«من المسافة صفر»... 22 فيلماً قصيراً من قلب غزة برُكامها وخيامها وأحلامها

المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي: البعض كاد يخسر حياته من أجل إنجاز هذا المشروع

«من المسافة صفر» مشروع سينمائي يضم 22 فيلماً صوّرت خلال الحرب في غزة (الشرق الأوسط)
«من المسافة صفر» مشروع سينمائي يضم 22 فيلماً صوّرت خلال الحرب في غزة (الشرق الأوسط)
TT

«من المسافة صفر»... 22 فيلماً قصيراً من قلب غزة برُكامها وخيامها وأحلامها

«من المسافة صفر» مشروع سينمائي يضم 22 فيلماً صوّرت خلال الحرب في غزة (الشرق الأوسط)
«من المسافة صفر» مشروع سينمائي يضم 22 فيلماً صوّرت خلال الحرب في غزة (الشرق الأوسط)

أن توجد في غزة خلال الأشهر التسعة الماضية، يعني أن تركض بحثاً عن مكانٍ يقيك من القصف، أو أن تجول القطاع مقتفياً أثر كيس طحين، أو أن تأوي إلى خيمةٍ مترقّباً مصيرك المجهول. لكن أن تحمل كاميرا تحت الصواريخ وتقرّر أن تُنجز فيلماً يوثّق يوميّات البشر بحلوِها ومُرّها، فهذا يعني أنك عزمت على النهوض كي تروي للعالم ما يجري حقيقةً، و«من المسافة صفر».

«From Ground Zero» أو «من المسافة صفر» هو عنوان المشروع التوثيقي السينمائي الذي يضمّ 22 فيلماً قصيراً، من توقيع مخرجين وفنانين عالقين داخل القطاع المنكوب. «منذ 8 أشهر ونحن منغمسون في هذا العمل، دمعاً وتأثّراً وخوفاً على زملائنا الذين كاد بعضهم يخسر حياته من أجل إنجازه»؛ الكلام للمخرج الفلسطينيّ الغزّاويّ رشيد مشهراوي، الذي أشرف عن بُعدٍ على المشروع بتفاصيله كلّها.

ملصق مشروع «من المسافة صفر» الوثائقي (الشرق الأوسط)

النوم في الكفن

من وسط فعاليات «مهرجان عمّان السينمائي الدولي»، الذي شهد على العرض الأول للفيلم، يتحدّث مشهراوي لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عقد العزم على تسليم الشعلة هذه المرة إلى المخرجين المبتدئين، كي يرووا ما يعاينون بالعين المجرّدة من قلب غزة المدمّرة. يقول مشهراوي إنه في الحروب والانتفاضات التي مضت كلها، كان يجول بعدسته موثّقاً ليخرج بعدها بأفلامٍ شخصية. هذه المرة، تولّى المهمة مخرجون من قلب الفاجعة، فسردوا سينمائياً الحكايات التي لم تُروَ. أما هو، وما بين إقامتَيه بين عمّان وباريس، فوضع كل ما أُتيح له من لمساتٍ على المشروع؛ موظفاً خبرته التقنية وعلاقاته المهنية.

ما تُبصره العين في «من المسافة صفر» لا يشبه بشيءٍ كل ما راكمته الذاكرة البصريّة عن حرب غزة من خلال القنوات الإخباريّة. هنا، تتسلّل الكاميرا ما بين طوابير انتظار المياه والخبز وشحن الهواتف. وهنا، تدخل العدسة إلى قلب الخيمة، حيث أمٌّ تكتب أسماء أولادها على جلدهم الطرّيّ لئلّا تضيع الهويّات إن باغتهم الموت. أما هنا، و«من المسافة صفر»، فيدخل «كريم» في كفن الموتى لينام لأن لا تدفئة تردّ عنه برد الليل.

النوم في الكفن بحثاً عن الدفء من فيلم (الشرق الأوسط)

كعكة في الخيمة احتفالاً

يوضح مشهراوي أن فكرة المشروع انطلقت بعد شهر على اندلاع الحرب، أي بعد «انتهاء فترة البكاء أمام شاشات الأخبار». وبما أنّ الكابوس هذه المرة هو الأكبر عبر التاريخ، كان لا بُدّ أن يُمنَح مَن هم في الداخل الوسائل حتى يرووا حكاياتهم وما يعاينون من كثب.

وسط دموع الحاضرين وذهولهم وشهقات تأثّرهم، عُرضت الأفلام الـ22 في قاعة سينما «تاج» في عمّان، حيث امتلأت المقاعد وحتى الأدراج. طوال الدقائق المائة من مدة العرض، كان القيّمون على المشروع على اتصال مباشر بصنّاع الأفلام في غزة؛ يوافونهم بردود الفعل. يخبر مشهراوي أنهم احتفلوا هناك على طريقتهم بالعرض الأوّل، فـ«حضّروا كعكة في الخيمة، حيث كانوا يُنجزون أعمال المونتاج ويرسلون المادة المصوّرة».

المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي متحدّثاً عن المشروع في افتتاح مهرجان عمّان السينمائي (إدارة المهرجان)

قصص الحياة والموت

مهما تنوّعت الحكايات وغاصت في الفرديّة، فهي كلّها تعكس واقع شعبٍ عالقٍ تحت الصواريخ وأزيز طائرات الاستطلاع، يفترش الركام ولا شيء يقيه نار السماء سوى سقف خيمة. في فيلم «الأستاذ» من إخراج تامر نجم، نتابع يوماً في حياة المدرّس «علاء»، الذي يغادر خيمته حاملاً وعاءً على أمل العودة ببعض الطعام. إلّا أن الطوابير الطويلة تحول بينه وبين الخبز والمياه وشحن الهاتف.

رحلة الأستاذ علاء بين طوابير الخبز والمياه وشحن الهواتف (الشرق الأوسط)

وفي «حِمل زائد» لآلاء أيوب، تنزح المخرجة إلى جنوب القطاع وتجد نفسها مضطرّةً للتخفف من المتاع وتَرك أغلى ما لديها في المنزل خلفها؛ نواكب رحلة آلاء العاثرة ودموعها على كتُبها التي أُجبرت على التخلّي عنها.

أما قصص البحث تحت الركام فيزخر بها الوثائقيّ، وهي تعود ضمن مشاهد حيّة وفي الكوابيس التي تُروى على ألسنة الأطفال. ففي فيلم «24 ساعة» لآلاء دامو، يطلّ ناجٍ ليشارك شهادته حول إنقاذه 3 مرات من تحت الأنقاض خلال يومٍ واحد. وفي «فلاش باك» لإسلام الزريعي، تحكي فتاةٌ مراهقة كيف قُصف بيتها وهي في داخله، وكيف يعود إليها المشهد يومياً في المنام. تتحدّى الصدمة وأزيز «الزنّانة» التي تحلّق في الأجواء، فتضع السمّاعات على أذنَيها وترقص على أحد السطوح برفقة هرّتها.

خيام غزّة والتوثيق الحيّ لمعاناة أهلها (الشرق الأوسط)

أن تنجز فيلماً بلا كهرباء ولا إنترنت

لا تقتصر المخاطرة في إنجاز الأفلام على التصوير وسط الحرب. يروي مشهراوي كيف أن المخرجين والتقنيين عبروا مسافاتٍ تحت القصف من أجل تسليم المادة، كما أن بعضهم تعرّض للاستهداف المباشر خلال التصوير، في وقتٍ فُقد أثر بعضهم الآخر لأيام عدة. هذا إضافةً إلى المعاناة التقنية كانقطاع الكهرباء والإنترنت، التي أجبرتهم على استحداث خيمتَين في كلٍ من دير البلح ورفح، والاستعانة بأدوات الصحافيين، وشراء ألواح الطاقة الشمسية والبطّاريّات من أجل شحن الحواسيب.

رغم العراقيل والتأخير، وصلت المادة إلى فرنسا، حيث جرى العمل على مرحلة ما بعد الإنتاج؛ من استكمال المونتاج، وتصحيح الألوان، وتنقيح الصوت، والترجمة، والموسيقى، والغرافيكس. يؤكد مشهراوي أنه لم يصادف ظروف عملٍ مشابهة طيلة مسيرته الإخراجية الممتدّة 40 عاماً؛ «في مشروع مثل هذا لا يمكن العمل من العقل بل من القلب. أنا ابنُ غزة، وعشتُ حياة هؤلاء السينمائيين جميعاً، فكانوا يخبرونني بكل ما يصادفهم خلال التصوير وخارجه».

جرى تصوير الأفلام بغياب أدنى المقوّمات التقنية (الشرق الأوسط)

لا يريد فريق «من المسافة صفر» لمشروعه أن يحصد التصفيق والدموع فحسب، بل يطمح أن يحرّك الرأي العام الغربيّ ويبدّله، في مواجهة السرديّات الإسرائيلية المضلّلة. وإذا كان الألم فيه سيّد الموقف، فإنّه لا يغفل إخبار الجمهور بأنّ أهل غزة يستحقّون الحياة؛ مثل نضال، الممثل الموهوب الحالم بفُرصة، وتلك الطفلة الراقصة على شاطئ غزة في فيلم «تعويذة»، وأحمد الذي يرفض التخلّي عن حقيبته المدرسيّة، وكلّ هؤلاء المخرجين المبدعين الذين أنجزوا عملاً محترفاً تحت القصف، وبين الركام ومن تحت الخيام.


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

المشرق العربي Palestinians walk amidst destroyed buildings in Gaza City (AP)

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون اليوم الخميس، جراء قصف مُسيَّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين شمال غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مزارعون فلسطينيون يقطفون ثمار الزيتون يوم الاثنين من بساتينهم قرب رام الله في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل وسط هجمات من المستوطنين (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر فلسطيني لـ«الشرق الأوسط»: لا فرصة للتراجع عن تأجيل الانتخابات

أكد مصدر فلسطيني مطلع أنه «لا يوجد فرصة للتراجع» عن قرار الرئيس محمود عباس بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية مُعارض لنتنياهو يضع قناعاً يمثله ويلبس زي سجين ويداه مكبلتان خارج مقر المحكمة بتل أبيب في ديسمبر 2024 (إ.ب.أ) p-circle

نتنياهو أجهض صفقة تبادل شاملة مع «حماس» بعد 9 أشهر فقط من الحرب

كشفت مصادر إسرائيلية عن مشروع اتفاق شامل بين نتنياهو و«حماس» والمدعي العام السابق لـ«الجنائية الدولية» كريم خان، بعد 9 أشهر فقط من بدء الحرب على غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية بالقدس في يونيو الماضي (رويترز)

«إسرائيل تُدار مثل المافيا»... اتهامات جديدة لنتنياهو بالتزوير

بعدما كشف السكرتير العسكري السابق لنتنياهو عن تزويره بروتوكولات ووثائق تتعلق بـ«7 أكتوبر»، هاجمه مدير سابق لمكتبه، وقال إن «إسرائيل تدار بأسلوب عمل المافيا».

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي القوات الإسرائيلية تفرج عن فلسطيني خلال مداهمة في نابلس بالضفة الغربية يوم 7 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

تقرير: السلطة الفلسطينية تعتزم تأجيل الانتخابات التشريعية عدة أشهر بسبب تدهور الأوضاع

كشفت رسالة اطلعت عليها «رويترز» إبلاغ الجانب الفلسطيني فرنسا بتأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر لعدة أشهر بسبب تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
TT

الغموض يحيط بمدفن الأديبة مي زيادة في القاهرة

مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)
مي زيادة الأديبة الفلسطينية اللبنانية (أرشيفية)

حالة من الغموض تحيط بمدفن الأديبة اللبنانية من أصل فلسطيني مي زيادة «1886-1941» بعد إعلان باحث مصري في شؤون المقابر والجبانات عن اختفائه من موقعه في مدافن الطائفة المارونية.

وكان الباحث في شؤون الجبانات والمقابر إبراهيم طايع أعلن عن اختفاء المقبرة، مشيراً على صفحته بـ«فيسبوك» إلى أنه كان في زيارة هناك، ولم يجد لها أثراً، وقال طايع: «المعروف أن مي زيادة توفيت في القاهرة، وخرجت جنازتها من مستشفى المعادي في 17 أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1941م ودفنت في مقابر الطائفة المارونية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنه «زار القبر أكثر من مرة، وقام بتصويره، وهو مدفن بسيط مرتفع عن الأرض، وموضوع عليه رخامة مكتوب عليها: الأديبة مي زيادة... نابغة الشرق، وعليه تاريخ وفاتها».

ويضيف طايع: «في الأيام الماضية حين دخلنا المقابر الخاصة بالطائفة المارونية، لم نجد أثراً لقبر مي ولا توجد رخامة، وكان مكانها رخامة بديلة دون كتابات أدت إلى تغيير شكل القبر تماماً، اختفى القبر كأن المكان لم يكن فيه مدفن من قبل».

وتساءل طايع أين اختفى قبر مي زيادة ومن فعل هذا؟ وما مصير رفاتها؟ وتابع: «حين توجهنا بهذه الأسئلة لبعض المسؤولين عن مقابر الجاليات أخبرونا أن بعض المدافن، عندما تمر عليها سنوات طويلة دون أن يسأل أحد عنها، تتم إزالتها وإعادة استخدام المكان لدفن موتى آخرين، لكن هل ينطبق هذا على مي زيادة، صاحبة الصالون الأدبي الشهير، التي اجتمع حولها كبار أدباء ومثقفي عصرها، وقال عنها أحمد شوقي: (إذا نطقت صبا عقلي إليها، وإن بسمت إليَّ صبا جناني)، ووصفها الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها: رائدة النهضة النسوية في الشرق».

شاهد قبر قديم لمي زيادة (الباحث إبراهيم طايع)

من جهته، قال ميشيل حنا الأديب والباحث في عمارة القاهرة، «إن قبر مي زيادة كان موجودا في خانة في الحائط، وإنه زارها منذ عامين، كان القبر هناك، لكن هذا المدفن لم يكن أول مكان دفنت به، كان هناك مدفن آخر لها، لكن رفاتها نقل إلى مكانها الذي رأيت المقبرة به آخر مرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «هي عادة يلجأ لها المسؤول عن المقابر عندما يجد مكاناً ليس له صاحب ولا يسأل عنه أحد فيقوم بنقل الرفات لإعادة وضع متوفى جديد».

كان لمي في الأصل مدفن خاص بها، حسب قول ميشيل حنا، لكنها نقلت بعد ذلك لمربع في الجدار، وتساءل: «لا أعرف كيف يحدث هذا مع شخصية مثل مي؟ فهي أديبة، وكاتبة، ومترجمة، وشاعرة مهمة، وتُعد واحدة من أبرز رائدات النهضة الأدبية والعمل النسوي في العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين».

مي مع والدتها في الناصرة (من الباحث إبراهيم طايع)

من جانبه، قال الأب نبيل رفُّول مسؤول الطائفة المارونية بالقاهرة لـ«الشرق الأوسط» إنهم لا يعلمون شيئاً عن اختفاء مدفن مي زيادة «فقد كان موجوداً بالفعل»، ويضيف رفُّول أن «هناك قضية مقامة ضد حارس المدافن بعد أن اكتشفنا أنه يتم العبث بها، فهو يدعي أنه ورثها عن جده»، ويضيف رفُّول أن «الطائفة المارونية في انتظار كلمة القضاء في هذا الشأن».

ولدت مي زيادة في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وانتقلت لاحقاً مع عائلتها إلى مصر واستقرت في القاهرة حيث درست في جامعة القاهرة، واشتهرت بثقافتها الواسعة وإتقانها لعدة لغات أجنبية، وأنشأت صالونها الأدبي الأسبوعي الشهير في القاهرة، الذي كان ملتقى لكبار أدباء ومفكري العصر، مثل أحمد لطفي السيد، وخليل مطران، وعباس محمود العقاد، وطه حسين، ومصطفى صادق الرافعي.


السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
TT

السلاحف البحرية ترصد آثار الاحترار في المتوسط

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)
سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

في كل صيف، تتكرر على شواطئ البحر المتوسط معجزة طبيعية عمرها ملايين السنين، حين تشق صغار السلاحف البحرية طريقها من الأعشاش الرملية إلى البحر. لكن هذا المشهد الآسر بات يحمل مؤشرات مقلقة لعلماء البيئة؛ إذ تكشف السلاحف ضخمة الرأس عن التأثير المتنامي لتغير المناخ على النظم البحرية، مع ارتفاع درجات الحرارة الذي يخلّ بالتوازن الطبيعي بين الذكور والإناث ويهدد مستقبل أحد أبرز الكائنات المهاجرة في المتوسط.

على شاطئ إيزتوزو التركي، أحد أهم مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البحر المتوسط، تشق نحو 30 ألف سلحفاة صغيرة طريقها إلى البحر كل موسم بعد خروجها من مئات الأعشاش المنتشرة على امتداد الساحل. ورافقت «رويترز» عالم الأحياء البحرية يعقوب كاسكا وفريقه من المتطوعين خلال جولاتهم الليلية لمراقبة الأعشاش وحماية البيوض المدفونة في الرمال. وتنتشر فوق الأعشاش أقفاص هرمية الشكل تحول دون وصول الثعالب إليها، في حين يتحول الشاطئ، الذي يعج بالسياح نهاراً، إلى ملاذ هادئ لحماية السلاحف ليلاً.

صغار السلاحف البحرية تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو الواقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​في مقاطعة موغلا بتركيا (رويترز)

تميمة «كوب 31»

وأصبحت السلحفاة ضخمة الرأس، التي تحفر أعشاش بيوضها على شواطئ البحر المتوسط، التميمة الرسمية لمؤتمر الأطراف (كوب 31) للمناخ الذي تستضيفه تركيا الشهر المقبل. وستكون حماية البيئة البحرية من المحاور الرئيسية للقمة التي ستنعقد على ساحل أنطاليا.

ويقول باحثون إن تلك السلحفاة توضح كيفية تأثير تغير المناخ على النظم البيئية بمنطقة البحر المتوسط، التي تشهد اتجاهاً طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

درجات حرارة أعلى

أظهر تحليل أجرته «رويترز» أن المياه الأوروبية سجلت أعلى درجات حرارة صيفية على الإطلاق، مع تداعيات خطيرة على بعض المجتمعات الساحلية.

ويقول باحثون إن تغير المناخ يؤدي أيضاً إلى ارتفاع تدريجي في درجات حرارة الشواطئ في أنحاء البحر المتوسط ‌وهي الشواطئ التي ‌تضع فيها السلاحف بيوضها.

ويتحدد جنس صغار السلاحف وفقاً لدرجة حرارة العش؛ إذ تؤدي الرمال الأكثر ​دفئاً ‌إلى ⁠إنتاج أعداد ​أكبر ⁠من الإناث.

وقالت آيفر شيرين، المحاضرة في علم البيئة بجامعة أسكودار والتي أجرت أبحاثاً موسعة على السلاحف ضخمة الرأس: «تقدم لنا السلاحف البحرية نظام إنذار مبكراً وسريعاً للغاية». وأضافت أن تلك الكائنات تظهر عليها آثار التغيرات البيئية التي تؤثر في النظم الساحلية والبحرية لأنها من الأنواع التي تعتمد على اليابسة والبحر معاً.

وفي دراسة دكتوراه استمرت خمس سنوات في جامعة باموكالي، خلصت شيرين إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتبكير مواعيد وضع البيوض وتقليص فترات الحضانة لها في الأعشاش وزيادة نسبة الإناث.

يراقب عالم الأحياء البحرية المتخصص في السلاحف البحرية يعقوب كاسكا وأحد المتطوعين سلحفاة صغيرة وهي تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو (رويترز)

وقدرت الدراسة التي أجريت على شاطئ باتارا أن نحو 70 في المائة في المتوسط من صغار السلاحف ضخمة الرأس عند الفقس من الإناث، وخلصت إلى أن تعديل السلوكيات وحده قد لا يكون كافياً للتخفيف ⁠من آثار تغير المناخ.

وقال كاسكا إن درجات حرارة الأعشاش في إيزتوزو ارتفعت بنحو درجة مئوية ‌واحدة خلال العشرين عاماً الماضية، مضيفاً أن تحليلات أوسع أشارت إلى أن الإناث ‌تمثل ما بين 80 و90 في المائة من صغار السلاحف في العديد من التجمعات.

ويقول ​العلماء إن استمرار ارتفاع درجات الحرارة قد يؤدي في نهاية المطاف ‌إلى انخفاض أعداد الذكور إلى حد لا يكفي لضمان نجاح التكاثر.

وأضافت شيرين أن درجات حرارة الأعشاش التي تتجاوز 30 ‌درجة مئوية تزيد أيضاً من خطر نفوق الأجنة. ووفقاً لفريق الخبراء المختص بالسلاحف البحرية، تصنف السلاحف ضخمة الرأس على أنها معرضة لخطر الانقراض على مستوى العالم.

أما في البحر المتوسط فتدرج ضمن فئة يقل القلق عليها، وهو ما يعكس نجاح جهود الحفاظ على الأنواع، لكن العلماء يقولون إن تغير المناخ يفرض ضغوطاً جديدة.

تعاون بين الدول

قال كاسكا إن نمط الهجرة الذي تتبعه السلاحف يبرز الحاجة إلى تعاون عابر للحدود خلال مؤتمر «كوب 31».

وتابع قائلاً: «قد ‌تضع بيوضها في تركيا، لكنها تتغذى في تونس أو في البحر الأدرياتيكي وغيرها من المناطق»، ودعا الدول إلى التعاون لحماية التنوع البيولوجي في البحر المتوسط.

وأشار كاسكا إلى أن إناث السلاحف ضخمة الرأس تعود عادة بعد عقود إلى الشواطئ التي فقست فيها لوضع البيوض، لكن التغيرات في الأنظمة البيئية دفعت بعضها إلى وضع البيوض في مناطق أبعد شمالاً وهو أمر لم يكن شائعاً من قبل.

سلحفاة بحرية صغيرة تزحف نحو البحر على شاطئ إيزتوزو ​​في تركيا (رويترز)

ويراقب المتطوعون على الشاطئ صغار السلاحف مستخدمين أضواء حمراء خافتة لتقليل أي إزعاج للحد الأدنى في أثناء توجهها نحو البحر، لكن الصغار يواجهون في البحر مخاطر أخرى، من بينها شباك الصيد والقوارب والنفايات البلاستيكية.

وقالت شيرين: «السلحفاة البحرية التي تعلق في شبكة صيد لا تستطيع الصعود إلى السطح للتنفس، وللأسف تموت غرقاً».

ويشكل التلوث بالبلاستيك مصدر قلق على وجه الخصوص. وقال كاسكا إن 60 في المائة من السلاحف التي تنقل إلى مركز للتأهيل يوجد في أجهزتها الهضمية ما لا يقل ​عن خمس قطع من البلاستيك.

وتابع قائلاً: «إلقاء كيس بلاستيكي في ​البحر يشبه ضرب السلاحف بالرصاص».


«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
TT

«ناس من شارعنا»... معرض قاهري يحكي قصصاً باريسية

لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)
لوحات تعكس حكايات باريسية (الفنان)

في معرضه الأحدث، الذي يحمل عنوان «ناس من شارعنا»، يقدم الفنان المصري عبد الرازق عكاشة حكايات وقصصاً من فرنسا، إذ يرصد أحد الشوارع الباريسية التي عاش فيها واختلط بسكانها وروادها من الفنانين والمبدعين، ويقدم رؤيته الجمالية عنهم في نحو 30 لوحة تتداخل فيها الألوان الساخنة والباردة لتنسج حكايات باريسية مشوقة.

ويواصل عكاشة، في المعرض الذي افتُتح الخميس بغاليري «فلك» بوسط القاهرة، الرهان على جرأة استخدام الألوان، مع تكوينات تعبيرية وتجريدية تجعل للحكاية أبعاداً مختلفة في ذهن المتلقي، فتتعدد الرؤى والحكايات المنبثقة من العمل الواحد بقدر تعدد المشاهدين.

من أعمال المعرض (فيسبوك)

ويقول الفنان عبد الرازق عكاشة إن فكرة معرض «ناس من شارعنا» تستند إلى شارع «ريدي ذا بيس» في فرنسا، الذي عاش فيه، ويصفه بأنه شارع مهم جداً في منطقة مونمارتر، التي يعيش فيها الفنانون والأدباء والكتّاب، وتضم أيضاً «مولان روج» أو الطاحونة الحمراء، ويمر بها طريق بيكاسو إلى الهضبة العليا، كما سكنت داليدا بالقرب من هذا الشارع.

ويضيف، في كلمة مصورة تعريفية بالمعرض، أنه لم يختر الرسم عن شارع باريسي تنازلاً عن هويته أو تبادلاً للهويات، وإنما تعبير عن التفاعل الإنساني مع شارع وأشخاص من الفنانين والمبدعين عاش بينهم وقرر أن يرسمهم.

ويوضح: «في هذا المعرض، أعرِّف الجانب العربي أو المصري بكيفية تفكير الآخر ونمط حياته، وأحاول أن أصوِّر له هذا النمط وأنقله إليه كاملاً، فليس هناك تضارب في الهويات، بل محاولة للتقريب بينها».

لوحة تعبر عن حكاية بالمعرض (الفنان)

وتشي اللوحات بالعديد من الحكايات في الشارع الذي اختاره الفنان، من المقاهي وجلسات السمر إلى النزهات بالدراجات والجداريات على المترو، وجميعها تأتي في إطار من الألوان المبهجة والتكوينات الفنية ذات الدلالات المفتوحة على أكثر من حكاية وتفسير.

وأشار الفنان أيضاً إلى أن شغفه برسم الشارع لا يقتصر على الشارع الباريسي، إذ لديه، كما يقول، «مشروع فني منذ 10 سنوات عن العمارة في شوارع مصر»، يحاول من خلاله رصد كيفية عيش الناس في مصر، خصوصاً في الأحياء الإسلامية التراثية وبعض المناطق الشعبية، بما تشهده من زحام، مثل الحسين والعتبة والجمالية وحارة اليهود، وغيرها من الأماكن التي تتجلى فيها هوية الإنسان وخصوصيته.

جانب من المعرض (فيسبوك)

وفيما يلفت عكاشة إلى شروع متحف بيكاسو في باريس في دراسة عرض لوحاته عن غزة، يؤكد أن هذه اللوحات، التي خصص لها معرضاً سابقاً في القاهرة ورسم جدارية كبيرة عنها، تظل من أهم الأعمال التي قدمها، إذ تعبّر عما يشعر به فنان عربي تجاه مأساة غزة.

وسبق أن قدم عكاشة معرضاً بعنوان «جدارية غزة»، ضم أعمالاً ملحمية ومشاهد موجعة من المأساة التي شهدها القطاع جراء الحرب. ورصد في لوحاته مشاهد متعددة من داخل القطاع، استلهمها من نشرات الأخبار والصور والوقائع التي شاهدها العالم.