حرب استنزاف طويلة منتظَرة في قطاع غزة

بدأت فعلاً... فهل تتجنبها إسرائيل أو تغوص أكثر في رمال القطاع؟

فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

حرب استنزاف طويلة منتظَرة في قطاع غزة

فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)
فلسطينيون فوق دبابة سيطر عليها مقاتلو «كتائب القسام» قرب خان يونس يوم 7 أكتوبر (د.ب.أ)

لم يكن تصريح «أبو عبيدة» الناطق باسم «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، قبل أيام، حول استعداد الكتائب لخوض حرب استنزاف طويلة ضد القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، مجرد تهديدات، ولكنَّ «حماس» وطَّنت نفسها فعلياً لمثل هذه الحرب منذ شهور، بعدما أدركت أنها أمام حرب طويلة أجبرتها على تغيير التكتيكات.

وتدعم جميع الظروف السياسية والميدانية مثل هذا السيناريو، وهو الأقرب إذا لم نكن فعلاً في وسطه.

وتخوض «حماس» وباقي الفصائل، عملياً، حرب شوارع تحاول فيها استنزاف القوات البرية الإسرائيلية، بعد أن تخلَّت عن فكرة التصدي المستمر لهذه القوات ومنعها من التقدم، مستبدلةً بذلك شن هجمات مباغتة وسريعة في كل منطقة يمكنها فيها ذلك.

وبينما فقدت «القسام» وباقي الفصائل قوتها الصاروخية إلى حد كبير، فإنها تحتفظ بالعدد الأكبر من مقاتليها وأسلحتها الخفيفة بما في ذلك سلاح القاذفات الموجَّهة، مثل قذائف الآر بي جي، أو تلك التي طوَّرتها عن صواريخ التاندوم، والتي سمَّتها «القسام» صواريخ «الياسين 105» وكان لها أثر كبير في الحرب الحالية، والصواريخ المضادة للأفراد مثل «تي بي جي»، وجميعها تخدم الآن فكرة حرب الاستنزاف.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن الخلايا الناشطة في غزة تعمل الآن فعلاً على استنزاف القوات الإسرائيلية، باستخدام الأسلحة الخفيفة وبعض القذائف الصاروخية الموجَّهة والعبوات الناسفة التي تمتلكها، رغم فقدانها الكثير من مخازن الأسلحة.

المتحدث باسم «كتائب عز الدين القسام» أبو عبيدة (أرشيفية - رويترز)

وأكدت المصادر أن «الآلاف من عناصر المقاومة ما زالوا ينشطون في مناطق متفرقة، وتلقوا التعليمات من أجل مواجهة طويلة مع القوات الإسرائيلية».

واستخدمت «القسام» والفصائل نهجاً يقوم على تنفيذ هجمات مباغتة حسبما تسمح الظروف في كل شارع وبيت وساحة، ولجأت من أجل ذلك إلى ترميم بعض الأنفاق الدفاعية التي قصفتها قوات الاحتلال خلال الحرب، وأُعيد استخدامها وتفخيخ فتحاتها وتفجيرها في القوات البرية الإسرائيلية.

وأكدت مصادر في «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أن كل ذلك هو جزء من حرب استنزاف حقيقية تخوضها المقاومة التي ما زال في جعبتها الكثير من المفاجآت.

تغيير التكتيكات

وقالت المصادر إن «القسام» تعاملت مع واقع جديد وغيَّرت التكتيكات بعدما فهمت أن المعركة أطول مما خُطِّط لها. وأضافت: «حرب الاستنزاف ستكون لصالح المقاومة. هذه أرضنا ونحن هنا باقون. هم الذين سيرحلون في النهاية».

لكن لا يخطط الإسرائيليون للرحيل سريعاً، وليست لديهم خطة واضحة. ومع اقتراب الحرب من شهرها الثامن، يقدِّر الجيش الإسرائيلي أن الحرب على جبهة غزة قد تستمر لأشهر أخرى (6 أشهر)، وربما تمتد لجبهات أخرى (لبنان)، وتستمر حتى عام 2026.

جندي في الجيش الإسرائيلي فوق دبابة قتال بالقرب من الحدود مع قطاع غزة جنوب إسرائيل في 13 مايو (أ.ف.ب)

وحسب مصادر الجيش، فإنه يخطط لنقل العمليات في القطاع من «حربية» إلى «سيطرة أمنية» من خلال عمليات أكثر تركيزاً وفق الحاجة، في محاولة لاستنساخ سيناريو ما يجري في مناطق الضفة الغربية.

ولا تستبعد مصادر ميدانية من المقاومة، أن تكون تلك التقديرات صحيحة وتستمر الحرب لفترة طويلة، وأن تنتقل لمراحل مختلفة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «يحاول الاحتلال تثبيت قواعد قتال جديدة من خلال جعل غزة مستباحة. ونحن تتعامل وفق ذلك. نواجه هذه المشروع ونحبطه. وسنتعامل مع كل سيناريو وفق ما تحدده الظروف الميدانية، وحسب تحركات الاحتلال».

وأضافت المصادر: «إن كانوا يخططون فعلاً للبقاء طويلاً فعليهم أن ينتظروا الموت كل يوم. إن كانوا يخططون لاحتلال غزة فسيغرقون هنا».

ولم تتخذ الحكومة الإسرائيلية قرارها بعد، ويبدو أنه ليس لديها أي خطط جاهزة للتعامل مع «اليوم التالي» في غزة.

جندي إسرائيلي ينظر إلى لافتة تحمل صور ضحايا مهرجان نوفا الذين قتلوا أو اختطفوا خلال هجوم حماس 7 أكتوبر (رويترز)

تكلفة عالية لإسرائيل

وأُثير جدل كبير في إسرائيل بعد تقرير نُشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، جاء فيه أن حكماً عسكرياً أو مدنياً في غزة سيكون كبير التكلفة «البشرية والاقتصادية».

وحسب التقرير فإن مثل هذا الحكم تكلفته المالية نحو 6 مليارات دولار سنوياً، الأمر الذي دفع سياسيين واقتصاديين إلى رفض الفكرة، ودفع بوزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، تحديداً، إلى الخروج في مؤتمر صحافي تحدث فيه عن رفضه أن يكون لإسرائيل وجود دائم داخل قطاع غزة وبقاء قواته هناك، مطالباً رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، بالعمل على إيجاد جسم بديل مثل السلطة الفلسطينية أو جهات أخرى، وهو طلب أغضب نتنياهو الذي جابه غالانت إعلامياً، برفضه تغيير ما قال عنها «حماسستان» بـ«فتحستان»، وأن قواته ستواصل القضاء على «حماس» بشكل كامل.

لكن إذا كانت إسرائيل ستحتل غزة أو تقاتل هناك لشهور طويلة أخرى، فهل حرب الاستنزاف الجارية ستكون لصالح إسرائيل أم لصالح «حماس»؟

يرى المحلل العسكري العقيد المتقاعد، منير حمد، أن إطالة أمد الحرب ليس من مصلحة إسرائيل، التي لا يمكن لجيشها أن يبقى طويلاً داخل قطاع غزة ويقاتل بهذا الزخم الذي نراه بعد 7 أشهر من الحرب. إن ما يجري في مخيم جباليا ورفح من قتال وجهاً لوجه، وما شهده حي الزيتون مؤخراً، يؤكد أن الجيش الإسرائيلي لم يُحدث التغيير المطلوب الذي كان يتوقعه في حرب تعتمد على الكرِّ والفرِّ من المقاومة الفلسطينية أكثر من أي تكتيكات أخرى.

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي يوم 21 مايو لجنوده في قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف حمد لـ«الشرق الأوسط»: «المقاومة ورغم أن قدراتها العسكرية لا تمكن مقارنتها مع القدرات التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي، قادرة على إلحاق الخسائر بقواته، واستمرار ذلك قد لا يتحمله المستوى السياسي ولا العسكري ولا حتى المجتمع الإسرائيلي».

وتوقع حمد أن تستمر عمليات الكر والفر من منطقة إلى أخرى، لحين الوصول إلى حل سياسي. والحل السياسي في غزة أكثر تعقيداً من العسكري.

وحتى اليوم مُنيت الجهود التي بُذلت من عدة أطراف لمحاولة التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار، بالفشل، كذلك فشلت الجهود من أجل وضع خطة واضحة لليوم التالي.

تماسُك مقابل خلافات

وبينما تظهر «حماس» أكثر تماسكاً في موقفها من ملف التهدئة بدعم من فصائل فلسطينية، أظهرت إسرائيل خلافات داخلية واسعة، سواء داخل مجلس الحرب المصغر، أو الموسع، وسط اتهامات لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأنه هو من يماطل ويتعمد إطالة أمد الحرب لأسباب شخصية.

من جهة أخرى، يقول الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن إسرائيل اعتادت أن تشن حروباً سريعة، واحتلال منطقة مثل قطاع غزة سيكون له تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية لا تقوى عليها في ظل التفكك الداخلي والخلافات التي تزداد من حين إلى آخر.

ويرى إبراهيم أن إسرائيل ستبقى في وحل غزة في حال لم تجد حلاً سياسياً حقيقياً، وهذا الأمر تعيه الولايات المتحدة التي باتت تضغط بهذا الاتجاه وتستخدم عدة أوراق، من بينها ورقة بيني غانتس، في الضغط على نتنياهو من جهة، ووزراء اليمين المتطرف من جهة أخرى.

ويضيف إبراهيم: «ما دامت إسرائيل لا تريد السلطة الفلسطينية ولا حماس في حكم قطاع غزة وتفشل حتى الآن في إيجاد بديل حقيقي، فإنها ستتورط أكثر داخل القطاع... وستدفع ثمناً أكبر. وضعها معقَّد في غزة».

جنود إسرائيليون مع دباباتهم يتجمعون في مكان غير معلوم قرب السياج الحدودي مع قطاع غزة (إ.ب.أ)

رمال غزة

ويتفق كثير من الإسرائيليين على أنه يجب على إسرائيل ألا تتورط. وبينما ينادي غالانت وغانتس وآخرون بموقف واضح «ضد البقاء في غزة بعد الحرب»، يريد الكثيرون وقف الحرب الآن.

الجنرال احتياط في الجيش الإسرائيلي إسحاق بريك، كتب في صحيفة «معاريف» مقالاً، حذَّر فيه من أن الجيش الإسرائيلي يبتعد أكثر وأكثر مع مرور الوقت عن تحقيق أهداف الحرب، ويغرق أكثر فأكثر في وحل غزة.

قال بريك إن «الجيش لا يملك القدرة على إسقاط حماس حتى لو طال أمد الحرب»، وإنه على وشك الغوص في رمال غزة في حرب استنزاف طويلة.


مقالات ذات صلة

حقائق وأرقام... كيف أصبحت غزة وأهلها بعد 3 سنوات من الحرب؟

المشرق العربي صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)

حقائق وأرقام... كيف أصبحت غزة وأهلها بعد 3 سنوات من الحرب؟

تكشف أرقام وبيانات حكومية وأهلية ودولية وجوه المعاناة المستمرة التي يكابدها سكان غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل 3 سنوات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون يحملون جثمان الفلسطيني علي البزاري في مستشفى رفيديا بمدينة نابلس في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني في هجوم شنه مستوطنون بالضفة الغربية

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون في هجوم شنه مستوطنون إسرائيليون وجنود إسرائيليون على مزارعين في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خيام مؤقتة لفلسطينيين نازحين بمحاذاة مبانٍ مدمرة في مدينة غزة يوم 7 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب) p-circle

4 قتلى في غارات إسرائيلية على قطاع غزة

قُتل أربعة فلسطينيين أحدهم متطوع في الدفاع المدني الأربعاء بغارات إسرائيلية في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي إسرائيليون يقرأون من سفر ديني في موقف سيارات تحت الأرض يُستخدم كملجأ - مارس 2026 (رويترز)

نحو مليون إسرائيلي طلبوا المساعدة النفسية منذ هجوم «7 أكتوبر»

نحو مليون إسرائيلي اتصلوا طلباً للمساعدة النفسية منذ السابع من أكتوبر 2023.

كفاح زبون (رام الله)
بروفايل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خليل الحية (أرشيفية - أ.ب) p-circle

بروفايل خليل الحية... قيادة مفاجئة لـ«حماس» في مرحلة تحولية

قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) كان خليل الحية اسماً مهماً في «حماس»، لكنه لم يكن مرشحاً بارزاً لقيادتها... فكيف ولماذا وصل إلى رئاسة مكتبها السياسي؟

«الشرق الأوسط» (غزة)

حقائق وأرقام... كيف أصبحت غزة وأهلها بعد 3 سنوات من الحرب؟

صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)
صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)
TT

حقائق وأرقام... كيف أصبحت غزة وأهلها بعد 3 سنوات من الحرب؟

صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)
صورة التقطت بالأقمار الصناعية تظهر الدمار في مدينة غزة شمال القطاع (أ.ف.ب)

تكشف أرقام وبيانات حكومية وأهلية ودولية وجوه المعاناة المستمرة التي يكابدها سكان غزة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع قبل 3 سنوات. وإلى جانب عداد القتلى الذي لا يتوقف، تتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية التي تعد الأكبر على مدار الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

وتظهر أرقام حديثة نشرتها وزارة الصحة في غزة، الأربعاء، بمناسبة الذكرى الثالثة لحرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، أن الحصيلة التراكمية للضحايا وصلت إلى 74250 قتيلاً، فيما طالت الإصابات 175278 شخصاً، ومن بين مجمل الضحايا 1467 شخصاً قتلوا بعد إعلان اتفاق وقف إطلاق النار المفترض في العاشر من أكتوبر 2025، ضمن خروقات إسرائيلية ممنهجة.

مشيّعون يحضرون جنازة جماعية لفلسطينيين انتُشلت جثامينهم من تحت أنقاض مبنى سكني تعرّض لضربة إسرائيلية في أكتوبر 2023 وفقاً للدفاع المدني بمدينة غزة (رويترز)

ووفقاً لإحصائيات موثقة لدى وزارة الصحة بغزة والدفاع المدني، فإن هناك نحو 13 ألف شخص مفقودين، بينهم 8 آلاف لا يزالون تحت أنقاض المنازل والبنايات التي قصفتها ودمرتها القوات الإسرائيلية، فيما لا يعرف مصير 5 آلاف فيما إذا كانوا من بين الضحايا في الطرقات وتبخرت جثامينهم، أو اعتقلوا وتعرضوا للإخفاء القسري في السجون الإسرائيلية.

البتر والإعاقة واليُتم

وتؤكد الإحصائيات المنشورة أن الحرب خلفت 5 آلاف حالة بتر و300 إصابة عصبية ونخاعية، فيما تحتاج 10 آلاف حالة إلى تأهيل مكثف وطويل الأمد، في ظل ظروف صعبة ومعقدة تواجهها المستشفيات في ظل نقص المعدات والموارد الطبية المختلفة نتيجة استهدافها بشكل متكرر.

ويقدر تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، أن واحداً من كل أربعة فلسطينيين أصيبوا في غزة منذ بداية الحرب، يعيش بإصابة قد تغير حياته، بينها البتر وإصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضية، مشيراً إلى أن الأطفال يمثلون 18 في المائة من حالات البتر و31 في المائة من إصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضية.

وبلغ عدد ذوي الاحتياجات الخاصة نتيجة ظروف الحرب 16963، ويوصفون بأنهم من أكثر الفئات تأثراً بظروف الحرب والنزوح وتدمير المرافق والخدمات، وذلك نتيجة نقص الاحتياجات الخاصة بهم، كما تؤكد أرقام وزارة التنمية الاجتماعية بغزة.

مرضى فلسطينيون في مستشفى بخان يونس ينتظرون إجلاءهم من قطاع غزة فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وخلفت الحرب 71846 يتيماً ويتيمة من الأطفال الذين فقدوا آبائهم أو أمهاتهم، وهم من أكثر الفئات احتياجاً إلى الحماية والرعاية طويلة الأمد، كما يشير بيان لوزارة التنمية الاجتماعية بغزة.

بينما بلغ عدد النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن، 64413 ألف حالة، ليجدن أنفسهن أمام مسؤوليات اقتصادية وأسرية مضاعفة في ظروف يتراجع فيها العمل والدخل وتزداد تكاليف المعيشة.

وتشير بيانات الوزارة إلى ارتفاع عدد الأسر التي تعيلها نساء في قطاع غزة بصورة كبيرة خلال الحرب، حيث قدرت بنحو 86 ألف أسرة، أي ما يقارب ربع الأسر في القطاع، مشيرة إلى هذه الأسر تحتاج إلى برامج متكاملة لا تقتصر على المساعدات الطارئة، بل تشمل الدعم النقدي المنتظم، والغذاء، والمأوى، والرعاية الصحية، والدعم النفسي، وتمكين النساء اقتصادياً، وتأمين احتياجات الأطفال، معتبرة أن حماية هذه الأسر تمثل أحد أهم مداخل حماية المجتمع من التدهور الاجتماعي والاقتصادي طويل الأمد.

مقتل أكثر من 19 ألف طالب

وطالت الحرب بشكل خاص مسارات التعليم بمختلف أوجهه، وتظهر أرقاماً نشرتها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية من رام الله، أنه خلال 3 سنوات من الحرب، قتل أكثر من 19189 طالباً وطالبة من المدارس، و1386 طالباً وطالبة من الجامعات، فيما أصيب 28586 طالباً مدرسياً و3082 طالباً جامعياً بجروح متفاوتة.

فيما قتل 805 وأصيب 3298 من الكوادر التعليمية والإدارية في المدارس، و246 قتلوا وأصيب 1493 من المحاضرين والعاملين في الجامعات.

ودمرت قوات الاحتلال بشكل كلي أكثر من 179 مدرسة حكومية في قطاع غزة، وقصف ودمر أكثر من 105 مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إلى جانب التدمير الكلي لأكثر من 63 مبنى جامعياً.

الفلسطيني يوسف سلمان يحتضن الحقيبة المدرسية لابنه جاد (8 سنوات) بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين بمدينة غزة (رويترز)

ولم تتوقف إسرائيل عند استهداف المدارس، بل عمدت لتدمير وقصف المستشفيات والعيادات والمراكز الطبية المختلفة، ونجحت بتدمير شبه كامل لمجمع الشفاء الطبي، أهم المعالم الطبية في قطاع غزة.

ووفق وزارة الصحة بغزة، فقد تضرر أكثر من 1800 مرفق صحي بتدمير كلي أو جزئي خلال الحرب.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن نحو 42 في المائة فقط من المرافق الصحية في قطاع غزة تعمل حالياً، ومعظمها يقدم خدمات جزئية فقط، في وقت تعيق فيه القيود إدخال المعدات والمواد اللازمة لإعادة تأهيل النظام الصحي.

ووفقاً لوزارة الصحة بغزة، فإن هناك نقصاً حاداً جداً بالأدوية والمعدات، وأن 50 في المائة من أصناف الأدوية في القطاع وصلت إلى رصيد صفري، كما أن أكثر من 300 صنف من أدوية الأمراض المزمنة مفقود، فيما يبلغ عجز المستهلكات الطبية 70 في المائة ونقص المواد المخبرية 80 في المائة.

مساجد وكنائس متضررة

لم تسلم المساجد أو الكنائس من عمليات الاستهداف، حيث دمر 1077 مسجداً بشكل كلي، وأُلحقت أضرار جزئية بـ191، من أصل 1275 مسجداً كانت قائمة قبل الحرب. فيما تم استهداف 3 كنائس وإلحاق ضرر بالغ فيها.

وبلغ عدد النازحين داخل مراكز الإيواء 258927 أسرة، يوجدون في 2090 مركزاً للإيواء على مستوى محافظات القطاع كافة، حيث تواجه هذه المخيمات والمراكز خطراً كبيراً مع اقتراب فصل الشتاء.

وتقول وزارة التنمية الاجتماعية، إن هؤلاء النازحين بحاجة إلى تدخل سريع وتوفير كل مستلزمات الإيواء، مشيرة إلى أن غالبيتها من الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، والتي تواجه تحديات متراكمة نتيجة فقدان مصادر الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضرر الممتلكات والمساكن.

فلسطينيون نازحون يحملون أمتعتهم في طريقهم من بيت حانون إلى جباليا بعد يوم من الهجوم الإسرائيلي المتجدد على قطاع غزة (أ.ب)

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإنه يوجد 1.5 مليون نازح يعيشون في خيام بالية، حيث يبلغ عدد الخيام في القطاع نحو 270 ألف خيمة، منها 162 ألف مهترئة وغير صالحة للاستخدام، بنسبة تتجاوز 60 في المائة، ما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة مع اقتراب فصل الشتاء.

ولفت إلى وجود أكثر من 255 بناية متصدعة وآيلة للسقوط، يقطنها بعض السكان مضطرين إليها، وسط مخاوف من انهيار بعضها مجدداً ما يتسبب بوقوع ضحايا.

الأمراض والأوبئة

وانتشرت خلال الحرب خاصة في صفوف النازحين، أمراض وأوبئة مختلفة لم يظهر بعضها منذ عقود نتيجة التكدس في مخيمات النزوح وغيرها من الظروف غير الطبيعية.

وبحسب بيانات مجموعة الصحة التي أوردها «أوتشا»، فإن الأمراض السارية شكلت ما مجموعه أكثر من 18 في المائة من مجمل الاستشارات الطبية التي تلقتها مرافق صحية في الأشهر القليلة الماضية، حيث مثلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة 52 في المائة من الحالات المرضية الواجب الإبلاغ عنها، تلتها الالتهابات الجلدية بنسبة 28 في المائة، ثم الإسهال المائي الحاد بنسبة 20 في المائة. وسجل مؤخراً حالة جديدة من الشلل الرخو الحاد، ليرتفع العدد التراكمي إلى 22 حالة منذ بداية عام 2026.

تستخدم نساء فلسطينيات نازحات طريقاً جافاً لنقل المياه إلى خيمتهن بعد هطول أمطار غزيرة شمال دير البلح في وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وقبل ذلك بأيام، وثقت «أوتشا» 45190 حالة قوباء بين 2 أغسطس (آب) و12 سبتمبر (أيلول) الماضي، وهي عدوى جلدية بكتيرية شديدة العدوى تصيب الأطفال بصورة خاصة، وشكلت 2.5 في المائة من مجموع الاستشارات خلال تلك الفترة.

وترتبط هذه الحالات أيضاً بظروف المياه والصرف الصحي في القطاع، ففي أغسطس، جمعت الجهات الصحية 938 عينة مياه في أنحاء القطاع، وأظهرت النتائج أن أكثر من 73 في المائة منها لم تستوفِ مستويات الكلور المتبقي التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، بينما أظهرت 18 في المائة منها تلوثاً ميكروبياً.

وفي هذا السياق، قالت بلدية غزة إن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في غزة كانت خارج الخدمة، بينما كان 70 في المائة من محطات الضخ متوقفاً، مع تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يومياً، محذرة من أن هذا الوضع، مع اقتراب موسم الأمطار، يرفع مخاطر التلوث وانتشار الأمراض، خصوصاً في مناطق النزوح.

الأمن الغذائي

وتشير بيانات الأمن الغذائي إلى أن أكثر من 1.2 مليون نسمة في قطاع غزة كانوا يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي، حيث بلغ عدد الأسر المسجلة على المنظومة الوطنية للإغاثة 530 ألف أسرة بحاجة إلى مساعدات. كما تظهر بيانات وزارة التنمية الاجتماعية.

وتمثل نسبة 1.2 مليون نسمة، نحو 59 في المائة من السكان بقطاع غزة، مستويات أزمة أو أسوأ بين أبريل (نيسان)، ويونيو (حزيران) 2026، مع توقع ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون، أي 67 في المائة حتى نهاية العام الجاري. وقالت الوزارة، إن هذه الأرقام تعكس أن الفقر في غزة لم يعد مجرد انخفاض في الدخل، بل أصبح مرتبطاً بالغذاء والمأوى والصحة والتعليم والحماية والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

نازحون فلسطينيون يحملون أواني معدنية لتلقي وجبات من مطبخ خيري شمال مدينة غزة يوم الأربعاء (إ.ب.أ)

وبعد إعلان وقف الحرب الهش، سمحت إسرائيل بدخول 72826 شاحنة فقط، من أصل 210600 شاحنة إنسانية وإغاثية ومواد لإعادة الإعمار كان يفترض دخولها وفقاً للاتفاق، بنسبة التزام تقل عن 35 في المائة، بحسب المكتب الإعلامي الحكومي.

انهيار اقتصادي

وطالت الحرب، الاقتصاد بشكل مركز كما الخدمات المدنية وغيرها، ودمرت وتضررت أكثر من 92 في المائة من المنشآت الاقتصادية.

وتظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد»، أنه قبل الحرب، كانت التجارة تمثل نحو 56 في المائة من المنشآت الاقتصادية، ويعمل فيها نحو 45.5 في المائة من العاملين، مع بطالة بلغت 45 في المائة في الربع الثالث من 2023، بينما تجاوز الفقر 63 في المائة.

فلسطينيون يتسوقون وسط الدمار الناجم عن الحرب في خان يونس بجنوب قطاع غزة فبراير الماضي (د.ب.أ)

وبعد 3 سنوات، من هذا التدمير الكبير، انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 83 في المائة خلال 2024، بينما تراجع نصيب الفرد من الناتج إلى 212 دولاراً في 2025، فيما انتقلت البطالة من 45 في المائة قبل الحرب إلى قرابة 80 في المائة في 2026.

وفي القطاعات الإنتاجية انخفض الإنتاج الزراعي والصناعي بنحو 94 في المائة لكل منهما بينما تراجع نشاط الإنشاءات 99 في المائة مقارنة بـ2022. وفي سبتمبر 2026، كانت الأسعار أعلى بنحو 207 في المائة من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، بينما انخفض إجمالي الاستهلاك في غزة 81 في المائة خلال 2025 مقارنة بـ2023.


تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من الأفراد، بينما اضطرت السلطات إلى إعلان حظر التجول في عدد من القرى.

وقالت مصادر أمنية في محافظة كركوك (شمال بغداد) إن الفوج الثاني التابع للواء 61 في هيئة «الحشد الشعبي» تعرض في وقت متأخر يوم الثلاثاء لهجوم مسلح في قرية البرغلية - الدانديش التابعة لقضاء الحويجة، جنوب غربي المحافظة.

وأضافت المصادر أن «قناصاً استهدف كاميرا حرارية مثبتة في موقع عسكري، ما أدى إلى إخراجها من الخدمة»، مشيرة إلى أن «القوات الأمنية شرعت بعمليات تمشيط وملاحقة في محيط القرية والمناطق القريبة منها، بحثاً عن منفذي الهجوم».

وجاء الهجوم بعد يوم واحد من مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين إثر تعرض اللواء التاسع للشرطة الاتحادية، لهجوم في القرية ذاتها.

وقال مصدر أمني إن الهجوم أسفر أيضاً عن تدمير عدد من الكاميرات الحرارية الموجودة في الموقع.

ونعت قيادة قوات الشرطة الاتحادية أحد منتسبيها الذي قضى خلال تصديه للهجوم. وقالت، في بيان، إن المفوض بكر ماجد محمد قضى أثناء تصديه لمجموعة من عناصر «داعش»، حاولت مهاجمة نقطة حراسته في البرغلية، شمال ناحية الرياض بالحويجة، ضمن قاطع الفوج الثالث، اللواء التاسع، الفرقة الثالثة في الشرطة الاتحادية.

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

حظر تجول

وعلى إثر هذه التطورات، قررت الشرطة الاتحادية فرض حظر تجول في قضاء الحويجة وقراها بمحافظة كركوك، من الساعة 6 مساءً حتى الساعة 6 صباحاً.

وشملت الإجراءات منع التجول منعاً باتاً خلال أوقات الحظر، والتشديد على أصحاب الدراجات النارية والسيارات، إلى جانب التشديد على دراجات الشحن وعدم السماح بمرورها أثناء فترة الحظر إلا للحالات الضرورية وبموافقة رسمية.

ودعت القيادة الجميع إلى الالتزام بالتعليمات والتعاون مع القوات الأمنية حفاظاً على أمن وسلامة المنطقة، محذرة من أن مَن يخالف التوجيهات يعرض نفسه للمساءلة القانونية.

وقالت المصادر الأمنية إن الأمن شدد الإجراءات في المزارع والقرى القريبة من نقاط انتشار قوات الشرطة الاتحادية، إلى جانب تنظيم حركة المزارعين الذين تقع أراضيهم بالقرب من نقاط انتشار الشرطة الاتحادية، لدواعٍ أمنية.

من جانبه، أكد رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس محافظة كركوك أحمد رمزي كوبرلو، الأربعاء، أن «الاعتداء الذي استهدف الشرطة الاتحادية في الحويجة، يؤكد استمرار خطر الخلايا النائمة»، داعياً إلى تكثيف الجهد الاستخباري والعمليات الأمنية لمنع تكرار هذه الهجمات.

ونقلت وكالة «شفق نيوز» عن كوبرلو أن «من الضروري عدم منح هذه الخلايا أي فرصة لإعادة تنظيم صفوفها أو استغلال بعض المناطق النائية لتنفيذ هجمات تستهدف القوات الأمنية والمدنيين»، مشيراً إلى أهمية استمرار التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية وتبادل المعلومات بشأن تحركات العناصر المطلوبة والمشبوهة.

ويوم الاثنين الماضي، أعلن ​تنظيم «داعش» مسؤوليته عن هجوم تسبب ‌في ​مقتل شرطي ⁠عراقي ​وإصابة آخرين ⁠جنوب غربي مدينة كركوك. وكان ذلك أول هجوم ⁠للتنظيم على قوات الأمن العراقية منذ أن أتمت ‌القوات الأميركية انسحابها من العراق ⁠في 30 ⁠سبتمبر (أيلول)، منهية بذلك مهمتها العسكرية في العراق.

وفي يوم الانسحاب، دعا رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي إلى ضرورة اليقظة والجاهزية الدائمة، ورفع مستوى التنسيق والتعاون بين القوات والأجهزة الأمنية كافة، وتحديث خططها وإجراءاتها وقواعد البيانات والاعتماد على الوسائل التكنولوجية الحديثة لحفظ الأمن والاستقرار في عموم مناطق البلاد.

أحد أفراد الأمن العراقي خلال دورية حراسة في أحد شوارع العاصمة بغداد (أ.ف.ب)

ما حجم التهديد الراهن؟

رغم الهجمات، استبعد خبراء قدرة «داعش» على مسك الأرض. وقال الخبير الأمني سرمد البياتي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «التنظيم أو ما تبقى منه يمكن أن يشكل خطراً على القطعات العسكرية في بعض المناطق نظراً لما يملكه من أسلحة وأحزمة ناسفة»، لكنه «لم يعد يشكل خطراً على مجمل الأمن القومي».

وبشأن الهجمات الأخيرة في بلدة الحويجة، قال البياتي إنها «تبقى في نطاق هجمات خلايا نائمة بقدرات محدودة»، لكنه رجح أن يتم «استثمارها سياسياً في السجال الدائر حول الانسحاب الأميركي وملف نزع سلاح الفصائل».

أما الخبير الأمني مخلد حازم فرأى أن تنظيم «داعش» لم يعد يشكل تهديداً واسعاً ينذر بتكرار سيناريو عام 2014، لكنه يتفق أيضاً مع أن قدرة مسلحيه في الوقت الراهن تقتصر على تحريك مفارز في مناطق متفرقة، مشيراً إلى أن الأمن العراقي يعمل على تقييدها ومحاصرتها من خلال عمليات استباقية.

وقال حازم، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «قيام التنظيم بشن هجمات متزامنة مع الانسحاب الأميركي ليس إلا محاولة لإثبات الوجود».

وأضاف الخبير الأمني أن «داعش» لم يعد قادراً على التحرك في مراكز المدن لتنفيذ عمليات، حتى لو كانت له حواضن فيها»، داعياً إلى «التعامل مع ما يجري بحذر خشية أن تكون هناك محاولات لتحرك مجاميع أوسع».

لكن أستاذ العلوم السياسية عباس عبود أكد أن «القدرات الاستخبارية التي بات الأمن العراقي يتمتع بها تختلف عما كانت عليه في السنوات السابقة، ما يحد من احتمالات تصاعد أو توسع نشاط التنظيم»، مستدركاً بالقول إن «الخطر قد لا يأتي من (داعش) فقط، بل أيضاً من مجاميع إرهابية تستعين بها أطراف لتحقيق أهداف معينة».


لبنان بين صدمات الخارج وأزمات الداخل: الغلاء يرهق المواطنين

مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)
مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)
TT

لبنان بين صدمات الخارج وأزمات الداخل: الغلاء يرهق المواطنين

مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)
مواطنون يتسوقون في أحد المتاجر الكبرى في بيروت (الشرق الأوسط)

يكشف المشهد في أحد أكبر المتاجر في منطقة جل الديب الواقعة شرق بيروت، عن جانب من الواقع المعيشي الصعب الذي يرزح تحته اللبنانيون. فالمتجر الذي لطالما كان يعجّ بالمتسوّقين، ولا سيما مع بداية كل شهر، بدا شبه خالٍ إلا من عدد محدود من الزبائن، فيما غابت الحركة عن المطاعم داخله والتي كانت قد تحوّلت سريعاً في الأشهر القليلة الماضية، إلى وجهة يقصدها زوار من مختلف المناطق اللبنانية.

المشهد ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس، إلى حد كبير، تبدّل سلوك المستهلك اللبناني تحت وطأة الغلاء. فمع تحليق أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية، بات الدخل المحدود عاجزاً عن تغطية حتى الحاجات الأساسية للعائلات، فيما تتحول النفقات غير الضرورية، إلى بنود قابلة للحذف من ميزانية الأسرة.

وبين رفوف ممتلئة بالسلع وعربات تسوّق أقل امتلاءً، يتكشف حجم الأزمة اللبنانية الراهنة.

ففي بلد يستورد الجزء الأكبر من حاجاته، ويعاني عجزاً تجارياً كبيراً وكلفة إنتاج مرتفعة، لا تحتاج الصدمات الخارجية إلى وقت طويل كي تصل إلى جيب المواطن. لكن المشكلة، وفق اقتصاديين، أن كل أزمة جديدة تكشف عن هشاشة اقتصادية لم تُعالج في أساسها، فيما تستمر المعالجات الرسمية في الدوران حول إجراءات ظرفية من دون خطة اقتصادية متكاملة تعيد بناء القدرة الإنتاجية للبلد.

مواطنون لبنانيون خلال مظاهرة في بيروت عام 2021 احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية (رويترز - أرشيفية)

وبين تداعيات أزمة مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط عالمياً، وأزمة المصافي الروسية، تتجدد الأسئلة حول قدرة الاقتصاد اللبناني على تحمّل صدمات إضافية، وحول ما إذا كانت الإجراءات الحكومية قادرة فعلاً على منع اتساع الفجوة بين كلفة المعيشة ودخل اللبنانيين.

ركود يقارب 10 في المائة

ووصف وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط مؤخراً، المرحلة التي تمر بها البلاد بـ«الصعبة»، منبهاً إلى أنه «إذا استمر الوضع على حاله فسنكون أمام ركود اقتصادي قد يُقارب نسبة 10 في المائة بما يفوق التوقعات السابقة التي ناهزت الـ7 في المائة».

ويفند وزير الاقتصاد السابق رائد خوري أسباب الأزمة الراهنة، قائلاً: «إن تداعيات أزمة هرمز كبيرة على لبنان وعلى الاقتصاد العالمي، لكنها ليست العامل الوحيد وراء ارتفاع الأسعار؛ إذ إن أزمة المصافي الروسية تشكل عاملاً إضافياً ومباشراً، خصوصاً أن أوكرانيا استهدفت نحو 50 في المائة من المصافي الروسية التي يعتمد عليها جزء كبير من الأسواق العالمية، ولا سيما دول الشرق الأوسط».

ويشير خوري في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعاً على السوق اللبنانية، فيما لا تنخفض أسعار السلع الاستهلاكية بالسرعة نفسها عندما تتراجع أسعار النفط عالمياً، ما يتيح للشركات المستوردة والتجار، تحقيق أرباح إضافية».

لكن المشكلة الأساسية، بحسب خوري، «تتجاوز أزمة النفط، وتتمثل في العجز المزمن في الميزان التجاري: لبنان يصدّر بنحو ملياري دولار، مقابل واردات تقارب 17 ملياراً، فيما تراجعت مصادر تمويل هذا العجز، ولا سيما تحويلات اللبنانيين من دول الخليج»، لافتاً إلى أن «كلفة الإنتاج في لبنان مرتفعة، في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء وعدم كفاءة بعض الخدمات، ومنها الإنترنت، ما جعل لبنان من بين البلدان الأعلى كلفة، مع ارتفاعات في الأسعار خلال عام واحد تراوحت بين 15 و20 في المائة».

ويعتبر خوري أن «المطلوب خطط تأسيسية تعالج بنية الاقتصاد، مع التركيز على القطاعات المنتجة»، مشدداً على أن «ربط كل المشكلات بالحرب لا يعفي الدولة من مسؤولية المعالجة».

منظر عام لشارع المصارف في وسط بيروت (أرشيفية - رويترز)

أما استقرار سعر صرف الليرة، فيرده خوري إلى «انخفاض حجم الكتلة النقدية بالليرة وتراجع تداولها، ما يحدّ حالياً من الضغوط على سعر الصرف، لكنه لا يشكل حلاً للمشكلات الاقتصادية الأساسية».

لا احتياطات استراتيجية

أما الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، فيعتبر أن «أزمة مضيق هرمز تنعكس على لبنان بصورة غير مباشرة؛ إذ إن لبنان يعتمد في استيراد النفط بشكل أساسي على مصافي التكرير في أوروبا وشرق المتوسط، وليس مباشرة على هرمز، لكن أي اضطراب في المضيق يرفع أسعار النفط عالمياً، وينعكس سريعاً على أسعار البنزين وكلفة تشغيل مولدات المازوت، في ظل محدودية إنتاج كهرباء الدولة وغياب الدعم عن المحروقات. كما ترتفع كلفة الشحن والتأمين البحري، ما يزيد الضغط على الأسعار».

ويشير عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «لبنان ليس الأكثر تأثراً في المنطقة من حيث مصادر استيراد النفط، لكنه يفتقر إلى احتياطات استراتيجية للمحروقات، ما يحدّ من قدرته على امتصاص أي صدمة خارجية». أما التضخم، بحسب عجاقة، فيتراوح سنوياً بين 15 و17 في المائة، فيما ارتفعت خلال العام الماضي أسعار المواد الغذائية بنحو 19 إلى 20 في المائة، والنقل بنحو 24 في المائة، وكلفة الكهرباء والمولدات بنحو 20 في المائة.

ويوضح عجاقة أن «لبنان أصبح من الدول الأعلى كلفة في المنطقة بالدولار، في حين تبقى القوة الشرائية للمواطن أدنى بكثير من دول الخليج، ما يجعل الفجوة بين الأسعار والدخل أكثر حدة».

«مصرف لبنان المركزي» (المصرف)

سعر الصرف مهدد؟

وعلى صعيد الإجراءات الحكومية، يرى عجاقة أن «أثرها لا يزال محدوداً في معالجة التضخم الهيكلي، فيما تلعب تحويلات المغتربين، التي تتراوح بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، دوراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي» محذراً من أن «إلغاء الضرائب على المحروقات بالتزامن مع زيادة الإنفاق العام قد يضغط على المالية العامة، ويزيد الحاجة إلى التمويل النقدي، بما قد يرفع الطلب على الدولار ويهدد استقرار سعر الصرف».