سياسيون احترفوا الموسيقى واستخدموها سلاحاً

«كوندي» عزفت للملكة إليزابيث وترومان جلس إلى البيانو أمام ستالين

مجموعة من الرؤساء والوزراء الذين يحترفون العزف والغناء
مجموعة من الرؤساء والوزراء الذين يحترفون العزف والغناء
TT

سياسيون احترفوا الموسيقى واستخدموها سلاحاً

مجموعة من الرؤساء والوزراء الذين يحترفون العزف والغناء
مجموعة من الرؤساء والوزراء الذين يحترفون العزف والغناء

بمعطفٍ من الجلد الأسود، وبشعرٍ يذكّر برأس إلفيس بريسلي ونجوم «الروك أند رول»، أطلّ الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي على المسرح، أمام 8 آلاف شخص محتشدين في بوينس آيرس، قبل أسبوع. لم يلقِ خطاباً سياسياً، بل أمسك الميكروفون مطلقاً العنان لصوته في أغنيةٍ تحدّى فيها خصومه. «أنا الملك أنا الأسد وسأدمّركم»، صرخ ميلي كمُغنٍّ محترف، قافزاً على الخشبة وسط تصفيق الحضور، ثم أكمل الأغنية التي سبقت حفل توقيع كتابه الاقتصاديّ قائلاً: «أنا آكل النخبة على الفطور».

ليست الإطلالات الغنائية جديدة على ميلي، فهي كانت قد واكبت حملته الانتخابية، وغالباً ما يلقّبه الإعلام الأرجنتيني بـ«الروك ستار (نجم الروك)». تعود ميوله الفنية هذه إلى أيام الدراسة، حيث أسّس فريقاً غنائياً، في تحيّة إلى فريق الـ«رولينغ ستونز».

بلينكن يغنّي الروك «للعالم الحرّ»

فيما يبدو موضة رائجة حالياً في صفوف السياسيين، سبق وزيرُ الخارجية الأميركي، الرئيسَ الأرجنتيني إلى المسرح بأسبوع. فخلال زيارته الرسمية إلى أوكرانيا، اختتم أنتوني بلينكن يوماً طويلاً من المحادثات في حانة شهيرة وسط العاصمة كييف. لم يكتفِ هناك بتناول الطعام الأوكرانيّ، بل استلّ آلة غيتار وانضمّ إلى الفرقة الموسيقية عازفاً ومؤدياً أغنيةً لم تخلُ من المعاني السياسية، بعنوان «Rockin’ in the Free World (غناء الروك في عالمٍ حرّ)».

وفي مقابلة، أجراها منذ سنوات مع مجلّة «رولينغ ستون»، قال بلينكن إن الموسيقى هي الخيط الذي لم ينقطع من حياته. وخلال سنوات الشباب، عزف الغيتار وغنّى مع عدد من الفِرق. وبين عاميْ 2018 و2020، أصدر 3 أغنيات على منصة «سبوتيفاي» تحت لقب «أبلينكن». وبما أن الموسيقى هي شغفه الثابت، فهو لا يتردّد في تلوين المناسبات الدبلوماسية بأغنية، على غرار ما حصل في مقرّ «الخارجية» الأميركية عام 2023 عندما قدّم «Hoochie Coochie Man»، مما أحدثَ عاصفة من التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي.

كيري عاشق الأوتار

وكأنّ الموسيقى موهبةٌ مشتركة لدى وزراء الخارجيّة الأميركيين، فالوزير السابق جون كيري هو الآخر آتٍ من ماضٍ حافلٍ بالإيقاعات والنغمات. فمع 6 من زملاء الدراسة، أسس كيري فريقاً يُدعى «إليكتراز»، عام 1960، وسجّلوا ألبوماً في قبو المدرسة بتمويلٍ فرديّ. وبقي التسجيل في الظلّ حتى 2004، عندما أُعيد اكتشافه وبات متوفّراً على «آي تيونز».

تولّى كيري عزف الغيتار في فريق الروك أند رول المدرسيّ، وهو لم يتخلّ يوماً عن آلته المفضّلة، إذ غالباً ما شُوهدَ، خلال مسيرته الدبلوماسية الطويلة وهو يلاعب الأوتار. ويوم قام بزيارة رسمية إلى إسبانيا، عام 2017، فاجأه نظيره الإسباني بغيتار؛ هديّة ترحيب.

لم يبخل كيري باستعراض موهبته أمام نائب رئيس الحكومة الصيني، بعد عشاء رسميّ في بكين. وقد تكرّرت مثل هذه اللحظات في عدد من المناسبات الدبلوماسية والجولات الخارجيّة، على ما تُوثّق الصور والفيديوهات.

كوندي عازفة القصور

لم تكسر كوندوليزا رايس تقليد الدبلوماسية الموسيقية، بل إنها الأكثر احترافاً من بين نظرائها. تعود علاقة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مع البيانو إلى الطفولة، فقد بدأت تدرس الآلة في الثالثة من عمرها. وفي سن الـ15، قررت أن تصبح عازفة بيانو محترفة. تخصصت في الموسيقى، إلا أنها تردّدت يوم اكتشفت أنّ ثمة زملاء يمتلكون مواهب أكبر من موهبتها، فتراجعت عن قرارها واتجهت صوب العلوم السياسية.

لكنّ مرور السنوات وكثرة الانشغالات لم تُبعد كوندي يوماً عن البيانو، فهي تعزف ضمن فريق في أوقات فراغها، كما أنها استعرضت قدراتها الموسيقية في مناسبات رسمية كثيرة في الوزارة وفي السفارات، حتى إنّ عزفها وصل إلى قصر باكينغهام، واستمعت إليه الملكة إليزابيث الثانية شخصياً.

بيل كلينتون والساكسوفون

من وزراء الخارجية إلى الرؤساء الموهوبين موسيقياً، وأحدثُهم عهداً بيل كلينتون. يحترف الرئيس الأميركي السابق العزف على آلة الساكسوفون. في كتاب سيرته «My Life (حياتي)»، يقول إنه كان يخطّط لخوض مسيرة موسيقية، قبل أن يتجه إلى الشأن العام والسياسة.

خلال حملته الانتخابية عام 1992، استخدم كلينتون الساكسوفون مفتاحاً إلى قلوب الناخبين عازفاً لهم في إحدى جولاته، وهو لم يتخلّ عن الآلة بعد الفوز، إذ احتفى بنجاحه، خلال حفل تنصيبه في البيت الأبيض، بتقديم بعض المعزوفات من تأليفه.

نيكسون مؤلّف الكونشرتو

يزخر البيت الأبيض بالمواهب الرئاسية. الرئيس الأميركي الوحيد الذي استقال من منصبه، لم يستقِل قط من الموسيقى، فريتشارد نيكسون درس العزف على البيانو والكمان، من سنته الأولى في المدرسة، وحتى سنته الأخيرة في الجامعة. قبل الرئاسة وخلالها وبعدها، جلس نيكسون إلى البيانو كلّما سنحت الفرصة؛ من الاحتفالات الرسمية، إلى المسارح، مروراً باستوديوهات الإذاعة والتلفزيون، كما عُرف نيكسون بتأليف موسيقى الكونشرتو للبيانو.

الرئيس الأكثر موسيقيّة

يقول الرئيس الأميركي هاري ترومان، الذي تولّى الرئاسة بين 1945 و1953، إنه لو كان جيّداً بما يكفي لثابرَ في تحقيق حلمه بأن يصبح عازف بيانو محترفاً.

بتشجيعٍ من والدته، بدأ ترومان العزف في سنّ الـ7، وكان يستيقظ عند الـ5 فجراً يومياً من أجل التمرين. ومع أنه اقترب من درجات الاحتراف، لم يقتنع بإمكانياته فتراجعَ عن حلمه. ورغم ذلك فهو ملقّب بـ«الرئيس الأميركي الأكثر موسيقيّةً».

يقول أحد الزوّار الدائمين للبيت الأبيض، خلال عهده، إنه كان من شبه المستحيل أن يمرّ الرئيس قرب بيانو دون أن يجلس ويعزف. استعرض ترومان موهبته أمام نجومٍ وقادة عالميين؛ من بينهم جوزيف ستالين، وونستون تشرشل.

أكورديون السيّد الرئيس

من البيت الأبيض إلى قصر الإليزيه الذي ضجّ بنغمات الأكورديون الخاص بالرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان (1974- 1981). تعلّم العزف على تلك الآلة شاباً، خلال خدمته العسكرية في الحرب العالمية الثانية. وعندما صار وزيراً للاقتصاد والمال، قدّم عرضه العلنيّ الأول على شاشة التلفزيون عام 1970. كرّت السبحة بعد ذلك، لتتحوّل عروض الأكورديون مع جيسكار ديستان إلى تقليدٍ وأداة تَواصل سياسيّ. وقد ارتبطت صورتُه حاملاً الأكورديون بذاكرة أجيالٍ من الفرنسيين.

غالباً ما رافقت آلة الأكورديون الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان في جولاته المناطقية (أ.ف.ب)

وفي مقابل السياسيين الذين احترفوا الموسيقى، ثمّة آخرون تعاملوا معها من باب التسلية والبروباغندا أحياناً. ومن بين القادة المعروفين بوَصلاتهم الغنائية المفاجئة، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما.

أما رئيس الحكومة البريطاني السابق بوريس جونسون، فقد جرّب حظّه مع الغيتار دون أن يوفَّق، على عكس نظيره توني بلير الذي أثبتَ أنه يملك إمكانيّاتٍ لا بأس بها.


مقالات ذات صلة

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

الوتر السادس فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

فادي حداد: الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصناعة «الكليب» أكبر خطأ

في مشهد فني خرج عن المألوف، أطلق الفنان رامي عيّاش الفيديو كليب الخاص بأغنيته الجديدة «عذّبيني».

فيفيان حداد (بيروت)
الوتر السادس محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

محمود طلعت: موسيقى الأفلام والمسلسلات تحددها الصورة وإيقاع الدراما

قال الموسيقار المصري محمود طلعت إن الموسيقى التصويرية لا تُكتب بالقواعد نفسها في كل عمل، فلكل وسيط فني لغته وأدواته

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق هيئة الموسيقى السعودية تعلن شراكة استراتيجية مع منصة «جاز في جدة»

هيئة الموسيقى السعودية تعلن شراكة استراتيجية مع منصة «جاز في جدة»

أعلنت هيئة الموسيقى السعودية إبرام شراكة استراتيجية مع منصة «جاز في جدة»، التي تنظمها «نداء الثقافة»، في خطوة تأتي تتويجاً لمذكرة التفاهم الموقَّعة بين الطرفين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق قدرة الغناء على تقليل التوتر تُعد من أكثر فوائده التي أثبتتها الدراسات بشكل متكرر (بيكسلز)

يمكن ممارستها في المنزل... هواية بسيطة تخفف التوتر وتعزز جهاز المناعة

في خضم ضغوط الحياة اليومية، يبحث كثيرون عن وسائل بسيطة وفعالة تساعدهم على استعادة هدوئهم وتحسين صحتهم النفسية والجسدية، دون الحاجة إلى تكاليف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق غرانت مارشال المعروف أيضاً باسم «دادي جي» من فرقة «ماسيف أتاك» (رويترز)

بعد رفعها العلم الفلسطيني... سنغافورة تمنع «ماسيف أتاك» من دخول أراضيها مجدداً

ذكرت ‌الشرطة في سنغافورة الجمعة، أن السلطات في البلاد أصدرت تحذيراً قوياً لعضوي فرقة «ماسيف أتاك» الموسيقية البريطانية ​ومنعتهما من الدخول مجدداً إلى أراضيها

«الشرق الأوسط» (سنغافورة )

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
TT

أوروبا تواجه خامس موجة حر خلال صيف استثنائي

قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)
قوارب عالقة في الوحل في أحد فروع نهر الدانوب في أثناء موجة حر في النمسا (رويترز)

تُعد أوروبا القارة الأسرع احتراراً على وجه الأرض، وتفتقر بعض مناطقها إلى الاستعداد الكافي للتعامل مع الطقس الحار، بحسب تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقد أدت موجات الحر المتكررة وحالات الجفاف إلى صيف حار تاريخياً شهد حرائق غابات، كما أسهمت في وفاة آلاف الأشخاص حتى الآن. ويعزو العلماء تزايد حدة وتواتر موجات الحر إلى التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية. ومن المتوقع أن تتجاوز درجات الحرارة 30 درجة مئوية بالنسبة لما يقرب من ثلاثة من كل خمسة سكان أوروبيين (باستثناء تركيا) - أي ما يعادل نحو 340 مليون نسمة - وذلك وفقاً لتحليل يستند إلى توقعات هيئة الأرصاد الجوية الألمانية وإسقاطات سكانية لعام 2025 صادرة عن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية. وتتفق نتائج «وكالة الصحافة الفرنسية» مع تلك التي توصلت إليها منظمة «كليما داشبورد» (Klimadashboard) النمساوية غير الحكومية.

تُظهر الصورة منطقة «ليوبولدسدورف إم مارشفيلد» في النمسا حيث تبرز شجرة جافة بجوار حقول أصابها الجفاف (أ.ف.ب)

أوروبا وموجات الحرارة

وهذا الأسبوع، عانت أجزاء واسعة من أوروبا الغربية من ارتفاع درجات الحرارة مع حلول موجة حر جديدة، اليوم الخميس، في بريطانيا وفرنسا، وهي الموجة الخامسة خلال هذا الصيف الذي وصف بأنه «استثنائي»، ويهدد بتسجيل المزيد من الأرقام القياسية بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

غراف الحر في أوروبا

وكانت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية قد صرحت، في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن تسجيل درجات حرارة عادية فقط خلال الفترة المتبقية من شهر أغسطس (آب) سيكون كافياً لتجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي لأكثر الأعوام حرارة. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في فرنسا لتصل إلى 40 درجة مئوية (104 درجات فهرنهايت) في المناطق الوسطى والجنوبية، وإلى 38 درجة مئوية في باريس. وتُظهر أحداث هذا الصيف أن كلاً من بريطانيا وفرنسا تفتقران إلى الاستعداد الكافي للتعامل مع مستويات الحرارة هذه؛ فعلى سبيل المثال، تُعد أنظمة تكييف الهواء أمراً نادراً خارج المتاجر والمكاتب.

يُظهر هذا المشهد الجوي أشخاصاً يسيرون على عشب جاف تماماً بمحاذاة قمة الجرف الواقع فوق المنارة في «بيتشي هيد» (Beachy Head) بالقرب من «إيستبورن» على الساحل الجنوبي لإنجلترا (أ.ف.ب)

وفي مستشفيات بريطانيا، تبيّن يوم الخميس أن ظروف العمل أصبحت صعبة للغاية، حيث سُجلت حالات إغماء بين الممرضين والممرضات بسبب الإجهاد الحراري، وذلك وفقاً للكلية الملكية للتمريض. وقالت نيكولا رينجر، الرئيسة التنفيذية والأمينة العامة للكلية: «عندما نرى أطقم التمريض ينهارون أو يشعرون بالدوار والغثيان، أو حتى يُنقلون للعلاج في المستشفيات ذاتها التي يعملون بها لأن أماكن عملهم غير مهيأة لتحمل الحرارة، فإن ذلك يبرز بوضوح مدى التقصير الشديد في حقهم».

وفي يوم الخميس، تركزت أشد موجات الحر مرة أخرى في غرب وجنوب أوروبا. وتوقعت الأرصاد ارتفاع درجات الحرارة لتتجاوز 35 درجة مئوية في مناطق فرنسية يقطنها 50 مليون نسمة. وفي إيطاليا، تشير التوقعات إلى تأثر 29 مليون نسمة بدرجات حرارة مماثلة، لا سيما على طول الساحل الغربي، وفي سهل «بو»، ومنطقة «كعب الحذاء» (جنوب شرقي البلاد)، والجزر.

كما يُرجح أن تتأثر أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الأيبيرية، حيث سيطال تأثير الموجة 25 مليون نسمة في إسبانيا. ومن المتوقع أيضاً أن تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية بالنسبة لـ23 مليون نسمة في المملكة المتحدة، مع تركز الحرارة في وسط إنجلترا المكتظ بالسكان وفي لندن. وكانت هيئة الأرصاد الجوية الرسمية في البلاد (مكتب الأرصاد الجوية - Met Office) قد صرحت، الثلاثاء، بأن البلاد تتجه لتسجيل أكثر فصول الصيف حرارة على الإطلاق.

جسر فوق مجرى نهر اللوار الجاف في لويرواكسانس (فإراد) غرب فرنسا (أ.ف.ب)

ضغوط على الموارد المائية

ولا عجب أن ظروف الجفاف آخذة في الانتشار؛ فمثلها مثل أجزاء كثيرة من أوروبا، تواجه بريطانيا وفرنسا موجات جفاف واسعة النطاق أدت إلى ذبول المحاصيل وجفاف الأنهار، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المائية المخصصة للمنازل والزراعة والبيئة، ويجبر الحكومات والمستهلكين على البحث عن تدابير قصيرة وطويلة الأجل للتخفيف من آثار التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية.

وتقدمت شركة «ساوثرن ووتر» (Southern Water) البريطانية - المسؤولة عن إمدادات المياه في جنوب إنجلترا - بطلب للحصول على قرار استثنائي يتعلق بحالات الجفاف؛ يهدف إلى حظر الاستخدام غير الضروري للمياه من قبل الشركات، بما في ذلك غسل السيارات وملء المسابح غير المنزلية، وذلك نظراً لأن نقص الأمطار «الاستثنائي» بات يهدد الإمدادات في مقاطعة هامبشاير وجزيرة وايت. وستتخذ وزيرة البيئة، أنجيلا إيجل، قراراً بشأن هذا الطلب الذي - في حال الموافقة عليه - سيكون أول حظر من نوعه منذ مايو (أيار) 2006.

دخان يتصاعد خلف الماشية جراء حريق غابات اندلع في 9 أغسطس في منطقة «نيو فورست» بالقرب من «رينغوود» بمقاطعة هامبشاير جنوبي إنجلترا (أ.ف.ب)

حرائق الغابات

ولا تزال المخاوف من حرائق الغابات تشكل خطراً داهماً؛ فمع جفاف الأرض وغياب أي مؤشرات على هطول أمطار مؤثرة، تظل السلطات في كل من بريطانيا وفرنسا في حالة تأهب قصوى لمواجهة حرائق الغابات. ففي بريطانيا - التي بدأت تكتسي لوناً بنياً رملياً بدلاً من لونها الأخضر اليانع المعهود - انتشر رجال الإطفاء بكثافة هذا الأسبوع لمحاولة السيطرة على حريق في منطقة «نيو فورست» (New Forest) بجنوب إنجلترا.

وقد سُجّل نحو 1017 حريقاً في الغابات في إنجلترا وويلز هذا العام - وفقاً لبيانات «المجلس الوطني لقادة فرق الإطفاء» - وهو ما يعادل إجمالي الحرائق القياسي المسجل في العام الماضي. ورغم أن هذه الحرائق لا تضاهي في حجمها تلك التي شهدتها فرنسا واليونان وإسبانيا، فإنها تقدم دليلاً دامغاً على حاجة المملكة المتحدة للتكيف مع واقع جديد.

طائرة إطفاء تحلق بينما يتصاعد الدخان من حريق غابات في أزنالكويار بإسبانيا (رويترز)

وعاد رجال الإطفاء في فرنسا أيضاً إلى العمل الميداني بعد صيف عصيب، ملوحين بالإضراب للمطالبة بتوفير المزيد من الكوادر والموارد اللازمة للتعامل مع الظواهر الجوية المتطرفة التي تزداد حدة. وقد اندلع أحد الحرائق في وقت متأخر من يوم الأربعاء في منطقة «با - دو - كاليه» (Pas - de - Calais) الشمالية، واندلع حريق آخر في منطقة بريتاني، وهي مناطق تقع بعيداً عن المناطق الجنوبية الأكثر حرارة وجفافاً وعرضة للحرائق في فرنسا. يُذكر أن حريقاً هائلاً كان قد أتى على مساحات واسعة من الغابات بالقرب من مدينة بوردو، الشهر الماضي، مما أجبر ربع مليون شخص على إخلاء منازلهم.


الإسكندرية تستعيد كورنيشها من المنشآت الحاجبة للبحر

كورنيش الإسكندرية يضم عشرات المنشآت التي تحجب رؤية البحر (محافظة الإسكندرية)
كورنيش الإسكندرية يضم عشرات المنشآت التي تحجب رؤية البحر (محافظة الإسكندرية)
TT

الإسكندرية تستعيد كورنيشها من المنشآت الحاجبة للبحر

كورنيش الإسكندرية يضم عشرات المنشآت التي تحجب رؤية البحر (محافظة الإسكندرية)
كورنيش الإسكندرية يضم عشرات المنشآت التي تحجب رؤية البحر (محافظة الإسكندرية)

أبدى الكثير من المصريين سعادتهم برفع محافظ الإسكندرية الجديد، المهندس أيمن عطية شعار «رؤية البحر حق للجميع»، معربين عن تفاؤلهم باستعادة كورنيش مدينة الإسكندرية لرونقه «المفقود» بفعل بناء عشرات المنشآت والكافيهات والمطاعم على طريق الكورنيش خلال السنوات الماضية، التي تحجب رؤية البحر أمام الزوار.

واستقبل الكثير من مستخدمي «السوشيال ميديا» التوجه الجديد بحماس كبير وسعادة غامرة، وخلال لقائه مع الصحافيين والإعلاميين بمحافظة الإسكندرية قبل يومين، شدد عطية على أن «رضا المواطن أهم من أموال المستثمر»، مؤكداً «عدم تجديد عقود المستثمرين المنتهية، بما يتيح تدريجياً عودة الشواطئ والكورنيش للمواطنين والاستمتاع برؤية البحر».

وقالت المحافظة في بيان إنه في إطار حرص محافظة الإسكندرية على الحفاظ على حق المواطنين في الاستمتاع برؤية البحر، والحفاظ على الطابع الجمالي والحضاري للكورنيش باعتباره أحد أهم معالم وهوية المدينة، قرر المحافظ عدم تجديد التعاقد مع إحدى المنشآت المقامة بمنطقة كامب شيزار بطريق الكورنيش بنطاق حي وسط عقب انتهاء مدة التعاقد، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المنشأة المقامة بالموقع، لما تسببه من حجب رؤية البحر.

محافظ الإسكندرية يتبنى شعار «رؤية البحر حق للجميع» (محافظة الإسكندرية)

وخلال السنوات الماضية، ضاق زوار الكورنيش بالكتل الخرسانية والكافيهات والمطاعم التي تحجب رؤية البحر عنهم، عبر مساره الممتد من منطقة بحري (غرباً) وحتى أسوار حدائق قصر المنتزه الشهيرة (شرقاً) بطول نحو 12 كيلومتراً تقريباً. وانتقدوا في مناسبات عديدة كثرة بناء الأندية على الكورنيش.

ويرجع تاريخ بناء الكورنيش إلى عام 1925، حيث أنشئ على 6 مراحل، وفقاً لـ«دليل مزارات الإسكندرية» بدءاً في منطقة الميناء الشرقي الأثرية، وانتهت آخرها عام 1934، التي امتدت من ستانلي وحتى أسوار قصر المنتزه الملكي.

وأكد عطية أن الحفاظ على حق المواطن في رؤية البحر يأتي على رأس أولويات المحافظة، مشدداً على أن كورنيش الإسكندرية يمثل متنفساً عاماً لأهالي المدينة وزائريها، وأن المحافظة حريصة على تحقيق التوازن بين الأنشطة الاستثمارية والخدمية والحفاظ على حق المواطنين في الاستمتاع بالواجهة البحرية دون عوائق تحجب الرؤية.

المنشأة التي تمت إزالتها مؤخراً بمنطقة كامب شيزار بالإسكندرية (محافظة الإسكندرية)

ويعد كورنيش الإسكندرية ملتقىً للمحبين، ومقصد محدودي الدخل، وملاذ الأثرياء، تغنّى به كبار المطربين المصريين والعرب على غرار فيروز، التي تغنت به قائلة: «شط إسكندرية يا شط الهوا... رحنا إسكندرية ورمانا الهوا»، لتخلده في وجدان ملايين العرب، وترسم له صورة مميزة، وللكورنيش كذلك نصيب كبير من الظهور على شاشات السينما الذهبية والمسلسلات الدرامية المصرية.

وأشار المحافظ إلى أن «أي استغلال للمواقع المميزة على طول الكورنيش يجب أن يراعي في المقام الأول المصلحة العامة، ويحافظ على الهوية البصرية والمشهد الجمالي للمدينة»، مؤكداً أن «انتهاء التعاقدات يمثل فرصة لإعادة تقييم استغلال المواقع بما يتوافق مع رؤية المحافظة لتطوير الكورنيش وفتح البحر أمام المواطنين».

ويأتي هذا القرار ضمن توجه محافظة الإسكندرية نحو إعادة الانضباط للواجهة البحرية، وتحسين الصورة البصرية للكورنيش، وزيادة المساحات المفتوحة أمام المواطنين، باعتبار البحر أحد أهم المقومات الطبيعية والتاريخية التي ارتبطت بهوية الإسكندرية على مدار تاريخها. وفق المحافظة.

ودعا مواطنون مقيمون بالإسكندرية إلى ضرورة ضبط الكورنيش وحمايته من «النصابين» الذين يفرضون إتاوات مقابل السماح بالجلوس على البحر، مع التوسع في إزالة المنشآت التي تضر الهوية البصرية للمدينة.

جانب من عمليات إزالة المنشأة التي انتهى تعاقدها (محافظة الإسكندرية)

وثمّن عبد الوهاب محمد، مدير عام السياحة والآثار بالإسكندرية توجهات المحافظ، مؤكداً أنه كان يتم المطالبة بقرار إزالة المنشآت التي تحجب رؤية البحر منذ فترة لاستعادة الهوية البصرية للمدينة المعروفة بتميز بحرها والملقبة بـ«عروس المتوسط»، ويؤكد «سعادة أهل الإسكندرية وزوارها بهذا القرار».

وتوقع عبد الوهاب أن تُسهم التوجهات الجديدة في تنشيط حركة السياحة الداخلية والخارجية للمدينة العريقة التي تضم أقدم شارع في العالم وهو شارع فؤاد، معتبراً أن «إتاحة البحر للجميع سوف تسهم في جودة المنتج السياحي».


برامج أكاديمية سعودية واعدة لقيادة مستقبل النقل السككي

تقوم البرامج على مناهج متخصصة وشاملة في الإدارة الهندسة والتخطيط والصيانة لأحدث منظومات النقل الصديقة للبيئة
تقوم البرامج على مناهج متخصصة وشاملة في الإدارة الهندسة والتخطيط والصيانة لأحدث منظومات النقل الصديقة للبيئة
TT

برامج أكاديمية سعودية واعدة لقيادة مستقبل النقل السككي

تقوم البرامج على مناهج متخصصة وشاملة في الإدارة الهندسة والتخطيط والصيانة لأحدث منظومات النقل الصديقة للبيئة
تقوم البرامج على مناهج متخصصة وشاملة في الإدارة الهندسة والتخطيط والصيانة لأحدث منظومات النقل الصديقة للبيئة

في خطوة نوعية نحو إعداد كوادر سعودية مؤهلة علمياً وعملياً في أحد أهم القطاعات الواعدة، أزاحت جامعة الملك عبد العزيز بجدة، الخميس، الستار عن برامج أكاديمية هي الأولى من نوعها في النقل السككي على مستوى المنطقة، وتقوم على مناهج متخصصة وشاملة في الإدارة، الهندسة، التخطيط، الصيانة لأحدث منظومات النقل الصديقة للبيئة.

يتزامن هذا المسار مع الطفرة الإنشائية الكبرى ومشاريع الربط السككي الدولي التي تعكف المملكة على تنفيذها، لربط المدن والمنافذ الحيوية، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، بما يرسخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً يربط بين القارات الثلاث.

وبحضور المهندس فواز السهلي، رئيس الهيئة العامة للنقل السعودية، والدكتور طريف الأعمى، رئيس جامعة الملك عبد العزيز، دشّنت برامج النقل السككي، التي تُعدّ الأولى من نوعها لتأهيل كفاءات وطنية متخصصة ودعم مستهدفات «رؤية المملكة 2030» في تطوير منظومة النقل والخدمات اللوجستية وترسيخ مكانة المملكة بوصفها مركزاً لوجستياً عالمياً.

وتهدف إلى إعداد وتأهيل الكفاءات الوطنية، عبر مسارات مهنية في مجال الهندسة المدنية مع التركيز على أنظمة السكك الحديدية وتوظيف المهارات المهنية في تصميم وتنفيذ أنظمة نقل سكك حديدية مستخدمة ومتكاملة مع أنماط النقل المختلفة، بما يسهم في ربط المجتمعات وتحسين الوصول وتعزيز السلامة، مع الالتزام بالتعلم المستمر ومواكبة التقنيات واللوائح التنظيمية المتغيرة وتبني الابتكار في قطاعي السكك الحديدية والبنية التحتية.

وأكد رئيس الهيئة العامة للنقل في السعودية، خلال حفل التدشين، أن هذه البرامج تمثل محطة مهمة في مسيرة تطوير قطاع النقل السككي بالمملكة، وتجسد أهمية الشراكة بين القطاعين الأكاديمي والتنظيمي في بناء القدرات الوطنية، مشيراً إلى أن الاستثمار في الكفاءات الوطنية يُعدّ أحد الركائز الأساسية لتحقيق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.

من جهته، أوضح الدكتور طريف الأعمى، رئيس الجامعة، أن إطلاق هذه البرامج يعكس حرصهم على تطوير برامج أكاديمية نوعية تستجيب للاحتياجات الوطنية، وتواكب التحولات التنموية والتوجهات المستقبلية للقطاعات الحيوية، مؤكداً أنها ستسهم في إعداد جيل من المتخصصين المؤهلين علمياً وعملياً، والقادرين على دعم نمو قطاع النقل والخدمات اللوجستية ورفع كفاءته التشغيلية والتقنية.

من جانبه، قال الدكتور محمد الحربي، رئيس فريق عمل، إنشاء وتصميم البرامج الأكاديمية في النقل السككي بجامعة الملك عبد العزيز، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن البرامج سيتم إطلاقها هذا العام وصُممت بالتعاون مع الهيئة العامة للنقل، مشيراً إلى أن الجامعة عملت على استحداثها وتصميمها في ظل التطور المتسارع لقطاع النقل السككي، الذي يتطلب كوادر وطنية تمتلك مهارات مهنية متعددة في الهندسة، التخطيط، النقل، اللوجستيات، إدارة الخدمات.

وأشار إلى أن البرامج تستهدف تعزيز تنمية رأس المال البشري ودعم المحتوى المحلي في تشغيل السكك الحديدية؛ من خلال توفير كفاءات وكوادر وطنية متمكنة تمتلك المعرفة والمهارة لكل الجوانب في هذا القطاع، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية 2030» والاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية.

كما أوضح أن الطلاب سيخضعون لتدريب عملي في إدارة وتشغيل وصيانة القطارات، إلى جانب التخصصات ذات العلاقة والمسارات المهنية التي تركز على تطوير أنظمة السكك الحديدية في المملكة، مضيفاً: «هناك مشاريع قائمة حالياً، مثل: مترو الرياض، قطار الحرمين السريع، وخط السكك الحديدية بين المنطقة الشرقية والرياض. كما أن هناك 10 مشاريع تشرف عليها الهيئة العامة للنقل؛ ولذلك تكمن أهمية هذه البرامج في تجهيز الكوادر الوطنية لتشغيلها وإدارتها».

وشهد تدشين هيئة النقل العامة للنقل في السعودية، لـ«برامج النقل السككي»، عقد جلسة حوارية مع القيادات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس؛ لبحث فرص توسيع التعاون المشترك في مجالات التعليم، التدريب، البحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، وغيرها من المجالات ذات العلاقة.

ويُشكّل إطلاق هذه البرامج الأكاديمية المتخصصة خطوة رائدة نحو تعزيز التكامل بين القطاعين الأكاديمي والتنظيمي، وبناء منظومة تعليمية داعمة لقطاع النقل السككي، بما يسهم في تأهيل الكفاءات الوطنية وتمكينها من قيادة مستقبل القطاع، والمشاركة في تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى التي تشهدها المملكة.

ويأتي إطلاق هذه البرامج امتداداً للشراكة الاستراتيجية بين الهيئة والمؤسسات الأكاديمية، وتعزيزاً لجهود تطوير رأس المال البشري ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، بما يسهم في توفير كوادر وطنية قادرة على قيادة مستقبل قطاع النقل السككي، الذي يشهد نمواً متسارعاً ومشروعات استراتيجية كبرى على مستوى المملكة.