يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

فرح بترجمة «الكتاب المقدس» وأراده «واضحاً يفهمه حتى الأطفال»

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار
TT

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

يوسف الخال في عيني زوجته مها بيرقدار

من حيث لا تدري، تقدّم الشاعرة والفنانة التشكيلية مها بيرقدار الخال، وهي تصدر سيرتها الذاتية «حكايا العراء المرعب»، وثيقة مهمة للباحثين، عن حياة الشاعر يوسف الخال الذي ارتبطت به، وعاشت معه 17 عاماً، وأثمر زواجهما فنانَيْن هما: ورد ويوسف الخال.

لم يكن زواجاً سهلاً، ولا الأيام سلسة. فقد تم الزواج بين ابنة الـ25 عاماً والشاعر المعروف وهو في الرابعة والخمسين. أغرمت الشاعرة الصغيرة بالكاتب الذي ذهبت لتنشر عن طريقه مجموعتها الشعرية الأولى في «دار النهار»، لكنه بدل أن يمهدّ لها دروب الأدب، أغرم بها وتزوجها. وبعد خمس سنوات اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، ودخل الزوجان في أتون دوامة العنف، والانتقال من منزل إلى آخر، هرباً من الموت.

ورد ويوسف الخال يشاركان والدتيهما في توقيع كتابها

ولكن لماذا قررت مها بيرقدار الخال، أن تكتب سيرتها الآن وتنشرها، عن دار «فواصل» في بيروت بالتعاون مع دار «مجلة شعر»، التي هي عملياً متوقفة عن الإنتاج؟ تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كتبت لأنقذ نفسي، بدل الذهاب إلى طبيب أعصاب. عانيت من وفيات عديدة في عائلتي بدأت من أبي، وكذلك توفيت أختي وأخي بفارق 20 يوماً، وتزوجت يوسف الذي يكبرني بـ31 عاماً. لسنا من دين واحد، وحياتنا شابتها صعوبات كثيرة». وتعدُّ الكاتبة أن صدور كتابها عن «دار مجلة شعر» ليس استغلالاً متأخراً لزوجها - كما يقول البعض - بل هي لفتة تكريمية له، لأن هذه الدار لم تكن قليلة في تاريخ الأدب العربي الحديث عدا أن كل دواويني صادرة عنها.

أما لماذا الكتابة الآن: «فتلك كانت حاجة نفسية. بعد انفجار مرفأ بيروت، لم أعد قادرة على الرسم ولا كتابة الشعر. شلّت قدرتي على إنجاز أي شيء، فعكفت على كتابة سيرتي».

اكتشفت الخال وهي تكتب أن لها «ذاكرة قوية، تضج بالأصوات ومضمخة بالروائح، ومفتونة بالتفاصيل».

تبدأ السيرة بحياة الخال في دمشق مع عائلتها، مروراً بمغامرتها في المجيء إلى بيروت، وكانت قبلها قد درست الرسم في معهد أدهم إسماعيل، وقدمت برنامج «الليل والشعر والموسيقى» في الإذاعة السورية، مروراً بزواجها من الشاعر الراحل يوسف الخال وصولاً إلى تجربتها ومعاناتها بفقد أهلها ثم زوجها وإخوتها.

تصف يوسف الخال بـ«القسوة» والأنا المتضخمة. و«تفاجأت عندما أخبرني أن أول ديوان شعر كتبه عندما كان يافعاً، كان تحت اسم «الحرية»، وكم كرهت الحرية لأنها لم تكن كذلك، بل كانت هيمنة على الآخرين وغطرسة وسوء تفاهم دائم حتى مع أقرب الناس إليه».

تشتكي في الكتاب من الذكورية، فحين تسأله: «هل أفهم منك أن المرأة هي فقط مشروع جمالي لتمتّع الرجل؟» يجيبها: «هذا إذا كان رجلاً». كما أنه يخبرها «أنا أعرف متى أذهب، لكن لا أعرف متى أعود».

يوسف الخال أحد رواد الشعر العربي الحديث، بحسب زوجته، كان تقليدياً وربما هذا ما صدمها، لكن في الوقت نفسه، كان يداريها، ويخاف عليها، ويفهم احتياجاتها. فهي الزواج الثاني بعد أن أنجب ولدين طارق وجواد. «ستكون أنانية مني ألا أفكر بك، فأنا حققت أبوتي وبالوقت عينه، عليك أن تفكري بأمومتك». وعند ولادة ابنتهما ورد أصرّ أن يكون معها لحظة الوضع في غرفة الولادة. ولم يكن مهتماً إلا بصحة الأم.

نتابع مغامرات عبور الحواجز المسلحة ليوسف الخال مع زوجته وصغيرتهما ورد، للهروب من بيروت بسبب الحرب الأهلية.

اختار بلدة غزيز، كان قد استأجر فيها بيتاً في الجبل، ليخلو بنفسه وقت الكتابة. الاختيار لم يكن مصادفة، بل لأن فيها عائلة تدعى «الخال» أيضاً، وإن لم يكونوا أقرباءه بالفعل. فهو بروتستانت من سوريا، وهم موارنة.

الحرب القاسية تعيد مها بيرقدار إلى أيامها الدمشقية، طفولتها، بداياتها الأدبية، ولكن أيضاً حبها الأول لرجل كانت علاقتها به سرية. «فارس أحلام كل صبية، فكيف لا يكون أمير وملك واقعي وأحلامي وتوقعاتي؟» هذه العلاقة تنتهي، حين يخبرها حبيبها أنه متزوج، ثم يسافر ويغيب، بسبب تأميم ممتلكاته. «لا أظن أنني أحببت أحداً بعد أبي إلا هو، ولا زلت».

يعود الحبيب يظهر من جديد في حياة الكاتبة بعد أن تتزوج من يوسف الخال، يأتي ليراها في «غاليري وان» الذي كان قد فتحه زوجها في بيروت، ولا يتكرر اللقاء. لكن الحياة بين مها وزوجها الشاعر، يصيبها المزيد من الاضطراب. لما غادر هذا الحبيب «كان قد أخذ روحي المتهالكة معه. ما أجملك من حبيب! وما أغلاك من روح».

بعد تطورات الحرب وتصاعدها، كان الغاليري قد توقف عن العمل، والبيت في بيروت لم يعد صالحاً للسكن. ويوسف الخال ترك عمله في دار «النهار». اختير لترجمة «الكتاب المقدس»، فكان بمثابة نافذة فرج بالنسبة له. وافق على الفور على عرض «جمعية الكتاب المقدس».

كان الهدف من ترجمة جديدة إلى العربية هو «وضع نص يفهمه حتى الطفل»، «والأجر محترم». وقد عينت لجنة من كهنة من الطراز الأول لمراجعة كل كلمة يترجمها.

رغم صعوبة السفر في الحرب، فإن هذه الترجمة تطلبت من الخال الانتقال تكراراً بين مصر والأردن وإيطاليا وقبرص، والكثير من الجهد والوقت. «ما خلق بيني وبين يوسف هوة كبيرة، حتى صرنا نتصرف كغريبين في بيت واحد. فانسحبت من غرفة نومي المشتركة مع يوسف إلى غرفة ورد، أيضاً لأنه كان (يشخر) طوال الليل، ما يجعلني يقظى».

مكتبة يوسف الخال بقيت في بيته في بيروت، حين انتقل إلى غزير. لكنه مع الوقت احتاجها، وكان لا بد لزوجته أن ترافق أحد المقاتلين القادرين على إيصالها إلى هناك لتأتي بالأزم. هناك وجدت البيت قد نهب، الكتب سرقت والسميك منها وضع في الشومينيه. لكن لحسن الحظ أن الخزانة التي فيها أرشيف مخطوطاته وكتاباته لم يعبثوا بها. نقلت مها ما تيسر إلى غزير. «يجلس يوسف محدقاً بالمصنفات المكدسة فوق بعضها بعضاً بحزن شديد قائلاً: «كأنه مكتوب علي أن أبدأ دائماً من الصفر».

«قولي لي الحقيقة، لماذا لم تعودي تحبينني؟» يسأل زوجته: «إن أخطر ما يهدد الزواج، الافتراق والنوم كل واحد بغرفة». رغم هذا النفور تحمل بابنها الثاني، وتفعل الأم كل ما بوسعها للتخلص من حملها. «لم أعد أتحمل يوسف، فكيف أنجب له مزيداً من الأولاد؟» طلبت منه مالاً للذهاب إلى المستشفى وفعل اللازم. جاء لها برزمة ليرات «صفقني بها على وجهي، فتناثرت في المكان: خذي لكنني لن أشارك بمثل هذه الجريمة».

ذهبت للتخلص من حملها، لكنها عادت وقد بدلت رأيها، وحين أخبرته بذلك «فتح عينيه، ونظر إلي نظرة ملؤها شتى الأحاسيس من الغضب والحب والفرح والصدمة والقسوة واللين والغرابة وقد دمعت عيناه لأول مرة». لا يتردد في التعبير عن خوفه على زوجته، يقلي صحن البطاطا الذي طلبته منه قبل أن تعود ورد من المدرسة. كان متأثراً «أنا بالستين وبعدني عم خلف».

مع ولادة الطفل الثاني عام 1977 بقي الزوجان سبعة أشهر، ولم يسميانه. سافر الأب إلى لندن، وأرسل لها من هناك «دعوناه يوسفاً. لكثرة ما أحببته، فأنا تقمصت فيه بعد هذه الكبرة». لتعلق: «أنا بيوسف واحد تعبانة، فكيف بيوسفين؟»

بسبب ترجمة للكتاب المقدس، «كان سعيداً وفخوراً إلى أبعد حد»، ويقول: «يكفيني فرحاً وفخراً أني عندما ألاقي وجه ربي يكون بيميني مجلة شعر وبيساري ترجمة الكتاب المقدس».

نلحظ مدى العلاقة التي ربطت يوسف الخال ببعض السياسيين اللبنانيين، خاصة بشير الجميل الذي جاء رغم الظروف الصعبة، لحضور توقيع كتاب يوسف الخال باللغة المحكية «الولادة الثانية» كما أنه طلب من الخال، أن ينظم له جلسة في منزله تجمع مثقفين وفنانين، وهكذا حصل.

يقول الخال لزوجته إنه يحب بشير الجميل أكثر من أولاده ويخاف عليه أكثر مما يخاف عليهم «لأنه أجمل وأكبر من أن يكون حقيقة! لأنه جمع في شخصه الإقدام والإيمان والاندفاع وعشق الوطن، وطهارة اليد والنفس». ثم بدأت مها بوضع كتاب عن بشير أو «باشو» اسمه العائلي بطلب من زوجته صولانج.

نقرأ كيف عايش الخال ترشح بشير لرئاسة الجمهورية ووصوله إليها ثم اغتياله. لشدة حزنها، كتبت مها الخال قصيدة «قمح الطفولة» في رثاء بشير وغناها ربيع الخولي.

بدأ يوسف الخال يسير بخطوات متعثرة، حتى يكاد يرتطم رأسه بالحائط، بسبب ورم في رأسه، كان هذا إنذاراً مفاجئاً بسرطان في الرأس. بعد عملية الاستئصال، عانى من أوجاع رهيبة. تعهد رفيق الحريري بنقله للعلاج على نفقته في باريس.

عن طريق قبرص ومن ثم بالباخرة إلى مرفأ جونية عاد يوسف الخال هزيلاً متعباً، وسرعان ما انتكس ونقل بسيارة إسعاف إلى مستشفى باستور.

تتحدث الكاتبة عن عدد من العروض وصلتها للاهتمام بطبابة يوسف الخال، إضافة إلى مساعدة رفيق الحريري. عرض من أمين الجميل، وكذلك سمير جعجع. وحين أبلغته قال لها: «شكراً للكل... الحريري دفع كثير علي بفرنسا! والدكتور جعجع الله يعينه... أنا بدي رئيس بلادي أمين الجميل، ثم صمت».

في أيامه الأخيرة أرسل له أدونيس رسالة «من أجمل الرسائل وأصدقها». تقول الكاتبة أن يوسف الخال طلب إليها أن تعيد قراءتها عليه تسع مرات، كان آخر الرسالة «(يوسف الخال... سلاماً... سلاماً). أغمض يوسف عينيه، مع دمعة سقطت من عينه اليسرى...! كان يوسف يحب أدونيس رغم بعض الخلافات الشعرية القديمة بينهما»



محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended


رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ