«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

الفريق البريطاني يغنّي للمرة الأولى في العاصمة اليونانية أمام عشرات الآلاف

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
TT

«كولدبلاي» في أثينا... مهرجانُ ألوانٍ وحبّ وسلامٌ لفلسطين

أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)
أحيا فريق كولدبلاي البريطاني حفلَين ضخمَين في العاصمة اليونانية أثينا (إكس)

«ويكند» حارّ شهدته أثينا التي كانت على موعد مع زحفٍ بشري قلّما رأت له مثيلاً، إلّا خلال الأحداث الرياضية العالمية. من كل أصقاع الأرض، لا سيّما من الدول العربية، ووسط درجات حرارة فاقت معدّلاتها الموسميّة، وفدَ جمهور «كولدبلاي» Coldplay إلى العاصمة اليونانية لمتابعة حفل فريقه الموسيقي المفضّل.

في ملعب أثينا الأولمبيّ، كان الموعد المُنتظر الذي سبق أن أعلن عنه الفريق الموسيقي البريطاني العام الماضي وبيعت بطاقاته خلال ساعات.

أمام نحو 70 ألف شخص ملأوا المدرّجات جلوساً وأكثر من 10 آلاف وقوفاً في أرض الملعب، قدّم كريس مارتن أشهر أغاني الفريق برفقة زملائه جوني بكلاند وغاي بيريمان على الغيتار، وويل تشامبيون على الإيقاعات.

فاق الحضور في ملعب أثينا الأولمبي الـ80 ألف شخص (إنستغرام)

أمطارٌ من الطابات

موسيقياً، أثبتَ فريق «كولدبلاي» أنه استثنائي، فالعرضُ متواصل منذ عام 1997 في مسيرة خالية من الشوائب الفنية، وحافلة بالإنجازات والجوائز. أما الحفلات فدليل آخر على ضخامة الفرقة وتليق بها تسمية «مهرجان من الألوان».

من لحظة وضع الأساور المضيئة في المعاصم، حتى لحظة إطلاق المفرقعات اختتاماً للحفل، مروراً بهبوط الطابات الضخمة الملوّنة فوق الرؤوس، يجد الجمهور نفسه أمام احتفاليّة من الألوان والفرح تمتدّ أكثر من ساعتَين.

تتفوّق جولة كولدبلاي العالميّة لناحية المؤثّرات الخاصة والتفاعل مع الجمهور (إكس)

هو فرحٌ متعمّد يحتفي به كريس مارتن غناءً وكلاماً، كما حين يعبّر، بين أغنية وأخرى، عن مدى سروره باحتشاد عشرات آلاف الأشخاص في مكانٍ واحد وفي اللحظة ذاتها، وكأنهم قلبٌ واحد ينبض بلغة واحدة، لغة الحب.

يأخذ المغنّي فَواصلَ ليطمئنّ إلى الحضور: «هل أنتم بخير؟». يتوجّه إلى مَن وقفوا في الصفوف الخلفيّة: «أنا أراكم». وقد حرص الفريق بالتعاون مع الجهات المنظّمة على اتّخاذ تدابير احترازيّة في مواجهة موجة الحرّ، طالبين من الجمهور عدم الوصول باكراً إلى الملعب، واستعمال الكريم الواقي من الشمس وارتداء القبّعات، كما جرى توزيع عبوات المياه عليهم.

مغنّي فريق كولدبلاي كريس مارتن على المسرح في أثينا (إكس)

«كاليسبيرا»

يهتمّ كريس مارتن بعشّاق «كولدبلاي»، يبادلهم الحب. يرحّب بهم باليونانية: «كاليسبيرا» (مساء الخير). يقرأ بصوتٍ مرتفع ما كتبوا على اللافتات المرفوعة، ويشكرهم لأنهم أتوا من أماكن بعيدة. يختار فتاتَين من بين الحضور ويطلب منهما الصعود إلى المسرح، ويدعوهما للجلوس قربه إلى البيانو، ويطرح عليهما الأسئلة للتعارف، ثمّ يطلب منهما الغناء معه. باختصار، يحقّق لهما حلم العمر.

يسير التبادل الإنساني في حفل كولدبلاي بالتوازي مع الموسيقى الجميلة. مسارٌ يزدان بالألعاب الضوئيّة وبالمؤثّرات الخاصة الملوّنة، وبمزيدٍ من الطابات التي تحلّق فوق رؤوس الجمهور. معظمها على هيئة كرة أرضيّة، فعنوان جولة الفريق العالمية هو «موسيقى الكُرات» (Music of the Spheres)، أما الرسالة من ذلك فهي التوحّد حول الحب، مهما تباعدت الكواكب أو اشتدّت الحروب، ومهما اختلفت المعتقدات والأجناس والأعراق.

حضر الحفل رئيس الحكومة اليونانية كرياكوس ميتسوتاكيس وزعيم المعارضة ستيفانوس كاسيلاكيس، ولعلّ هذا من بين ما أوحى لمارتن بالعبارة التالية: «يبدو أنّ الموسيقى وحدها قادرة على تجاوز الانقسامات وتقريب المسافات بين الناس». وخلال توجيهه التحية إلى البلدان الممثّلة وسط الجمهور، تعمّدَ مارتن تسمية فلسطين وإسرائيل. تكرّر الأمر عندما أخذ فاصلاً جديداً مع الحبّ، طالباً من الجمهور رفع أيديهم وإرسال كل ما في قلوبهم من مشاعر إيجابية إلى أي مكانٍ يختارونه من هذا العالم: «لأنّ العالم بحاجة إلى الحب، أرسِلوا كل ما أوتيتم منه في هذه اللحظة إلى نيويورك، وبوينس أيرس، وطوكيو، وفلسطين، ولندن أو أي مكان تختارونه على هذه الكرة الأرضيّة».

على إيقاع الحب سار حفل كولدبلاي في أثينا (إكس)

ديو مع دمية

ترتفع الهتافات عندما تنطفئ الأنوار ويظنّ الجمهور أن الحفل انتهى، ليتّضح أنّ مارتن والفريق انتقلوا من المسرح الأساسي إلى واحدٍ أصغر حجماً جرى تجهيزه في الناحية الثانية من الملعب، كي يتسنّى لمَن لم يستطيعوا أن يشاهدوا كولدبلاي عن قُرب، أن يفعلوا.

وهنا محطّة جديدة من التواصل المباشر مع الجمهور، إذ يطلب مارتن من الكاميرا التنقّل بين وجوه الحاضرين لتتوقّف عند وجهٍ يختاره، ويظهر على الشاشات الضخمة المرفوعة في الملعب. يستوحي المغنّي من ملامح الشخص أو سنّه أو هندامه كلماتٍ ويرتجل له أغنية، في لحظة لا تخلو من المواقف الطريفة والمؤثّرة. يغنّي لطفلٍ رفعه والده على كتفَيه، شاكراً إيّاه على تكبّد عناء السهَر. ثم ينتقل إلى ثنائي ويؤلّف لهما مقطعاً رومانسياً.

كريس مارتن وزملاؤه في الفريق جوني بكلاند وغاي بيريمان وويل تشامبيون (إكس)

هكذا يحادثُ كولدبلاي جمهوره. يحرّك الحواسّ كلّها، وينوّع ما بين أغانٍ جديدة مثل «Higher Power»، و«My Universe»، وكلاسيكيّاتٍ صنعت مجد الفريق وعشقَها جمهوره مثل «A Sky Full of Stars»، و«Something Just Like This»، و«Paradise»، و«Yellow»، وغيرها الكثير.

يستعين الفريق بأكسسوارات كثيرة على المسرح، فيتنكّر عناصره بأقنعة كائنات فضائيّة تجسيداً لمبدأ المساواة بين الجميع الذي يدافع عنه الفريق. في الإطار ذاته، تطلّ على المسرح دمية مغنّية لتشارك مارتن أداء «Biutyful». أما ألعاب الليزر فتبدو وكأنّها أمطارٌ من الأنوار التي لا تتوقّف عن الانهمار، طيلة مدّة العرض الموسيقي.

كريس مارتن وديو أغنية Biutyful مع الدمية (إنستغرام)

فريق صديق للبيئة

في حفل كولدبلاي في أثينا، كما في حفلات الفريق كلّها، تترافق الطاقة البشريّة وطاقة كهربائية هائلة. إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ الفريق يستهلك الوسائل التقليديّة في توليد الطاقة. فهذه الجولة العالميّة المتواصلة منذ عام 2022، واكبها إعلان عن إجراءات متّخذة خلال الحفلات تراعي متطلّبات الاستدامة.

انطلاقاً من وعيه البيئيّ، قرر الفريق الموسيقي البريطاني الأشهر في القرن الـ21، أن يستخدم الألواح الشمسيّة وبطّارية قابلة للتفكيك وإعادة الشحن كبديلٍ عن مولّدات الديزل. وقد شارك الحضور بتوليد الطاقة بأنفسهم، بمجرّد الرقص والحركة على أرضيّة تعمل بالطاقة الحركيّة، فيما كان بعضهم يولّدون الطاقة للحفل بمجرّد ركوبهم على دراجاتٍ وُضعت خصّيصاً في المكان. وتُضاف إلى قائمة تدابير كولدبلاي الصديقة للبيئة، إعادة تدوير الأساور المضيئة التي يُعاد جمعها من الجمهور بعد الحفل، والاستعانة بقصاصات الـ«كونفيتي» الورقيّة القابلة للتحلّل.

يعتمد فريق كولدبلاي في كل حفلاته على وسائل بديلة لتوليد الطاقة حفاظاً على البيئة (إكس)

وكان فريق كولدبلاي قد افتتح زيارته الأولى إلى أثينا حيث أحيا حفلَين، بغرس عددٍ من الأشجار في المدينة. كما أعلن أنه نجح في تخفيض الانبعاثات الكربونيّة المرتبطة بحفلاته، بنسبة 59 في المائة، مقارنة مع الجولة العالمية السابقة.


مقالات ذات صلة

وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الجميلة كالشمس لا بد أن تصل أشعتها إلى الناس

الوتر السادس وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الجميلة كالشمس لا بد أن تصل أشعتها إلى الناس

وليد توفيق لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الجميلة كالشمس لا بد أن تصل أشعتها إلى الناس

يسير الفنان وليد توفيق بخطى ثابتة في كل عمل يقدّمه، فلا يلتفت إلى «الترند» ولا ينساق وراء موجات موسيقية وكلامية اجتاحت الساحة الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس مصطفى رزق لـ«الشرق الأوسط»: الصدفة وراء انتشار بعض أغنياتي

مصطفى رزق لـ«الشرق الأوسط»: الصدفة وراء انتشار بعض أغنياتي

أكثر من 50 أغنية قدمها مغني الجاز المصري مصطفى رزق، الذي ذاع صيت أعماله عبر ظروف بعضها كان بسبب أوضاع المجتمع بعد 2011

حمدي عابدين (القاهرة)
يوميات الشرق تحيي الفنانة السورية أصالة نصري حفلها الأول في دمشق بعد غياب 16 عاماً (صفحتها على فيسبوك) p-circle 01:33

مفاتيح أبواب دمشق في يد أصالة... عودة «أمّ شام» إلى الديار

تستعد الفنانة أصالة لإحياء حفلها الأول في وطنها الأم سوريا بعد 16 سنة غياب. خرجت أصالة من دمشق ولم تَعُد بسبب معارضتها للنظام السابق، فهل تستقرّ الآن في الشام؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المغنية الأميركية الراحلة دولي بارتون (رويترز)

مقترح أميركي لإطلاق اسم دولي بارتون على مطار ناشفيل

قد تتم إعادة تسمية مطار ناشفيل الدولي باسم أيقونة موسيقى الريف دولي بارتون، وذلك وفقاً لاقتراح أعلنه يوم الجمعة حاكم ولاية تينيسي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الوتر السادس سامو زين لـ«الشرق الأوسط»: تمردت على الأغنيات الرومانسية

سامو زين لـ«الشرق الأوسط»: تمردت على الأغنيات الرومانسية

أعرب الفنان السوري سامو زين عن حماسه لردود الأفعال التي واكبت طرح أغنيات «الميني ألبوم» الذي أصدره أخيراً بشكل متتابع بواقع أغنية كل أسبوع

مصطفى ياسين (القاهرة)

عندما تثقل عليك الحياة... لماذا تحتاج إلى روتين يومي؟

اتباع روتين يومي يعدّ مفيداً في مختلف الأوقات ولا سيما إذا كنت تسعى إلى ترسيخ عادات صحية (بيكسلز)
اتباع روتين يومي يعدّ مفيداً في مختلف الأوقات ولا سيما إذا كنت تسعى إلى ترسيخ عادات صحية (بيكسلز)
TT

عندما تثقل عليك الحياة... لماذا تحتاج إلى روتين يومي؟

اتباع روتين يومي يعدّ مفيداً في مختلف الأوقات ولا سيما إذا كنت تسعى إلى ترسيخ عادات صحية (بيكسلز)
اتباع روتين يومي يعدّ مفيداً في مختلف الأوقات ولا سيما إذا كنت تسعى إلى ترسيخ عادات صحية (بيكسلز)

عندما تصبح الحياة مرهقة، أو تزداد فيها مشاعر القلق وعدم اليقين، قد يكون من الصعب الحفاظ على العادات اليومية المعتادة. وفي مثل هذه الفترات، قد يبدو الالتزام بجدول منتظم أمراً ثانوياً مقارنةً بالمشكلات التي تشغل ذهنك، لكنه قد يكون في الواقع أحد الأمور التي تُساعدك على التعامل معها بصورة أفضل، فالحفاظ على روتين يومي يمنح اليوم قدراً من التنظيم والاستقرار، ويُعزز الشعور بالسيطرة في أوقات يبدو فيها كثير من جوانب الحياة خارج نطاق التحكم، وفقاً لموقع «فيري ويل مايند».

وقد يكون اتباع روتين يومي مفيداً في مختلف الأوقات، ولا سيما إذا كنت تسعى إلى ترسيخ عادات صحية. إلا أن أهمية هذا الروتين تصبح أكبر عندما تشعر بعدم اليقين بشأن جوانب معينة من حياتك. ففي أوقات الضغط الشديد يمكن أن يساعدك الحفاظ على نظام وروتين يومي في الشعور بمزيد من التنظيم والسيطرة.

ما العلاقة بين غياب الروتين والضغط النفسي؟

لنفترض أنك فقدت وظيفتك وتواجه احتمال الدخول في فترة بطالة غير محددة المدة، أو ربما أخذت إجازة من العمل للتعامل مع مشكلات شخصية، مثل رعاية أحد أفراد الأسرة المريض أو الاهتمام بصحتك النفسية.

في مثل هذه الظروف، قد تكتشف سريعاً أن العزلة المستمرة وغياب جدول زمني منتظم يمكن أن يكونا مرهقين من الناحية النفسية.

وقد يؤدي غياب النظام والروتين إلى تفاقم مشاعر الضيق، كما قد يدفعك إلى التركيز بصورة أكبر على مصدر مشكلاتك والظروف التي تُسبب لك التوتر.

تقول الدكتورة راشيل غولدمان، أستاذة علم النفس السريري في كلية الطب بجامعة نيويورك: «إذا لم يكن لدى الناس نظام يومي، وقضوا أوقات فراغهم دون تركيز، فمن المرجح أن يجدوا أنفسهم يفكرون في الموقف المسبب للتوتر أكثر، ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر والقلق».

ومن ثم، فإن إحدى طرق كسر هذه الحلقة المفرغة تتمثل في الحفاظ على نظام وروتين يومي محدد، حتى في الفترات التي تبدو فيها الحياة غير مستقرة، أو يصعب التنبؤ بما سيحدث خلالها.

ما فوائد الروتين؟

أظهرت الأبحاث باستمرار أن للروتين دوراً مهماً في الصحة النفسية، إذ يساعد الناس على إدارة التوتر والقلق بصورة أفضل. فعلى سبيل المثال، وجدت الدراسات أن الحفاظ على روتين يومي يمكن أن يساعد في حماية صحتنا النفسية من الآثار السلبية للتوتر.

ويمكن أن يساعدك اتباع روتين يومي منتظم على:

- التحكم في مستويات التوتر.

- تكوين عادات يومية جيدة.

- الاهتمام بصحتك بصورة أفضل.

- الشعور بمزيد من الإنتاجية.

- الشعور بمزيد من التركيز.

ولا تقتصر فوائد الروتين على تنظيم الوقت والمهام اليومية، إذ إن إنجاز المهام الضرورية يتيح لك مزيداً من الوقت لممارسة سلوكيات صحية، مثل ممارسة الرياضة، كما يوفر لك وقتاً أكبر للاستمتاع بالأنشطة والهوايات التي تمنحك المتعة.

أهمية التركيز على ما يمكنك التحكم فيه

يمكن أن تُساعدك إدارة سلوكياتك الشخصية على الشعور بمزيد من السيطرة على الموقف، حتى عندما تكون هناك جوانب أخرى من حياتك لا يمكنك التحكم فيها. ولهذا السبب، تنصح غولدمان بالتركيز على الأمور التي تقع ضمن نطاق قدرتك على التحكم فيها.

ويكمن السر في وضع روتين يومي يضفي على يومك قدراً من التنظيم والترتيب. وبالطبع، قد يتغير جدولك اليومي قليلاً تبعاً ليوم الأسبوع، لكن الالتزام بجدول أساسي يتضمن مواعيد محددة للاستيقاظ، وتناول الطعام، والعمل، وممارسة الأنشطة، والنوم، يمكن أن يساعدك على الشعور براحة أكبر وعلى تنظيم يومك بصورة أفضل.

كما أن تنظيم يومك يضمن لك إنجاز المهام الأساسية والضرورية، وهو ما يتيح لك وقتاً كافياً للتخطيط لأمور أخرى ترغب في إنجازها أو تحتاج إليها.

ومع مرور الوقت، تتحول المهام الأساسية إلى عادات، فلا تعود تتطلب قدراً كبيراً من التفكير أو الجهد لإنجازها، وهذا بدوره يتيح لك تكريس وقتك وجهدك وطاقتك لأمور أخرى تحب القيام بها، بدلاً من استنزاف هذه الموارد الذهنية في التفكير المستمر في المهام اليومية الأساسية.


«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
TT

«لن يفعلها أحد بعد رحيلي»... ترمب يكشف صراحةً عن النُّصُب التذكارية التي يبنيها لنفسه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ)

في خضم المشاريع المعمارية التي يدفع بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن العاصمة خلال ولايته الثانية، برز حديثه عن الإرث الذي يريد تركه خلفه، إذ أقرّ بأنه يبني بعض هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»، بوصفها نُصُباً تذكارية مرتبطة به شخصياً، معتبراً أن أحداً لن يقدم على بنائها بعد رحيله، بحسب شبكة «سي إن إن».

ولم ينكر ترمب، خلال مقابلة حديثة، أنه يبني نُصُباً تذكارية لنفسه، إذ قال رداً على سؤال حول هذه المشاريع، ومنها «قوس النصر»: «هذا صحيح. لن يفعلها أحد بعد رحيلي. عندما أغادر، لن يفعلها أحد».

وركّز الرئيس الأميركي بشكل كبير على بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى، خلال ولايته الثانية. وقد أثار هذا التركيز استياء بعض الجمهوريين في الكونغرس، ومستشاري ترمب، الذين قال بعضهم إن الاهتمام بقاعة الاحتفالات قد يضرّ بفرص «الحزب الجمهوري» في انتخابات التجديد النصفي، كما قد يجعل من الصعب عليهم الالتزام بالخطاب الذي يتبنونه.

لكن ترمب دافع عن المشروع، وقال في المقابلة إن «على الشعب أن يكون ممتناً» لقاعة الاحتفالات.

وأضاف الرئيس: «قال لي الكثيرون: لا تُجرِ هذه المقابلة. لكنني فخور بالعمل الذي أقوم به».

نموذج لقوس النصر الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في واشنطن (رويترز)

كما دافع ترمب عن فكرة أن قاعة الاحتفالات ضرورية للأمن القومي، مشدداً على خطط تتضمن إنشاء مهبط للطائرات على سطح المبنى، وملجأ تحت الأرض، إلى جانب تركيب نوافذ مضادة للرصاص.

وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تبدأ الإدارة الأميركية خلال الأسبوعين المقبلين في أعمال بناء القوس، الذي يبلغ طوله 250 قدماً، بالقرب من مقبرة أرلينغتون الوطنية.

لكن في نهاية المطاف، وكما قالت مصادر لشبكة «سي إن إن» في وقت سابق من هذا العام، فإن الأمر برمته يرتبط بإرث الرئيس، وما سيبقى من أثره بعد مغادرته منصبه.

وقال مصدر مقرّب من ترمب لشبكة «سي إن إن» في مايو (أيار): «انظروا إلى حياة دونالد ترمب، انظروا إلى ما أنجزه: لقد بنى أشياءً لن يهدمها أحد أبداً»، مشيراً إلى أنه حتى إذا ألغى خلفاؤه سياساته، فمن المرجح أن تبقى قاعة الاحتفالات قائمة.

وأضاف المصدر: «الشيء الوحيد الذي لن يستطيعوا هدمه هو الجناح الشرقي. هذا هو أثره الدائم. ولهذا السبب يهتم كثيراً: لأنه إرثه».


«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
TT

«احكيلي يا جنوب» جولة فنّية على ضفاف الذاكرة والهوية

قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)
قصاصات ورق وصور فوتوغرافية تحفظ تفاصيل من ذاكرة الجنوب (الشرق الأوسط)

في معرض «احكيلي يا جنوب»، المطلوب من زائره أن يُصغي. فالحيطان هنا هي التي تتحدّث، وتروي قصص أهالي الجنوب وذكرياتهم مع قراهم، في رحلة تستعيد علاقة الإنسان بالمكان وما تختزنه من مشاعر وانتماء.

ومن خلال أرشيف بصري وسمعي موزّع على طابقي «بيت بيروت» في منطقة السوديكو ببيروت، يخوض الزائر جولة إنسانية بامتياز، فيستمع ويشاهد ويقرأ حكايات مؤثّرة عن ارتباط أبناء الجنوب بأرضهم. وهي علاقة حبّ متجذّرة بينهم وبين قراهم، بقيت صامدة في مواجهة الحرب.

المعرض من إعداد وتنسيق مشروع «احكيلي» في «بيت بيروت»، بالتعاون مع المصوّر أديب فرحات، ويجمع أعمالاً فنية وبحثية تنطلق من خلفيات وتجارب مختلفة، وتتمحور حول الذاكرة الجماعية لأهالي جنوب لبنان.

ويضم مجموعة متنوّعة من المواد والأعمال، بينها أرشيفات منزلية وصور عائلية من قرى وبلدات الجنوب، إلى جانب أعمال فنّية وبحثية، وأفلام وتجهيزات سمعية وبصرية، فضلاً عن وثائق ورسائل وصور تاريخية نادرة. كما تتناول بعض الأعمال الخرائط والأرشفة الرقمية، فيما خُصّصت مساحات تفاعلية تدعو الزوار إلى مشاركة قصصهم وذكرياتهم وإضافتها إلى المعرض.

ويشارك، إلى جانب أديب فرحات، عدد من الفنانين التشكيليين، هم بتول فاعور، وفرح برّو، ورباب شمس الدين، وروان مازح، وسما بيضون.

يخصّص «احكيلي يا جنوب» مساحة تفاعلية يشارك فيها الزوار حكاياتهم وذكرياتهم (الشرق الأوسط)

ومن اللحظة الأولى لدخول المعرض، يشعر الزائر بأهمية هذا اللقاء مع ذاكرة جماعية موثّقة. فتارة يتفاعل معها من خلال الصورة الفوتوغرافية، وتارة أخرى عبر أدوات منزلية، ومونة، ومفاتيح بيوت، ولوحات مرسومة. ومن خلال الفيديوهات والتجهيزات الفنّية، يخوض رحلة بصرية تتداخل فيها تفاصيل الحياة اليومية مع ذاكرة المكان. فجميع عناصر المعرض جُمعت من أرض الواقع، لتصبح شاهدةً على حكايات أصحابها. وبين حجر ملتوٍ هنا، وكمشة تراب هناك، وفنجان قهوة مكسور، يجد الزائر نفسه أمام تفاصيل صغيرة تختزن حكاية كبيرة، وكأنه يقوم بجولة في قرى جنوب لبنان التي شهدت حروباً متعاقبة، وهو لا يزال في قلب المدينة.

ويغطي المعرض حقبة طويلة من الحروب التي عاشتها المنطقة وأهلها، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى اليوم. ويتجوّل الزائر بين ما تبقّى من آثار تلك السنوات، وما نجا من قسوتها وتقلّباتها.

وتبدو محتويات المعرض أشبه بحفنة من آثار حياة مضت، جمعها الناس من بين الركام والدمار واحتفظوا بها، كأنها آخر ما يربطهم بأمكنتهم. أشياء بسيطة في شكلها، لكنها تحمل في تفاصيلها قصص بيوت وقرى، وتختزن لحظات من حياة لم تستطع الحرب محوها بالكامل.

وبين الأقسام، نزور نماذج من بيوت الجنوب، ونقرأ قصاصات من صحف ورسائل جمعها أديب فرحات في أرشيفه الفنّي. وعبر عناوين مختلفة، بينها «خطوط التغريب»، و«بس قرّب موسم الرمان»، و«مفاتيح بلا بيوت»، و«بعد العشاء»، يجول الزائر في حنايا ما تبقّى من الحكايات.

وتمسّك كل فنان مشارك بإبراز علاقته ببلدته وأرضها، انطلاقاً من مراحل عاشها فيها، وترجم هذه العلاقة بصور عائلية فوتوغرافية أو بمائدة عشاء فارغة من أهلها. كما نتوقف عند معنى خسارة الأماكن والبيوت من خلال تجهيزات فنية ضخمة، تتدلى من إحداها مجموعة من المفاتيح، في إشارة إلى بيوت لم يعد أصحابها قادرين على العودة إليها.

تجهيز فني من قسم «مفاتيح بلا بيوت» يستحضر بيوتاً غاب عنها أصحابها (الشرق الأوسط)

وفي زاوية خصّصتها الفنانة رباب شمس الدين لذكرى موسم قطاف الرمان، تستعين بصور فوتوغرافية لأهالي بلدتها وهم يحصدون ثماره، في استعادة لموسم يرتبط بأرضهم وعاداتهم. أما الفنانة فرح برّو فأنشأت غرفة جلوس من أثاث بسيط ومجموعة أدوات وأغراض استقدمتها من منزلها في الجنوب، وأحاطتها بأجواء تستعيد عادات وتقاليد كانت تمارسها يومياً في صبحياتها مع الجيران. ويبرز بينها كوب قهوة عربية مزخرف، وصور لبيتها ذي الواجهة المكلّلة بالقناطر، إلى جانب صور لأكلة «اللحم بعجين» وأشجار الزيتون التي تستحضر بها بلدتها كفركلا.

وفي ركن خاص بالمطبخ الجنوبي، تستوقف الزائر أغراض وأدوات منزلية تستعيد الطابع القروي الذي يميّز مطابخ الضيعة اللبنانية. ومن خزانة «النملية» إلى طناجر الألمنيوم وستارة المجلى المصنوعة من القماش الأصفر، تبدأ رحلة أخرى في تفاصيل الحياة اليومية التي ارتبطت ببيوت الجنوب.

ويتضمّن المعرض جانباً تفاعلياً يتيح للزوار المشاركة مباشرة في بناء الأرشيف، عبر كتابة الحكايات والرسائل وتفاصيل الحياة المرتبطة بقراهم وأماكنهم. ويرافقه برنامج من الجولات واللقاءات والأنشطة الحوارية التي تُعلن تباعاً، بهدف توسيع مساحة المشاركة وإتاحة المجال أمام مزيد من الأصوات والقصص.