غنائم نابليون: عندما قرر العالم إعادة الفن المنهوب

تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة (شاترستوك)
تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة (شاترستوك)
TT

غنائم نابليون: عندما قرر العالم إعادة الفن المنهوب

تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة (شاترستوك)
تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة (شاترستوك)

تواجه المتاحف الآن مطالب متزايدة لإعادة المجموعات الفنية المعروضة داخلها إلى أوطانها الأصلية، لكن الخبراء يقولون إن الكثير من هذا الجدل يعود إلى عام 1815 عندما أُجبر متحف اللوفر على تسليم غنائم حرب سابقة.

وفي سبتمبر (أيلول) 1815، وصل كارل فون ميفلينغ، الحاكم البروسي لباريس، إلى أبواب متحف اللوفر وأمر حراسه الفرنسيين بالتنحي جانباً، إذ كان مسؤولون بلجيكيون وهولنديون قد وصلوا، بدعم من القوات البروسية والبريطانية، لاستعادة التحف الفنية التي نهبها الفرنسيون خلال الحروب الثورية وحروب الإمبراطور الفرنسي الراحل نابليون بونابارت.

لوحة لأوغست كودر تصور نابليون بينما يقوم بجولة في متحف اللوفر الذي تضم مجموعته كنوزاً فنية استولى عليها جيشه (غيتي)

وينظر العديد من العلماء إلى هذه اللحظة باعتبارها تمثل تحولاً جذرياً في المواقف السياسية تجاه غنائم الحرب، إذ يعتبرونها لحظة ميلاد مرحلة «إعادة التوطين» وهو مفهوم يعنى إعادة القطع الثقافية التي تم الاستيلاء عليها في أوقات الصراعات إلى بلدانها الأصلية التي نُهبت منها.

ويقول لواين ساندهولتز، وهو أستاذ العلاقات الدولية والقانون في جامعة ساوث كاليفورنيا، الولايات المتحدة: «كان من المسلَّم به عالمياً أن المنتصرين في الحروب يمكنهم أخذ ما يشاءون، لكن الآن، للمرة الأولى، بات الحلفاء يطالبون بإعادة الكنوز الخاصة بهم».

وتعد إعادة المسروقات التي تم نهبها خلال حروب نابليون لحظة حاسمة في تاريخ الفن، وقد عاودت الظهور مراراً وتكراراً بعد 200 عام مع استمرار الجدل حول إعادة تلك الممتلكات إلى أوطانها.

وقبل ثلاث سنوات، ركز معرض أُقيم في باريس بعنوان «نابليون» في قاعة «غراند هال دي لا فيليت» على غنائم الإمبراطور الفرنسي الراحل الهائلة وجهود استردادها حول العالم، وفي العام الماضي، خلال معرض عن القطع المنهوبة في «موريتسهاوس» في لاهاي، كشف المسؤولون هناك أنه رغم أن نابليون أعاد العديد من الأعمال الفنية الهولندية التي قام بسرقتها، فإن هناك عشرات الأعمال الأخرى لم تتم إعادتها بعد.

ومن المقرر، خلال الخريف المقبل، أن تلقي المؤرخة الفنية الفرنسية، بينيديكت سافوي، سلسلة من المحاضرات في متحف «برادو» الوطني في مدريد حول تأثير عمليات إعادة توطين القطع التي جرى الاستيلاء عليها في 1815، وستركز المحاضرات التي تحمل عنوان «إعادة التراث المنهوب: 1815، تفكيك اللوفر وولادة المتاحف من جديد في أوروبا»، على مفهوم استرداد القطع الفنية، وأسسها القانونية والأخلاقية، وأخلاقيات إنشاء المتاحف الشاملة الغنية بالقطع الأثرية من جميع أنحاء العالم، وكذلك تكلفة القيام بذلك.

تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة (شاترستوك)

وقد تعززت مكانة متحف اللوفر كمتحف شامل من خلال استيلاء الجيش الفرنسي على القطع الفنية المختلفة، ولكن في عام 1815، ومع وقوف جنود خصوم فرنسا متأهبين بسيوفهم على أبواب المتحف، أُزيلت لوحة «الثور» لبولس بوتر من على جدرانه، وكذلك الثلاثية الضخمة لبيتر بول روبنز «النزول من على الصليب»، التي نُهبت من أنتويرب، وغيرهما من الأعمال.

وكان الفرنسيون مترددين بشكل خاص في إعادة لوحة «الثور» وهي لوحة كبيرة تصور ثوراً مع حيوانات مزرعة أخرى، والتي كانت تثير إعجاب الجماهير بشكل خاص، وكان قد تم الاستيلاء عليها مع غيرها من الكنوز الفنية الأخرى عام 1795 من معرض الفن التابع لحاكم جمهورية هولندا، فيليم الخامس، في لاهاي بعد أن أعلن الجيش الثوري الفرنسي الغازي الجمهورية دولة تابعة له، وانضمت هذه القطع إلى كميات هائلة من القطع الفنية الأخرى التي جمعها نابليون لاحقاً خلال حملاته في إيطاليا وبروسيا والإمبراطورية النمساوية.

في عام 1815 شملت الأعمال الفنية التي سلمها متحف اللوفر لوحة «الثور» لبولوس بوتر من عام 1647 (موريتسهاوس)

وبعد ذلك أراد التحالف المنتصر، الذي كان قد هُزم في واترلو، استعادة كنوزه، ووضعت معاهدة باريس الثانية تفاهماً جديداً يتبنى فكرة إعادة القطع الفنية إلى أوطانها باعتبارها مبدأ من مبادئ القانون الدولي.

ويجادل المدافعون عن إنشاء المتاحف الشاملة، الذين يعارضون إعادة الآثار إلى بلادها، بأن الدافع وراء مطالبات الاستعادة هذه هو القومية، وأن تقدير الثقافات البعيدة والمتلاشية سيتقدم من خلال توزيع القطع الأثرية في جميع أنحاء العالم، أما أولئك الذين يسعون إلى استعادة الأعمال الفنية والتحف إلى أوطانها فيشيرون إلى أن الدول الأوروبية كانت تقوم في السابق بفرض حقها في إعادة القطع الخاصة بها أيضاً، وذلك عندما كانت أعمالهم الفنية هي التي على المحك.

وواجهت المتاحف في العديد من البلدان عدداً متزايداً من المطالب بإعادة القطع وكذلك عمليات الاستعادة، لدرجة أن بعض الخبراء اقترحوا لسنوات أن الوقت قد حان لإعادة ضبط هذه العملية، وفي العام الماضي، رفض متحفان كبيران في الولايات المتحدة، وهما معهد شيكاغو للفنون ومتحف كليفلاند للفنون، الجهود المبذولة لاستعادة بعض الأعمال الفنية المعروضة داخلهما، والتي يزعمان أنها لم يتم نهبها.

وتقول سافوي، وهي أستاذة في جامعة برلين التقنية وشاركت في تأليف تقرير حول الفن الأفريقي للحكومة الفرنسية في عام 2018 بناءً على طلب من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: «كان العصر الفرنسي عصراً إمبراطورياً، ويمكننا القول إن باريس استعمرت أوروبا، ولذلك هناك أوجه تشابه مع المناقشات الجارية اليوم حول الفن المنهوب في زمن الاستعمار، من الدول الأفريقية، على سبيل المثال».

برونزيات بنين في المتحف البريطاني من القطع التي تطالب نيجيريا بعودتها (شاترستوك)

وقد اتخذ الفرنسيون أيضاً موقفاً متشدداً تجاه إعادة بعض الأعمال الفنية، فعندما قدم النحات الإيطالي أنطونيو كانوفا التماساً، نيابة عن البابا بيوس السابع، لإعادة تماثيل تم الاستيلاء عليها من روما والولايات البابوية، جادل الفرنسيون بأن هذه الأعمال لم يتم الاستيلاء عليها، بل تم التنازل عنها لفرنسا بموجب معاهدة تولينتينو عام 1797.

ولم يتفوق على حماسة نابليون في الاستحواذ على القطع الفنية في الحروب سوى (الزعيم النازي الراحل) أدولف هتلر، وذلك بعد نحو 150 عاماً، ولكن تم إرجاع نحو 80 في المائة من المسروقات التي نهبها نابليون.

وأوضحت سافوي أنه عندما أعيدت مسروقات حقبة نابليون، فإنه تم بناء متاحف جديدة من أجل عرض هذه الكنوز الوطنية، ونتيجة لذلك، ظهرت «جغرافية جديدة تماماً للمتاحف في أوروبا»، على حد قولها.

وشملت هذه المتاحف: المتحف الوطني في بلجيكا، ومتحف «برادو» في إسبانيا، ولاحقاً متحف «رايكس» في أمستردام، وتقول سافوي: «كان بعض هذه المتاحف موجوداً بشكل أصغر قبل عصر الإمبراطور الفرنسي، لكنها نمت الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

يوميات الشرق رسومات لأيقونات قبطية ضمن الفعاليات (المتحف القومي للحضارة المصرية)

متحف الحضارة المصري يحتفي بالخط العربي والأيقونات القبطية

ضمن احتفالات مصرية باليوم العالمي للتراث الثقافي غير المادي، نظم المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، على مدار يومين، فعالية ثقافية وفنية بعنوان «تراث مصري».

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق المتحف المصري بالتحرير له طابع أثري ومعماري مميز (المتحف المصري)

المتحف المصري في «التحرير»... حكاية تاريخية بثوب عصري

تسعى مصر لإعادة تقديم المتحف المصري في ميدان التحرير للعالم بحُلَّة جديدة وثوب عصري عبر خطة لتطويره.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق يأمل «معرض الطبيعة» في استكشاف علاقة الناس بالطبيعة (متحف هورنيمان)

متحف «هورنيمان» في لندن يفتتح صالة جديدة للطبيعة

يستعد متحف هورنيمان في جنوب شرقي لندن لافتتاح صالة جديدة مخصصة للطبيعة في فبراير (شباط) 2027، في خطوة تمثل المرحلة الأخيرة من مشروع التحول والتطوير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام حفرية «السبينوصور المصري» والمعروضة في صندوق خلال مؤتمر مصر للتعدين (الصفحة الرسمية للهيئة العامة للاستعلامات بـ«فيسبوك»)

حفرية ديناصور تثير انتباه الرئيس المصري... ماذا نعرف عنها؟

أثارت حفرية معروضة في صندوق زجاجي أمام الرئيس المصري خلال مؤتمر مصر للتعدين، الانتباه إلى أحد أشهر الاكتشافات في تاريخ الحفريات، فماذا نعرف عنها؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
TT

انتهى الأمر... علامات تدل على فتور العلاقة الرومانسية

الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)
الانفصال العاطفي يحدث تدريجياً قبل الوصول إلى نهاية العلاقة (بيكسباي)

بعد مواعدة شخص ما لفترة من الوقت، قد تصل إلى نقطة تشعر فيها أن الأمور مختلفة. ربما تشعر بمزيد من عدم الأمان أو القلق، أو أنك لم تعد تنظر إلى المستقبل بأي ثقة، وتعد هذه الأمور دلائل على أن العلاقة الرومانسية تقترب من نهايتها، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية.

فما علامات فتور العلاقة الرومانسية وفقاً للأبحاث؟

اكتشاف الانفصال عن العلاقة

استكشفت دراسة أجريت عام 2025 كيفية اكتشاف الانفصال العاطفي من خلال دراسة نماذج التعلم الآلي التي تمكنت من تحديد المؤشرات السلوكية والنفسية المتعلقة بالتواصل بدقة.

ومن خلال دراسة 156 زوجاً كندياً، وجدوا أن أفضل مؤشر للانفصال العاطفي هو الانسحاب العاطفي، يليه اندثار السلوكيات الداعمة اليومية، وانخفاض الاستجابة للتواصل، وتجنب الارتباط، وتكرار الصراع.

ويشير اكتشاف الانفصال عن العلاقة العاطفية، أو ما يُعرف بـ«الانفصال النفسي والعاطفي»، إلى المرحلة التي يبدأ فيها أحد الشريكين أو كلاهما بالانسحاب تدريجياً من العلاقة قبل حدوث الانفصال الفعلي.

وغالباً ما تبدأ هذه العملية بشكل غير واعٍ، وتظهر على شكل علامات سلوكية ونفسية واضحة. ومن أبرز علامات الانفصال العاطفي: التباعد في التواصل وتناقص الحديث اليومي، البرود العاطفي وغياب مظاهر المودة، زيادة المشاحنات أو الصمت التام، قضاء وقت أطول خارج العلاقة، غياب الخطط المستقبلية.

الاعتراف بتلاشي العلاقة

الاعتراف بتلاشي العلاقة هو أحد أصعب مراحل العلاقة العاطفية. وهناك عدة علامات تدل على تلاشي العلاقة بالفعل، منها: غياب التواصل الحقيقي والتحول من الأحاديث العميقة إلى الإجابات المقتضبة والروتينية، تلاشي الشغف والاهتمام واختفاء الرغبة في قضاء الوقت معاً، انخفاض الدعم اليومي، كثرة الخلافات التافهة أو الصمت التام، وأخيراً، التخطيط للمستقبل من دون الطرف الآخر.

ووفق «سيكولوجي توادي»، فإن الانفصال يحدث تدريجياً، حيث يمكن رصد العلامات المبكرة من خلال تراجع التعبير عن التعاطف، وزيادة التجنب، وانخفاض الحضور والانخراط في العلاقة.

ويشير الموقع إلى أهمية إدراك علامات قرب انهيار العلاقة في وقت مبكر، بما يتيح الوقت الكافي لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كانت العلاقة تستحق الإنقاذ أم لا.


نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
TT

نسي أسراراً حكومية في القطار ودُمرت حياته... فكيف تعافى وعاد ليُعلم الناس التخطي؟

هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)
هناك دائماً طريق للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك (بيكسباي)

كانت رحلة عادية بالقطار إلى العمل عندما ارتكب الموظف الحكومي البريطاني ريتشارد جاكسون أكبر خطأ في حياته. وبحلول الوقت الذي أدرك فيه خطأه، كان الأوان قد فات. لقد نسي وثائق حكومية سرية للغاية في القطار.

وأصبح الخطأ الذي وقع في جزء من الثانية «خبراً وطنياً»، ودخلت حياة جاكسون في حالة من الاضطراب. «لقد نهشه العار والذل»، وفق ما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وبعد مرور ما يقرب من 20 عاماً، روى جاكسون تفاصيل هذا اليوم المشؤوم وتداعياته، وتحدث إلى إذاعة «بي بي سي 4»، مؤكداً أن ما حدث له يعد دليلاً على أنه حتى عندما ترتكب أسوأ خطأ، يمكنك إعادة بناء حياتك.

قبل أن تنهار حياته، كان جاكسون يبلغ من العمر 37 عاماً ويعيش في هامبشاير مع زوجته مادي وابنة زوجته شارلوت (15 عاماً). وكانت ابنة زوجته الأخرى بيكي (20 عاماً) في الجامعة. يقول: «كنا سعداء للغاية، لكنني كنت أركز بشدة على مسيرتي المهنية». ويضيف: «لقد وجدت نفسي أعمل لمدة 100 ساعة في الأسبوع لفترة من الوقت».

تم انتداب جاكسون من وزارة الدفاع إلى مكتب مجلس الوزراء لوظيفة في مجال الإرهاب العالمي، حيث يتعامل مع المعلومات الاستخبارية المباشرة من أهم أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

وفي أثناء مغادرته مكتبه في أحد الأيام، أخذ كومة من الأوراق التي تخصه إلى المنزل، وبعدها أدرك أن هناك «ورقتين مدفونتين داخل الحزمة حول موضوعين سريين للغاية».

اتهامات وتغريم وإفلات من السجن

وضع جاكسون الأوراق السرية للغاية في مجلد من الورق المقوى وجلس في القطار في صباح اليوم التالي وهو يفكر مراراً وتكراراً «لا تنس هذا». لكنه نزل من القطار وسار نحو المكتب، ثم أدرك أنه نسي المجلد وشعر للحظة و«كأن العالم قد توقف».

ذهب جاكسون إلى كل محطة توقف فيها القطار، وسأل عما إذا كان شخص ما قد قام بتسليم الملف. وكانت النتيجة «لا شيء». ولم ينهر ظاهرياً حتى رأى مادي. يقول: «أخبرتها أنني دمرت حياتنا. لقد احتضنتني فحسب. وأخبرتني أن الأمر سيكون على ما يرام وسنتجاوز هذا الأمر».

وفي العمل في اليوم التالي، اكتشف جاكسون أنه تم العثور على الوثائق وتم تسليمها إلى «بي بي سي». يقول إن شعوره الأول كان «الارتياح لأن الأوراق عادت إلى مكان آمن» قبل أن يدرك «أنها الآن ستصبح علنية». ويضيف: «كنت القصة الرئيسية في نشرة أخبار الساعة السادسة تلك الليلة. وقد أوقفوني عن العمل على ذمة التحقيق».

اختبأ جاكسون في المنزل ووجدته مادي جالساً يبكي. يقول: «لقد أمضيت الصباح محاولاً العثور على طريقة غير مؤلمة للموت». ويضيف: «لقد أمضينا فترة ما بعد الظهر نتحدث... وأعتقد أن هذه كانت المرة الأولى التي فكرت فيها، إذا كنت سأتجاوز هذا الأمر، فلن أستطيع القيام بذلك بمفردي».

وجد مكتب مجلس الوزراء أن ذلك كان عملاً من أعمال سوء السلوك الجسيم، وقام بخفض رتبة جاكسون ثلاث درجات. وتم اتهامه بموجب «قانون الأسرار الرسمية»، وتجنب السجن، لكن تم تغريمه.

على الورق انتهى الأمر. لكن جاكسون لم يستطع أن يهزم مشاعر الخجل والندم والمهانة بسهولة. وهو ينسب الفضل إلى العديد من الأشخاص الذين اهتموا به.

وبعد عودته إلى وزارة الدفاع، ثم انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام والرياضة، ترك جاكسون العمل في الخدمة المدنية، ثم تولى بعد ذلك دوراً في إدارة فريق من المحللين الذين يبحثون في مخاطر الإرهاب العالمي، وبدأ التدريب كمدرب للحياة في أوقات فراغه، كما أنشأ شركة تدريب تساعد الأشخاص على التغلب على الضغط الناتج عن التعامل مع المواقف المؤلمة.

فكيف تغلب جاكسون على ذلك؟

يريد جاكسون أن يعرف الناس أن هناك طريقاً للرجوع عن أكبر خطأ في حياتك. ويقول: «يمكن أن تكون في مكان سيئ حقاً، لكن، لا يزال بإمكانك الوقوف، ويمكنك التغلب على ذلك، وهناك طرق لمساعدة نفسك على القيام بذلك والحصول على المساعدة».

وشارك جاكسون الخطوات التي ساعدته على تجاوز نوبة الصدمة التي تعرض لها، وهي:

أخرج أفكارك من رأسك

في مكان مظلم، يقفز عقلك من «لقد ارتكبت خطأ فادحاً» إلى «أنا شخص لا قيمة له». إن تدوين هذه الأفكار أو التحدث إلى شخص ما قد يؤدي إلى إبطاء الأمور ويمنحك فرصة لملاحظة القفزات غير المنطقية.

استمر في الأنشطة التي تستمتع بها

عندما تشعر بأنك لا تستحق، تتوقف عن فعل الأشياء التي تبهجك. اكتشف ماهية هذه الأنشطة، سواء كانت صالة الألعاب الرياضية، أو كتاباً، أو المشي لمسافات طويلة، واجعلها أجزاء غير قابلة للتفاوض في روتينك.

تذكر قيمتك ونجاحك

احتفظ بورقة تحتوي على ملاحظات عن الأشياء التي حققتها والأشياء الطيبة التي قالها الناس عنك. إنه تذكير ملموس بأنك لست ذلك الخطأ، بل أنت أكبر من ذلك بكثير.

ابحث عن صديقك الناقد

أنت بحاجة إلى شخص يكون بمثابة المشجع لك، ولكنه سيتصل بك أيضاً عندما تتخلى عن العادات الجيدة.

اكتشف ما يمكنك إصلاحه وما لا يمكنك إصلاحه

إذا تسببت في ضرر، تحمل المسؤولية. اعتذر وَأَعِد الأمور إلى نصابها الصحيح حيثما أمكنك ذلك. لكن لا تتحمل مسؤولية الأشياء التي لم يكن من حقك أن تحملها.

لا تخلط بين أسوأ لحظاتك وقصة حياتك بأكملها

أنت لست هذا الخطأ. أنت لا تزال الشخص الذي كان موجوداً قبل ذلك، ولا يزال هناك شخص بعده لم تقابله.


«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
TT

«الموسيقى العربية» المصري يتجاوز الأزمات و«يرد الجميل» لـهاني شاكر

أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)
أرملة هاني شاكر تتسلم تكريمه بالمهرجان (دار الأوبرا المصرية)

أثار بكاء السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر خلال حفل افتتاح مهرجان ومؤتمر «الموسيقى العربية» الـ34، الثلاثاء، الذي احتفي باسم هاني شاكر رداً للجميل، «تعاطفاً واسعاً»، وكان لظهورها العلني عقب مرور 6 أشهر على رحليه وقْع مختلف على الحضور؛ كونها المرة الأولى التي تظهر فيها دون «شريك العمر»، بعدما كانت رفيقته الدائمة في جولاته وحفلاته، متصدرة الصفوف الأمامية لتستمع إليه وهو يغني «هو أنتِ لسه بتسألي».

وأضفى الظهور الأول لأرملة «أمير الغناء العربي» الذي اعتاد الوقوف على خشبات مسارح «الأوبرا المصرية» على الحفل شجناً عميقاً ومؤثراً بعدما وقفت مكانه لأول مرة، حيث سبقتها دموعها على استحياء؛ حرصاً على عدم إفساد أجواء الاحتفالية الأهم والأعرق بالدار.

أنوشكا في افتتاح المهرجان (دار الأوبرا المصرية)

لم تتحدث أرملة هاني شاكر باستفاضة لكنها تسلمت تكريمه، واكتفت بالشكر والثناء والإشارة لرغبته في ترك ذكرى طيبة لدى جمهوره ومحبيه، فتحولت أجواء الحفل لشعور موجع بالفقد، بعكس طبيعة حفلات هاني شاكر المليئة بالبهجة وأسلوبه الذي جسده في «علّي الضحكاية» كما اعتاد على ممازحة جمهوره حتى بات أسلوبه «ماركة مسجلة».

وبالتزامن مع إقامة أولى حفلات «الموسيقى العربية» أسدل الستار على كواليسه الشائكة بعد أن تجاوز أزماته المتتالية أخيراً، والتي شهدت جدلاً واسعاً خلال الأيام الماضية بسبب الاعتذارات والاعتراضات على ميزانية المهرجان ومواعيد الحفلات، وغيرها من الأسباب اللوجستية التي خرجت للعلن عقب انتهاء المؤتمر الصحافي الذي أقيم للإعلان عن برنامجه اعتراضاً على بعض تصريحات رئيس الأوبرا المصرية.

من حفل افتتاح مهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

اللافت بالحفل وجود نخبة من أصوات الأوبرا المصرية الذين قدموا مجموعة من أغنيات هاني شاكر، ونالوا إعجاب الحضور، إلى جانب منشورات «سوشيالية» أشادت بأصواتهم، وهم: أشرف وليد، ومحمد طارق، وأحمد عصام، وأحمد سعيد، وياسر سعيد، ومحمد الخولي، وأحمد عفت، وأحمد صبري، وأحمد حسن، ومحمد حسن، الذين قدموا أغنيات من بينها: «الحلم الجميل»، و«لو بتحب حقيقي»، و«يا ريتني»، «نسيانك صعب أكيد»، و«أصاحب مين»، و«غلطة»، و«جرحى أنا».

وقدم محمد شاهين أغنية «يا ريتك معايا»، وغنت أنوشكا «أنا قلبي ليك»، كما تضمن برنامج الحفل تقديم نيفين رجب لأغنية جديدة بعنوان «فيه ناس بتغيب» إهداءً لاسم هاني شاكر، وبالختام غنت نادية مصطفى «مشتريكي»، «وكده برضه يا قمر» للفنان الراحل، وفي الختام الجماعي قُدمت الأغنية الوطنية «بلدي»، التي غناها شاكر عبر «ديو» جمعه بالفنان محمد ثروت الذي اعتذر عن الغناء بالمهرجان.

وفي كلمته بالافتتاح، أكد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والقائم بأعمال وزير الثقافة، أن المهرجان يجسد مكانة «الموسيقى العربية» في وجدان المصريين والعرب، كما حرص على تكريم نخبة من القامات بالمجال إلى جانب اسم هاني شاكر، والإعلان عن تدشين تمثال له في ساحة دار الأوبرا تكريماً وتخليداً لإبداعه.

نادية مصطفى وأنوشكا ونجوم الأوبرا خلال الافتتاح (دار الأوبرا المصرية)

وأشار الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، إلى أن المهرجان يجسد مكانة الموسيقى العربية في الوجدان، ويؤكد قدرتها على التواصل مع الأجيال، وصون الهوية والتراث، بينما أكد المايسترو محمد الموجي مدير المهرجان «أن الدورة الـ34 من (الموسيقى العربية) تواصل مسيرة الإبداع والاحتفاء بالطرب الأصيل».

من جانبه، أكد الناقد الموسيقي المصري أحمد السماحي أن «مهرجان الموسيقى العربية من أهم الفعاليات المصرية الراقية التي تقام بأروقة الأوبرا المصرية العريقة»، لافتاً إلى أن المهرجان ليس فعالية فنية لاستضافة نجوم الغناء فقط، لكنه يحمل مسؤولية الحفاظ على التراث وإتاحة الفرصة للأصوات القادرة والمميزة، وفتح المجال أمام التجارب المعاصرة التي تمتلك مشروعاً فنياً.

وأشاد السماحي، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بالأصوات الطربية المشاركة بالمهرجان من مصر والعالم العربي، مؤكداً قدرتها وتنوعها الكبير في المدارس الغنائية وأداء الأغنيات التراثية.

وتستمر ليالي «الموسيقى العربية» حتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على مسارح الأوبرا بالقاهرة والإسكندرية، وتتضمن 24 حفلاً بمشاركة 91 فناناً، وتشمل الفعاليات ندوة ثقافية حول مسيرة هاني شاكر، بينما تمتد جلسات «المؤتمر العلمي» المصاحب لأربعة أيام بمشاركة 35 باحثاً من 15 دولة.