حتى البحر يموت

نص

حتى البحر يموت
TT

حتى البحر يموت

حتى البحر يموت

كافيه «السلسلة» هو المقهى الوحيد الذي يطلّ على شاطئ الإسكندرية ويظهر فيه البحر ممتداً، شاسعاً، لا نهائياً. لكن القرب من البحر في الصباح الأول يصيبنا بنوع من الجنون المحبب، يشبه في بعض وجوهه زيارة المتاحف والمقابر، ويسكننا عندها ذهول يُقارب الانخطاف فنبدو مثل أشخاص مسحورين. أحفظُ هذه الكلمات لأمين معلوف:

«لو ُغلقتْ الأبواب أمامك فأبحر على متن سفينة، لأن هناك مدينة تنتظرك».

عضّني قلبي وأنا أردّد هذا الكلام. هل الإسكندرية هي مكاني المأمول؟ لكني بلغتها بواسطة الطائرة والباص، وما الفرق بين الطرق الثلاثة؛ البرّ والبحر والجوّ؟ المهمّ هو أن تنفذ من بين شقوق الموت الذي سببه العجز والكآبة بأي وسيلة. يفضّل ماركيز السفر بواسطة القطار، لأن الجسد يبلغ المكان المقصود مع الروح، وفي الطائرة تتأخّر الروح عن الجسد يومين أو ثلاثة أيام، أما عن طريق البحر فإن الاثنين يصلان معاً ما إن ترتفع المرساة.

جلستُ نحو ساعة وتناولتُ فطوري، ثم قمتُ أتمشّى على الكورنيش، والسماء أخذت ترشّ ألوانها على الموج وهو يعلو، ويتحدر، ثم يتكسّر، كأنه مرآة عظيمة تتحطم إلى شظايا تذوب مباشرة في الرمل. كم يبدو مسحوراً هذا الكهل الذي يدير ظهره إلى البحر ويغطي عينيه بنظارة سوداء، ويدخّن؟ امرأة تشغل يديها بأعمال الحياكة وتشرب العصير وتأكل الجبس، وتُدير ظهرها إلى البحر هي الأخرى. أما أكثر الذين صادفتهم انخطافاً فهي عجوز ترتدي ثوباً رمادياً غامقاً مع زنّارٍ أزرق، وتسبّح بمسبحة تتدلّى إلى الأرض. كأن هؤلاء الثلاثة نقلوا لي انعكاسات قديمة لأشخاص عاشوا في الماضي، وانقرضوا، وأعادهم البحر إلى الحياة في هذا الزمان. إنهم يديرون وجوههم عن البحر كي لا يبصروا في البعيد صورهم الأولى. إخفاء حقيقي لوميض الشهوة في العينين إلى الماضي، خصوصاً الكهل بنظارتيه المعتمتين. ها هو يأخذ نفساً عميقاً من سيجارته، ويحدّق في خيلاء إلى جدار المبنى المقابل، في الجهة الأخرى من البحر. ربما كانت العجوز ذات الزنّار والمسبحة تعيش قبل آلاف السنين بصورة كاهنة في معبد فرعوني أو هيليني، كلّ شيء جائز في هذه الحياة العجيبة، ولو عدنا إلى مثل هذا اليوم من عام 2024 قبل الميلاد، فمن المحتمل أننا نجد المرأة التي تجلس على المسنّاة وتحوك كنزة لزوجها كانت أميرة هذه البلاد، وتملك مئات العاملين والعاملات العبيد يطرّزون لها بدلة العيد السعيد. إنه افتراض لا غير، والمنطق والعقل السليم لا يحاسبان أحداً أن يذهب بعيداً في خياله، ما زال يسكن خارج أسوار مستشفى المجانين.

عندما غابت الشمس في المساء قلّ وهج البحر، وصار له لون الفولاذ المغسول والمترع بالقوة. كان يعبر السماء في تلك اللحظة سربٌ من طيور مهاجرة يأخذ شكل سهم. من هو الرامي، وما هو الهدف؟ في المدن البحرية تأخذ شوارعها، وحتى البعيدة منها، رائحة البحر التي تجعل سكانها يختلفون في النكهة وفي الطباع عن البقيّة، حتى يمكن القول إنهم كائنات بحرية من كثر ما جاوروا البحر. عندما آويتُ إلى فراشي في التاسعة مساء كنت أفكّر في أمر الرجل ذي النظّارتين السوداوين، وكيف كان يعيش قبل خمسة آلاف عام.

أول مرة رأيت فيها البحر كانت في باكو. ما زلت أذكر كيف أثارت تلك النظرة لدي حاسة الشمّ، وأخذت أشاهد الماضي كله مجتمعاً، لأني كنت أشمّه. جميع الذين عاشوا في السابق، أجيال وأجيال، أسلافي وأجداد غيري من البشر، وجميع المباني التي اندثرت، والحدائق، وكذلك الغيوم التي عبرت سماء تلك القرون القصيّة... كلّ ذلك صار أمامي في لوحة واحدة؛ هي صورة البحر. كيف يمكن مجاورة العين مع الأنف في مقاربة التجربة، فيعمل هذا، وتأخذ البصيرة ناتج العمل؟ لا أستطيع شرح الأمر، لكنه حدث بالفعل، وصار أن ظلّ يتكرّر معي كلما شاهدتُ أمواج البحر التي تموت وتحيا وتموت، كأنها الحياة القديمة تعود إليها الحياة بعد أن ماتت.

الخلود للنوم في وقت مبكّر هو مفتاح السعادة، فهو يضمن لك الاستيقاظ مع الطير الأول، والوقوف على معجزة الخَلق. إن السير على غير هدى لا يقود أبداً إلى نتائج حسنة، ومتى يتعلّم الإنسان أن مبلغ السعادة لا يكمن في الاسترخاء والراحة ولعب البوكر والشرب وممارسة الجنس، كلّ هذا في وقت واحد؟ لا أدري أين قرأت هذا، أم أنه من تأليفي: «علينا أن نكون أطفالاً أبداً، لا صبيانيين». أسندتُ أذني إلى ظلام الوسادة الناعم، وكان وجه العجوز ذات المسبحة يختفي في ظلام الغرفة، ويظهر من نقطة في أفوله، كأن شعاعاً ضئيلاً من شرنقة تحيط بالوجه.

لكني لا أستطيع النوم وأنا أسمع هدير الموج قريباً من غرفتي في الفندق، يهدر ويزبد. «حتى البحر يموت» يقول لوركا، وكان عليه أن يستثني بحر الإسكندريّة. نهضتُ وأغلقتُ النافذة والأباجور كي لا يصلني صخب الشارع والبحر. يمكن للرياح القويّة أن تكون تذكاراً، وكم هو شعور بالراحة ذلك الذي يبعثه تحقيق حنين ما. كانت أمي تطفئ الضوء في غرفة نومي ويحلّ عندها صمت وحيد وعميق، تزيد من حدّته الرياح التي تدفع النوافذ والجدران تريد أن تخرقها دون كلل. ثم ترتفع شيئاً فشيئاً أغنية تتردّد ألحانها مع قمر النخيل الذي يعبر حديقتنا ونافذة غرفتي. إن نبحتِ الكلابُ، فليست علامة على أنك يجب أن تركض ممتطياً فرسك. أين قرأت هذه الجملة؟

لو أني سُئلتُ عمّا تمتاز به مدينتي (العمارة) عن غيرها لأجبت فوراً هي الرياح القويّة في جميع الفصول، تعبرُ البساتين والأنهار من جميع الجهات. تغلق أمي الباب، ويغمرني شعور بأن الريح ابتعدت إكراماً لأمي، وهذه ميزة بيتنا عن بقية بيوت الحيّ، والمدينة، والبلاد. كنت أصغي إلى العالم الذي كان حيّاً في الماضي في إغواء ريح جديدة، وأقلّب عيني في ظلام الغرفة واعتقدتُ أنني نمتُ واعترتني موسيقى القمر، وكانت الموسيقى تنتهي لتضيئني الأحلام. لكني لا أستطيع النوم حتى الآن، الفجر بعيد وأمي بعيدة، وما زلت أسمع صخب الموج العالي من البحر القريب. أنا أنتظر النوم، وكأني أنتظر دون انتظار شيء، ثم بدأت أفكّر بالنوم بجديّة، وعندما مات البحر في لحظة جاءت الغفوة، وكنت أتصل بالعالم المنبثق من الماضي، وكنت أعدو بين الماء والغيمة، بين النوم واليقظة، وكان البحر ناضجاً ويدور من حولي بصخوره وبسحره، خطوته عجلى، وفي يده محارة. أفتح المحارة، ويطلع لي نور، أو هالةٌ، أو نار مقدسةً كأنها تقولبت بين مصراعي صدفة محززة، وكانت ترقص في النار امرأة سوداء الجديلة عسليّة العينين، وقرصان ضخم الجثة مثل عملاق يمدّ لها سيفه، ويصرخ بها:

- قبّليه!

القرصان يزعق، ويرشّ امرأته بالخمرة المرّة، ويصاحبها في الرقص. ثم اتّجه نحو البحر بسيفه وأخذ يغنّي مثل وحش. نمتُ، وكان يهدهدني غناؤه، وملأني، مثلما يفعل الحبّ، بجوهر ثمين.

كلّ شيء في الفندق في الصباح الأول أبيض اللون، الأرض والسقف والجدران والأثاث، والشمس على شاطئ بحر الإسكندريّة هيلينيّة وجديدة في آن الوقت. هنالك خرافة تقول إن السفر يغيّر المسافرين، وهكذا وجدتُ نفسي شخصاً آخر وأنا أتناول الفطور وكان يتكوّن من جبنة وحلاوة، فرشته على الطاولة الفتاة العاملة في المطعم، مجرّد سماع صوتها يجعلك تشكّ أن صاحبته تمشي على فراش من زهور ناعمة. سالتها:

- ما اسمك؟

- مِنّة. أجابت، وكانت تبدو مشرقة أكثر بسترتها البيضاء وبنطالها الأصفر، وقبعة صغيرة حمراء تحبس شعرها كي تجعله ينطلق أكثر، ويتحرّر أكثر. كان وجهُها مصبوغاً بلون الماء وكاحلها مرسوم بالزعفران ووقع أقدامها كالزغب وهي تنتقل بين المطبخ والمطعم.

- هل أنت مسيحية؟

- بل مسلمة.

الضوء الأخضر يتقاطر من شجرة المطّاط الضخمة في نافذة المطعم. قبل أن أستفسر عن معنى الاسم فكّرت أنه «منّة الله». أبواها يملكان كلّ الحقّ في وصف هذه الدرّة، ونظرت في تلك اللحظة إلى البحر الكبير يهدر. من النساء من يمتلكن جمالاً تشعر وأنت تتأمّله بالرّهبة، كأن فيه شيئاً يعطيك قوّة نماء إضافية، تماماً مثل من ينظر إلى الجبل أو البحر أو الأعمال الفنية الجليلة الخالدة. في نشيد الإنشاد نقرأ: «مَن هي المُشرقة مثل الصباح، جميلةٌ كالقمر، طاهرة كالشمس، مرهبةٌ كجيشٍ بألوية». جبن أبيض ذو ثقوب صغيرة يقطر رطوبة تحت ناقوس زجاج، مع حلاوة طحينية في صحن دائري شذري اللون، مع خبز. كانت منّة تقدّم لي كلّ هذه النعمة في الصباح فطوراً سكندريّاً فريداً.



رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.