مهرجانات العالم تصعد وتهبط أو تبقى حيث هي

أماكنها وأزمنتها تختلف كبورصة نجوم السينما

حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين استقبل توم كروز في إحدى دورات مهرجان «دبي»
حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين استقبل توم كروز في إحدى دورات مهرجان «دبي»
TT

مهرجانات العالم تصعد وتهبط أو تبقى حيث هي

حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين استقبل توم كروز في إحدى دورات مهرجان «دبي»
حاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين استقبل توم كروز في إحدى دورات مهرجان «دبي»

يحتفي مهرجان شيكاغو، في الشهر العاشر من هذا العام، بمرور 68 سنة على ولادته سنة 1956. هو بالطبع ليس أقدم مهرجان سينما في العالم، لكنه أقدم مهرجان سينمائي في الجزء الشمالي من القارة الأميركية.

المهرجان الأميركي العتيد تمتع بالفرادة عاماً واحداً، إذ انطلق على إثره في عام 1957 مهرجان كبير آخر هو سان فرانسيسكو.

كل منهما كان له شأن كبير في الستينات والسبعينات. لكنهما اليوم أقل استدعاء لعناصر النجاح وأقل شهرة من مهرجانات أميركية أخرى مثل «صندانس» و«بالم سبرينغز» و«سانتا باربرا» و«ترايبيكا».

المهرجانات الثلاثة الأولى (صندانس وبالم سبرينغز وسانتا باربرا)، كلها في ولاية كاليفورنيا، كذلك حال مهرجان سان فرانسيسكو، فهل يعكس ذلك أهمية الموقع الجغرافي بالنسبة لمهرجان ما؟ وإذا كان يفعل لماذا لا يواكب النجاح ذا الأمد الطويل مهرجانات أخرى تُقام في مدن وعواصم رئيسية مثل القاهرة وأثينا وطوكيو وروما؟

مهرجان «سان سيباستيان» نافس «كان» (سان سيباستيان)

حديث العالم

الأسئلة كثيرة وكاشفة عن أن النوايا لا تحقق النجاح بالضرورة. هناك باع واسع بينها وبين ما يمكن فعلاً تحقيقه، وبين ما يمكن تحقيقه لكن الممكن يتحوّل إلى المستحيل بسبب عوائق أهمها عدم الدراية والسرعة في محاولة إثبات الفاعلية والشهرة.

قبل 60 سنة أو ما يواكبها لم تكن المهرجانات في الأساس غزيرة العدد (نحو 9 آلاف مهرجان حسب موقع IMBd معظمها صغير لكنه منتظم) مما جعل المهرجانات الموجودة في ذلك الحين قادرة على البروز واحتلال المكان المتقدّم في خريطة المهرجانات. لكن حتى في ذلك الحين كانت هناك مهرجانات ترتفع عن سواها وأخرى تهبط كالمصاعد الكهربائية. على سبيل المثال شكّل مهرجان سان سيباستيان السينمائي (الذي احتفى بمرور 60 سنة على إنشائه العام الحالي) شوكة في خاصرة مهرجان «كان» في مطلع الستينات ولبضع سنوات. كان أشهر وأكبر وتحلّى بميزانية أوفر وجمع أفلاماً أهم.

شيكاغو وسان فرانسيسكو كانا حديث العالم في ذلك الحين تماماً كمهرجانات أوروبا. إلى حدٍ كبير بقي هذان المهرجانان في مرمى اهتمام العالم. السينما الفرنسية اختارت شيكاغو سنة 1972 لعرض نسخة مرممة من فيلم «بونابرت والثورة» لآبل غانس، وروسيا اختارته ليكون العرض الأول لفيلم غريغوري كزنتزيف «الملك لير» (ما زال أحد أهم الإنجازات الفيلمية عن ذلك النص الشكسبيري الذي لا يُهزم).

على الجانب الأوروبي أحاط مهرجان موسكو نفسه بهالة كبيرة من النجاح مستقبلاً أفلاماً شرقية وغربية. وقف وراء نجاحه حقيقة أن العالم المنقسم على نفسه بين يسار ويمين وجد فيه ضالة فريدة من حيث رغبة ذلك المهرجان الدفع إلى الواجهة في سينما تقدمية سياسياً وجيدة فنياً.

لم يكن التنويع أمراً سهلاً في البداية. رغم ذلك، وفي إطار الدورة الرابعة سنة 1956 (حين كان لا يزال يُقام كل عامين بالتناوب مع مهرجان كارلوڤي ڤاري في تشيكوسلوڤاكيا، سابقاً) جاءت الأفلام من النادي الأوروبي الشرقي: بلغاريا، ورومانيا، وألمانيا الشرقية والمجر كما من السينمات الغربية مثل إيطاليا وبريطانيا والدنمارك وفنلندا والولايات المتحدة).

السينما العربية وجدت في موسكو ملاذاً جيّداً منذ الستينات وما بعد، فعرض فيه مخرجون عرب لامعون أفلامهم. من بينهم المصريون، حسين كمال، وصلاح أبو سيف، وحسام الدين مصطفى، والسوري صلاح ذهني، والجزائريان محمد بوعماري ومرزاق علواش، وعديدٌ غيرهم؛ صلاح أبو سيف، ومديحة يسري، ويوسف شاهين كانوا من عداد لجان التحكيم الرئيسية في تلك الآونة.

للملاحظة، كان وجود حسام الدين مصطفى في مهرجان موسكو أمراً غير متوقع بسبب مواقفه السياسية، لكنه عرض هناك فيلمه «سونيا والمجنون» (المأخوذ عن رواية «الجريمة والعقاب» لفيودور دوستويفسكي)، ما يبرر رغبة المخرج في الذهاب به إلى ذلك المهرجان.

طبعاً كان مهرجان موسكو محطة سياسية الهدف، لكن المهرجانات الكبرى الثلاث، فينيسيا وكان وبرلين، كانت بدورها ردات فعل سياسية حيال أحداث وتطوّرات من هذا النوع ألمّت بالعالم قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها.

«سونيا والمجنون» لحسام الدين مصطفى (ستديو مصر)

صعود وهبوط

بالممارسة وتبعاً للمتغيّرات، تهاوت العناصر السياسية جانباً كسبب لإطلاق مهرجان أو نجاحه. مهرجانات الثمانينات والتسعينات وما بعد أقيمت لغايات أخرى في صدرها الرغبة في أن يكون للمدينة أو للبلد الذي تنتمي إليه موقعاً بين هذه الاحتفالات الكبيرة. في هذا السياق نجد نشأة معظم المهرجانات الدولية مثل مهرجانات القاهرة وإسطنبول وأثينا وروتردام وتورونتو ونيويورك وساراييڤو ونيودلهي ومهرجانات أخرى من تلك المذكورة آنفاً.

وعى العالم العربي أهمية المهرجانات باكراً: قرطاج في مطلع الستينات ثم دمشق والقاهرة وصولاً إلى دبي وأبوظبي ومراكش ثم، في السنوات العشر الأخيرة، البحر الأحمر والجونة وعمّان وبغداد وسواها.

في مضمار ما يتناوله هذا الاستعراض ارتفعت مهرجانات عربية عديدة وهبطت. الحال أن «القاهرة» بدا فاعلاً أساسياً في هذه المنطقة من العالم، وكوّن لنفسه صدى طيّباً لجانب ذاك الذي اشتهر به مهرجان قرطاج بوصفه مناسبة لجمع الأفلام العربية والأفريقية. لكن الطموح الكبير للقاهرة لم يصاحبه معرفة الكيفية الصحيحة للإدارة فتحوّلت المناسبة إلى غاية بحد نفسها.

مع «دبي» و«أبوظبي» ارتفعت الآمال بمهرجانين حدثيين في العالم العربي خصوصاً «دبي»، الذي استفاد سريعاً من خبرة من عملوا فيه ومن حقيقة أن مدينة دبي تجذب، طبيعياً الإعلام ولها موقع جيد بوصفها مدينة مزدهرة ومختلفة. شهرة مهرجان «دبي» وقيمته الفنية والإعلامية سادت طوال سنوات إقامته التي امتدت لـ10 سنوات قبل إيقافه وهو في أوج نشاطه.

بينما تسهر الكفاءات اليوم على دفع جميع المهرجانات، عربية وغير عربية، إلى صف أمامي أول، لا بدّ الإشارة إلى أن كلمة «العالمي» لا تعني شيئاً أكثر من التعريف بتصنيف الأفلام التي يعرضها. نحن نبلغ العالمية عندما يختار مهرجاناتنا صانعو الأفلام قبل سواها.


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.