«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

الفريق البريطاني يغنّي للمرة الأولى في العاصمة اليونانية أمام عشرات الآلاف

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
TT

«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)

«ويكند» حارّ شهدته أثينا التي كانت على موعد مع زحفٍ بشري قلّما رأت له مثيلاً، إلّا خلال الأحداث الرياضية العالمية. من كل أصقاع الأرض، لا سيّما من الدول العربية، ووسط درجات حرارة فاقت معدّلاتها الموسميّة، وفدَ جمهور «كولدبلاي» Coldplay إلى العاصمة اليونانية لمتابعة حفل فريقه الموسيقي المفضّل.

في ملعب أثينا الأولمبيّ، كان الموعد المُنتظر الذي سبق أن أعلن عنه الفريق الموسيقي البريطاني العام الماضي وبيعت بطاقاته خلال ساعات.

أمام نحو 70 ألف شخص ملأوا المدرّجات جلوساً وأكثر من 10 آلاف وقوفاً في أرض الملعب، قدّم كريس مارتن أشهر أغاني الفريق برفقة زملائه جوني بكلاند وغاي بيريمان على الغيتار، وويل تشامبيون على الإيقاعات.

فاق الحضور في ملعب أثينا الأولمبي الـ80 ألف شخص (إنستغرام)

أمطارٌ من الطابات

موسيقياً، أثبتَ فريق «كولدبلاي» أنه استثنائي، فالعرضُ متواصل منذ عام 1997 في مسيرة خالية من الشوائب الفنية، وحافلة بالإنجازات والجوائز. أما الحفلات فدليل آخر على ضخامة الفرقة وتليق بها تسمية «مهرجان من الألوان».

من لحظة وضع الأساور المضيئة في المعاصم، حتى لحظة إطلاق المفرقعات اختتاماً للحفل، مروراً بهبوط الطابات الضخمة الملوّنة فوق الرؤوس، يجد الجمهور نفسه أمام احتفاليّة من الألوان والفرح تمتدّ أكثر من ساعتَين.

تتفوّق جولة كولدبلاي العالميّة لناحية المؤثّرات الخاصة والتفاعل مع الجمهور (إكس)

هو فرحٌ متعمّد يحتفي به كريس مارتن غناءً وكلاماً، كما حين يعبّر، بين أغنية وأخرى، عن مدى سروره باحتشاد عشرات آلاف الأشخاص في مكانٍ واحد وفي اللحظة ذاتها، وكأنهم قلبٌ واحد ينبض بلغة واحدة، لغة الحب.

يأخذ المغنّي فَواصلَ ليطمئنّ إلى الحضور: «هل أنتم بخير؟». يتوجّه إلى مَن وقفوا في الصفوف الخلفيّة: «أنا أراكم». وقد حرص الفريق بالتعاون مع الجهات المنظّمة على اتّخاذ تدابير احترازيّة في مواجهة موجة الحرّ، طالبين من الجمهور عدم الوصول باكراً إلى الملعب، واستعمال الكريم الواقي من الشمس وارتداء القبّعات، كما جرى توزيع عبوات المياه عليهم.

مغنّي فريق كولدبلاي كريس مارتن على المسرح في أثينا (إكس)

«كاليسبيرا»

يهتمّ كريس مارتن بعشّاق «كولدبلاي»، يبادلهم الحب. يرحّب بهم باليونانية: «كاليسبيرا» (مساء الخير). يقرأ بصوتٍ مرتفع ما كتبوا على اللافتات المرفوعة، ويشكرهم لأنهم أتوا من أماكن بعيدة. يختار فتاتَين من بين الحضور ويطلب منهما الصعود إلى المسرح، ويدعوهما للجلوس قربه إلى البيانو، ويطرح عليهما الأسئلة للتعارف، ثمّ يطلب منهما الغناء معه. باختصار، يحقّق لهما حلم العمر.

يسير التبادل الإنساني في حفل كولدبلاي بالتوازي مع الموسيقى الجميلة. مسارٌ يزدان بالألعاب الضوئيّة وبالمؤثّرات الخاصة الملوّنة، وبمزيدٍ من الطابات التي تحلّق فوق رؤوس الجمهور. معظمها على هيئة كرة أرضيّة، فعنوان جولة الفريق العالمية هو «موسيقى الكُرات» (Music of the Spheres)، أما الرسالة من ذلك فهي التوحّد حول الحب، مهما تباعدت الكواكب أو اشتدّت الحروب، ومهما اختلفت المعتقدات والأجناس والأعراق.

حضر الحفل رئيس الحكومة اليونانية كرياكوس ميتسوتاكيس وزعيم المعارضة ستيفانوس كاسيلاكيس، ولعلّ هذا من بين ما أوحى لمارتن بالعبارة التالية: «يبدو أنّ الموسيقى وحدها قادرة على تجاوز الانقسامات وتقريب المسافات بين الناس». وخلال توجيهه التحية إلى البلدان الممثّلة وسط الجمهور، تعمّدَ مارتن تسمية فلسطين وإسرائيل. تكرّر الأمر عندما أخذ فاصلاً جديداً مع الحبّ، طالباً من الجمهور رفع أيديهم وإرسال كل ما في قلوبهم من مشاعر إيجابية إلى أي مكانٍ يختارونه من هذا العالم: «لأنّ العالم بحاجة إلى الحب، أرسِلوا كل ما أوتيتم منه في هذه اللحظة إلى نيويورك، وبوينس أيرس، وطوكيو، وفلسطين، ولندن أو أي مكان تختارونه على هذه الكرة الأرضيّة».

على إيقاع الحب سار حفل كولدبلاي في أثينا (إكس)

ديو مع دمية

ترتفع الهتافات عندما تنطفئ الأنوار ويظنّ الجمهور أن الحفل انتهى، ليتّضح أنّ مارتن والفريق انتقلوا من المسرح الأساسي إلى واحدٍ أصغر حجماً جرى تجهيزه في الناحية الثانية من الملعب، كي يتسنّى لمَن لم يستطيعوا أن يشاهدوا كولدبلاي عن قُرب، أن يفعلوا.

وهنا محطّة جديدة من التواصل المباشر مع الجمهور، إذ يطلب مارتن من الكاميرا التنقّل بين وجوه الحاضرين لتتوقّف عند وجهٍ يختاره، ويظهر على الشاشات الضخمة المرفوعة في الملعب. يستوحي المغنّي من ملامح الشخص أو سنّه أو هندامه كلماتٍ ويرتجل له أغنية، في لحظة لا تخلو من المواقف الطريفة والمؤثّرة. يغنّي لطفلٍ رفعه والده على كتفَيه، شاكراً إيّاه على تكبّد عناء السهَر. ثم ينتقل إلى ثنائي ويؤلّف لهما مقطعاً رومانسياً.

كريس مارتن وزملاؤه في الفريق جوني بكلاند وغاي بيريمان وويل تشامبيون (إكس)

هكذا يحادثُ كولدبلاي جمهوره. يحرّك الحواسّ كلّها، وينوّع ما بين أغانٍ جديدة مثل «Higher Power»، و«My Universe»، وكلاسيكيّاتٍ صنعت مجد الفريق وعشقَها جمهوره مثل «A Sky Full of Stars»، و«Something Just Like This»، و«Paradise»، و«Yellow»، وغيرها الكثير.

يستعين الفريق بأكسسوارات كثيرة على المسرح، فيتنكّر عناصره بأقنعة كائنات فضائيّة تجسيداً لمبدأ المساواة بين الجميع الذي يدافع عنه الفريق. في الإطار ذاته، تطلّ على المسرح دمية مغنّية لتشارك مارتن أداء «Biutyful». أما ألعاب الليزر فتبدو وكأنّها أمطارٌ من الأنوار التي لا تتوقّف عن الانهمار، طيلة مدّة العرض الموسيقي.

كريس مارتن وديو أغنية Biutyful مع الدمية (إنستغرام)

فريق صديق للبيئة

في حفل كولدبلاي في أثينا، كما في حفلات الفريق كلّها، تترافق الطاقة البشريّة وطاقة كهربائية هائلة. إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الفريق يستهلك الوسائل التقليديّة في توليد الطاقة. فهذه الجولة العالميّة المتواصلة منذ عام 2022، واكبها إعلان عن إجراءات متّخذة خلال الحفلات تراعي متطلّبات الاستدامة.

انطلاقاً من وعيه البيئيّ، قرر الفريق الموسيقي البريطاني الأشهر في القرن الـ21، أن يستخدم الألواح الشمسيّة وبطّارية قابلة للتفكيك وإعادة الشحن كبديلٍ عن مولّدات الديزل. وقد شارك الحضور بتوليد الطاقة بأنفسهم، بمجرّد الرقص والحركة على أرضيّة تعمل بالطاقة الحركيّة، فيما كان بعضهم يولّدون الطاقة للحفل بمجرّد ركوبهم على دراجاتٍ وُضعت خصّيصاً في المكان. وتُضاف إلى قائمة تدابير كولدبلاي الصديقة للبيئة، إعادة تدوير الأساور المضيئة التي يُعاد جمعها من الجمهور بعد الحفل، والاستعانة بقصاصات الـ«كونفيتي» الورقيّة القابلة للتحلّل.

يعتمد فريق كولدبلاي في كل حفلاته على وسائل بديلة لتوليد الطاقة حفاظاً على البيئة (إكس)

وكان فريق كولدبلاي قد افتتح زيارته الأولى إلى أثينا حيث أحيا حفلَين، بغرس عددٍ من الأشجار في المدينة. كما أعلن أنه نجح في تخفيض الانبعاثات الكربونيّة المرتبطة بحفلاته، بنسبة 59 في المائة، مقارنة مع الجولة العالمية السابقة.


مقالات ذات صلة

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

الوتر السادس نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز (أ.ف.ب)

بريتني سبيرز تبيع حقوق أعمالها الموسيقية

باعت نجمة البوب الأميركية بريتني سبيرز حقوق استغلال أعمالها الموسيقية لشركة النشر الموسيقي المستقلة «برايماري ​ويف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس يعتبر محمد فضل شاكر تتويجه بجائزة {جوي أووردز} محطة مهمة في مسيرته الفنية (هيئة الترفيه)

محمد فضل شاكر: أهتم بالكلمات والألحان وليس بشهرة أصحابها

قال الفنان اللبناني، محمد فضل شاكر، إن حصوله على جائزة «الوجه الجديد» عن فئة الموسيقى في جوائز «جوي أووردز» جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمثابرة والعمل.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

ما إن استمعت الفنانة نور حلّاق إلى أغنية «خيانة بريئة» حتى قررت سريعاً تسجيلها بصوتها. رأت فيها عملاً رومانسياً وكلاسيكياً؛ كونه ينسجم مع خياراتها الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.