الفوضى والفلتان وجهان آخران لحرب غزة

انتشار جرائم القتل والنهب في القطاع مع تراجع سيطرة «حماس» على الشارع

دمار واسع في خان يونس الأربعاء (رويترز)
دمار واسع في خان يونس الأربعاء (رويترز)
TT

الفوضى والفلتان وجهان آخران لحرب غزة

دمار واسع في خان يونس الأربعاء (رويترز)
دمار واسع في خان يونس الأربعاء (رويترز)

تُظهر موجة واسعة من الفلتان الأمني المتصاعد في قطاع غزة أن حركة «حماس» فقدت، إلى حدٍّ ما، سيطرتها على شوارع القطاع، وهي سيطرة طالما تغنَّت بها الحركة خلال 17 عاماً حكمت فيها القطاع، حتى خلال الحروب المتكررة التي شنتها إسرائيل.

وبخلاف أي حرب سابقة، يواجه الغزيون حالياً، في مناطق واسعة من القطاع، تصاعداً في انتشار الجريمة التي شملت عمليات قتل وسطو وسرقة ونهب وفوضى، وصلت إلى حد أخذ الثارات القديمة المعلقة، ونهب بيوت مسكونة أو مدمّرة، ومهاجمة مستشفيات وقوافل مساعدات، والكثير من عمليات البلطجة ضد المواطن العادي.

فلسطيني يسير وسط أبنية دمرتها الغارات الإسرائيلية في خان يونس بجنوب قطاع غزة الأربعاء (رويترز)

وأكدت مصادر أمنية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن ظاهرة جديدة مقلقة بدأت تطفو إلى السطح، تمثلت في تصفية حسابات قديمة على «خلفية قضايا ثورية». وأضافت: «لقد تم قتل العديد من الأشخاص على خلفية قضايا تتعلق بالانتفاضة الأولى، عام 1987، وقُتل آخرون في ثارات عائلية».

وتفيد إحصاءات شبه رسمية حصلت عليها «الشرق الأوسط» بمقتل ما لا يقل عن 14 شخصاً في شهر يونيو (حزيران) الماضي، في حين قُتِل 21 في شهر مايو (أيار)، خلال جرائم سُجلت في مناطق متعددة بشمال القطاع وفي رفح وخان يونس بجنوبه وفي دير البلح والنصيرات بوسطه.

فلسطينيون يسيرون وسط الدمار في أحد شوارع خان يونس الأربعاء (رويترز)

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن من بين القتلى 3 حالات على خلفية «قضايا ثورية». ومن أبرز المجني عليهم في عمليات القتل هذه محمود نشبت، وهو أحد المطلوبين لقوات الاحتلال من سكان مخيم البريج، وقُتل في دير البلح. ودفعت هذه الحالات القوى الوطنية والإسلامية في قطاع غزة إلى إصدار بيان عبرت فيه عن رفضها «فتح ملفات اتفق الكل الفلسطيني على إغلاقها، وليست محلاً للمناقشة»، في إشارة إلى ملف تصفية مشتبه بهم بالتجسس لصالح إسرائيل خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987. كما دانت القوى الفلسطينية بشدة «زرع فتيل الفتنة بتهديد الآمنين بحجة أخذ الثأر»، داعية وزارة الداخلية التابعة لـ«حماس» إلى «الضرب بيد من حديد على كل مَن تسوّل له نفسه العبث بحياة المواطنين».

دمار في خان يونس جراء الغارات الإسرائيلية الأربعاء (رويترز)

وملف الانتفاضة الأولى معقَّد لأنه يشمل أحقاداً من أفراد تجاه آخرين يتهمونهم بتصفية أقربائهم لأسباب مختلفة، من بينها التعاون مع إسرائيل.

وقال مصدر فصائلي مطلع على التفاصيل لـ«الشرق الأوسط» إن إعادة فتح هذا الملف مجدداً سيكون خطيراً على الأمن والسلم المجتمعي، وسيفتح آفاقاً أمام ارتكاب جرائم تحت ذرائع واهية تطال شخصيات وطنية، وسيسمح للاحتلال باستغلال مثل هذه الحوادث في تنفيذ أجندته الهادفة إلى تغيير الواقع الأمني في قطاع غزة.

وثمة محاولات حثيثة تجري الآن لاحتواء الموقف، لكن دون آفاق واضحة.

وقَتْلُ الفلسطينيين بأيدٍ فلسطينية وسط حرب مدمرة يُفترض أن توحّدهم يُظهر إلى أي حد استغلَّت عائلات وجماعات غياب الأمن لتحقيق أهداف قديمة.

ولم تُظهر «حماس» ردة فعل كبيرة على ما يحصل، لكنها سعت في الآونة الأخيرة إلى إظهار شيء من القوة والحزم، دون أن يمثل ذلك رادعاً، على ما يبدو، لأولئك الذين ينظمون عمليات سطو ونهب شبه منظمة.

وقال مصدر حقوقي في أحد المراكز التي تخدم في قطاع غزة والممول من دول أوروبية، إن حكومة حركة «حماس» فقدت يدها العليا في الملف الأمني بسبب الضربات الإسرائيلية التي لا تتوقف، ولذلك يشعر المواطن في غزة إما بأنه متحرر أو أنه فقد أمنه الشخصي. وأضاف المصدر الذي فضَّل عدم ذكر هويته لأسباب مختلفة، لـ«الشرق الأوسط»، أنهم تلقوا شكاوى من مواطنين تعرضوا لمحاولات قتل أو تهديد بالقتل أو للإيذاء بالضرب والسرقة. وتابع: «جزء منها (الشكاوى) على خلفية ثأر عائلي، وجزء لأن المواطن المستهدف يملك المال ويجري ابتزازه... وهناك جزء أيضاً مرتبط بمقاومة المواطن؛ سرقات وعمليات نهب».

تحميل مساعدات وجهتها غزة عند معبر كرم أبو سالم الأربعاء (رويترز)

وينظم مسلحون من عائلات وعشائر هجمات شبه يومية على منازل ومؤسسات وبضائع المساعدات، ووصل الأمر إلى حد استهداف المارة وسرقة أموالهم ومقتنياتهم، في صورة تزيد من صعوبة واقع الحياة في القطاع. كما سُجلت حالات سطو على صيارفة وأصحاب رؤوس أموال في مناطق شمال القطاع. كذلك أقدم مسلحون على اقتحام المستشفى الميداني الأردني في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، وسط إطلاق النار، محاولين خطف شخص من هناك. وقد نهبوا بعض ممتلكات المستشفى خلال الهجوم.

أما في الوسط والجنوب، فلا يمكن حصر عمليات السطو الكثيرة والمتكررة التي تطال كل شيء يمكن نهبه تقريباً، بما في ذلك بيوت الفلسطينيين القائمة أو المدمَّرة، وكذلك المساعدات التي يتلقونها، بالإضافة إلى مؤسساتهم ومحالهم التجارية، وحتى مراكز إيواء النازحين.

وواضح أن قوات أمن وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة لا تستطيع حالياً فرض سيطرتها على الفوضى في الشارع. واشتكت مصادر حقوقية من أن الشكاوى التي تصل لا يتم النظر فيها من قبل الجهات الأمنية بسبب واقع الحرب الصعب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الاتصال بمسؤولين في الأمن الداخلي بغزة للحصول على رد منهم، لكن تعذَّر ذلك بسبب الوضع الميداني وملاحقة إسرائيل لهم ورصدها اتصالاتهم. لكن مصادر في الجهاز الأمني بغزة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن الجهات المسؤولة عن أمن المواطنين تتعرض لهجمات إسرائيلية باستمرار، مضيفة: «ضباط وعناصر من الشرطة ومختلف الأجهزة الأمنية يتم استهدافهم بشكل متكرر، في محاولة لتعزيز الفوضى ومنع تحقيق الأمن».

واغتالت إسرائيل فعلاً ضباطاً وعناصر أمن في كل مناطق قطاع غزة، وقصفت مقراتهم، وسعت أيضاً إلى تقليص قدرة «حماس» على تأمين رواتبهم.

وقال مصدر في حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» إن استهداف الحكم المدني يأتي ضمن مخطط لنشر فوضى حقيقية وخلق بديل لحكم الحركة يخدم إسرائيل.وفي محاولة متواضعة، بدأت الأجهزة الأمنية التابعة لـ«حماس»، بزي مدني، إجراء ملاحقات واعتقالات وتحقيقات، واستخدمت غرفاً جاهزة وقابلة للنقل (بركسات) توضع في مدارس أو عند أبوابها أو أمام بيوت ومساجد مدمرة، كمراكز اعتقال وتحقيق، رغم أن بعض الموقوفين فقدوا حياتهم في غارات إسرائيلية طالت أهدافاً قريبة من مكان احتجازهم.

واعتقل أمن «حماس»، في الأيام القليلة الماضية، فلسطينيين على خلفية قضايا سرقات وقضايا أخلاقية ومتعلقة بالاتجار بالمواد الخطرة، وكذلك قضايا أمنية. لكن ذلك لم يمكن الحركة حتى الآن من ردع الفوضى المتنامية في القطاع.


مقالات ذات صلة

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول مقهى على شاطئ البحر في غزة تعرض لقصف إسرائيلي (رويترز) p-circle

مسعفون: مقتل 2 على الأقل في غارة إسرائيلية على مقهى بغزة

‌قال مسؤولون في مجال الصحة إن غارة جوية إسرائيلية أودت بحياة ​فلسطينيين اثنين على الأقل، وأصابت 12 آخرين في مقهى بغزة كان مكتظاً بالمواطنين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يؤمنون الجولة الأسبوعية للمستوطنين في شوارع الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

القوات الإسرائيلية تقتل فلسطينياً حاول دخول القدس عبر الجدار الفاصل

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً أثناء محاولته دخول القدس عن طريق تسلق الجدار المقام في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
شؤون إقليمية نائب رئيس الأركان العامة للجيش الإسرائيلي سابقاً اللواء يائير غولان في مقبرة كريات شاؤول العسكرية قرب تل أبيب (غيتي) p-circle

«يشوهون سمعة إسرائيل»... مشروع قانون لمعاقبة الجنرالات السابقين المعارضين

تجري لجنة في «الكنيست» الإسرائيلي مداولات لسن قانون لمعاقبة كبار الجنرالات السابقين المعارضين والمنتقدين لسياسة الحكومة والجيش، لأنهم «يشوهون سمعة إسرائيل».

نظير مجلي (تل أبيب)
العالم العربي فلسطينية تقف يوم الجمعة الماضي أمام حطام منزل أسرتها الذي دمره الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب غزة (أ.ب) p-circle

«حماس» تحمّل ملادينوف مسؤولية عن التصعيد... واتصالات الوسطاء مستمرة

في حين حمّلت حركة «حماس» الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف مسؤولية عن التصعيد الإسرائيلي في القطاع، أكدت استمرار الاتصالات لوضع حد للتصعيد.

محمد محمود (القاهرة) «الشرق الأوسط» (غزة)

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب)
TT

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب)

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

وقال مصدر قريب من «حماس» لوكالة الصحافة الفرنسية إن الحركة وفصائل فلسطينية أخرى «تلقّت دعوة من مصر للمشاركة في المحادثات»، مشيراً إلى أن الوسطاء «قدموا أفكاراً حول مقترح جديد معدّل» لتنفيذ وقف إطلاق النار «يكون مقبولاً» من «حماس» وإسرائيل.

وسوف يشارك في المباحثات إلى جانب مسؤولين مصريين، مسؤولون قطريون وأتراك. ومن الجانب الفلسطيني، ممثلون عن «حماس»، وحركة «الجهاد الإسلامي»، والجبهة الشعبية، ولجان المقاومة الشعبية، والمبادرة الوطنية، والتيار الإصلاحي الديمقراطي في حركة «فتح» الذي يتزعمه محمد دحلان.

وحسب المصدر ذاته، من المتوقع أن يصل وفد «حماس» برئاسة خليل الحية ووفود الفصائل الأخرى إلى القاهرة، الثلاثاء.

وأشار المصدر إلى أن الوسطاء ينسّقون للقاء بين وفد «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في مصر، «خلال الأيام المقبلة لمناقشة تسليم اللجنة الوطنية إدارة غزة وبدء الإعمار».

وقال المصدر إن «(حماس) ترى أنه يمكن تحقيق اختراق إذا لم تضع إسرائيل عقبات جديدة».

وأُعلن وقف لإطلاق النار في قطاع غزة في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بعد حرب مدمّرة بين إسرائيل و«حماس» استمرّت أكثر من سنتين. إلا أنه يبقى اتفاقاً هشاً، إذ يشهد القطاع بشكل شبه يومي غارات إسرائيلية تُوقِع قتلى وجرحى وتُحدث مزيداً من الدمار.

ونصّت المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار على وضع حدّ للعمليات العسكرية، وانسحاب إسرائيل من المناطق السكنية، ودخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر. على أن تشمل المرحلة الثانية نزع سلاح «حماس»، وتسليم إدارة غزة إلى لجنة وطنية بإشراف مجلس السلام الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبدء إعادة الإعمار.

وقال مصدر مطلع ثانٍ إن «(حماس) وفصائل المقاومة لن تقبل نزع السلاح على طريقة الاحتلال».

وتابع أن «(حماس) جاهزة للتعامل الإيجابي مع أي مقترح على أن يضمن حلاً شاملاً»، وأنها «أبلغت الوسطاء انفتاحها على مناقشة ملف السلاح في إطار اتفاق شامل بما لا يمس حقوق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وإقامة دولته المستقلة».

وقال مسؤول في «حماس» إن «على إسرائيل تنفيذ كامل استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، قبل البدء بالحديث عن المرحلة الثانية».

وطالب بـ«ضمانات من الوسطاء والإدارة الاميركية لإلزام إسرائيل» بذلك.

ورأى عضو المكتب السياسي في «حماس» أسامة حمدان، في بيان صدر الاثنين، أن «ربط ملادينوف دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى غزة، بمسألة نزع سلاح المقاومة، يمثّل ابتزازاً سياسياً لا علاقة له ببنود الاتفاق».

ووجّهت إسرائيل ضربات قاسية إلى «حماس» خلال الأسابيع الماضية باغتيال عدد من كبار قادتها العسكريين.

وقُتل 930 فلسطينياً على الأقل منذ بدء الهدنة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة التي تديرها «حماس».


هل ينجح الزيدي في تعميم نموذج «سرايا السلام» على بقية الفصائل؟

الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
TT

هل ينجح الزيدي في تعميم نموذج «سرايا السلام» على بقية الفصائل؟

الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)
الزيدي خلال لقائه الأحد القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام رئاسة الوزراء)

رغم التصريحات المتكررة التي يطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والردود المقابلة التي تطلقها بعض الفصائل المسلحة، بشأن إمكانية نزع أسلحتها وتسليمها إلى الجهات الرسمية، لا تزال الخطوات العملية التي تتوج كل ذلك غير واضحة، باستثناء مبادرة زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر.

ومع تعيين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السفير توم برّاك مبعوثاً رئاسياً إلى العراق، يتوقع مراقبون تزايد الضغوط الأميركية على بغداد للاستجابة إلى مطالبها الرئيسية المتعلقة بتفكيك الفصائل المسلحة الحليفة لإيران ومجابهة نفوذ الأخيرة.

وكان الصدر أوعز، الأسبوع الماضي، إلى جناحه العسكري «سرايا السلام» بفك ارتباطها التام بتياره والتحاقها الكامل بالدولة العراقية لتكون جزءاً من المؤسسات الأمنية الرسمية وتحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة.

ومع أن تحرك الصدر هذا يعني ضمناً أن «السرايا» لم تكن خاضعة لسلطة القائد العام خلال سنوات عملها الممتدة لنحو 12 عاماً، فإن الخطوة وُصفت بـ«المشجعة»، وعدّها كثيرون مدخلاً لنزع أسلحة بقية الفصائل، لكنها في نظر بعضهم لا تشكل خطوة قطعية لبقية الفصائل، خصوصاً المرتبطة بإيران والمحسوبة على ما بات يعرف بـ«محور المقاومة»، خلافاً للصدر وفصيله الذي نأى بنفسه عن ذلك منذ سنوات.

وقال رئيس الوزراء، السبت، إنه «عازم على إنهاء كل مظاهر السلاح خارج الدولة رغم الضغوط التي تمارَس من قبل جهات سياسية عليا».

وتحدث عن أن «عملية حصر السلاح ونزعه سوف تكون على مراحل، وبدأت الآن مع النزع الطوعي لسلاح (سرايا السلام) عبر مبادرة متكاملة من قبل السيد مقتدى الصدر، الذي شكلنا معه لجنة مشتركة لهذا الغرض وضعنا لها سقفاً زمنياً أمده أسبوع للانتهاء من هذا الملف».

حصر السلاح

كان خمسة فصائل، من ضمنها «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، و«منظمة بدر» بزعامة هادي العامري، بجانب «كتائب سيد الشهداء» و«كتائب الإمام علي» و«حركة ثار الله»، قد تحدثت عن إمكانية نزع أسلحتها، من دون أن تذكر أو تحدد كيفية ذلك. في المقابل، تتمسك «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» بالسلاح وترفض نزعه. لكن حسين الشيحاني عضو المكتب السياسي لحركة «الصادقون»، الجناح السياسي لـ«عصائب أهل الحق»، تحدث عن قيام قوى «الإطار التنسيقي» بـ«التحضير لمسودة قرار ينظم عملية حصر السلاح، ويوضح كيفية التعامل مع الوجود الأجنبي، فضلاً عن تمكين القوات الأمنية ومنظومات الدفاع الجوي».

وقال الشيحاني في تصريحات صحافية إن «ما يحصل الآن في ملف حصر السلاح يتماشى مع ما طالبنا به منذ 2017 بشكل واضح وتفصيلي وبمسمياته، فعندما نقول (الارتباط)، فهو ارتباط الألوية بـ(هيئة الحشد الشعبي)، وارتباطها بالقائد العام للقوات المسلحة».

وأضاف أنه «منذ عام 2017 كل ما لدينا من أجنحة سياسية انفصلت انفصالاً تاماً، وتم فك الارتباط مع الأجنحة المسلحة».

وأشار إلى أن «هناك سلاحاً منذ 2017 في المخازن، وطالبنا مراراً بجرده، وكانوا يقولون لنا إنه ليس هناك شيء قانوني يُستند إليه لجرد هذا السلاح وإدخاله ضمن الذمة».

ضغوط المبعوث الأميركي

من جهته، يرى مسؤول بارز في قوى «الإطار التنسيقي» أن تعيين مبعوث خاص للعراق سيزيد الضغوط على رئيس الوزراء، ومن ورائه قوى «الإطار»، بشأن مشكلة السلاح خارج إطار الدولة.

ويؤكد المسؤول، الذي يفضّل عدم الإشارة إلى اسمه، لـ«الشرق الأوسط» أن «قوى (الإطار) مهتمة فعلياً بإيجاد مخرج لهذه المعضلة، لكن تريد أن تمر بطريقة عملية وسهلة بعيداً عن صدامات حادة بين الحكومة والفصائل».

ويتحدث المسؤول عن «سيناريوهات محتملة» للانتهاء من هذا الملف، من ضمنها «تطمين جماعات الفصائل بعدم الملاحقة وإمكانية انخراطها في الجسد الحكومي».

وفي مقابل الأنباء التي تتحدث عن عدم قبول أميركي بانخراط الفصائل في العمل الحكومي حتى مع إعلان نزع أسلحتها، يرى المسؤول أن «عملية إقصاء الفصائل من المشهد تماماً عملية غير واقعية، بالنظر للدور الميداني العسكري، وللثقل السياسي الذي تتمتع به الفصائل داخل قوى (الإطار التنسيقي) التي هي الحاضنة السياسية لرئيس الوزراء علي الزيدي».

حافز للحكومة

ويتفق المحلل والدبلوماسي السابق غازي فيصل على الدور الذي يمكن أن يلعبه المبعوث الأميركي توم برّاك في مساعدة الحكومة العراقية في مسألة نزع سلاح الفصائل. ويرى أن «نزع السلاح يستند إلى الدستور والقوانين النافذة التي تمنع تشكيل تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة».

وقال فيصل لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المؤكد أن المبعوث الرئاسي الأميركي للعراق يسهم في تقديم أي دعم تحتاجه أو تطالب به الحكومة العراقية، خصوصاً وزارتَي الدفاع والداخلية وغيرهما من المؤسسات الأمنية الحيوية في إطار الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين الموقع في عام 2008».

ويرى أن «مبادرة بعض الفصائل لنزع أسلحتها ستعطي حافزاً قوياً للحكومة لحسم هذا الأمر مع البقية. ومع الدور والرغبة الأميركية في مواجهة نفوذ إيران وفصائلها، ومع الاستجابة المتوقعة من الحكومة العراقية لذلك، فإنه من الممكن حسم هذا الملف خلال الأشهر القليلة المقبلة».


بعد إقلاع الطائرة... وزيرة التنمية الألمانية تلغي زيارتها لبيروت

 وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
TT

بعد إقلاع الطائرة... وزيرة التنمية الألمانية تلغي زيارتها لبيروت

 وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)
وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان (د.ب.أ)

أُلغيت في اللحظات الأخيرة زيارة كانت وزيرة التنمية الألمانية ريم العبلي رادوفان، تنوي القيام بها إلى لبنان، وذلك لأسباب أمنية.

وجاء في بيان الإلغاء أن القرار اتُّخذ «لأسباب عسكرية، في ضوء التقييمات الجارية للتطورات المرتبطة بالتدهور الحاد والمفاجئ للوضع في بيروت»، ولفت البيان النظر إلى أن الرحلة إلى العاصمة اللبنانية تم وقفها في أثناء اقتراب الطائرة من وجهتها.

وكانت الوزيرة المنتمية إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي تعتزم، خلال زيارة تستمر يومين إلى لبنان، الاطلاع ميدانياً على تداعيات الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل. وكان من المقرر أن يرافقها في الزيارة وزير التنمية الدولي النرويجي أوسموند غروفر أوكروست، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

كان برنامج الزيارة يتضمن عقد لقاءات مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، المسؤولة أيضاً عن تنسيق إدارة الأزمات في البلاد، إضافةً إلى وزيرة التربية ريما كرامي. وكان من المنتظر أن تتركز المحادثات على قضايا من بينها أوضاع النازحين داخل لبنان.

وشهدت الأوضاع بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني تصعيداً حاداً خلال الفترة الأخيرة. فعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار رسمياً، لا تزال المواجهات مستمرة.

وأصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، اليوم (الاثنين)، تعليمات للجيش باستهداف ما وصفاها بـ«أهداف إرهابية تابعة لـ(حزب الله)» في ضواحي بيروت، وفقاً لبيان صادر عن مكتب نتنياهو.