الحرب تمزق أحلام طلاب الثانوية العامة في غزة

حرمان 39 ألف طالب... ونحو 800 أدوا الاختبارات بالعاصمة المصرية

طلاب فلسطينيون من قطاع غزة يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس العاصمة المصرية القاهرة (وفا)
طلاب فلسطينيون من قطاع غزة يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس العاصمة المصرية القاهرة (وفا)
TT

الحرب تمزق أحلام طلاب الثانوية العامة في غزة

طلاب فلسطينيون من قطاع غزة يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس العاصمة المصرية القاهرة (وفا)
طلاب فلسطينيون من قطاع غزة يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس العاصمة المصرية القاهرة (وفا)

عبر طلاب من قطاع غزة عن يأسهم مع مرور أيام امتحانات الثانوية العامة، السنة الدراسية المؤهلة للدخول للجامعات، في خضم الحرب التي لا يلوح في الأفق بادرة لوقف رحاها.

كريم المصري، كان من المفترض أن يبدأ امتحاناته النهائية مطلع هذا الأسبوع في غزة، وبدلاً من ذلك أمضى صباحه في ملء أكياس المياه لتجميدها وتحويلها إلى ثلج، ومن ثم بيعها لإعالة أسرته.

ويقول المصري (18 عاماً) الذي لم يتمكن من أداء امتحانات الثانوية العامة لصحيفة «نيويورك تايمز»: «كان ينبغي عليّ أن أدرس وأستعد لامتحاناتي النهائية. ولكن بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على الحرب، أقضي أيامي في العمل لإعالة أسرتي حتى تتمكن من التكيف مع الحرب».

وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا): «كان من المقرر أن يبدأ السبت نحو 89 ألفاً من طلبة فلسطين امتحان الثانوية العامة في دورته الأولى للعام الدراسي 2023/24، إلا أن نسبة من سيتقدمون لاجتياز الاختبارات تصل إلى نحو 56 في المائة فقط». وأضافت وزارة التعليم الفلسطينية أن الحرب في غزة «حرمت 39 ألف طالب وطالبة من التقدم لامتحانات التوجيهي (الثانوية العامة)».

ونقلت «وفا» عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية «ارتقاء 430 من طلبة الثانوية العامة شهداء في قطاع غزة، في حين استُشهد في الضفة الغربية 20 آخرون، خلال العام الدراسي الذي انطلق في شهر أغسطس (آب) المنصرم».

طلاب تحت الحصار

ويقول براء الفرا الطالب البالغ 18 عاماً والنازح من خان يونس في جنوب قطاع غزة: «كنت أنتظر الامتحانات بفارغ الصبر، لكن الحرب منعت ذلك ودمرت هذه الفرحة». وأضاف لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «في البداية كنا ننتظر على أمل انتهاء الحرب»، لكننا «لا نعرف إلى متى ستستمر أو كم سنة ستحرمنا من حياتنا التعليمية».

وأعرب الفرا عن رغبته بالخروج من المنطقة لتحقيق أحلامه. وقال: «أتمنى أن يتم فتح المعبر حتى أتمكن من السفر لإكمال دراستي وعدم تضييع سنوات عمري؛ لأنني ما زلت صغير السن وأريد تحقيق طموحاتي». لكن في الوقت الحالي، ليس أمام الفرا سوى مواجهة الحقائق القاسية للحياة تحت الحصار. وأضاف: «أتمنى لو أختبر الآن تعب السهر والدراسة لوقت متأخر وليس تعب الوقوف في طوابير للحصول على مياه حلوة ومالحة» في المنطقة التي تندر فيها المياه النظيفة، مثل العديد من الضروريات الأخرى.

تدمير المرافق التعليمية... أو ملاجئ للنازحين

ودمرت الحرب نظام التعليم في غزة، الذي كان يعاني بالفعل بعد عدة حروب وتصعيدات منذ عام 2008، مع إغلاق المدارس منذ بدء الحرب في أكتوبر (تشرين الأول)، بعد ما يزيد قليلاً عن شهر من بدء العام الدراسي.

ووفقاً لوزارة التعليم في قطاع غزة، أصبح 85 في المائة من المرافق التعليمية في القطاع خارج الخدمة. وقد تم تحويل الكثير من المدارس في غزة إلى ملاجئ للنازحين، في حين تعرض البعض الآخر لأضرار بسبب القصف.

آثار الدمار الذي خلفته الحرب الإسرائيلية في إحدى مدارس غزة (وفا)

وقدرت «مجموعة التعليم» المدعومة من الأمم المتحدة في تقرير لها هذا الشهر، أن أكثر من 75 في المائة من مدارس غزة تحتاج إلى إعادة بناء كاملة أو إعادة تأهيل كبيرة لفتحها مجدداً، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

«كتب وليس قنابل»

وفي هذا الصدد، قالت ليليان نهاد البالغة 18 عاماً والنازحة من مدينة غزة في شمال القطاع إلى خان يونس، إنها مع زملائها الطلاب «انتظرنا 12 عاماً لإجراء هذه الامتحانات والنجاح والشعور بالسعادة ودخول الجامعة (...) ولكننا حُرمنا من كل هذا بهذه الحرب اللعينة». وأضافت نهاد لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أنها كانت تتمنى دراسة اللغة الإنجليزية والحصول على الدكتوراه، «لكن كل ذلك تبخر».

وتعبيراً عن الغضب حيال هذا الوضع، نظّم عشرات الطلاب والمعلمين وقفة احتجاجية في حي الرمال بمدينة غزة السبت. وهتف المحتجون: «نطالب بحقنا في أداء امتحانات الثانوية العامة»، و«نريد كتباً وليس قنابل»، في حين تم وضع كراسة فارغة ترمز للطلاب الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.

وفشل الوساطات في وضع حد للحرب ترك شباب غزة في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم. وتقول سلاف موسى البالغة 18 عاماً من مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة الذي تعرض لغارة جوية دامية السبت، إنها كانت تأمل في دراسة الطب. وأضافت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الآن نأمل أن ننجو بحياتنا من هذه الحرب ولا نخسر أكثر مما فقدناه حتى الآن».

جامعات مدمرة

وتعرضت جميع جامعات غزة الـ12 لأضرار جسيمة أو دُمرت بسبب القتال، وفقاً للأمم المتحدة.

وقال المصري إنه كان يحلم بدراسة تكنولوجيا المعلومات في الجامعة الإسلامية بغزة أو الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وكلتاهما دمرها القصف الإسرائيلي.

فلسطينيون يقودون دراجة نارية بالقرب من مبنى الجامعة الإسلامية المدمر في مدينة غزة في نوفمبر (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبدلاً من أن يعلق آماله على العودة إلى المدرسة والتخرج، قال إن الحرب غيرت أولوياته، ويركز الآن على العمل لمواصلة دعم أسرته. أثناء بيع الثلج في مدينته دير البلح في وسط غزة، قال المصري إنه غالباً ما كان يمر أمام مدرسته، حيث «تحولت الفصول الدراسية إلى ملاجئ»، وعندما يلقي نظرة خاطفة على الداخل، «يمتلئ بالعذاب».

وفي سياق متصل، تقول إسلام النجار (18 عاماً)، والتي كان من المفترض أن تؤدي أول امتحان نهائي لها يوم السبت، إن مدرستها في دير البلح، التي فر إليها العديد من سكان غزة بسبب الهجوم الإسرائيلي على رفح، قد تحولت أيضاً إلى ملجأ.

وتابعت النجار لصحيفة «نيويورك تايمز»: «لا أستطيع أن أتخيل العودة لرؤية مدرستي، المكان الذي نتعلم فيه، وقد تحولت إلى مأوى مليء بالنازحين الذين يعيشون في ظروف بائسة». وقالت: «عندما نعود، لن نرى نفس الوجوه»، في إشارة إلى زميلتها في الصف ومدرسيها ومديرتها الذين قُتلوا خلال الحرب.

ولا تزال النجار متفائلة بإمكانية العودة إلى المدرسة والتخرج. وعلى الرغم من «العقبات الكثيرة التي تعترض كل ما تريد تحقيقه في غزة»، قالت إنها تحلم بالدراسة في الخارج، ووضعت نصب أعينها جامعة هارفارد أو جامعة أكسفورد لدراسة إدارة الأعمال.

وتتابع النجار، وهي الأكبر في عائلتها، والتي كانت تخطط لاحتفالات تخرجها قبل بدء الحرب: «كنت متحمسة للغاية للسنة الأخيرة من دراستي ولبدء فصل جديد. لكن بالطبع الحرب أوقفت كل شيء».

وتنهي النجار حديثها للصحيفة بسؤال بلا إجابة: «لماذا يتزامن ربيع حياتنا مع سقوط بلادنا؟ هل ذنبنا أننا تجرأنا على الحلم؟».

«الأونروا»: حرمان الطلاب من الامتحانات أمر مروع

ومن جهتها، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، الأحد، إن «حرمان 39 ألف طالب بالثانوية العامة في قطاع غزة من الامتحانات، وأكثر من نصف مليون طفل من التعليم على مدار 8 أشهر، أمر مروع ومحزن».

فلسطينيون يتفقدون موقع غارة إسرائيلية على مدرسة تابعة لـ«الأونروا» لإيواء النازحين في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة في 6 يونيو (أرشيفية - رويترز)

جاء ذلك في تصريح صحافي لمدير التخطيط بـ«الأونروا»، سام روز، بثته «الأونروا» على حسابها عبر منصة «إكس»، وأضاف روز أن «حرمان 39 ألف طالب بالثانوية العامة في قطاع غزة من الامتحانات يضيف طبقة أخرى إلى حزننا».

كما سلط الضوء على أن «أكثر من نصف مليون طفل بالقطاع محرومون من التعليم على مدار 8 أشهر». وتابع المسؤول الأممي: «من المروع أن هؤلاء الأطفال، علاوة على كل شيء آخر، محرومون من فرصة التعلم».

طلاب يمتحنون في مصر

سيكون بإمكان الطلاب في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل إجراء الامتحانات، وكذلك سكان غزة الذين تمكنوا من الفرار إلى مصر. لكن حتى بالنسبة لهؤلاء، فقد كان تأثير الحرب هداماً.

وبدأ عدد من طلاب الثانوية العامة الفلسطينيين السبت إجراء امتحاناتهم في العاصمة المصرية، وعلى جدار مدرسة تحمل اسم «تحيا مصر» في حي المقطم في وسط القاهرة، تم تعليق لافتة حملت شعار سفارة فلسطين لدى مصر وكُتب عليها: «امتحان الثانوية العامة الفلسطينية».

وقال الطالب الفلسطيني محمد أسامة الذي وفد إلى مصر من مدينة رفح الفلسطينية في مارس (آذار)، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بعدما أنهى اختباره: «اليوم (السبت) أدينا امتحان التربية الإسلامية». وتابع: «(الحالة) النفسية متعبة ونحن لم نستعد بشكل جيد».

وقال المسؤول في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية عاهد عباس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أدى الامتحان اليوم (السبت) 802 من الطلاب المسجلين وعددهم 1095 طالباً»، موضحاً: «نحن نقوم بعملية التجهيز التامة للامتحانات من إعداد لأرقام جلوس الطلاب إلى تسليمها إليهم».


مقالات ذات صلة

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

المشرق العربي مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

خاص إسرائيل تواصل تصفية نشطاء بارزين بـ«حماس» و«الجهاد»

تواصل إسرائيل استهداف نشطاء بارزين في «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون قادمون من رفح يصلون إلى مستشفى «ناصر» في خان يونس (رويترز) p-circle

غزة: 225 مسافراً عبر معبر رفح خلال أسبوع وسط قيود مستمرة

شهدت حركة السفر عبر معبر رفح البري عبور 225 مسافراً، خلال الفترة من الثاني إلى التاسع من الشهر الجاري.

«الشرق الأوسط» (غزة )
المشرق العربي جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (أ.ب) p-circle

إندونيسيا تستعد لإرسال 8 آلاف جندي إلى غزة دعماً لخطة ترمب

تستعد إندونيسيا لإرسال ما يصل إلى 8 آلاف جندي إلى غزة، دعماً لخطة السلام التي يطرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي دبابة إسرائيلية على الحدود مع قطاع غزة (أ.ف.ب) p-circle

5 قتلى بنيران إسرائيلية في غزة

كشف مسؤولون بقطاع الصحة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، جراء غارات جوية وإطلاق نار من جانب القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».


«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«قوة استقرار غزة»... تحركات لتلافي ثغرات «الاتفاق» وتنفيذ المرحلة الثانية

فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
فتاة فلسطينية تلعب بكرة القدم في الشارع بجوار أنقاض المباني المدمرة على يد الجيش الإسرائيلي في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تتصاعد المطالب بسرعة نشر قوات الاستقرار في قطاع غزة التزاماً باستحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، بالتزامن مع إعلان إندونيسيا بدء تدريب عناصر من جيشها في هذا الصدد.

تلك التحركات والمطالب، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أنها ستكون دافعاً للتعجيل بالمرحلة الثانية التي لا تزال تراوح مكانها منذ إعلان بدئها منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، متوقعين حدوث ضغوط أميركية لإنجاز هذا الأمر، خاصة مع الاجتماع المقبل لمجلس السلام في 19 فبراير (شباط) الحالي ولقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه، الثلاثاء، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية بدولة روسيا الاتحادية، سيرغي ناريشكين، على «محورية تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ بنود المرحلة الثانية منه، لا سيما إدخال المساعدات، وسرعة البدء في عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار بالقطاع، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار الدوليين».

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، الثلاثاء، أهمية سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، واستمرار تدفق المساعدات الإنسانية والإغاثية، والتمهيد لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، وذلك خلال اتصال هاتفي مع وزير خارجية البرازيل ماورو فييرا.

جاء ذلك غداة إعلان الجيش الإندونيسي بدء الاستعدادات لنشر محتمل لقواته في قطاع غزة، ضمن مهمة «مجلس السلام» الذي أعلن عنه في وقت سابق الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد خلال استقباله رئيس الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين محورية تثبيت وقف إطلاق النار بقطاع غزة (الرئاسة المصرية)

وقال رئيس أركان الجيش مارولي سيمانجونتاك، الاثنين، إن الجيش بدأ تدريب أفراد يمكن تكليفهم بمهمة حفظ السلام، حسب تصريحات نشرتها صحف محلية، مشيراً إلى أن عدد الأفراد الذين سيتم نشرهم لم يحدد بعد، الواحد يتألف عادة من 5 آلاف إلى 8 آلاف جندي.

وأضاف أن الجيش يركز حالياً على تجهيز الأفراد، بانتظار مزيد من التنسيق بشأن الوضع في القطاع المدمر.

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي اللواء سمير فرج، أن بدء تدريبات إندونيسيا يزيد الزخم لبدء عمل قوات الاستقرار الدولية قريباً، ويدفع بالمرحلة الثانية التي تقف في مرحلة جمود، مشيراً إلى أن هناك ترتيبات لم تتم حتى الآن لبدء نشر قوات الاستقرار الدولية، وهو ما يؤخر وصولها حتى الآن، والعقبة حتى الآن في عدم حسم انسحاب إسرائيل من قطاع أو نزع سلاح «حماس».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن هناك تحركات تضغط من أجل الدفع بهذه القوات الدولية للوجود على الأرض، لا سيما من مصر ودول عدة، لكن غير واضح أن هناك حسماً للأمر حتى الآن، مشيراً إلى أن هناك تخوفاً من الدول، لا سيما إندونيسيا، من الصدام مع الجانب الفلسطيني، وحذراً كبيراً وتردداً متكرراً، في ظل عدم حسم صلاحيات القوات بعد، مستدركاً: «لكن هي خطوة يعول عليها في الدفع بها خلال اجتماع مجلس السلام المقبل لبدء فعلي للمرحلة الثانية».

وقوات استقرار غزة، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ويعقد «مجلس السلام» الذي دشن منتصف يناير الماضي، أول اجتماع له يوم 19 فبراير الحالي، وقدم ترمب دعوات في هذا الصدد لعدة دول، ومن المتوقع أن يدفع الاجتماع بالمرحلة الثانية من «اتفاق غزة»، وفق موقع «أكسيوس» الأميركي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في بيان، قبل أيام، إنه من المتوقع أن يجتمع مع ترمب، في واشنطن، الأربعاء، لبحث ملف المفاوضات مع إيران.

ويعتقد فرج أن ترمب سيضغط خلال الاجتماع الوشيك للمجلس أو مع نتنياهو لتنفيذ خطته بشأن غزة، سواء على إسرائيل أو «حماس»، حتى لا يبدو أن مجلسه فشل أو تعثر، وربما تكون قوات الاستقرار أحد البنود الرابحة من هذا الاجتماع.

ولا يراهن نزار نزال كثيراً على الاجتماع الوشيك أو لقاء نتنياهو بترمب، الأربعاء، موضحاً «أن هناك قضايا ذات أولوية لإسرائيل هي إيران الآن، وربما الرئيس الأميركي يضغط لحسم موقف القوات الدولية التي ترفض حكومة نتنياهو مشاركة تركيا فيها، وقد نرى انفراجة في ضوء تحركات واتصالات القاهرة ومواقف أخرى كاستعدادات إندونيسيا».