسي والمدني وفق القوانين الوطنية، وأي ترتيبات في غزة يجب ألا تتعارض مع قوانين السلطة الفلسطينية، وتعزيز التوافق الوطني، ومعالجة ملف العصابات المسلحة عبر مسار خاص، مع إمكانية دمجها بالأجهزة الرسمية، وإيجاد حل شامل لملف الأسرى، خاصةً ممن هم من سكان قطاع غزة، وربط أي ترتيبات لتحييد السلاح بحل هذا الملف».

وقال المصدر من «حماس» إن الملاحظات التي قدمتها الفصائل تم الأخذ بها ونقلها للوسطاء وملادينوف، مشيراً إلى أن هناك بعض البنود بالأساس متفق عليها، مثل دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة في المرحلة الأولى في أقرب وقت.

ورجّح أن يتم السماح بدخول أعضاء اللجنة خلال الفترة القليلة المقبلة، مشيراً إلى أن هناك بوادر إيجابية في هذا الشأن ضمن الردود الإسرائيلية المتاحة لذلك.


إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تواجه مطلب لبنان «خفض التصعيد» بتكثيف الضغوط والغارات

مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مشيِّعون يشاركون في جنازة 3 عناصر من الدفاع المدني قُتلوا بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ردت إسرائيل، الخميس، على المطالب اللبنانية بـ«خفض التصعيد» في جنوب لبنان، بإنذارات إخلاء أصدرتها لبلدات إضافية في الجنوب من شأنها أن تفاقم الضغوط الداخلية على الدولة اللبنانية، وذلك رغم «أفكار» لبنانية وأممية نُقلت إلى إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار في الجنوب، ولا يبدو أنها أعطت نتائج حتى الآن، باستثناء تحييد منشآت الدولة اللبنانية.

وأطلعت المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جنين-هينيس بلاسخارت، الرئيس اللبناني جوزيف عون، الخميس، على نتائج الاتصالات التي أجرتها في إسرائيل في إطار العمل لتثبيت وقف إطلاق النار والحد من التصعيد.

كانت بلاسخارت قد زارت إسرائيل يوم الأحد، والتقت مسؤولين إسرائيليين، في مسعى لتثبيت وقف إطلاق النار الذي تزداد خروقاته يومياً.

يهود متشددون يقفون على الجانب الإسرائيلي من الحدود وينظرون إلى البلدات الحدودية بالتوازي مع عمليات عسكرية للجيش الإسرائيلي (رويترز)

وإذ تؤكد مصادر متقاطعة أن الزيارة لم تحمل أي مبادرة، بل تمثل حراكاً لتثبيت الهدنة، قالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «أفكاراً وتصورات» حُملت إلى تل أبيب تتمحور حول كيفية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن تبلور المفاوضات تمهيداً لها، في إشارة إلى انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

وقالت المصادر إن الحراك «عبارة عن أفكار» و«تصور» كانت تتحدث عنه بلاسخارت، ونقلته إلى الجانب الإسرائيلي.

لكنّ إمكانية الاختراق في الأزمة لم تظهر على الفور، بل ذهبت تل أبيب إلى تصعيد ميداني، تمثَّل في إنذارات إخلاء أصدرها الجيش الإسرائيلي لبلدات تبعد نحو 25 كيلومتراً عن الحدود في قضاءي صور والنبطية.

خفض تصعيد... وليس هدنة

ويصر الجانب الإسرائيلي على أن عملياته تستهدف «حزب الله» ولا تستهدف أصول الدولة اللبنانية. وتنظر مصادر لبنانية إلى ما يجري على أنه «توسعة لمروحة الضغط على الدولة نفسها»، من خلال إنذارات الإخلاء والقصف الذي يدفع عشرات الآلاف إلى النزوح، ويُبقي نازحين آخرين في مواقعهم بعيداً عن بلداتهم، وهو ما يزيد الضغوط على الدولة التي تلتزم بالتفاوض المباشر لحل المشكلة، رغم اعتراضات ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل».

نازح لبناني... من بلدة كفركلا الحدودية في الجنوب إلى خيمة في وسط بيروت (رويترز)

إزاء هذا الواقع، لا يرى مسؤولون لبنانيون أن الاتفاق الممدد لمدة ثلاثة أسابيع، هو «اتفاق هدنة» أو «وقف لإطلاق النار»، بل يُوصف في بيروت بأنه «خفض تصعيد»، حيث انحسرت الضربات في بيروت وضاحيتها الجنوبية، قبل أن تتوسع مرة أخرى تدريجياً إلى عمق يصل إلى 30 كيلومتراً بعيداً عن الحدود.

تحرير الأسرى

في المقابل، يضغط الرئيس عون عبر مروحة اتصالات دبلوماسية، لإلزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار الذي مدَّده الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ثلاثة أسابيع إضافية، كما يضغط لإطلاق الأسرى وتأمين الانسحاب الإسرائيلي. وشدد خلال استقباله وفد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر برئاسة نائب الأمين العام للاتحاد للتطوير والعمليات والتنسيق، خافيير كاستيلانوس، على ضرورة الضغط على إسرائيل كي تحترم القوانين والاتفاقيات الدولية والكف عن استهداف المدنيين والمسعفين والدفاع المدني والهيئات الإنسانية الصحية والإغاثية.

وحسب الرئاسة اللبنانية، «أبلغ الرئيس عون الوفد بأن الانتهاكات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب رغم إعلان وقف إطلاق النار، وكذلك هدم المنازل وأماكن العبادة وجرفها، فيما أعداد الضحايا والجرحى ترتفع يوماً بعد يوم». وقال: «رغم كل الدعوات التي وُجِّهت كي تتوقف إسرائيل عن ممارساتها العدائية، فإن الاعتداءات مستمرة، وهي لا تستثني المسعفين والمتطوعين الذين سقط منهم حتى الآن نحو 17 مسعفاً من الصليب الأحمر اللبناني وهيئات إنسانية أخرى، فضلاً عن استهداف الإعلاميين».

وبينما نوَّه الرئيس عون بالتنسيق القائم والدعم الذي يقدمه الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر للجنة اللبنانية للصليب الأحمر، جدد الدعوة إلى مساعدة لبنان على معرفة مصير الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية التي ترفض إسرائيل حتى الآن السماح للجنة الدولية للصليب الأحمر بالتواصل معهم والاطمئنان على صحتهم وطمأنة ذويهم والدولة اللبنانية.

بري يطالب بوقف الحرب

يأتي ذلك في ظل تباينات بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، خرجت إلى العلن، الأربعاء، حول ملف التفاوض المباشر. وقال وزير الاتصالات شارل الحاج: «لا يوجد أي خلاف في الأهداف بين رئيس الجمهورية وأي مسؤول في الدولة اللبنانية، لا سيما الرئيس نبيه بري، والهدف الأساسي هو وقف الدمار والقتل». وأضاف: «ليس هناك أي لبناني يثق بإسرائيل، لذلك نحن بحاجة إلى ضمانات دولية لا سيما أميركية وعربية على رأسها المملكة العربية السعودية لوقف إطلاق النار وتثبيته».

صورة جوية تُظهر الدمار اللاحق ببلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل جنوب لبنان (رويترز)

ويواظب بري على المطالبة بوقف الحرب، وقال في تصريح بمناسبة عيد العمال: «إن الأول من مايو (أيار) هذا العام بكل ما يحمله من ألم ووجع، يجب أن يكون دعوة وطنية مفتوحة للدولة بكل سلطاتها، وللمجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية والعدلية للتحرك لإلزام إسرائيل بوقف عدوانها فوراً قبل أي شيء آخر، والإسراع لتشكيل لجنة تقصي حقائق دولية حول الجرائم التي تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تنفيذها وتوثيقها بالصوت والصورة على نحو ممنهج بحق العمال وأماكن عملهم، لا سيما المزارعين منهم في المناطق الحدودية الجنوبية وجنوب نهر الليطاني».

«حزب الله» يصعِّد ضد عون

في المقابل، صعّد «حزب الله» حدة هجومه على عون، على خلفية المفاوضات المباشرة، ورأى عضو كتلة الحزب البرلمانية (الوفاء للمقاومة) النائب علي فياض، أن موقف رئيس الجمهورية «يدعو فعلاً إلى مزيد من القلق، لأنه حاول أن يسوِّق المذكرة الأميركية، بدل التبرؤ منها»، مضيفاً أن «الأمر الأكثر خطورة، أنه يوافق عليها دون أن يسجل اعتراضاً واضحاً على مبدأ حرية الحركة للإسرائيليين، رغم مطالبته بوقف إطلاق النار».

وخلال تصريح إذاعي تساءل فياض: «كيف يستقيم إعلان انتظار تحديد موعد للجلسة المقبلة من المفاوضات في ظل استمرار الاعتداءات وارتفاع التصعيد الإسرائيلي واستكمال حملات إبادة القرى؟».

وإذ رأى فياض أن «ثمة ارتباكاً واضحاً في الموقف الرسمي اللبناني وغياباً للشفافية والوضوح»، أضاف: «يبقى الأكثر خطورة أن التفاهم الأميركي ـ الإسرائيلي الجانبي غير المعلن الذي أعطى الإسرائيلي الضوء الأخضر للقيام بما أصطُلح عليها بـ(حرية الحركة تجاه التهديدات المحتملة) بات جزءاً من المذكرة الأميركية التي يوحي كلام فخامة الرئيس بالموافقة عليها».