رؤية موحّدة للحياة في سياق علاقات تفاعلية معقّدة

عالِمان يقدّمان كتاباً مرجعياً وصالحاً للقراءة العامة أيضاً

فرتجوف كابرا
فرتجوف كابرا
TT

رؤية موحّدة للحياة في سياق علاقات تفاعلية معقّدة

فرتجوف كابرا
فرتجوف كابرا

عندما وقعتْ عيني على نسخة إلكترونية من كتاب «الطاوية والفيزياء الحديثة» لم أتأخّرْ في قراءته على الفور، وأضاف العنوان الثانوي للكتاب «استكشافُ التماثلات بين الفيزياء الحديثة والصوفية الشرقية» دافعية إضافية لي لقراءة الكتاب.

كان الكتابُ هدية، حسبتها كبرى؛ لسببَين: أمتعَني كثيراً لأنّه قدّم رؤية حديثة غير مستكشفة للفيزياء المعاصرة، تختلف نوعياً عن الفيزياء المدرسية في سياقاتها المعروفة، وتكمن الجدّة والحداثة في تقديم الفيزياء كمسعى إنساني يتناغم مع سائر تطلّعات الإنسان الطموحة في إضفاء معنى حقيقي على وجوده البشري.

وفّر لي الكتاب، وهذا هو السبب الثاني، معرفةً بالفيزيائي النظري فريتجوف كابرا Fritjof Capra، الذي علمتُ منذ قراءتي كتابه أنّ متابعتي له لن تنقطع أبداً في السنوات اللاحقة، كما حدستُ أنّ كتابه ذاك كان مقدّمة تمهيدية لانخراطه في مباحث أكثر تعقيداً بشأن دراسة مفهوم الحياة ذاتها دراسةً نسقية موحّدة، تعتمدُ الثراءَ التفاعلي بين حقول معرفية متعدّدة، وجاءت السنوات اللاحقة مصداقاً لحدسي؛ إذ نشر كابرا العديد من الكتب المهمّة التي تُرجِم بعضها إلى العربية، وآخرُها - وهو أهمّها بالتأكيد- الكتاب المعنون «النظرة النُّظُميّة إلى الحياة.. رؤية موحِّدة» The Systems View of Life: A Unifying Vision.

لندقّقْ في ضمّ النون والظاء في مفردة (النُّظُمية)، أحياناً قد تسمّى رؤية منظومية أو أنظومية. الفكرة واحدة، وهي إحالةٌ إلى مفهوم النظام System، وأُفضّلُ من جانبي مفردة الرؤية النسقية؛ لأنّ النسق يأتي في سياق تناول تاريخ الأفكار، وليس في السياق التقني الضيّق والمحدّد للمفردة.

لويسي

لن أُخفي سعادتي بهذه الترجمة، ولي أسبابي العديدة، التي أوّلها أنّ مؤلّفَي الكتاب عَلَمان كبيران في حقل أبحاثهما الخاصة بنظرية التعقيد Complexity Theory وتطبيقاتها في مفهوم الحياة بكلّ متفرعاتها على صعيد العلم والتقنية والاقتصاد والبيئة، ومن أسبابي الأخرى رغبتي التوّاقة في إشاعة هذا اللون من الفكر النسقي الخاص بالنُّظُم الدينامية المعقّدة التي نشكو منها فراغاً معيباً - يكادُ يوصف بفجوة معرفية وفكرية كثقب أسود- على صعيد الفكر العام وأروقة الأكاديميا معاً.

يكتب كابرا في تقديم الكتاب أنّه لطالما رأى فيه تحقيقاً لحلم راوده طويلاً، وملأه إثارةً على مدى سنوات عديدة، وقد عظّم بواعث الإثارة اشتراكُه مع صديقه القديم بيير لويجي لويزي Pier Luigi Luisi في تأليف الكتاب-الحلم، وخصوصاً أنّ لويزي معروفٌ عنه أنّه أحد أكابر المختصين العالميين بموضوعة «أصل الحياة والتنظيم الذاتي في النُّظُم التركيبية والطبيعية».

جاءت النتيجة كتاباً مرجعياً «Textbook»، وصالحاً للقراءة العامة أيضاً، تشتبك فيه الحياة في أبعادها الأربعة: البيولوجية، الإدراكية (المعرفية)، الاجتماعية، والبيئية.

هذا ما يفعله الكاتبان في جزء الكتاب الأول؛ أما في جزئه الثاني فيقدّمان أطروحة ثمينة بشأن المترتبات الفلسفية والاجتماعية والسياسية الناشئة عن التناول النسقي الشامل لمفهوم الحياة. الأطروحة الأساسية في الكتاب هي مغادرة النظرة الميكانيكية الاختزالية (الديكارتية) للحياة بوصفها آلة معقّدة، والانتقال المفاهيمي إلى رؤية الحياة بكونها سلسلة علاقات دينامية مشتبكة.

ثمة انتقالة مفاهيمية من الحياة بوصفها أشياء مادية إلى الحياة بوصفها شبكة علاقات بينية متداخلة لا يمكن فكّها أو اختزالها.

المفهوم الأساسي في النظرة النُّظُمية للحياة في عالمنا كثيف الاشتباك هو الإدامة الذاتية «Autopoiesis»، ذلك المفهوم الأساسي الذي طوّره هومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو فاليرا في سبعينات القرن العشرين.

وطبقاً لهذه الرؤية فإنّ النُّظُم الحيّة تعيد تجديد مادتها الحية بطريقة حثيثة مستمرة عبر التحوّل إلى أشكال حيوية جديدة أو استبدال بعض أو كلّ أعضائها الحيوية، تقترن هذه الفعالية بتغيرات بنيوية (هيكلية)، مع الحفاظ على أنماط التنظيم الأساسية مع باقي الأجزاء الحيوية، ومع المحيط كذلك، إذن ظاهرة الحياة تنطوي على هذه الثنائية العجيبة: الاستقرارية «Stability»، والتغيّر «Change» معاً.

الاستقرارية والتغيّر خصيصتان جوهريتان في ظاهرة الحياة، تذكّراننا بمفهوم الجديد النوعي الناتج عن تفاعل ضدَّين قطبيَّين متعاكسَين، ربما تكون الرؤية النسقية للحياة هي المعادل البيولوجي المادي المعاصر للتركيب الهيغلي الذي يشتغل في نطاق الأفكار العليا، كمثال على الرؤية الجديدة للأفكار، فإننا بدلاً من التفكير بـ(العقل) في السياق التقليدي المتوارَث كجسم سكوني، صِرنا اليوم نشهد انتقالة نحو مفهوم الصيرورة الإدراكية «Process of Cognition»، الجسم السكوني (الدماغ) الذي ينبثق عنه العقل استحال شبكةً من العلاقات في نطاق صيرورة تفاعلية معقّدة؛ الأمر الذي نشأ عنه علمٌ كامل هو العلم الإدراكي الذي انطوت تحت ظلِّه الأُطُر المعرفية الكلاسيكية المعروفة في البيولوجيا والعلم العصبي وعلم النفس والإبستمولوجيا... إلخ.

قراءة كتاب «النظرة النُّظُمية إلى الحياة» رحلة في دراسة النظام «Order»، والتعقيد «Complexity» في العالم الحي، تتيحُ لنا فهم الخواص السلوكية للنُّظُم الفوضوية المعقّدة، والهدف هو فَهم أنماط التنظيم والفعاليات التطورية في النُّظُم الحية.

عندما نفكرُ في سياق نسقي فإنّ التنظيم والهيكلية (التركيب) والصيرورة هي الخواص الثلاث المتلازمة غير القابلة للاختزال في ظاهرة الحياة، الإشكالية الكبرى عند دراسة النُّظُم المعقّدة في سياق نسقي، عبر عملية النمذجة والمحاكاة، تكمنُ في أنّ العلماء والمختصين بهذه الظاهرة لا يمنحون الخواصّ الثلاث المميِّزة لهذه النُّظُم أهمية متساوية، بسبب إرثنا الثقيل من الفلسفة الديكارتية القائمة على ثنائية العقل- الجسد، فضلاً عن الخواص الثلاث المتداخلة أعلاه ثمّة خاصية رابعة تنبثق عنها، وهي خاصية المعنى «Meaning».

لنأخذ مثالاً لنظام دينامي معقّد غير بيولوجي: وسائط التفاعل الاجتماعي، تستخدمُ هذه الوسائل الاتصالية والتواصلية لغة رمزية ومحدّدات ثقافية وتَمظهُرات مختلفة من علاقات السلطة، يمكن القول إنّ النظرة النُّظُمية عند تطبيقها على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن لها أن تقدّم لنا مثالاً على تحليل عناصر القوة (السلطة)، والهياكل الاجتماعية (التراتُبية الطبقية والاقتصادية)، والقيادة، والجماعات البشرية، دعونا نتذكّرْ أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تضمّ عناصر بيولوجية (المستخدمون البشريون)، مع عناصر غير بيولوجية (العناصر المادية للتواصل)، لا فرق بين العنصر البيولوجي وغير البيولوجي إلا في درجة التعقيد.

ويخصّص المؤلّفان فصلاً كاملاً في الكتاب لموضوعة «العلاقة بين العلم والدين والروحانية» «Spirituality»، وثمة أُطُر فكرية تكامُلية بين هذه الحقول الثلاثة، كذلك الإطار الذي يقدّمه كين ويلبر Ken Wilber الذي يدّعي بلوغه «نظرية كل شيء» في هذه الحقول الثلاثة.

يقدّم المؤلّفان إطاراً أقلّ ادّعاءً؛ فهما يتأمّلان في مواضع الالتقاء والاختلاف الممكنة بين هذه الحقول. ومن المثير في الكتاب بهذا الشأن أنّ المؤلّفَين يقدّمان الروحانية كنظام أخلاقي في سياق القيم البشرية، وعلى أساس هذه الرؤية تكون المعرفة البيئية «Ecoliteracy»، مثلاً، دالّة على مقدار قدرتنا على فهم المبادئ الأساسية للبيئة والاستدامة معاً، وبما يمكّننا من العيش التكامُلي مع البيئة في تفاعل أخلاقي لا ينفصم، البيئة وعاءُ وجودنا، والإساءة إليها فعل لا أخلاقي جسيم، تماماً مثل الإساءة إلى أجسادنا. هكذا يتّحد الوجود المادي مع الأخلاقيات الرفيعة في سياق الرؤية النسقية للحياة، نسعى لما هو أبعد من الفهم المجرّد، نريد بلوغ المقصد الأخلاقي وراء كلّ سلوك دينامي معقّد على صعيد الكائن البشري والطبيعة معاً.

يمكن للنظرة النُّظُمية عند تطبيقها على وسائل التواصل الاجتماعي أن تقدّم لنا مثالاً على تحليل عناصر القوة، والهياكل الاجتماعية، والقيادة، والجماعات البشرية

اعتمد المؤلّفان تصميماً أظنّه رائعاً في هيكلة الكتاب، فالأجزاء الرئيسية في الكتاب (وهي أربعة) تضمّ العناوين الكبيرة: الرؤية العالمية الميكانيكية، نشأة التفكير النسقي، مفهوم جديد للحياة، إدامة شبكة الحياة، وكلّ جزء من هذه الأجزاء الأربعة يضمّ أجزاءً ثانوية تتفرّع بدورها إلى أجزاء ثانوية أصغر يَشِي بها نظام الترقيم، ويمكن للقارئ أن يختار منها أجزاء منتخَبة للقراءة، وإن كنت أحسبُ أنّ سياق ترتيب الأفكار في الكتاب سيدفع القارئ الشغوف لمتابعة القراءة بحسب التسلسل السياقي لها في الكتاب. ينتهي كلّ جزء بملاحظات استنتاجية تعزّز التفكير السياقي لدى القارئ، وحجم المراجعة التاريخية للأفكار والشخوص في الكتاب ليس بالحجم القليل أبداً، وهذا ما يعزّز أهمية الكتاب، ويضعه في مصافّ الكتب التي لا يحتاج معها القارئ للانشغال بمراجعات كثيرة، وفي نهاية الكتاب ثمة ثبتٌ لمصادر كثيرة في الموضوع تُغني من يشاء الاستزادة الفكرية العامة أو الفلسفية في شتى جوانب موضوعة التعقيد والنُّظُم الدينامية المعقدة.

يقالُ في تراثياتنا العربية في سياق الإطراء على كتاب بعينه أنّ كتاباً قد يُغني عن عشرة، أثِق كثيراً أنّ كتاب كابرا ولويزي يُغني عن أكثر كثيراً من عشرة كتب!! هو كتاب ضخم يستلزم جلَداً وشَغفاً ورغبة في الاستزادة من المعرفة المعاصرة، وهو ليس قراءة سياحية، لكنه مع هذا يمكن أن يقدّم طبقاً ثرياً من المعرفة، لا بأس من قراءته بتمهّل وتفكّر على مدى شهر كامل، ولا أظنُّ أن الشهر كثير على ألوان المعرفة والأفكار المخبوءة فيه.

عنوان الكتاب: رؤية نُظُمية إلى الحياة – رؤية موحّدة

المؤلف: فريتجوف كابرا وبيير لويجي لويزي

الناشر: دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع

عدد الصفحات: 601

تأريخ النشر: 2023


مقالات ذات صلة

دماء على جدران المدرسة

ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق في «Swan Song» يكشف تشارلز سبنسر عن أسرار كثيرة في الحياة الخاصة لشقيقته (رويترز) p-circle 01:37

صفعت والدها ودفعت بزوجته من أعلى السلّم... أسرار الأميرة ديانا في مذكّرات شقيقها

«أغنية البجعة»، كتابٌ يتصدّر المبيعات حالياً في بريطانيا وحول العالم لما فيه من خفايا عن حياة الأميرة ديانا، يكشف عنها الكاتب وهو شقيقها تشارلز سبنسر.

كريستين حبيب ( بيروت)
ثقافة وفنون رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير.

منى أبو النصر (القاهرة)

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم
TT

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

تاريخ بريطانيا لم يصنعه الرجال وحدهم

يبدو العصر «التيودوري» واحداً من أبرز عصور التاريخ الإنجليزي حضوراً في الذاكرة، فيه تبلورت القومية الإنجليزية، وتأسست الكنيسة الإنجليزية، وعاش شكسبير. وظل هذا بما امتلأ به من صراعات وتحوّلات سياسية مادةً ثرية للكتب والروايات، غير أن صورته الأشهر بقيت متمركزةً حول الرجال، بينما تراجعت النساء إلى أطراف الحكاية، حتى حين كن شريكاتٍ في صنع أحداثها.

من هذه الفجوة تنطلق الكاتبة الدكتورة عائشة خليل عبد الكريم في كتابها «نساء آل تيودور»، الصادر عن دار «ديوان للنشر» بالقاهرة، معتبرةً أنه من المؤسف أن تبقى أصوات نساء آل تيودور غائبةً في سرديات هذا العصر، وهو ما دفعها لطرح ما تصفه بأنه «سرد تاريخ شعبي عن نساء البلاط الإنجليزي في القرن السادس عشر».

غير أن البحث عن النساء في تاريخ كُتب من مواقع الرجال والسلطة يتجاوز مجرد استعادة أسمائهن؛ فالأصوات الغائبة لا تظهر في الوثائق الرسمية بالصورة نفسها التي تظهر بها قرارات الملوك وحروبهم، لذلك لا تعزل المؤلفة نساءها عن الرجال الذين ظلّوا في بؤرة العرش، وإنما تعيد قراءة السياق بوصفهن أمهات الملوك وزوجاتهم وبناتهم ووريثات تاجهم.

ومن فصل إلى آخر يتغير موقع النظر، حتى تتكون صورة لنساء شاركن في صناعة الشرعية وحفظ السلالة، ودفعن كذلك أثماناً قاسيةً لشروط السلطة، وهكذا يغيّر الكتاب موضع الضوء داخل المشهد؛ ليكشف أن التاريخ الذي حمل أسماء الملوك لم يصنعه الملوك وحدهم.

حرب الوردتين

تبدأ عائشة خليل كتابها بمدخل ذاتي يربطها بـ«آل تيودور»، الذين بدأ تعرفها عليهم من خلال الدراسة والكتب، ثم تابعت حضورهم عبر السنوات في السرديات السينمائية وغيرها، إلى أن قررت اقتراح سردية مغايرة لذلك العصر بالابتعاد عن «سرد الأفعال البطولية للرجال»، والتركيز على نساء «آل تيودور» بوصفهن فاعلاتٍ في الأحداث التاريخية الصاخبة لهذا العصر.

للوصول إلى ما تسميه «وجه التاريخ الغائب»، تستعين عبد الكريم بسجلات البرلمان والبيوت الملكية ووثائق المحاكم ومراسلات السفراء، إلى جانب الكتيبات التي انتشرت مع دخول الطباعة إنجلترا. كما تُوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الموسيقى والبورتريهات وما تكشفه من ملابس وحلي وتفاصيل للحياة اليومية.

تحضر في بنية الكتاب مفارقة لافتة؛ فقد بدأ حكم «آل تيودور» بتدبير امرأة، هي مارغريت بوفورت، وانتهى عصرهم بامرأة أخرى هي حفيدتها إليزابيث الأولى، آخر حكام الأسرة.

لم يكن هنري تيودور، الذي أصبح لقبه «هنري السابع» صاحب حق قوي في التاج؛ إذ جاءت صلته بالدم الملكي من ناحية أمه وعبر نسب غير شرعي لم يكن كافياً لضمان العرش، غير أن والدته مارغريت دعمت تنصيبه، مستفيدةً من الاستنزاف الذي خلّفته «حرب الوردتين» على مدار سنوات طويلة بين عائلتي يورك ولانكستر، لتحوّل احتمال تنصيبه الضعيف إلى مشروع سياسي طموح.

سعت «بوفرت» إلى تزويج ابنها من «إليزابيث» وريثة بيت «يورك» ليجمع الزواج بين بيتَي «لانكستر» و«يورك» المتنازعين، وهكذا تضع مؤلفة الكتاب المرأة التي أدارت مشروع صعود «هنري السابع» في بؤرة الضوء، خاصةً أنها هيأت التحالف الذي منح حكمه شرعيةً لم يكن نسبه كافياً لتوفيرها له.

أما «إليزابيث» من بيت «يورك»، فقد جسدت في شخصها اتحاد البيتَين، ثم أصبحت أمّاً للورثة، وتنتقل المؤلفة من دورها السياسي إلى علاقتها بأبنائها وزوجها، مستعينةً بتفاصيل إنسانية مثل تشابه خط ابنها «هنري الثامن» مع خطها، ما دفع بعض المؤرخين إلى ترجيح أنها دربته بنفسها على الكتابة.

الولادة والسلالة

يتوقف الكتاب عند الصلة القاسية بين الولادة والموت واستمرار السلالة؛ فلم يكن جسد الملكة شأناً خاصاً، إنما تعلقت به شرعية العرش ومستقبل المملكة، فكانت الملكة مطالبةً بإنجاب عدد كبير من الأطفال، لأن نسبةً مرتفعةً منهم لم تكن تنجو، بينما تخاطر بحياتها مع كل مخاض.

وتشير المؤلفة إلى أن نحو خُمس الأطفال في ذلك العصر كانوا يموتون قبل بلوغ الخامسة، وأن امرأةً من كل أربعين كانت تفقد حياتها أثناء الولادة، لذلك كانت النساء يستعددن للمخاض بكتابة الوصايا والاعتراف والتوبة والتناول؛ فالمرأة تدخل غرفة الولادة وهي تستعد لاستقبال طفلها واحتمال موتها معاً.

عاش من أبناء إليزابيث أربعة فقط، وبعد وفاة ابنها الأمير «آرثر» حملت مجدداً، لكنها توفيت عقب ولادة طفلتها الأخيرة. وهكذا تصبح الولادة جزءاً من هندسة السلطة؛ إذ يمكن لموت طفل أو تعثر حمل أن يطلق أزمةً تتجاوز القصر إلى المجالين السياسي والديني.

تتجسد هذه العلاقة بصورة أكبر في حكاية «كاثرين الأرجونية»، ابنة الملكين إيزابيلا وفرديناند، اللذين وحّدا إسبانيا وأنهيا الحكم العربي للأندلس. وقد تلقت كاثرين تعليماً يليق بابنة أسرة ملكية نافذة، وكانت أمها إيزابيلا نموذجاً لملكة حكمت إلى جانب زوجها ورافقت جيوشها.

خُطبت «كاثرين» في طفولتها إلى ولي عهد إنجلترا الأمير «آرثر»، وكان ارتباطها بآل تيودور ضماناً لمنح الأسرة الحديثة في الحكم شرعيةً إضافيةً واتصالاً ببيت ملكي عريق، وبعد وفاة «آرثر» تزوجت شقيقه «هنري الثامن»، وعاشت معه نحو عشرين عاماً قبل أن يتحوّل زواجهما إلى إحدى أشهر أزمات العصر التي تخص السلالة كلها؛ إذ أراد هنري وريثاً ذكراً، وصار فقد زوجته كاثرين للأبناء تباعاً حجةً لفحص صحة الزواج، ثم ذريعة لإنهائه، ومع رفض البابا إبطال الزواج وقع الصدام مع روما، وانفصلت الكنيسة الإنجليزية عن سلطة البابوية.

تكشف حكاية كاثرين كيف تجاوزت دراما الأسرة حدود القصر؛ فتحوّل تعثّر الملكة في إنجاب وريث ذكر إلى أزمة في شرعية الزواج، ثم إلى انقسام ديني غيّر تاريخ إنجلترا، كاشفاً أن أجساد النساء وعلاقاتهن الخاصة لم تكن منفصلة عن السياسة، بل وقعت في قلب تحوّلات الحكم والدين والسلالة.

وإذا كانت مارجريت بوفورت قد مهّدت بدهائها لتأسيس الأسرة «التيودورية»، وساعدت ابنها هنري السابع على اعتلاء العرش، فقد انتهى عصرها مع سليلتها إليزابيث الأولى، حفيدتها الكبرى، التي تصفها المؤلفة بأنها «درة آل تيودور». كانت إليزابيث ابنة هنري الثامن وآن بولين، التي تزوجها الملك في خضم أزمته مع الكنيسة وسعيه إلى إبطال زواجه من كاثرين أراغون، وتلقّت إليزابيث تعليماً رفيعاً، فأجادت اللاتينية والإيطالية والفرنسية إلى جانب الإنجليزية.


«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام
TT

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

«تاريخ أثرياء العالم»... المال في دهاليز السياسة والإعلام

صدر حديثاً، عن دار «الرافدين» العراقية، ترجمة كتاب «تاريخ أثرياء العالم»، تأليف المؤرخ والأكاديمي الفرنسي فابريس دالميدا، ويتناول فيه تاريخ الثروة والنفوذ، وكيف تحول المال عبر العصور إلى سلطة تؤثر في السياسة والإعلام، وترجمه إلى العربية لطفي السيد منصور.

الكتاب دراسة معمقة لواقع الأثرياء، ويسعى إلى الكشف عن مكانتهم الحقيقية في تاريخنا، واستكشاف مدى تأثيرهم في تطورنا، وفي تحولات مجتمعاتنا، وطبيعة حياتهم الحقيقية، وإسهاماتهم، والأخطاء التي ربما ارتكبوها، وكيفية تعاملهم مع الإخفاقات، ويوضح أن مشكلة الأثرياء أصبحت أكثر حدةً مع انزلاق الخيالات نحو المبالغة والخلط ونظريات المؤامرة؛ إذ يتصور الناس أن جميع الأثرياء يتصرفون بالطريقة نفسها، مدفوعين بالأنانية والطموح الجامح. إلا أن وراء كل صاحب ثروة طائلة مغامرةً شخصية؛ فبغضّ النظر عن المال لا يوجد اثنان متشابهان.

يهدف الكتاب، حسب مقدمة المترجم، إلى «تقديم تأملٍ حول ماهية الأثرياء حقّاً؛ ففي مواجهة تحدي الشعبوية تُعَدُّ طريقة تعامل أصحاب السلطة معهم أمراً بالغ الأهمية. غالباً ما كانت السياسات المتعلقة بالفقراء هي التي توجه النقاش العام، لكن منذ بضعة عقود أصبح الجميع يتفقون على تعريف (خط الفقر)، وعلى ضرورة توفير الإعانات الاجتماعية لمساعدتهم. في المقابل، لا يوجد إجماعٌ بشأن الثروات الضخمة، إلا أن إدارة هذه الثروات الهائلة وأصحابها لها آثارٌ إيجابيةٌ أو سلبية على الاقتصاد. ولا يمكن التعامل معهم ككتلةٍ واحدةٍ دون مخاطر، فقد أصبحوا فاعلين أساسيين في النظام الاقتصادي؛ لذا علينا التفكير مليّاً في استراتيجيات الضرائب والاستثمار العام، ويجب على الحكومات أن تدرس، على أساس كل حالةٍ على حدة، أفضل الخيارات المتاحة، وفقاً لمجالات العمل وأهميتها للمجتمع، وإلا فإن التوترات بين الشعب ونخبه المختلفة لن تزداد إلا حدَّة».

يُذكر أن المؤلف فابريس دالميدا من أبرز المتخصصين المعاصرين في تاريخ وسائل الإعلام، والدعاية السياسية، والتلاعب بالصور، إلى جانب أبحاثه المعمقة في تاريخ النازية والثقافة السياسية الأوروبية. يعمل أستاذاً للتاريخ المعاصر في جامعة باريس بانتيون آسا (باريس 2). نال عدة أوسمة رفيعة من الدولة الفرنسية تقديراً لإسهاماته العلمية، منها وسام الفنون والآداب (برتبة فارس) عام 2022، ووسام الاستحقاق الوطني الفرنسي عام 2023.

ولطفي السيد منصور، مترجم مصري، من أهم ترجماته: «تقرير بروديك» و«الغسق» للروائي فيليب كلوديل، و«نوتردام النيل» للروائية سكولاستيك موكاسونجا، و«النشوة المادية» لجوستاف ماري لوكليزيو، و«سيكولوجية الحماقة» و«تاريخ عالمي للهراء» من إشراف وتحرير جان فرانسوا مارميون. يعد من أبرز الناشطين في مجال الترجمة عن الفرنسية، حيث ينشر اختياراته المترجمة من الأدب والفلسفة والفكر الفرنسي بانتظام في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية.


حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.