يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

فرح بترجمة «الكتاب المقدس» وأراده «واضحاً يفهمه حتى الأطفال»

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار
TT

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

من حيث لا تدري، تقدّم الشاعرة والفنانة التشكيلية مها بيرقدار الخال، وهي تصدر سيرتها الذاتية «حكايا العراء المرعب»، وثيقة مهمة للباحثين، عن حياة الشاعر يوسف الخال الذي ارتبطت به، وعاشت معه 17 عاماً، وأثمر زواجهما فنانَيْن هما: ورد ويوسف الخال.

لم يكن زواجاً سهلاً، ولا الأيام سلسة. فقد تم الزواج بين ابنة الـ25 عاماً والشاعر المعروف وهو في الرابعة والخمسين. أغرمت الشاعرة الصغيرة بالكاتب الذي ذهبت لتنشر عن طريقه مجموعتها الشعرية الأولى في «دار النهار»، لكنه بدل أن يمهدّ لها دروب الأدب، أغرم بها وتزوجها. وبعد خمس سنوات اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، ودخل الزوجان في أتون دوامة العنف، والانتقال من منزل إلى آخر، هرباً من الموت.

ورد ويوسف الخال يشاركان والدتيهما في توقيع كتابها

ولكن لماذا قررت مها بيرقدار الخال، أن تكتب سيرتها الآن وتنشرها، عن دار «فواصل» في بيروت بالتعاون مع دار «مجلة شعر»، التي هي عملياً متوقفة عن الإنتاج؟ تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كتبت لأنقذ نفسي، بدل الذهاب إلى طبيب أعصاب. عانيت من وفيات عديدة في عائلتي بدأت من أبي، وكذلك توفيت أختي وأخي بفارق 20 يوماً، وتزوجت يوسف الذي يكبرني بـ31 عاماً. لسنا من دين واحد، وحياتنا شابتها صعوبات كثيرة». وتعدُّ الكاتبة أن صدور كتابها عن «دار مجلة شعر» ليس استغلالاً متأخراً لزوجها - كما يقول البعض - بل هي لفتة تكريمية له، لأن هذه الدار لم تكن قليلة في تاريخ الأدب العربي الحديث عدا أن كل دواويني صادرة عنها.

أما لماذا الكتابة الآن: «فتلك كانت حاجة نفسية. بعد انفجار مرفأ بيروت، لم أعد قادرة على الرسم ولا كتابة الشعر. شلّت قدرتي على إنجاز أي شيء، فعكفت على كتابة سيرتي».

اكتشفت الخال وهي تكتب أن لها «ذاكرة قوية، تضج بالأصوات ومضمخة بالروائح، ومفتونة بالتفاصيل».

تبدأ السيرة بحياة الخال في دمشق مع عائلتها، مروراً بمغامرتها في المجيء إلى بيروت، وكانت قبلها قد درست الرسم في معهد أدهم إسماعيل، وقدمت برنامج «الليل والشعر والموسيقى» في الإذاعة السورية، مروراً بزواجها من الشاعر الراحل يوسف الخال وصولاً إلى تجربتها ومعاناتها بفقد أهلها ثم زوجها وإخوتها.

تصف يوسف الخال بـ«القسوة» والأنا المتضخمة. و«تفاجأت عندما أخبرني أن أول ديوان شعر كتبه عندما كان يافعاً، كان تحت اسم «الحرية»، وكم كرهت الحرية لأنها لم تكن كذلك، بل كانت هيمنة على الآخرين وغطرسة وسوء تفاهم دائم حتى مع أقرب الناس إليه».

تشتكي في الكتاب من الذكورية، فحين تسأله: «هل أفهم منك أن المرأة هي فقط مشروع جمالي لتمتّع الرجل؟» يجيبها: «هذا إذا كان رجلاً». كما أنه يخبرها «أنا أعرف متى أذهب، لكن لا أعرف متى أعود».

يوسف الخال أحد رواد الشعر العربي الحديث، بحسب زوجته، كان تقليدياً وربما هذا ما صدمها، لكن في الوقت نفسه، كان يداريها، ويخاف عليها، ويفهم احتياجاتها. فهي الزواج الثاني بعد أن أنجب ولدين طارق وجواد. «ستكون أنانية مني ألا أفكر بك، فأنا حققت أبوتي وبالوقت عينه، عليك أن تفكري بأمومتك». وعند ولادة ابنتهما ورد أصرّ أن يكون معها لحظة الوضع في غرفة الولادة. ولم يكن مهتماً إلا بصحة الأم.

نتابع مغامرات عبور الحواجز المسلحة ليوسف الخال مع زوجته وصغيرتهما ورد، للهروب من بيروت بسبب الحرب الأهلية.

اختار بلدة غزيز، كان قد استأجر فيها بيتاً في الجبل، ليخلو بنفسه وقت الكتابة. الاختيار لم يكن مصادفة، بل لأن فيها عائلة تدعى «الخال» أيضاً، وإن لم يكونوا أقرباءه بالفعل. فهو بروتستانت من سوريا، وهم موارنة.

الحرب القاسية تعيد مها بيرقدار إلى أيامها الدمشقية، طفولتها، بداياتها الأدبية، ولكن أيضاً حبها الأول لرجل كانت علاقتها به سرية. «فارس أحلام كل صبية، فكيف لا يكون أمير وملك واقعي وأحلامي وتوقعاتي؟» هذه العلاقة تنتهي، حين يخبرها حبيبها أنه متزوج، ثم يسافر ويغيب، بسبب تأميم ممتلكاته. «لا أظن أنني أحببت أحداً بعد أبي إلا هو، ولا زلت».

يعود الحبيب يظهر من جديد في حياة الكاتبة بعد أن تتزوج من يوسف الخال، يأتي ليراها في «غاليري وان» الذي كان قد فتحه زوجها في بيروت، ولا يتكرر اللقاء. لكن الحياة بين مها وزوجها الشاعر، يصيبها المزيد من الاضطراب. لما غادر هذا الحبيب «كان قد أخذ روحي المتهالكة معه. ما أجملك من حبيب! وما أغلاك من روح».

بعد تطورات الحرب وتصاعدها، كان الغاليري قد توقف عن العمل، والبيت في بيروت لم يعد صالحاً للسكن. ويوسف الخال ترك عمله في دار «النهار». اختير لترجمة «الكتاب المقدس»، فكان بمثابة نافذة فرج بالنسبة له. وافق على الفور على عرض «جمعية الكتاب المقدس».

كان الهدف من ترجمة جديدة إلى العربية هو «وضع نص يفهمه حتى الطفل»، «والأجر محترم». وقد عينت لجنة من كهنة من الطراز الأول لمراجعة كل كلمة يترجمها.

رغم صعوبة السفر في الحرب، فإن هذه الترجمة تطلبت من الخال الانتقال تكراراً بين مصر والأردن وإيطاليا وقبرص، والكثير من الجهد والوقت. «ما خلق بيني وبين يوسف هوة كبيرة، حتى صرنا نتصرف كغريبين في بيت واحد. فانسحبت من غرفة نومي المشتركة مع يوسف إلى غرفة ورد، أيضاً لأنه كان (يشخر) طوال الليل، ما يجعلني يقظى».

مكتبة يوسف الخال بقيت في بيته في بيروت، حين انتقل إلى غزير. لكنه مع الوقت احتاجها، وكان لا بد لزوجته أن ترافق أحد المقاتلين القادرين على إيصالها إلى هناك لتأتي بالأزم. هناك وجدت البيت قد نهب، الكتب سرقت والسميك منها وضع في الشومينيه. لكن لحسن الحظ أن الخزانة التي فيها أرشيف مخطوطاته وكتاباته لم يعبثوا بها. نقلت مها ما تيسر إلى غزير. «يجلس يوسف محدقاً بالمصنفات المكدسة فوق بعضها بعضاً بحزن شديد قائلاً: «كأنه مكتوب علي أن أبدأ دائماً من الصفر».

«قولي لي الحقيقة، لماذا لم تعودي تحبينني؟» يسأل زوجته: «إن أخطر ما يهدد الزواج، الافتراق والنوم كل واحد بغرفة». رغم هذا النفور تحمل بابنها الثاني، وتفعل الأم كل ما بوسعها للتخلص من حملها. «لم أعد أتحمل يوسف، فكيف أنجب له مزيداً من الأولاد؟» طلبت منه مالاً للذهاب إلى المستشفى وفعل اللازم. جاء لها برزمة ليرات «صفقني بها على وجهي، فتناثرت في المكان: خذي لكنني لن أشارك بمثل هذه الجريمة».

ذهبت للتخلص من حملها، لكنها عادت وقد بدلت رأيها، وحين أخبرته بذلك «فتح عينيه، ونظر إلي نظرة ملؤها شتى الأحاسيس من الغضب والحب والفرح والصدمة والقسوة واللين والغرابة وقد دمعت عيناه لأول مرة». لا يتردد في التعبير عن خوفه على زوجته، يقلي صحن البطاطا الذي طلبته منه قبل أن تعود ورد من المدرسة. كان متأثراً «أنا بالستين وبعدني عم خلف».

مع ولادة الطفل الثاني عام 1977 بقي الزوجان سبعة أشهر، ولم يسميانه. سافر الأب إلى لندن، وأرسل لها من هناك «دعوناه يوسفاً. لكثرة ما أحببته، فأنا تقمصت فيه بعد هذه الكبرة». لتعلق: «أنا بيوسف واحد تعبانة، فكيف بيوسفين؟»

بسبب ترجمة للكتاب المقدس، «كان سعيداً وفخوراً إلى أبعد حد»، ويقول: «يكفيني فرحاً وفخراً أني عندما ألاقي وجه ربي يكون بيميني مجلة شعر وبيساري ترجمة الكتاب المقدس».

نلحظ مدى العلاقة التي ربطت يوسف الخال ببعض السياسيين اللبنانيين، خاصة بشير الجميل الذي جاء رغم الظروف الصعبة، لحضور توقيع كتاب يوسف الخال باللغة المحكية «الولادة الثانية» كما أنه طلب من الخال، أن ينظم له جلسة في منزله تجمع مثقفين وفنانين، وهكذا حصل.

يقول الخال لزوجته إنه يحب بشير الجميل أكثر من أولاده ويخاف عليه أكثر مما يخاف عليهم «لأنه أجمل وأكبر من أن يكون حقيقة! لأنه جمع في شخصه الإقدام والإيمان والاندفاع وعشق الوطن، وطهارة اليد والنفس». ثم بدأت مها بوضع كتاب عن بشير أو «باشو» اسمه العائلي بطلب من زوجته صولانج.

نقرأ كيف عايش الخال ترشح بشير لرئاسة الجمهورية ووصوله إليها ثم اغتياله. لشدة حزنها، كتبت مها الخال قصيدة «قمح الطفولة» في رثاء بشير وغناها ربيع الخولي.

بدأ يوسف الخال يسير بخطوات متعثرة، حتى يكاد يرتطم رأسه بالحائط، بسبب ورم في رأسه، كان هذا إنذاراً مفاجئاً بسرطان في الرأس. بعد عملية الاستئصال، عانى من أوجاع رهيبة. تعهد رفيق الحريري بنقله للعلاج على نفقته في باريس.

عن طريق قبرص ومن ثم بالباخرة إلى مرفأ جونية عاد يوسف الخال هزيلاً متعباً، وسرعان ما انتكس ونقل بسيارة إسعاف إلى مستشفى باستور.

تتحدث الكاتبة عن عدد من العروض وصلتها للاهتمام بطبابة يوسف الخال، إضافة إلى مساعدة رفيق الحريري. عرض من أمين الجميل، وكذلك سمير جعجع. وحين أبلغته قال لها: «شكراً للكل... الحريري دفع كثير علي بفرنسا! والدكتور جعجع الله يعينه... أنا بدي رئيس بلادي أمين الجميل، ثم صمت».

في أيامه الأخيرة أرسل له أدونيس رسالة «من أجمل الرسائل وأصدقها». تقول الكاتبة أن يوسف الخال طلب إليها أن تعيد قراءتها عليه تسع مرات، كان آخر الرسالة «(يوسف الخال... سلاماً... سلاماً). أغمض يوسف عينيه، مع دمعة سقطت من عينه اليسرى...! كان يوسف يحب أدونيس رغم بعض الخلافات الشعرية القديمة بينهما»



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.