هل يستطيع إيمانويل ماكرون إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

باريس تريد أن «تضفي الطابع الأوروبي» على ترسانتها النووية

ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
TT

هل يستطيع إيمانويل ماكرون إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)
ماكرون خلال إلقاء خطابه بجامعة السوربون التاريخية حيث دعا لبناء دفاع أوروبي قوي في 25 أبريل (إ.ب.أ)

في الوقت الذي تصارع فيه أوكرانيا ميدانياً للتغلب على تميز روسيا في القوة العسكرية والمواد، ربما تتاح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرصة إنهاء حرب دمرت الجمهورية السوفياتية السابقة، وجلبها إلى مائدة الاتحاد الأوروبي، وأيضاً المساهمة في تحويل القارة إلى «أوروبا القوية» التي يتصورها. ويروج كثير من قادة أوروبا، مثل الرئيس الفرنسي، لفكرة تحقيق استقلالية استراتيجية تمكن الاتحاد الأوروبي من تأمين مصالحه وأمنه بشكل أكثر فاعلية.

القادة الأوروبيون في صورة جماعية قبل بدء قمتهم الاستثنائية ببروكسل مساء الأربعاء (رويترز)

وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، والنزاعات المسلحة المستمرة، صارت قضية الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية مسألة ملحة، في ضوء الحرب الأوكرانية الدائرة التي أثبتت ضرورة تعزيز القدرات الدفاعية لأوروبا بشكل مستقل عن الحلفاء التقليديين.

ويقول الباحث أندرو داي في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» إن الرئيس الفرنسي يقدم رؤيته لـ«أوروبا تستحق الاحترام وتضمن أمنها الخاص»، ويؤكد أن أوكرانيا جزء من هذه «العائلة الأوروبية»، و«ستنضم حتماً إلى الاتحاد عندما يحين الوقت لذلك»، وهذه الأهداف - «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي وأوكرانيا الأوروبية، قد تكون متصلة أكثر مما يدرك ماكرون حتى الآن.

شارك ماكرون في فعاليات الاحتفال بالذكرى الـ75 للدستور الألماني في برلين (أ.ف.ب)

ويؤكد مقال نشرته مؤخراً مجلة «فورين أفيرز» أن المفاوضين الروس اتفقوا خلال المفاوضات الفاشلة في وقت مبكر من الحرب، على أنه يمكن لأوكرانيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بوصفها جزءاً من اتفاق سلام.

ويرى الباحث داي أن نيل عضوية الاتحاد الأوروبي من شأنه أن يحقق هدف أوكرانيا القديم المتمثل في التحول إلى أوروبا الحرة والمزدهرة. كما يمكن أن يمنح كييف الضمانات الأمنية التي تريدها بشكل مفهوم حال هجوم موسكو عليها مرة أخرى في المستقبل.

إن سياسة الأمن المشترك التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، وهي أقل شهرة من سياسة الدفاع الذاتي الجماعي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تُلزم الدول الأعضاء بمساعدة أي دولة عضو في مواجهة أي «عدوان مسلح على أراضيها».

ولقد سمح الاتحاد الأوروبي تاريخياً للأعضاء المحايدين وغير المنحازين بالانسحاب من الأمن المشترك. وفي حين تفضل موسكو أن تصبح أوكرانيا دولة عازلة محايدة، فإن تسوية ما بعد الحرب ستكون أكثر استقراراً إذا قللت أوروبا من شعور كييف بالضعف. وإضافة إلى ذلك، سيستفيد الاتحاد الأوروبي من الجيش الأوكراني ذي الخبرة القتالية. وبطبيعة الحال، تفضل كييف الحصول على ضمانات أمنية من أميركا، القوة العسكرية العظمى. ومع ذلك، وفقاً لمقال «فورين أفيرز»، فإن هذا «غير مقبول بالنسبة لواشنطن».

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ وبجانبهما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبيل محادثاتهم في قصر الإليزيه الاثنين (د.ب.أ)

ولحسن حظ أوكرانيا، تتطلع أوروبا إلى تعزيز قدراتها العسكرية في عصر يتسم بتعدد الأقطاب والغموض.

ويقول داي كما جاء في تقرير «الوكالة الألمانية» من واشنطن، إنه في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لعودة ترمب للبيت الأبيض، وشعار «أميركا أولاً»، وتترنح من الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الثالث، فإن ماكرون ليس زعيم الاتحاد الأوروبي الوحيد الذي يروج للاكتفاء الذاتي العسكري.

المستشار الألماني أولاف شولتس اعتذر عن المشاركة في محادثات الإليزيه بين ماكرون وجينبينغ (إ.ب.أ)

انتقد الرئيس السابق لحكومة ولاية شمال الراين - ويستفاليا الألمانية، أرمين لاشيت، علاقة المستشار أولاف شولتس بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ووصفها بأنها باردة للغاية.

وقال مرشح التحالف المسيحي لمنصب المستشار في الانتخابات العامة عام 2021، الثلاثاء، في تصريحات لمحطة «دبليو دي آر 5» الألمانية: «يشعر الجميع بأن هذه ليست الصداقة العميقة والحماس اللذين تحتاجهما بالفعل هذه العلاقة». وقال لاشيت: «أريد أن أقول ذلك بحذر: نحن بحاجة إلى مزيد من الإدراك والحماس من المستشار في هذه العلاقات».

وذكر لاشيت أنه لم يكن من الجيد أيضاً أن يسافر شولتس وماكرون بشكل فردي لمقابلة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو قبل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، وقال: «كل منهما أجرى محادثات فردية، وهذا لا يعزز التماسك الأوروبي».

رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك ومستشار ألمانيا أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 15 مارس 2024 (أ.ف.ب)

وقال منسق السياسة الخارجية والأمنية المشتركة في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في مارس (آذار) الماضي: «لقد جلبت الحرب العدوانية الروسية إحساساً كبيراً بضرورة تعزيز قدراتنا الدفاعية الصناعية». وقبل شهر، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أوروبا إلى «تحمُّل مسؤولية أمنها»، مشيرة إلى أنه «ليست لدينا سيطرة على الانتخابات أو القرارات في أجزاء أخرى من العالم».

وجاء في تقرير لصحيفة «بوليتيكو» أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي يتصارعان، في الوقت الذي يصبح فيه الأخير أكثر حزماً في مجال الدفاع. ويدعو البعض إلى تعيين أول مفوض دفاع - ضمن المفوضية الأوروبية الجديدة عقب انتخابات البرلمان الأوروبي الشهر المقبل - من أجل تمويل صناعة الأسلحة الأوروبية بشكل كافٍ.

ويتساءل داي: «هل يكون التزام الاتحاد الأوروبي بالدفاع عن أوكرانيا ذا مصداقية؟»، ويجيب: «نعم»، على نحو كبير، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير للرئيس الفرنسي، الذي أثار في مناسبات عدة إمكانية إرسال قوات غربية لأوكرانيا، وهو اقتراح وجده قادة المعارضة صادقاً على نحو مؤلم، ويبدو أن موسكو تأخذه على محمل الجد. وأشار ماكرون مؤخراً إلى أن باريس يمكن أن «تضفي الطابع الأوروبي» على ترسانتها النووية؛ ما يجعل أوروبا كلها تحت مظلة فرنسا النووية. وبهذه الخطوات، يحاول قصر الإليزيه إحداث «غموض استراتيجي»، بحيث يعتقد بوتين أن الغرب قد يتدخل حال صعد عدوانه على أوكرانيا.

ونظراً لموقف روسيا التفاوضي المواتي بشكل متنامٍ، ربما تكون موسكو أقل استعداداً مما كانت عليه قبل عامين لإعطاء الضوء الأخضر لأوكرانيا كي تنضم للاتحاد الأوروبي. ولكي تصبح مشاركة أوكرانيا في الإطار الأمني المشترك للاتحاد الأوروبي أكثر قبولاً لبوتين، على ماكرون حشد القادة الأوروبيين للتعهد بأنهم، في المقابل، سيمنعون انضمام أوكرانيا إلى حلف

شمال الأطلسي، وهو أمر بدأت واشنطن الدفع باتجاه تحقيقه خلال قمة بوخارست في عام 2008، رغم المعارضة الروسية الصاخبة.

وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الرئيسين الفرنسي والأوكراني التعهد بأن الدول الأوروبية فقط، وليس الولايات المتحدة، ستتعاون عسكرياً مع أوكرانيا بعد الحرب. وكانت جهود أميركا أن تصبح أوكرانيا جزءاً من «الناتو» - سواء بشكل فعلي أو قانوني - جعلت غزو بوتين للبلاد أكثر احتمالاً على نحو واضح. والآن، ولحل النزاع، يجب التراجع عن ذلك الخطأ الاستراتيجي المصيري.

ويرى داي أن الالتزام بالدفاع عن أوكرانيا دون دعم أميركي سيدفع دول الاتحاد الأوروبي إلى مواصلة تحمل عبء الدفاع بشكل أكبر، واستمرار تعزيز التعاون العسكري، كما سيمكِّن الولايات المتحدة من تخفيف بعض التزاماتها الدفاعية وهي تحوِّل تركيزها إلى الصين. وبما أن أوكرانيا تمثل مصلحة أمنية هامشية لأميركا، فإنه يجب على واشنطن أن توضح بشكل قاطع أنها لن تنجر إلى حرب مع موسكو إذا تعرضت دول «الناتو» الأوروبية، لهجوم من روسيا حال أقدمت على الدفاع عن أوكرانيا مستقبلاً، رداً على ذلك. يجب على العواصم الأوروبية أن توضح لموسكو وواشنطن وكييف أن التزامات «الناتو الأميركية» لن تشمل مثل هذا السيناريو.

وبطبيعة الحال، لن ترحب الولايات المتحدة بسهولة بأن تتولى الدول الأوروبية التابعة لها السيطرة على أزمة أوكرانيا، لكن كسر التبعية سيكون بالضبط الهدف الأساسي لماكرون. وإذا اتفقت أوروبا وأوكرانيا وروسيا على إنهاء القتال واتباع التسوية المؤقتة الموصوفة أعلاه، فمن شأن ذلك أن يضع واشنطن تحت ضغوط هائلة للتنحي جانباً، وإعطاء فرصة للسلام.

وستنتهي الحرب الوحشية المدمرة أخيراً، وستكون أوروبا ذات السيادة التي يحلم بها ماكرون أقرب إلى الواقع بخطوات قليلة.


مقالات ذات صلة

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

أوروبا جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لتزويد أوكرانيا بأسلحة أميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز) p-circle

بالمال و«تلغرام»... روسيا جندت آلاف الجواسيس الأوكرانيين

جنّد جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وأجهزة استخبارات روسية أخرى آلاف الأوكرانيين للتجسس على بلادهم... 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب) p-circle

لافروف: مستعدون لتنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا

موسكو مستعدة لتقديم تنازلات لدفع التسوية من دون المساس بمصالح روسيا... والبرلمان الأوروبي يوافق على قرض بقيمة 90 مليار يورو لمساعدة أوكرانيا

رائد جبر (موسكو) «الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا صورة جوية لناقلة نفط تنتمي لأسطول الظل الروسي قبالة سواحل ميناء سان نازير غرب فرنسا 2 أكتوبر 2025 (رويترز)

الدنمارك تعلن عن عبور يومي ﻟ«أسطول الظل الروسي» في مياهها الإقليمية

قالت الدنمارك إن ناقلات تابعة لـ«أسطول الظل الروسي»، الذي يتحايل على العقوبات الأوروبية، عبرت المياه الدنماركية بمعدل ناقلة واحدة تقريباً يومياً خلال عام 2025.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا صورة ملتقطة في 5 فبراير 2026 في العاصمة الأوكرانية كييف تظهر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث خلال مؤتمر صحافي (د.ب.أ)

زيلينسكي: لا انتخابات قبل الضمانات الأمنية ووقف النار

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأربعاء، أن أوكرانيا لن تجري انتخابات إلا بعد ضمانات أمنية ووقف إطلاق نار مع روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف)

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

بريطانيا تتعهد ﺑ205 ملايين دولار لشراء أسلحة أميركية لأوكرانيا

جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)
جنود أوكرانيون يشاركون في تدريبات للدفاع الجوي وسط الهجوم الروسي على بلادهم في منطقة تشيرنيهيف بأوكرانيا 11 نوفمبر 2023 (رويترز)

قال وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الأربعاء، إن بريطانيا خصصت 150 مليون جنيه إسترليني (205 ملايين دولار) لمبادرة «قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية» لتزويد كييف بأسلحة أميركية.

وتأسست المبادرة في الصيف الماضي لضمان تدفق الأسلحة الأميركية إلى أوكرانيا في وقت توقفت فيه المساعدات العسكرية الأميركية الجديدة.

وقال هيلي، في بيان أرسله عبر البريد الإلكتروني: «يسعدني أن أؤكد أن المملكة المتحدة تلتزم بتقديم 150 مليون جنيه إسترليني لمبادرة قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية».

وأضاف: «يجب أن نوفر معاً لأوكرانيا الدفاع الجوي الضروري الذي تحتاجه رداً على هجوم بوتين الوحشي»، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتسمح المبادرة للحلفاء بتمويل شراء أنظمة الدفاع الجوي الأميركية وغيرها من المعدات الحيوية لكييف.

وقال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو) ماثيو ويتاكر، الثلاثاء، إن الحلفاء قدّموا بالفعل أكثر من 4.5 مليار دولار من خلال البرنامج.


لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
TT

لماذا يزداد عدد الأوكرانيين الذين يتجسسون لصالح روسيا؟

جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)
جنود يحملون العلم الروسي في مدينة بوكروفسك الأوكرانية (رويترز)

بعد ظهر يوم 19 يوليو (تموز) 2024 بقليل، وصلت هريستينا غاركافينكو، وهي ابنة قس تبلغ من العمر 19 عاماً، إلى كنيسة في مدينة بوكروفسك بشرق أوكرانيا. ورغم تدينها، فإنها لم تكن هناك من أجل الصلاة.

وبحكم معرفتها بالمبنى بحكم عمل والدها فيه، صعدت الشابة إلى الطابق الثاني ودخلت إحدى الغرف. هناك، وفي نافذة محجوبة بستائر، وضعت هاتفها المحمول ككاميرا للبث المباشر، موجهة إياه نحو طريق تستخدمه القوات والمركبات الأوكرانية المتجهة من وإلى خطوط المواجهة في الشرق. وأُرسل البث مباشرة إلى المخابرات الروسية، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

ولم تكن هذه هي المهمة الوحيدة التي نفذتها غاركافينكو لصالح الاستخبارات الروسية، وفقاً لما ذكره المدعون الأوكرانيون. فقد تواصلت طوال ذلك العام مع أحد العملاء الروس، ناقلة له معلومات حول مواقع الأفراد والمعدات العسكرية الأوكرانية في بوكروفسك، وهي مدينة استراتيجية مهمة.

واحدة من آلاف

وتُعدّ غاركافينكو، التي تقضي عقوبة بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة الخيانة، واحدة من آلاف الأوكرانيين الذين يُعتقد أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) وأجهزة استخبارات روسية أخرى قد جندتهم للتجسس على بلادهم.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني (SBU)، فقد فتح المحققون أكثر من 3800 تحقيق بتهمة الخيانة منذ أن شنّت روسيا غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022، وأُدين أكثر من 1200 شخص بالخيانة وصدرت بحقهم أحكام.

وفي المتوسط، يواجه المدانون عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 12 و13 عاماً، بينما يُحكم على بعضهم بالسجن المؤبد.

وقد تواصلت شبكة «سي إن إن» مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي الذي رفض التعليق.

وصرّح أندري ياكوفليف، المحامي الأوكراني والخبير في القانون الدولي الإنساني، لشبكة «سي إن إن» بأن كييف «تضمن تهيئة الظروف اللازمة لمحاكمة عادلة»، وأن محاكم البلاد، بشكل عام، تحترم الإجراءات القانونية الواجبة. وأضاف أن النيابة العامة لا تلجأ إلى المحكمة إلا إذا توفرت لديها أدلة كافية، ولا تلجأ إلى أي ذريعة للحصول على إدانة.

أكثر أنواع الخيانة شيوعاً

ووفق جهاز الأمن الأوكراني، يعد تسريب المعلومات إلى المخابرات الروسية هو «أكثر أنواع الخيانة شيوعاً في زمن الحرب».

وجاء في بيان لجهاز الأمن الأوكراني أنه «في مناطق خطوط القتال الأمامية، نعتقل في أغلب الأحيان عملاء يجمعون معلومات حول تحركات الجيش الأوكراني ومواقعه ويُسربونها. أما في غرب ووسط أوكرانيا، فيجمع العملاء معلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية، ويُسربونها، كما يُحاولون القيام بأعمال تخريبية بالقرب من محطات توليد الطاقة ومباني الشرطة وخطوط السكك الحديدية».

لماذا يوافق الأوكرانيون على التجسس؟

وفق «سي إن إن»، تتنوع فئات الأوكرانيين الذين تجندهم روسيا. وبينما ينطلق بعضهم من دوافع آيديولوجية، فإن هذه الفئة آخذة في التضاؤل، وفقاً لمسؤولي الاستخبارات الأوكرانية. أما بالنسبة للأغلبية، فالمال هو الدافع الرئيسي.

ووفقاً لجهاز الأمن الأوكراني، فإن عملاء الاستخبارات الروسية يجندون في المقام الأول الأشخاص الذين هم في أمس الحاجة إلى المال، مثل العاطلين عن العمل، أو الأفراد الذين يعانون من إدمانات مختلفة، كالمخدرات أو الكحول أو القمار.

وقال ضابط مكافحة تجسس في جهاز الأمن الأوكراني لشبكة «سي إن إن» إن قنوات منصة «تلغرام» تُعدّ حالياً من أكثر أدوات التجنيد شيوعاً. وأوضح أن الروس «ينشرون إعلاناتٍ تُقدّم ربحاً سريعاً وسهلاً. ثم يُسنِدون المهام تدريجياً. في البداية، تكون هذه المهام بسيطة للغاية، كشراء القهوة، وتصوير إيصال في مقهى.

مقابل ذلك، تُحوّل الأموال إلى بطاقة مصرفية، وتبدأ عملية التجنيد تدريجياً. ولاحقاً، تظهر مهام أكثر حساسية، كتركيب كاميرات على طول خطوط السكك الحديدية، وتصوير المنشآت العسكرية، وما إلى ذلك».

وأشار الضابط الأوكراني إلى أنه إذا رفض الشخص التعاون في مرحلة معينة، يلجأ العملاء الروس إلى الابتزاز، مهددين بتسليم المراسلات السابقة إلى جهاز الأمن الأوكراني. وأكد: «عندها، لا سبيل للتراجع».


نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
TT

نتائج تشريح: مهاجرو قارب غرق قبالة اليونان ماتوا بإصابات في الرأس وليس غرقاً

خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)
خفر السواحل اليوناني ينفّذ عملية بحث وإنقاذ عقب اصطدام قارب مهاجرين بآخر لخفر سواحل قبالة جزيرة خيوس اليونانية في بحر إيجه يوم 4 فبراير 2026 (رويترز)

أظهرت نتائج تشريح اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء أن معظم المهاجرين الأفغان البالغ عددهم 15، الذين لقوا حتفهم قبالة جزيرة خيوس اليونانية الأسبوع الماضي عندما اصطدم قاربهم بسفينة تابعة لخفر السواحل، ماتوا متأثرين بجروح في الرأس، وليس نتيجة الغرق.

وفتح تحقيق جنائي في حادث التصادم الذي وقع في الثالث من فبراير (شباط)، وهو أحد أكثر حوادث المهاجرين دموية في اليونان منذ سنوات، حيث اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل بزورق مطاطي كان يحمل نحو 39 شخصاً، ما تسبب في انقلابه.

وقال خفر السواحل إن زورق المهاجرين كان يسير دون أضواء ملاحة وتجاهل تحذيرات التوقف. وأضاف أن القارب المطاطي غيّر مساره فجأة واصطدم بسفينة الدورية، ما أدى إلى سقوط الركاب في البحر.

لكن شهادات خمسة ناجين، اطلعت عليها «رويترز»، تتعارض مع الرواية الرسمية. وقالوا إن خفر السواحل لم يصدر أي تحذير مسبق، وإن الزورق المطاطي لم يغيّر مساره. وفي وقت لاحق، عثر غواصون على جثث داخل القارب.

ومن المرجح أن تتيح نتائج التشريح نظرة أكثر حدة لدى المحققين فيما يتعلق بقوة الاصطدام وطبيعته.

ونصت إحدى الوثائق القضائية التي اطلعت عليها «رويترز»، الأربعاء، على أن «سبب الوفاة إصابات خطيرة في الجمجمة والدماغ»، بينما أشارت وثائق أخرى إلى إصابات مصاحبة في الصدر.

وقالت وثيقة أخرى: «إصابات في الجمجمة والدماغ ثم الغرق».

وأظهرت صور خفر السواحل التي التقطت بعد الاصطدام خدوشاً طفيفة على سفينتها. وأصيب في الحادث ثلاثة من أفراد طاقم خفر السواحل و24 مهاجراً.