فرنسا تكثر من الشروط قبل الإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية

وزير خارجيتها يهاجم إسبانيا وآيرلندا ويتهمهما بالسعي وراء مكاسب انتخابية

الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
TT

فرنسا تكثر من الشروط قبل الإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية

الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)
الرئيس محمود عباس والرئيس الفرنسي خلال مؤتمر صحافي في باريس صيف 2022 (وفا)

في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2017، كان رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في زيارة رسمية لفرنسا. وكان الرئيس إيمانويل ماكرون في العام الأول من ولايته الرئاسية الأولى. وفي المؤتمر المشترك، سُئل ماكرون عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وجاء رده: «هل الاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية سيكون مؤثراً؟ لا أعتقد ذلك، وسيُفهم على أنه ردة فعل على القرار الأميركي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل الذي أحدث صدمة في العالم العربي وأبعد منه». وأضاف ماكرون: «لن أرتكب خطأ مماثلاً، وفرنسا لن تبني قراراتها على ردود فعل».

بعد سبع سنوات، ما زال ماكرون متردداً في الإقدام على هذه الخطوة رغم الضغوط التي يتعرض لها داخلياً وخارجياً وخصوصاً مع اعتراف دولتين من داخل الاتحاد «إسبانيا وآيرلندا» ودولة أوروبية ثالثة من خارجه «النرويج» بالدولة الفلسطينية، يضاف إليها السويد التي سبقت الآخرين في عام 2014. واليوم هناك 11 دولة أوروبية تعترف بالدولة الفلسطينية، فيما سلوفينيا ومالطا تتأهبان لذلك.

مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل يتحدث الأربعاء في مؤتمر بروكسل باتجاه موقف أوروبي موحد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية (إ.ب.أ)

أما الدول المترددة، فأهمها، إلى جانب فرنسا: ألمانيا وإيطاليا وهولندا والدنمارك وبلجيكا. وبشكل عام، فإن دولاً في أوروبا الغربية، إضافة إلى أميركا الشمالية واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ما زالت خارج اللائحة. وأكد مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الثلاثاء، أنه «يدفع باتجاه موقف موحد» للأوروبيين.

كتابات على جدران في دبلن تقول: «النصر لفلسطين» بعد أن أعلنت آيرلندا أنها ستعترف بالدولة الفلسطينية (رويترز)

اللافت أن الرئيس الفرنسي الذي يوليه الدستور صلاحية رسم سياسة بلاده الخارجية، دأب منذ أشهر على تأكيد أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية «ليس من الممنوعات» بالنسبة إليه.

بيد أن باريس تختبئ وراء حجج وذرائع لتبرر عدم إقدامها على خطوة صوّت عليها البرلمان الفرنسي في توصية تعود لعشر سنوات خلت. وعقب محادثة هاتفية مع محمود عباس، الأربعاء، أصدر قصر الإليزيه بياناً جاء فيه أن ماكرون أكد أنه «أصبح من الملحّ للغاية إعادة إطلاق جهود السلام، ووضع حد للتأجيل المنهجي لتنفيذ حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية». وجاء في فقرة لاحقة أن فرنسا «ملتزمة بالعمل مع شركائها الأوروبيين والعرب لبناء رؤية مشتركة للسلام، توفر ضمانات أمنية للفلسطينيين والإسرائيليين، ولإدراج مسار الاعتراف بدولة فلسطين في إطار دينامية فعالة».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول رئيس موريتانيا إلى قصر الإليزيه الأربعاء (أ.ف.ب)

إلا أن ماكرون ربط بشكل غير مباشر بين إصلاح السلطة الفلسطينية والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وجاء في البيان الرئاسي أن فرنسا «تريد سلطة فلسطينية يتم إصلاحها وتعزيزها، قادرة على ممارسة مسؤولياتها على كل الأراضي الفلسطينية، بما يشمل قطاع غزة، وبما يصب في مصلحة الفلسطينيين».

الرئيس ماكرون والمستشار الألماني شولتس في حديقة قصر ميسيبيرغ الثلاثاء (أ.ف.ب)

بيد أن أوضح موقف للرئيس الفرنسي جاء، الثلاثاء، في إطار المؤتمر الصحافي المشترك مع المستشار الألماني أولاف شولتس، حيث أكد أولاً أنه «جاهز تماماً للاعتراف بالدولة الفلسطينية»، قبل أن يضيف ما حرفيته: «أعتبر أن هذا الاعتراف يجب أن يحصل في لحظة مفيدة، أي أن يندرج في مسار حيث دول المنطقة وإسرائيل تكون ملتزمة بالسلام»، ما سيتيح، استناداً إلى عملية إصلاح السلطة الفلسطينية، أن يفضي إلى نتيجة مفيدة». وما لا يريده ماكرون أن يكون الاعتراف بفعل «التأثر العاطفي».

وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه (الأول يمين) في اجتماع وزراء خارجية «مثلث ويمار» في ألمانيا 22 مايو: اعتراف إسبانيا وإيرلندا بالدولة الفلسطينية وراءه دوافع انتخابية (د.ب.أ)

ما لم يقله ماكرون صراحة تكفل به وزير الخارجية ستيفان سيجورنيه، وذلك في رده، مساء الأربعاء، على سؤال في مجلس الشيوخ عن تردد باريس في الاحتذاء بما قامت به إسبانيا وآيرلندا. ولم يتردد سيجورنيه في مهاجمة مدريد ودبلن وقال: «فرنسا تريد حل الدولتين، وهذا يعني أن الاعتراف سيحين وقته بطبيعة الحال. ولكن السؤال المطروح هو ما قلته لوزيري خارجية إسبانيا وإيرلندا: ما الفائدة الدبلوماسية من الاعتراف اليوم؟».

وأردف سيجورنيه: «فرنسا تبحث عن حلول دبلوماسية لهذه الأزمة، وأنا آسف لأن عدداً من الدول الأوروبية فضلت التموضع السياسي في إطار حملة الانتخابات الأوروبية، ولكن هذا لا يأتي بأي حلول. أسألكم: ما الذي تغير في وضع غزة بعد الاعتراف الإسباني؟ نحن نعمل في إطار مجلس الأمن من أجل الحل السياسي». وبحسب سيجورنيه، فإن الاعتراف «يجب أن يفضي إلى إحراز تقدم حاسم على المستوى السياسي».

رئيس الوزراء الإسباني ووزير خارجيته مع أعضاء اللجنة الوزارية المشتركة العربية - الإسلامية بشأن غزة في مدريد الأربعاء (رويترز)

ليس تركيز الوزير الفرنسي على إسبانيا محض صدفة؛ إذ إن الدبلوماسية الإسبانية، وفق مصادر أوروبية في باريس، سعت لإقناع فرنسا بمواكبتها في عملية الاعتراف، ما من شأنه أن يوفر «زخماً دبلوماسياً مهماً من شأنه دفع الدول الأوروبية المترددة إلى اللحاق بهما». بيد أن باريس «رفضت وفضلت التريث وعادت إلى الحجج المعروفة، فيما الحرب في غزة وما ينتج عنها تستدعي موقفاً شجاعاً». وفي أي حال، فإن اتهام مدريد باستخدام الاعتراف وسيلة لكسب أصوات في الانتخابات الأوروبية المقبلة، خطير وأمر غير مسبوق، علماً بأن سياسة الحكومة الإسبانية - وكذلك الآيرلندية - تجاه ملف النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، معروفة منذ زمن طويل.

بكلام آخر، فإن الوزير الفرنسي يرفض كافة الحجج التي دفعت 147 دولة للاعتراف بدولة فلسطين والتي تعدّ ذلك تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة العائدة لـ75 عاماً، والتي بموجبها ولدت دولة إسرائيل. كذلك يحجم الوزير أهمية الاعتراف وكونه «وسيلة لتسريع الحل السياسي»، علماً بأن الحكومة الإسرائيلية الحالية التي يسيطر عليها اليمين الديني المتطرف، ترفض قطعاً ولادة دولة فلسطينية، وهي تسعى، كما غيرها من الحكومات السابقة، إلى توسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين في الضفة باللجوء إلى العنف.

مأزق ماكرون والحكومة

حقيقة الأمر أن الرئيس ماكرون وحكومته واقعان في مأزق بين ضغوط الشارع والطلاب واليسار بشكل عام من جهة، وأصدقاء إسرائيل واليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف من جهة أخرى. وصدرت في الصحف عدة دعوات من أساتذة جامعيين وأكاديميين ومن دبلوماسيين سبق لهم أن عملوا في المنطقة، تشدد على أهمية إقدام فرنسا على الاعتراف اليوم بالدولة الفلسطينية.

رئيس وزراء آيرلندا (يسار) ووزير خارجيته خلال إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية (أ.ف.ب)

والأربعاء، طلب سفير إسرائيل السابق لدى فرنسا، إيلي بارنابي، في حديث لإذاعة «فرانس إنفو»، من الحكومة الفرنسية أن تتوقف عن المماطلة، وأن تذهب إلى الاعتراف اليوم وقبل الغد، مؤكداً أن قيام دولة فلسطينية هو الحل الوحيد الممكن الذي يخدم الفلسطينيين والإسرائيليين معاً. من هنا، يأتي التركيز على أهمية الاعتراف «في الوقت المناسب الذي لن يأتي أبداً»، بحسب بارنابي. وثمة قناعة مفادها أن ماكرون والحكومة يسعيان إلى «كسب الوقت». من هنا، فإن تكاثر الشروط التي يضعانها للإقدام على ما يحجمان عنه اليوم، يوفر لهما الحجج للتنصل من الاعتراف الفوري ويدفعهما إلى الاحتماء بخط وسطي ملخصه: «نعم للاعتراف ولكن ليس الآن».

بيد أن ثمة مسألة أخرى تتعين الإشارة إليها، وهي وجود خطين في إطار الأكثرية الرئاسية النسبية، والدليل على ذلك أن وزير الخارجية الأسبق جان إيف لودريان المقرب من ماكرون، رأى أن الاعتراف «لا بديل عنه إذا أردنا المحافظة على حل الدولتين حياً». كذلك، فإن النائب الأوروبي عن حزب «النهضة» الماكروني برنار غيتا، دعا بدوره إلى الاعتراف الفوري وإلى دفع الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. بيد أن فاليري هاير، رئيسة اللائحة التي يحتل فيها المرتبة الثانية، رأت أن «الشروط الضرورية للاعتراف غير متوافرة». وتساءلت: «من سيكون سعيداً باعتراف إسبانيا وإيرلندا؟ أليست حماس مجموعة إرهابية مسلحة؟».

الواضح أن هاير تتبنى قراءة وآيديولوجيا بنيامين نتنياهو حرفياً. فقد اتهم إسرائيل كاتس، وزير خارجية إسرائيل، مدريد بأنها أصبحت «شريكة في الدعوة إلى القضاء على اليهود»، وهاجم الدول الثلاث، واستدعى سفراءها لـ«تأنيبهم» بسبب الاعتراف.


مقالات ذات صلة

حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير الغزيين يفاقم التوتر مع مصر

شمال افريقيا رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقَّد القوات قرب حدود إسرائيل نهاية 2024 (المتحدث العسكري المصري)

حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير الغزيين يفاقم التوتر مع مصر

يعيد حديث إسرائيلي جديد عن تسهيل تهجير سكان قطاع غزة التوترَ إلى الواجهة مع مصر، التي ترفض أي محاولات لدفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينية قرب رجل مستلقٍ على فرشة وسط الدمار بعد غارة جوية إسرائيلية في النصيرات وسط قطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

قتل ودمار واحتلال وحصار وتجويع... غزة تواجه الحرب الشاملة من جديد

يواجه قطاع غزة حرباً إسرائيلية شرسة في الآونة الأخيرة، خصوصاً خلال الأيام التي تم فيها وقف إدخال البضائع والسلع التجارية إلى القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص طلاب فلسطينيون يحضرون يومهم الدراسي الأول في العام الدراسي الجديد داخل فصل دراسي أقيم في خيمة بمدرسة في خان يونس جنوب قطاع غزة 19 سبتمبر الماضي (رويترز)

خاص تعافي النظام التعليمي في غزة قد يستغرق 7 سنوات

حذّرت مديرة التعليم في «أونروا» من بقاء أكثر من 200 ألف طفل بغزة خارج التعلّم المنظّم، موضحةً أن تعافي النظام التعليمي في القطاع قد يستغرق حتى سبع سنوات.

شادي عبد الساتر (بيروت)
خاص فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)

خاص هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

نفى حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، في تصريح مقتضب وزعه للصحافيين بغزة، أن تكون حركته وجهت أي تهديد لتنفيذ هجوم مماثل للسابع من أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يحاولون إخماد حريق في مركبة دُمرت جراء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة الخميس (إ.ب.أ)

مقتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية على غزة

قُتل أربعة فلسطينيين وأصيب 12 آخرون، الخميس، جراء غارات جوية وإطلاق نار في مناطق متفرقة من قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعيد خدمة ستارلينك لأوكرانيا... ولا يبدد الشكوك في رهانه على بوتين

توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)
توفر أقمار «ستارلينك» اتصال إنترنت سريعاً في جميع أنحاء العالم (أ.ف.ب)

لم يبدد تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إيلون ماسك لإعادة خدمة «ستارلينك» المستخدمة عسكرياً في أوكرانيا، الشكوك والمخاوف تجاه سياسته مع موسكو. فالخطوة التي أعادت بعض القدرة إلى المسيرات الأوكرانية، جاءت وسط خلاف أوسع مستمر على شراء الديزل الروسي وتخفيف العقوبات، وعلى ما إذا كانت «الحوافز» الأميركية تدفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو التسوية، كما يقول البيت الأبيض، أم تمنحه موارد ووقتاً لمواصلة الحرب.

وبينما يحاول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفي الطابع الشخصي في خلافه مع ترمب، يتمسك الأخير بأن التقارب مع موسكو يخدم مفاوضات السلام. لكن تجديد بوتين ادعاءه أن الروس والأوكرانيين «شعب واحد»، وأن الأراضي التي يطالب بها روسية تاريخياً، يعمق الشكوك في وجود مرونة وراء استعداده للتفاوض، بحسب المراقبين. وفي أوروبا وحتى من الديمقراطيين أنفسهم، تتراجع أيضاً الرهانات على أن فوزهم في الانتخابات النصفية سيغير سياسات ترمب من أوكرانيا.

أحد أجهزة «ستارلينك» (رويترز)

اتصالات بلا ضمانات

صحيفة «وول ستريت جورنال» التي كانت أول من أورد طلب ترمب من ماسك رفع القيود التي عطلت استخدام أوكرانيا النسخة العسكرية «ستارشيلد» من خدمات الاتصالات الفضائية المرتبطة بـ«ستارلينك»، أفادت بأن الرئيس أكد، الخميس، عودة الخدمة، من دون تأكيد تفاصيل الاتصال الذي جرى بينهما.

قال الرئيس الأميركي إن مؤسس شركة «سبيس إكس» إيلون ماسك تراجع عن القيود المفروضة على خدمات إنترنت الأقمار الاصطناعية في أوكرانيا، لكنه رفض التعليق على تقرير إعلامي يفيد بأنه طلب من ماسك القيام بذلك. وقال ترمب للصحافيين في واشنطن، الخميس: «لا أريد التعليق على الأمر. تعلمون، سواء اتصلت أنا أو اتصل شخص آخر فلا فرق في ذلك».

إيلون ماسك (رويترز)

وأضاف أن ما يهم هو أن ماسك تراجع عن إبطاء خدمة «ستارلينك»، وهي خدمة إنترنت عبر الأقمار الاصطناعية تشغلها شركته «سبيس إكس». غير أن مسؤولين أوكرانيين تحدثوا عن تحسن متفاوت بين الوحدات، لا عن استعادة مؤكدة وكاملة للقدرات السابقة. فالقيود لم تكن مجرد تباطؤ في الإنترنت، بل سقفاً لسرعة حركة الأجهزة المتصلة يقارب 100 ميل في الساعة، تفقد بعده الاتصال. وأدى ذلك إلى سقوط مسيرات وتعطيل مهمات هجومية واعتراضية، خصوصاً تلك التي تتطلب ملاحقة المسيرات الروسية السريعة.

وتكتسب هذه التفاصيل أهمية سياسية؛ إذ تزامنت القيود مع انتقادات ترمب للهجمات الأوكرانية على مصافي الديزل الروسية، التي يحملها مسؤولية ارتفاع الأسعار. غير أن «نيويورك تايمز» نقلت عن مسؤولين أن التعطيل أصاب عمليات الجبهة والدفاع عن المدن، ولم يؤثر في الضربات داخل روسيا، حيث لا تعمل الخدمة المعنية أصلاً. وبذلك وقع الضرر على الدفاعات الأوكرانية، من دون أن يتحقق بالضرورة وقف الهجمات التي تعترض عليها واشنطن.

ولا تزال مسؤولية القرار محل تضارب؛ إذ إن ماسك أحالها إلى الحكومة الأميركية، فيما نفى وزير الخارجية ماركو روبيو أن تكون الإدارة طلبت التقييد. وأكدت «أسوشييتد برس» استمرار تناقض الرسائل الأميركية بشأن الجهة صاحبة السلطة على الخدمة. لذلك، فإن رفع القيود يعالج ضرراً مباشراً، لكنه لا يوفر لأوكرانيا ضمانة تمنع تكراره، ولا يحسم كيف تتخذ قرارات تمس قدرتها على القتال.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبورغ الأربعاء (أ.ب)

أوكرانيا تعمل لتطوير نظامها الخاص

وافقت وزارة الدفاع الأوكرانية على التعاون مع شركتي «آي سي إي واي إي» و«نوكيا»، من فنلندا، لتطوير نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية. ووقعت الشركتان خطاب نوايا مع وزارة الدفاع خلال زيارة رئيس الوزراء الفنلندي بيتري أوروبو لكييف، الخميس. ولم يتم الإعلان عن تفاصيل أو الخط الزمني. وكتب زيلينسكي عبر منصة «إكس»: «اتفقنا على استخدام أكبر لقدرات الأقمار الاصطناعية الفنلندية وهذا مهم لدفاعنا وصمود أوكرانيا».

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «آي سي إي واي إي»، رافال مودرزيفسكي، إن أوكرانيا بحاجة للحصول على نظام اتصالات بالأقمار الاصطناعية تسيطر عليه بنفسها. وتقول الشركة إن أقمارها الاصطناعية تقدم بيانات استطلاعية بغض النظر عن الأحوال الجوية والوقت باليوم.

كما أفادت ​صحيفة «فايننشال تايمز»، الجمعة، بأن أوكرانيا تسعى ‌إلى ‌نقل ​عمليات ‌التفتيش الجمركي ⁠إلى ​داخل الاتحاد ⁠الأوروبي لتفادي ضربات الطائرات المسيرة الروسية. وذكرت ⁠الصحيفة أن ‌كييف ‌تجري ​محادثات ‌مع ‌بولندا وسلوفاكيا حول نقل عمليات التفتيش ‌الجمركي إلى أراضيهما لضمان سلامة ⁠الشاحنات.

تهدئة بلا تراجع

في هذا المناخ، اختار زيلينسكي خفض حرارة المواجهة مع البيت الأبيض، مؤكداً في مقابلة مع «سي إن إن» أن الخلاف «لا يتعلق بالأشخاص»، لكنه لم يتراجع عن اعتراضه الأساسي: تخفيف العقوبات، في تقديره، يقوي بوتين بدلاً من دفعه إلى إنهاء الحرب. وتعكس تصريحاته محاولة للفصل بين العلاقة الضرورية بالرئيس الأميركي، والاعتراض على خياراته؛ فكييف تحتاج إلى استمرار الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي، ولا تملك ترف تحويل النزاع السياسي إلى قطيعة شخصية مع ترمب. وفي المقابل، تخشى أن يُفهم تخفيف لهجتها قبولاً بمسار يمنح روسيا مكاسب اقتصادية قبل تقديم تنازلات مقابلة.

وعدّ زيلينسكي اجتماعه مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في أوسلو بأنه مثمر، لكنه اتهم بوتين بالتلاعب بحياة الآخرين. وتزامنت التحركات الدبلوماسية مع هجوم روسي واسع بالمسيرات والصواريخ، ما عزز اعتراض كييف على عدّ قبول المحادثات دليلاً كافياً على الاستعداد للسلام.

أما ترمب، الذي يدافع عن منطق مختلف، فقد قال إن تشديد العقوبات في أثناء مفاوضات حساسة قد يبدد فرصة الاتفاق. كما ربط الانفتاح على موسكو أيضاً بإطلاق سراح الأميركي ستيفن هوبارد، بينما أثار وصف ويتكوف لبوتين بأنه «إنساني» انتقادات. وهنا جوهر الخلاف: هل تمنح الحوافز لفتح التفاوض، أم تحفظ إلى حين ظهور تغير ملموس في السلوك الروسي؟

مبنى مكاتب تضرر من جراء هجوم بطائرة مسيّرة روسية في كييف (رويترز)

كونغرس محدود التأثير

لا يراهن الأوروبيون كثيراً على أن تحسم هذه المسألة عبر الانتخابات الأميركية. ونقلت «بوليتيكو» عن خمسة مسؤولين أوروبيين مشاركين في محادثات أوكرانيا توقعهم مكاسب محدودة إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على الكونغرس، مثل تسريع تسليم صواريخ الدفاع الجوي وحماية خدمات الاتصالات، من دون تحول كبير في أولويات إدارة ترمب.

والتشكيك لا يعني انعدام أثر الانتخابات، بل الاعتراف بالفجوة بين امتلاك أدوات رقابية وتشريعية والقدرة على فرض استراتيجية جديدة على الرئيس. فقد أقر النائب آدم سميث، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، بأن الفوز خطوة أولى غير كافية لإحداث انعطاف في السياسة تجاه أوكرانيا.

ومع ذلك، توجد مسارات للتحرك، سواء عبر تحقيقات في تعطيل الاتصالات، أو محاولات لتقييد قدرة الرئيس على إعفاء روسيا من العقوبات، وتشريع يستهدف صفقة الديزل.

وأعلن السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال تحقيقاً في تقليص خدمة «ستارلينك»، وتداعيات اعتماد البنتاغون على شركة «سبايس إكس». لكن تحويل هذه المبادرات إلى قيود نافذة سيواجه مقاومة البيت الأبيض، ويحتاج إلى تعاون من الجمهوريين. كما أن الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل مطلع العام المقبل، فيما تتنافس أوكرانيا مع أولويات داخلية كثيرة. وتبقى تجربة العقوبات الأخيرة ماثلة أمام الأوروبيين؛ إذ رغم إقرار تشريع بدعم من الحزبين لم يمنع ترمب من استخدام صلاحيات الإعفاء. لذلك، يأملون في تقليص هامش سياسته، أكثر مما يتوقعون استعادة مستويات الدعم السابقة.

بوتين يثبت شروطه

في المقابل، قدم بوتين مؤشراً إلى استمرار تصلبه، حيث كرر في مقابلة بثت، الخميس، القول إن الروس والأوكرانيين «شعب واحد»، مستنداً إلى دراسات وراثية غير محددة. وعدّ الأراضي الأوكرانية التي تطالب بها موسكو بأنها أراض روسية تاريخية، جامعاً بين هذه الادعاءات وإعلان الاستعداد للتفاوض.

ولا تثبت هذه التصريحات التي نقلتها «واشنطن بوست»، أن التقارب الأميركي هو الذي أنتج التشدد الروسي. فهذه المطالب تسبق التحركات الأخيرة، لكنها لا تقدم دليلاً على أن الحوافز الأميركية غيرتها. بل تجعل التفاوض، وفق هذا التصور الذي يطرحه بوتين، أقرب إلى مناقشة تثبيت مكاسب موسكو منه إلى مراجعتها. لهذا تبدو استعادة الاتصالات اختباراً محدوداً لقدرة واشنطن على تصحيح أثر قرار أضر بأوكرانيا، وليست علامة على تغيير وجهتها.

وكان بوتين، الذي أمر بالغزو الشامل لأوكرانيا في عام 2022، قد اتهم كييف مراراً بالرغبة في مواصلة الحرب، بينما ادعى أن موسكو لا تريد ذلك. كما جدد ادعاءه بأن المناطق التي تحتلها روسيا في شرق أوكرانيا ليست أراضي أوكرانية. وقال بوتين: «موقفي بشأن هذه المسألة هو، أولاً وقبل كل شيء، أن هذه ليست أراضيهم، بل أراضي روسيا التاريخية».

أضرار في محل حلويات جراء هجوم صاروخي روسي على كييف الاثنين (رويترز)

استئناف المحادثات الثلاثية

وأبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الخميس، استعداده لاستئناف المحادثات الثلاثية بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا، وذلك في أعقاب اجتماع مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف. وقال بوتين لبافيل زاروبين، مراسل التلفزيون الحكومي الروسي المقرب من الكرملين: «لقد اتفقنا على أننا مستعدون لاستئناف اتصالاتنا الثلاثية».

وقال بوتين إن المحادثات ستركز على ضمان الأمن لأوكرانيا وروسيا بعد إبرام اتفاق السلام. وأضاف أن الهدف هو الوصول إلى «حل نهائي»، بدلاً من ترتيب مؤقت في أعقاب وقف الأعمال العدائية، مجدِّداً استبعاده لفكرة وقف إطلاق نار. وقال بوتين إن ويتكوف اقترح أن تتطرق المحادثات بشأن المستقبل الأمني لأوكرانيا وروسيا أيضاً إلى الأمن الأوروبي، وهي فكرة أيدها من حيث المبدأ. وقال بوتين: «سنرى كيف سيتطور الوضع خلال الأيام القليلة المقبلة».

عمال يصلحون سكة حديد تضررت جراء هجوم صاروخي روسي على كييف (رويترز)

النمسا تطرد 4 دبلوماسيين روس

قالت وزارة الخارجية النمساوية، الجمعة، إنها ستطرد أربعة دبلوماسيين روس مقيمين في فيينا ​بسبب «أنشطة تتعارض مع وضعهم الدبلوماسي»، وهي عبارة تستخدم عادة للإشارة إلى التجسس. وقالت الوزارة في بيان: «بناء على النتائج التي توصلت إليها السلطات الأمنية النمساوية، اتخذت وزارة الخارجية إجراءات ضد أربعة دبلوماسيين روس في فيينا»، مضيفة أنها أعلنتهم أشخاصاً ‌غير مرغوب فيهم، ‌وأمرتهم بمغادرة البلاد. ونقلت وكالات أنباء روسية عن ‌مسؤول في وزارة الخارجية، الجمعة، قوله إن روسيا سترد على قرار النمسا.

وبررت النمسا طرد ثلاثة دبلوماسيين روس في مايو (أيار) بوجود «شبكة هوائيات» ⁠على أسطح ⁠مبان دبلوماسية روسية يحتمل استخدامها في التجسس.

وفيينا مركز دبلوماسي رئيسي؛ لأنها تستضيف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمات للأمم المتحدة، مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وغالباً ما يكون للدول الكبرى، مثل روسيا والولايات المتحدة، سفراء مستقلون لدى النمسا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومنظمات الأمم المتحدة. ودائماً ما عرفت فيينا بأنها «وكر للجواسيس»؛ إذ ​يتيح الوجود الدبلوماسي الكبير ​فيها فرصة لعملاء المخابرات للعمل تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية.


السلطات الفرنسية أمام اختبار السيطرة على المظاهرات لمنع تكرار «السبت الأسود»

مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية أمام اختبار السيطرة على المظاهرات لمنع تكرار «السبت الأسود»

مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)
مبنى بلدية ليموج يأكله الحريق السبت الماضي (أ.ف.ب)

ينظر كثير من الفرنسيين بكثير من القلق لما سيحصل يوم السبت بمناسبة الدعوات للتظاهر مجدداً في العاصمة باريس والمدن الرئيسية والكبرى، وحتى المتوسطة.

ولأن القلق يشكل سمة الأيام المقبلة، ولأن «آخِر الدواء الكي»، فإن السلطات الفرنسية قررت اللجوء إليه لتجنب تكرار التجارب المُرة التي عاشتها باريس ومرسيليا وليون وعدد من المدن الأخرى، يوم «السبت الأسود».

ولم يتردد لوران نونيز، وزير الداخلية، بالقول إن القوى الأمنية «فقدت السيطرة على الوضع». كذلك فإن الانتقادات وُجهت لرئيس الجمهورية لتغيُّبه عن فرنسا بسبب جولة الأيام الأربعة التي قام بها في منطقة الخليج، خلال الأسبوع المنتهي، رغم التوترات التي تعيشها البلاد. لذا، فإنه منذ عودته من الرياض، آخِر محطاتها، يُراكم الاجتماعات الواحد بعد الآخر، وغايته إبراز أن الوضع «ممسوك»، خصوصاً أنه أدلى، الخميس، بعد اجتماع طارئ لـ«المجلس الأمني» في قصر الإليزيه، بتصريحات بالغة الخطورة من خلال اتهامه مجموعات «اليسار الراديكالي» بـ«السعي لإسقاط الجمهورية». وحُجته في ذلك أعمالُ الشغب والنهب والاشتباكات وتحويل الشوارع والساحات العامة إلى ميادين للكرّ والفر مع القوى الأمنية، واستهداف مؤسسات الدولة والممتلكات العامة والخاصة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يترأس اجتماعاً أمنياً الخميس بقصر الإليزيه (إ.ب.أ)

وذهبت الأمور بمجلة «ماريان» إلى حد تصدير غلاف عددها الأخير، الصادر يوم الخميس الماضي، بعنوان غير مسبوق في إشارتها لـ«الحرب الأهلية» التي تهدد فرنسا. وترجمة «الكيّ» في إطار ما تعرفه البلاد من غليان يُذكّر بحراك «السترات الصفراء» في عاميْ 2018 و2019، ويعني تبنّي الحلول الجذرية؛ أيْ منع المظاهرات.

وقال ماكرون: «إن التوجه العام يقوم على منع المظاهرات في الأيام المقبلة»، وإن «الطلبات المقدَّمة من أشخاص يفتقرون لأي شرعية للقيام بذلك سيقوم مديرو الشرطة بمنعها»، مضيفاً أنها عندما تصدر عن النقابات وحدها، فإن مديري الشرطة «سوف يقترحون مسارات بديلة» للمظاهرات.

منع التظاهر

لم ينتظر محافظو المدن والأقضية ومديرو الشرطة طويلاً لترجمة الكلام الرئاسي إلى قرارات إدارية. ففي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمَسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، بشرط أن تحصل بين «ساحة الباستيل» و«ساحة لا ناسيون»، وكلتاهما تقعان شرق العاصمة؛ أيْ بعيداً عن مقارّ السلطات، وقصر الإليزيه ورئاسة الحكومة ومجلسَي الشيوخ والنواب، والجادات التي تستضيف المخازن الراقية.

في المقابل، منعت مظاهرة طلبتْها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب.

والمنع طالَ المدينتين الرئيسيتين مرسيليا وليون وعدداً من المدن الأخرى، وحُجته أن المظاهرات «تمثل تهديداً للنظام العام». كذلك، ما زالت تسري، كل مساء وحتى الفجر، أوامر بمنع التجول في مراكز المدن والمناطق الحساسة، وفي بعض الأحيان لا تستهدف القاصرين وحدهم، بل الأشخاص عموماً.

وقالت مود بيرجورون، الناطقة باسم الحكومة، الجمعة، إن «الأولوية لعودة الالتزام بالنظام العام... ومِن دونه لا سبيل لحصول مناقشات هادئة وصافية» حول ما تريده منظمات التلامذة والطلاب.

في السياق نفسه، قررت مديرية الشرطة في مقاطعة لواريه بجنوب باريس، حيث تقع مدينة أورليان، منع مظاهرة حاشدة، الأحد، كانت قد دعت إليها عشرات التنظيمات والأحزاب للاحتجاج على استضافة المدينة المؤتمر العام لحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والتخوف مردُّه إلى احتمال حصول صدامات بين المحازبين والمتظاهرين. وكما في غالبية الحالات، فإن شكوى قُدمت أمام المحكمة الإدارية في حالة أورليان، على غرار ما حصل في المدن التي عرفت القرارات نفسها. واللافت أن مديرية الشرطة سمحت بمظاهرة حاشدة، السبت، ومنعت مظاهرة الأحد.

مقر بلدية مدينة ليموج بوسط فرنسا التي أضرمت النار فيها ليل السبت 17 أكتوبر كما بدا من الداخل (أ.ف.ب)

ولم تمرَّ هذه الإجراءات مرور الكرام، فالتظاهر حق يضمنه الدستور الفرنسي باعتباره جزءاً من التعبير الحر، لذا فإن أصواتاً ارتفعت للتنديد بالقرارات الإدارية.

وقالت صوفي بينيه، أمينة عام نقابة «كونفدرالية العمل»، إن «ما يحصل بالغ الخطورة؛ إذ إن حرية التظاهر تشكل أساس الديمقراطية»، وأن التنظيمات النقابية «لا تمتلك حصرية التظاهر».

وأصدر حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، الذي يقوده المرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون، الجمعة، بياناً يصف فيه قرارات السلطات بأنها «هروب إلى الأمام». وجاء في خطابه: «من خلال اتخاذ قرار حظر المظاهرات، واختيار مَن يحقّ له تنظيمها ومن لا يحقّ له ذلك، وفرض حظر التجوّل على مستوى إقليم أو مدينة، وحثّ التجّار على الاستعانة بشركات الأمن الخاصة، تتجاوز السلطة التنفيذية، خطوةً تلو الأخرى، الحدود الفاصلة بين الدولة الديمقراطية والدولة السلطوية البوليسية».

ودعا الحزب المذكور إلى «التظاهر السلمي إلى جانب التنظيمات النقابية والطلابية».

السياسي الفرنسي جان لوك ميلونشون (أ.ف.ب)

تجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة، واليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يتهمون حزب ميلونشون بـ«تسييس» المظاهرات و«استغلالها لأغراض انتخابية»، وهو الأمر الذي ينفيه الحزب المذكور بقوة.

وأصدر «الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا» بياناً جاء فيه أن ماكرون «يسحق حرية التظاهر في بلادنا، ويبصق على قِيم الجمهورية التي يزعم أنه يدافع عنها».

كذلك فإن «نقابة القضاة» لم تتردد في تقديم شكوى ضده أمام «مجلس شورى الدولة» بسبب ما تعدُّه مقاربة «تمييزية» بخصوص مَن يحق له الدعوة للتظاهر. كذلك فعلت «جمعية الدفاع عن الحريات الدستورية». واتهم جان باتيست سوفران، محاميها، رئيس الدولة بـ«تجاوز سلطاته».

في المقابل، فإن أحزاب اليمين ومرشحيهم وجمعيات رجال الأعمال وفئات أخرى تطالب بمزيد من الشدة في التعامل مع مثيري الفوضى.

يد القضاء الثقيلة

منع التظاهر ليس سوى عنصر من منظومة متكاملة لإعادة السيطرة على الوضع. ويحل في المرتبة الثانية تعاملُ القضاء مع المقبوض عليهم، نهاية الأسبوع الماضي. وللتذكير، فإن وزير العدل جيرالد دارمانان ثم الرئيس ماكرون، دعيا، الخميس، لتعامل صارم مع الموقوفين. وأفاد الأول، الجمعة، بأن أحكاماً بالسجن صدرت بحق 312 موقوفاً، وأن 1144 آخرين سيَمثلون أمام المحاكم.

وقال دارمانان إن القضاء «سيواصل محاكمة الأشخاص الضالعين في أعمال العنف الأكثر خطورة»، مضيفاً أن التعامل المتشدد «ما زال في بدايته».

بَيْد أن أصواتاً كثيرة من المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان نددت بكيفية تعامل القضاء مع الموقوفين واكتظاظ المحاكم ومراكز التوقيف، وصعوبة التعامل مع المئات منهم في وقت قصير، واستعجال إصدار الأحكام المتشددة، حتى على أشخاص لا يتضمن سِجلهم القضائي أي حكم.

لكن هذه الاعتراضات لا يبدو أنها تثير اهتمام السلطات، إذ إن ماكرون قال، الخميس، إن المطلوب كان «التعامل بأقصى الشدة»، وهو ما أصاب وزير العدل في طلبه من المحاكم.

السلطات عبّأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب بمدينة بوردو 2026 (أ.ف.ب)

الأمن والأمن

في نهاية الأسبوع الماضي، اتهمت وزارة الداخلية، المسؤولةُ بطبيعة الحال عن الأمن الداخلي، بالتقصير في استشراف أعداد المتظاهرين والتقصير في نشر ما يكفي من القوى الأمنية، لهذا السبب، عقدت عدة اجتماعات؛ منها اثنان في الإليزيه، الخميس والجمعة، وأخرى في إطار الوزارة المعنية؛ لتجنب تكرار القصور.

وقال لوران نونيز، الجمعة، إن الخطة الأمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، وأنه سيضاف إليهم الفِرق المتخصصة من وحدات النخبة لمؤازرتهم، وهي لا تتدخل عادةً بالحفاظ على الأمن في الشوارع ولا التصدي للمتظاهرين. وأكثر من ذلك، ستجري الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق لها أن نشرت زمن الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عاميْ 2015 و2016. كذلك ستنشر آليات مصفّحة وسيُستعان بالطوافات والمُسيرات لمراقبة التجمعات والمظاهرات.

نيران تشتعل بأحد شوارع باريس (رويترز)

وقال وزير الداخلية إنه «سعى لاعتماد خطة أمنية تتميز بدرجة عالية جداً من الحركة والمرونة والفاعلية». وأضاف: «ستشمل الإجراءات جميع المجموعات التي تُشكّل خطراً، وسيجري منعها من ارتكاب أعمال التخريب والتحرك لتنفيذها، سواء تعلَّق الأمر بأعمال النهب، أم مهاجمة المباني العامة، أو بطبيعة الحال، الاعتداء على قوات الأمن الداخلي، كما يحدث في كثير من الأحيان».

وفي نظره، فإنه من المهم أن توفر هذه العناصر «سرعة كبيرة في الاستجابة، ومرونة في التحرك، وحَزماً في التعامل»، خصوصاً أن هناك دعوات، كما قال، على شبكات التواصل الاجتماعي تدعو لارتكاب أعمال شغب ونهب.

وزير الداخلية لوران نونيز قدم استقالته بسبب القصور الأمني السبت الماضي لكن الرئيس ماكرون رفضها (إ.ب.أ)

وكان نونيز قد قدَّم، الأحد الماضي، استقالته للرئيس ماكرون، وأعلن أنه «يتحمل شخصياً» مسؤولية ما حصل. من هنا، فإن أي تقصير إضافي في التعامل مع المظاهرات وأعمال الشغب، سيدفع قطعاً ثمنها.

وشهدت باريس والمدن الأخرى جهوداً بارزة في حماية المؤسسات التجارية، من خلال تحصين واجهة المحلات وتكليف شركات الحراسة الأمنية بحمايتها، بل إن كثيراً من أصحاب المتاجر يُفضلون إغلاق محلاتهم، حتى لا تعرف المصير الأسود الذي عانى منه الآلاف في «السبت الأسود».

أصحاب متاجر بمدينة ليون يحكمون واجهاتها تخوفاً من أعمال التخريب والنهب (رويترز)

يبقى أن اللجوء إلى قوة القانون وذراعه الضاربة لا يكفي لحل المشاكل الحياتية والاجتماعية والتربوية. من هنا، تتكاثر الاجتماعات على جميع المستويات، وجديدها أن ماكرون التقى، بعد ظُهر الجمعة، ممثلي طلبة التعليم الثانوي الذين بدأ حراكهم منذ شهر. ومن المقرر أن يلتقيهم سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، الأسبوع المقبل. وفي حين تُطالب النقابات العمالية بتدابير لمواجهة الغلاء وانهيار القدرات الشرائية ورفع الرواتب، فإن طلاب التعليم الثانوي العام يشكون من نقص الأساتذة البدلاء، ومن أحوال بعض الثانويات المُزرية، ومن آلية اختيار التخصصات الجامعية. وكلها مطالب تحتاج للتمويل، بينما تجد الحكومة صعوبة بالغة في إقرار الميزانية التقشفية للعام المقبل.


إخلاء مطار في موسكو بسبب تهديد مسيرات أوكرانية

مطار في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية (أ.ف.ب)
مطار في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية (أ.ف.ب)
TT

إخلاء مطار في موسكو بسبب تهديد مسيرات أوكرانية

مطار في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية (أ.ف.ب)
مطار في مدينة سانت بطرسبرغ الروسية (أ.ف.ب)

طلب مطار شيريميتيفو، أكبر مطارات موسكو، اليوم الجمعة، من الركاب الاحتماء وإخلاء مناطق معينة بسبب تهديد من طائرات مسيرة أوكرانية، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

واستأنف المطار، في وقت لاحق، العمليات. وقال ​سيرغي سوبيانين ⁠رئيس بلدية موسكو، في بيان على تطبيق «تلغرام» إن قوات الدفاع الجوي أسقطت 21 طائرة ⁠مسيّرة أوكرانية كانت متجهة ‌إلى ‌العاصمة الروسية خلال ​فترة ‌دامت ساعتين.

وكانت وكالة النقل الجوي الروسية (روسافياتسيا) قد ذكرت، في وقت سابق اليوم، أن ثلاثة مطارات في موسكو علقت حركة الطيران، وهو الإجراء الذي تتخذه عند رصد نشاط للطائرات المسيرة الأوكرانية.

وقال حاكم منطقة بيرم الروسية دميتري ماخونين، الجمعة، إن منشأة صناعية في المنطقة تعرضت لأضرار طفيفة جراء هجوم أوكراني بطائرات مسيرة.

وفي منشور على تطبيق «تلغرام»، قال إن فرق الطوارئ موجودة في الموقع وإنه لم تقع إصابات، لكنه لم يقدم تفاصيل عن المنشأة أو طبيعة الأضرار.

وتبادلت روسيا وأوكرانيا، الجمعة، 270 أسيراً لكل منهما في أحدث تبادل لأسرى الحرب بعد محادثات جرت مع مفاوضين أميركيين قبل أيام.

وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على منصة «إكس» إن تسعة مدنيين من بين من أعادتهم كييف لروسيا. وأضاف أن أغلب الأسرى من الجنود محتجزون منذ 2022 أي مع بدء شن روسيا لغزوها الشامل لبلاده. وأضاف: «نتذكر الجميع وسنواصل البحث عنهم».

ومن بين العائدين خمسة أسرى أوكرانيين كان المسؤولون يعتقدون أنهم قتلوا في انفجار وقع داخل مركز احتجاز في أولينيفكا، الواقعة في شرق أوكرانيا الخاضع حالياً للسيطرة الروسية.

وقالت وزارة الدفاع الروسية على «تلغرام» إن الجنود الروس المفرج عنهم موجودون في بيلاروسيا، وسيتوجهون إلى روسيا فور تلقيهم الدعم النفسي والطبي.

إعلان مفاجئ

وفي واشنطن، صرّحت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت، في بيان للبيت الأبيض: «أوليشكي مدينة على خط المواجهة، وهي على شفا كارثة»، مضيفة: «لقد كان جلياً تماماً أنه لولا تدخلي، لكان مستحيلاً إدخال المساعدات الإنسانية إلى المدينة أو إجلاء كبار السن منها».

ومن المقرر أن يدخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 29 أكتوبر (تشرين الأول). ولم تؤكد موسكو ولا كييف هذا الإعلان حتى الآن.

ويواجه السكان نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية، وفقاً لما ذكره نازحون من المدينة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في أوائل هذا الشهر.

وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وأوضح البيت الأبيض أن «ميلانيا ترمب وممثلها عملا بشكل مباشر مع القادة الروس والأوكرانيين لتحديد شروط وقف إطلاق نار محلي».

وأضاف البيان: «في إطار دورها الرسمي كوسيط حصري، أجرت السيدة الأولى مناقشات مع الدولتين، مما مكّن الطرفين من الاتفاق على الأهداف، والترتيبات التقنية، والجدول الزمني، والإجراءات، وشروط هذا الاتفاق».

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو.

وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، مما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.