ماكرون في كاليدونيا الجديدة لاحتواء الوضع المتفجر

باريس تبحث عن حل سياسي ولا تريد تمديد حالة الطوارئ أو استمرار الاحتجاجات

رجل يلوّح بعلم الكاناك (السكان الأصليون) الأحد الماضي (أ.ف.ب)
رجل يلوّح بعلم الكاناك (السكان الأصليون) الأحد الماضي (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في كاليدونيا الجديدة لاحتواء الوضع المتفجر

رجل يلوّح بعلم الكاناك (السكان الأصليون) الأحد الماضي (أ.ف.ب)
رجل يلوّح بعلم الكاناك (السكان الأصليون) الأحد الماضي (أ.ف.ب)

بعد سياسة «اليد الحديدية» التي لجأت إليها الحكومة الفرنسية، منذ الاثنين ما قبل الماضي؛ للرد على أعمال الشغب التي ضربت أرخبيل كاليدونيا الجديدة، يبدو أن زمن الحوار والتهدئة قد حان. والدليل على ذلك قرار الرئيس إيمانويل ماكرون المفاجئ الذهاب شخصياً إلى المستعمرة الفرنسية السابقة. ووفق المعلومات التي أفصحت عنها الناطقة باسم الحكومة بريسكا ثيفينو ومصادر القصر الرئاسي، عقب اجتماع مجلس الوزراء، الثلاثاء، فإنه كان من المقرر أن يغادر الرئيس الفرنسي باريس، مساء الثلاثاء، ليكون في نوميا «عاصمة الإقليم»، صباح الخميس، وسيمضي هناك يوماً واحداً.

ويرافق ماكرون ثلاثة وزراء، هم: وزير الداخلية جيرالد دارمانان، ووزير الدفاع سيباستيان لوكورنو، ووزيرة شؤون إقليم ما وراء البحار ماري غيفينو. وأفادت ثيفينو بأن رئيس الحكومة غابريال أتال سيذهب بدوره إلى كاليدونيا الجديدة، ولكن من دون الإشارة إلى تاريخ محدد.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في زيارة سابقة له للعاصمة نوميا في يوليو الماضي (أ.ف.ب)

لم تعد المياه إلى مجاريها بشكل تام بعد ستة أيام وليال من العنف، شهدت مقتل ستة أشخاص بينهم رجلا أمن وجرح المئات واعتقال 270 رجلاً من الكاناك (سكان الأرخبيل الأصليين) وفرض الإقامة الجبرية، على العديد منهم بموجب حالة الطوارئ التي فرضت لـ12 يوماً، والتي من المرجح جداً تمديد العمل بها. وسارعت الحكومة إلى إرسال ألف رجل أمن إضافي خصوصاً إلى العاصمة، نوميا، حيث أشعلت الحرائق في مئات المنازل والمحال التجارية، وأقيمت مئات الحواجز على الطرق الرئيسية وداخل الأحياء، وأبرزها الطريق الواصلة بين العاصمة والمطار الذي يبعد عنها 50 كيلومتراً وتقطعت شرايين التواصل، وفقدت المواد الغذائية من المخازن والأدوية من الصيدليات، وألمّ الخوف بـ«الأوروبيين» وجلّهم من الفرنسيين.

وخلال الأيام الماضية، التأم، بطلب من ماكرون، مجلس الأمن والدفاع القومي ثلاث مرات لدراسة الوضع وإقرار التدابير الأمنية الضرورية لتطويق حالة العنف والشغب، التي انطلقت بسبب رفض الكاناك تعديل اللائحة الانتخابية لصالح توسيعها وضم المقيمين على أراضي الأرخبيل منذ عشر سنوات. ويرى الكاناك أن أمراً كهذا سيقضي على حلم الاستقلال أو الانفصال عن فرنسا، بحيث يتحولون إلى أقلية ستخسر كل الاستفتاءات التي قد تحصل كما خسروا الاستفتاءات الثلاثة التي أُجريت منذ عام 2018.

طائرة عسكرية تابعة لسلاح الجو الأسترالي تخلي عشرات المواطنين من مطار نوميا الثلاثاء (أ.ف.ب)

ترى مصادر سياسية في باريس أن ماكرون يسعى، من خلال ذهابه إلى نوميا، إلى إخراج الوضع من عنق الزجاجة وفتح باب جديد للحوار الذي ربط السير نحوه بإعادة الأمن والهدوء إلى الأرخبيل، وهي المهمة التي أنيطت بالقوى الأمنية مدعومة بوحدات من الجيش الذي تولى حماية المطار والمرافئ والمراكز الحساسة. واكتفت الناطقة باسم الحكومة بالقول إن ماكرون يقوم بزيارته «بروح من المسؤولية»، ومن أجل «مهمة» محددة لم تكشف عن تفاصيلها. بيد أن «وكالة الصحافة الفرنسية» نقلت عن مصادر من الوفد المرافق للرئيس أن الغرض من زيارته «التعبير عن التضامن مع الكاليدونيين»، وتقديم الشكر لقوات الأمن الداخلي (الشرطة والدرك)، وأيضاً للقوات المسلحة التي «أتاحت العودة إلى النظام المعمول به في إطار الجمهورية».

بيد أن أهم ما نقلته «الوكالة الفرنسية» أن ماكرون ذاهب إلى هناك «لإرساء هيئة في إطار خطة (حل) شاملة». ويعني ذلك عملياً أن الرئيس الفرنسي يريد أن يطلق مجموعة حوارية بين منظمات وأحزاب الكاناك من جهة، ومن يطلق عليهم «الأوروبيون» من جهة أخرى. والفرق بين المجموعتين أن سكان البلاد الأصليين يتوقون إلى الاستقلال، بينما الأوروبيون يتمسكون للبقاء في إطار الجمهورية الفرنسية.

النواب الفرنسيون يقفون دقيقة صمت على أرواح القتلى في اضطرابات كاليدونيا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وكان ممثل الدولة الفرنسية في الأرخبيل قد حذر من اندلاع حرب أهلية بين الطرفين، وأكد أول من أمس أنه «سيتم اللجوء إلى كافة الوسائل من أجل إعادة فرض النظام والقانون»، ما عكس تشدد الدولة في التعامل مع الحركة الاحتجاجية.

ورغم بادرة الانفتاح الرئاسية الدافعة باتجاه استعادة الحوار، فإن ذلك لا يعني التساهل مع العنف أو الشغب، وقد حرصت ثيفينو على التأكيد مجدداً أنه «في مواجهة اندلاع أعمال العنف، فإن الأولوية هي عودة النظام للسماح باستئناف الحوار في كاليدونيا الجديدة». وأضافت: «نحن واضحون: لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به قبل العودة إلى الوضع الطبيعي».

صورة لطريق مغلقة بسبب حواجز من سيارات محترقة لمنع السير في إطار احتجاجات الكاناك سكان البلاد الأصليين (رويترز)

الحكومة معبأة

حتى اليوم، وضعت الدولة الكاناك أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما التزام الهدوء من أجل التسليم بإعادة النظر في الأسباب التي تدفع بعضهم إلى العنف والشغب، وإما قمع الاحتجاجات ودعوة مجلس الشيوخ والنواب إلى اجتماع مشترك قبل نهاية الشهر المقبل للتصويت النهائي على تعديل اللوائح الانتخابية.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أعربت دول الجوار الكاليدوني عن قلقها مما يجري في الأرخبيل، وصعوبة إجلاء رعاياها. كما أنها حثت باريس على العودة إلى الحوار مع الكاناك. وبدأت أستراليا بإجلاء رعاياها وكذلك نيوزيلندا. بيد أن طريق المطار لم تصبح بعد آمنة، وأعلنت السلطات المحلية أنها ستُفتح تماماً يوم السبت المقبل.

هل سينجح ماكرون في مهمته؟ السؤال مطروح والحاجة إليه ملحة. ولا تريد الحكومة أن تكون مضطرة إلى تمديد العمل بحالة الطوارئ، أو أن تتواصل الاحتجاجات حتى حلول الألعاب الأولمبية في أواخر شهر يوليو (تموز) المقبل.



حصيلة قتلى فيضانات جبال الهيمالايا تتجاوز الألف

رجل يرثي أحد ضحايا الفيضانات في شيتوان بنيبال يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
رجل يرثي أحد ضحايا الفيضانات في شيتوان بنيبال يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حصيلة قتلى فيضانات جبال الهيمالايا تتجاوز الألف

رجل يرثي أحد ضحايا الفيضانات في شيتوان بنيبال يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
رجل يرثي أحد ضحايا الفيضانات في شيتوان بنيبال يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

تجاوزت حصيلة قتلى الفيضانات الجليدية في جبال الهيمالايا عتبة الألف، الثلاثاء، في وقت تستمر فرق الإنقاذ الصينية والنيبالية في البحث عن ناجين، بمن في ذلك عشرات العاملين في قطاع الطاقة الكهرومائية، يُعتقد أنهم عالقون داخل أنفاق.

ولا يزال نحو 4500 شخص في عداد المفقودين بعد اجتياح موجة هائلة من المياه الشديدة البرودة والصخور والحطام عدداً كبيراً من القرى والبلدات، متسببة في محوها بالكامل، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية». وتُسابق فرق الإنقاذ النيبالية الوقت في ظروف جغرافية ومناخية قاسية، سعياً لإنقاذ نحو مائة عامل في قطاع الطاقة الكهرومائية يُعتقد أنهم محاصرون داخل أنفاق، فيما تتواصل عمليات الحفر والجرف وتفجير الركام بلا توقف، بدعم من فرق من الصين والهند وكوريا الجنوبية. وحتى الآن، تم فقط انتشال جثامين عدد من الضحايا من داخل الأنفاق الغارقة بالوحل.

شرطيون نيباليون يدفنون ضحايا الفيضانات في غوكارنا يوم 1 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وأفاد المتحدث باسم الجيش، راجا رام باسنيت، «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن «جهود البحث والإنقاذ تركز حالياً على الأنفاق، والعمل مستمر». وتابع: «جنودنا منتشرون لجمع الجثث ومنع تفشي الأمراض».

ومع اكتظاظ المشارح، بدأت النيبال بدفن مئات الجثث بعد أخذ عينات الحمض النووي منها، ليتمكن ذووها من تسلمها لاحقاً، فيما تمّ انتشال ما لا يقل عن 17 جثة من أنهار في الهند.

بصيص أمل

وفي العاصمة كاتماندو، تجمَّعَ عدد كبير من المواطنين أمام أحد المستشفيات، حيث ألصقوا صور أقاربهم المفقودين على جدار طويل متمسكين بما تبقى من أمل في العثور عليهم على قيد الحياة.

جندية تحمل رضيعاً بعد إنقاذه ووالدته من منطقة جرفتها المياه يوم 1 سبتمبر 2026 (أ.ب)

وجاء ديبو سابكوتا (58 عاماً) لتعليق صور لحماته (83 عاماً) وحفيدته اللتين فقدتا في بلدة تريشولي بازار، بعدما جرفتهما السيول الأسبوع الماضي. ويروي سابكوتا أن المرأة، رغم انطلاق أجهزة الإنذار، «عجزت عن الركض بسبب سنها»، مضيفاً أن «السيول جرفتها مع حفيدتها التي كانت تحاول مساعدتها على الفرار». ويؤكد سابكوتا أن أي أمل لم يعد يحدوه «في العثور عليهما على قيد الحياة»، لا سيما أن شهود عيان أكدوا أنهم رأوا التيار الجارف يحملهما. إلا أنه تابع وهو يحمل صوراً لهما بالزي التقليدي: «أنا هنا فقط أملاً بالعثور على جثتيهما».

وفي منطقة شيتوان، شيّعت عائلات مكلومة عدداً من الضحايا وحرقت جثامينهم. وشوهد جنود وهم ينزلون جثث ضحايا من مروحيات في مقاطعتي نواكوت وراسوا في النيبال، الاثنين.

ولا تزال الاحتياجات الإغاثية هائلة، بعدما جرفت السيول قرى بأكملها، تاركة عائلات مشردة وسط أمطار غزيرة أو في مراكز إيواء مؤقتة. كما جرفت السيول طرقاً ودمّرت محطات لتوليد الطاقة وعشرات الجسور. وقال ضابط الشرطة إي. هوادي في منطقة نواكوت الأكثر تضرراً إن «التحديات كبيرة جداً وتفوق قدرتنا».

غضب في النيبال

وفي نواكوت، غاص مواطنون في الطين متوجهين نحو أنقاض منازلهم للبحث عما تبقى من مقتنيات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فيما نصب آخرون خيماً بلاستيكية وسط الركام كملجأ مؤقت.

أهالي أحد ضحايا الفيضانات خلال مراسم حرق جثته في كتماندو يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

وعلى قائمة المفقودين في النيبال 592 أجنبياً من أكثر من 30 دولة، موزعين بين 583 في النيبال و261 في الصين، من بينهم هواة مشي ومتسلقو جبال وحجاج هندوس جاءوا قاصدين جبل كايلاش في التبت. وتسبّب حجم الضرر بشعور عميق بالغضب في النيبال، البلد الذي يعتمد على الزراعة بشكل رئيسي ويقطنه نحو 30 مليون نسمة، وتعد مساهمته في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري ضئيلة جداً، ويدفع مع ذلك الثمن الأكبر من جراء هذه الظاهرة التي تسهم فيها بشكل رئيسي الدول الغنية والصناعية.

وقال رئيس الوزراء النيبالي، باليندرا شاه، في بيان، مساء الاثنين: «حان الوقت لنطرح بقوة أمام المجتمع الدولي قضية الكوارث التي نعيشها كنتيجة لتغير المناخ».

ويؤكد العلماء أن ثلوج جبال هيمالايا، أعلى سلسلة جبال في العالم، تذوب بوتيرة أسرع مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

ويواجه الاقتصاد في النيبال ضغوطاً حادة بسبب عدم توافر الموارد الكافية للاستجابة لكارثة بهذا الحجم، إذ حذّرت السلطات في كاتماندو من أن تكاليف إعادة الإعمار قد تصل إلى «مليارات الدولارات».

تأبين الضحايا

وأعلنت النيبال انتشال 987 جثة، بينما لا يزال 3916 شخصاً في عداد المفقودين، فيما أفادت الصين من جهتها بمقتل 16 شخصاً وفقدان 546 آخرين، مما يرفع الحصيلة الإجمالية الموقتة للكارثة إلى 1003 قتلى و4462 مفقوداً.

جثث ضحايا الفيضانات في موقع دفن مؤقت بمنطقة غوكارنا يوم 1 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

وأقيمت مراسم تأبين للضحايا في التبت، الثلاثاء، شارك فيها عمال طوارئ ومسؤولون وعدد من السكان. وذكرت وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء أن «عناصر الإنقاذ والمسؤولين المحليين والسكان وقفوا دقيقة صمت حداداً على الضحايا».

ويشارك أكثر من 2000 فرد في عمليات الإنقاذ هناك، لكنهم يواجهون تحديات جسيمة، ويتقدمون ببطء باتجاه مركز الزلزال.

وشككت جماعات مناصرة للتبت في المنفى في حصيلة الضحايا التي أعلنتها الصين.

وقالت وزارة الخارجية الصينية، الاثنين، إن «المعلومات متاحة للجميع وشفافة ويتم تحديثها في الوقت المناسب»، رافضة التقارير الدولية التي تفيد بأنها تقلل من أعداد الوفيات المعلنة.


قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة شنغهاي» في بيشكيك الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة شنغهاي» في بيشكيك الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قمة شنغهاي: «إعلان بيشكيك» يرفض «الهيمنة الأحادية» ويتجاهل الصراع في أوكرانيا

الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة شنغهاي» في بيشكيك الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيسان الصيني شي جينبينغ والروسي فلاديمير بوتين خلال لقائهما على هامش «قمة شنغهاي» في بيشكيك الاثنين (إ.ب.أ)

عكست نتائج اجتماعات قمة منظمة «شنغهاي للتعاون» التي انعقدت في عاصمة قرغيزستان بيشكيك، أولويات الأطراف المشاركة. وركزت القمة في إعلان ختامي على التحديات التي تواجهها بلدان المنظمة، وأكدت رفض الإملاءات الخارجية والهيمنة الأحادية لكنها تجاهلت الإشارة إلى الصراع حول أوكرانيا. وركز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على القضايا المشتركة وخصوصاً التعاون الاقتصادي والتضامن في مواجهة الضغوط الغربية، وشن هجوماً لاذعاً على الأمم المتحدة، مذكراً العالم بحقبة وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو الذي اشتهر بلقب «السيد لا»، فيما حملت لهجة الرئيس الصيني شي جينبينغ انفتاحاً على التعاون لتسوية الأزمات الإقليمية والدولية، وتحدث خلال القمة عن ضرورة معالجة «الأسباب الجذرية للأزمة في أوكرانيا».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ‌يصافح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون (الكرملين - أ.ب)

ومع إشاراته المتكررة للسياسة الدولية وحرصه على تكرار مواقف بلاده عكس حديث بوتين تركيزاً واضحاً على ملفات التعاون داخل المنظمة التي تربطها بروسيا اتفاقات تجارية واقتصادية مهمة ساعدت موسكو في تجاوز الكثير من المصاعب التي سببتها الضغوط والقيود الغربية.

وأشار بوتين إلى أن نسبة التسويات التجارية والتعاملات بين روسيا وشركائها في منظمة «شنغهاي للتعاون» بالعملات الوطنية تجاوزت 98 في المائة، وسجلت أكثر من 400 مليار دولار.

رئيس قرغيزستان مصافحاً الأمين العام للأمم المتحدة خلال اليوم الأول من «قمة شنغهاي» في بيشكيك الاثنين (أ.ب)

وقال الرئيس الروسي إن منظمة شنغهاي للتعاون قطعت على مدى 25 عاماً مساراً طويلاً، وتحولت إلى مركز مؤثر في عالم متعدد الأقطاب، ورأى أنها باتت تعد أكبر تجمع إقليمي في العالم، حيث يعيش فيها نصف سكان العالم. وأشاد بالتعاون النشط بين دول المنظمة في مختلف المجالات، بما يحقق مصلحة الدول الأعضاء في المنظمة.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك (أ.ف.ب)

وأكد أن تعزيز التبادل التجاري بين دول المنظمة يعد من المهام الرئيسية المطروحة حالياً. داعياً بلدان المنظمة إلى مواصلة التنسيق والعمل المشترك في مجال الطاقة.

كما شدد على أهمية أن تبذل المنظمة «قصارى جهدها لاستبعاد أي استفزاز للصراعات المسلحة من الممارسة العالمية».

«السيد لا»

وأشار بوتين في معرض حديثه عن أداء منظمة الأمم المتحدة إلى أن موسكو ليست راضية تماماً عن بعض جوانب عمل هذه المنظمة الدولية، وأن هذا التذمر «لم يكن وليد اليوم، بل رافق عمل الأمم المتحدة منذ عقود».

الرئيس بوتين يلقي خطابه في القمة ويذكّر الحضور بفترة غروميكو (أ.ف.ب)

وقال: «ليس من قبيل الصدفة، وهنا يعرف زملائي في بلدان رابطة الدول المستقلة ذلك ربما أفضل من غيرهم، أن وزير خارجية الاتحاد السوفياتي أندريه غروميكو كان كثيراً ما يلقب بـ(السيد لا)، لما عُرف عنه من تمسكه بحق النقض في القضايا المصيرية».

وأوضح بوتين أن غروميكو لم يكن يستخدم حق النقض دفاعاً عن مصالح موسكو فحسب، بل كان حامياً لمصالح عدد كبير من الدول الأفريقية وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، التي كانت تخوض معارك تحررية ضد الاستعمار، وهو ما جعل من غروميكو صوتاً دولياً قوياً في المحافل الكبرى.

وكان غروميكو أول مندوب دائم لموسكو لدى الأمم المتحدة منذ عام 1946 وعين في 1957 وزيراً للخارجية، وهو المنصب الذي ظل فيه حتى 1985، ليصبح على مدى هذه السنوات رمزاً للسياسة الخارجية الروسية وصاحب مدرسة دبلوماسية متشددة حيال الغرب.

رئيس الوزراء الهندي مودي مع الرئيس الروسي (إ.ب.أ)

بكين وجذور الأزمة الأوكرانية

وفي مداخلة الرئيس الصيني شي جينبينغ أعلن أن بلاده مستعدة لتعزيز التعاون والتنسيق مع جميع الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون لحل الأزمات المستعصية المطروحة على الأجندة الدولية وبينها الأزمة الأوكرانية.

وأعرب عن رغبة في تنسيق المواقف مع دول المنظمة بشأن أوكرانيا وغيرها، ومعالجة أسبابها الجذرية لتسويتها سياسياً. وقال خلال الاجتماع وفقاً لما نقله التلفزيون المركزي الصيني: «بالحديث عن بؤر التوتر الدولية والإقليمية، مثل أوكرانيا والشرق الأوسط وأفغانستان، فإن الصين مستعدة لتعزيز التعاون والتنسيق مع جميع الأطراف». وأكد أن بلاده مستعدة لـ«الالتزام بمبدأ المعالجة المتزامنة لأعراض المشكلات وأسبابها الجذرية، والمساهمة في تسويتها سياسياً».

لاهور عاصمة للثقافة

وقد اختتمت قمة منظمة شنغهاي للتعاون أعمالها الثلاثاء بإصدار «إعلان بيشكيك» الذي حمل حزمة من المواقف السياسية والمشاريع الاقتصادية، وأكد رفض التدخلات الأحادية بالشؤون الدولية.

ووقع قادة دول المنظمة على 28 وثيقة تشمل بالإضافة إلى إعلان بيشكيك لائحة اللجنة التنفيذية لمركز مكافحة المخدرات التابع للمنظمة؛ وإعلان لاهور عاصمة للسياحة والثقافة لمنظمة شنغهاي للتعاون في الفترة 2026 - 2027؛ وإعلان مجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون بشأن تعزيز الشراكة متعددة الأطراف من أجل السلامة والأمن النوويين، بالإضافة إلى عدد من الوثائق الأخرى.

الرئيسان الروسي والصيني يحضران اجتماعاً على هامش «قمة منظمة شنغهاي للتعاون» في بيشكيك الاثنين (إ.ب.أ)

وحملت هذه القمة تسمية «شنغهاي بلوس» بسبب دعوة بلدان ليست عضوة فيها للحضور. وشارك فيها ممثلون عن 17 دولة وست منظمات دولية، بينهم مع الرئيسين الروسي والصيني رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

رفض الهيمنة الأحادية

وشدد الإعلان الختامي الصادر عن اللقاء على رفض الهيمنة الأحادية وتمسك بمبادئ السيادة وتضمن دعوة لإصلاح مالي دولي. وأكد أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون في الإعلان أهمية الحوار مع الأمم المتحدة وهيئاتها لتحقيق السلام.

وبرز تضامن بين الدول الأعضاء في ملفات تتعلق بالسيادة والأمن الداخلي لكل دولة، ونص أحد البنود على أن «تقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية غير المرخصة في أراضي الدول الأعضاء يعد انتهاكاً لسيادتها».

وأعربت دول المنظمة شنغهاي عن استعداد لتطوير شراكات متبادلة المنفعة في مجال الصناعة. كما تحدث الإعلان عن تطوير البنية التحتية للتجارة الإلكترونية عبر الحدود. وأكدت على «الدور الريادي للدول ذات السيادة وسلطاتها المختصة في مكافحة الإرهاب والتطرف».

في الملفات الدولية رأى الإعلان أن «الوضع الدولي لا يزال صعباً بسبب النزاعات والتحديات المختلفة». ولاحظت دول المنظمة أن تعزيز أنظمة الحماية العالمية من قبل دول أو تكتلات منفردة يؤثر سلباً على الأمن الدولي. وشددت على أنه لا يجوز للدول أن تضمن أمنها على حساب أمن الآخرين.

ودعت إلى توسيع التعاون المتبادل المنفعة في مجال الطاقة. كما أكدت التمسك بترسيخ نتائج الحرب العالمية الثانية ومواصلة التصدي لتزييف التاريخ. وحملت هذه الفقرة إشارة غير مباشرة لمصالح روسيا في نزاعها مع اليابان على جزر الكوريل ومصالح الصين تجاه تايوان والوضع في شرق أوسيا والمحيط الهادي. وأكدت الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون على ضرورة إبرام وثيقة دولية تضمن منع سباق التسلح في الفضاء. ودعا الإعلان المشترك إلى دعم إصلاح الهيكل المالي الدولي بما في ذلك تعزيز دور الدول النامية في صندوق النقد الدولي. كما دعت دول المنظمة إلى الامتثال لاتفاقية حظر تطوير واستخدام الأسلحة الكيميائية.

«قمة شنغهاي» بين مسعى تعدد الأقطاب وتحدي مواجهة الأزمات

غياب الصراع حول أوكرانيا

وتضمن البيان فقرة عن الاستعداد لدعم الجهود الرامية إلى ضمان السلام والاستقرار والتنمية في أفغانستان. وإشارة إلى أن التسوية العادلة للقضية الفلسطينية هي السبيل الوحيد لضمان السلام في الشرق الأوسط. لكن كان ملاحظاً غياب الإشارة إلى الصراع حول أوكرانيا في الإعلان الختامي للمنظمة.

ميدانياً، أعلنت وزارة الدفاع الروسية توجيه ضربة واسعة لقطاع الطاقة واللوجستيات في مقاطعتي كييف وأوديسا في أوكرانيا، طالت مواقع تجميع المسيرات ومخازن الوقود ومحطات الكهرباء والموانئ. ووفقاً للبيان العسكري فقد طالت الضربات المركزة موقع «أيرو بافونا» في كييف لتصنيع المناطيد المستخدمة في إسقاط المسيرات متوسطة وبعيدة المدى، بما فيها من طراز «خورنت» ومركزاً لتجميع وتجهيز وتخزين القوارب المسيرة في بلدة خوتوف بمقاطعة كييف، ومحطة للطاقة الحرارية و3 محطات فرعية للكهرباء في أوديسا وضواحيها، كانت تؤمن تشغيل البنية التحتية للموانئ. فضلاً عن مواقع لتجميع الطائرات المسيرة.

وأشير في البيان إلى أن موانئ أوديسا وتشورنومورسك على البحر الأسود استخدمت لتسلم وتخزين الشحنات العسكرية والمحروقات للقوات الأوكرانية.

وفي بيان منفصل، أعلنت الوزارة عن إسقاط 516 مسيرة أوكرانية الليلة الماضية في مقاطعات جنوب غربي البلاد.


الهواء والماء... أولوية حياة للعالقين في أنفاق نيبال

رجال الإنقاذ يعملون في موقع نفق لتوليد الطاقة الكهرومائية عقب فيضانات مفاجئة مميتة وانزلاق طيني بمقاطعة راسوا (رويترز)
رجال الإنقاذ يعملون في موقع نفق لتوليد الطاقة الكهرومائية عقب فيضانات مفاجئة مميتة وانزلاق طيني بمقاطعة راسوا (رويترز)
TT

الهواء والماء... أولوية حياة للعالقين في أنفاق نيبال

رجال الإنقاذ يعملون في موقع نفق لتوليد الطاقة الكهرومائية عقب فيضانات مفاجئة مميتة وانزلاق طيني بمقاطعة راسوا (رويترز)
رجال الإنقاذ يعملون في موقع نفق لتوليد الطاقة الكهرومائية عقب فيضانات مفاجئة مميتة وانزلاق طيني بمقاطعة راسوا (رويترز)

بالنسبة لمَن تقطعت بهم السبل بسبب الفيضانات، يعتمد بقاؤهم على عوامل كثيرة، منها الحصول على الأكسجين والغذاء والماء.

أسفرت الفيضانات الكارثية على طول الحدود النيبالية الصينية عن مقتل أكثر من ألف مواطن، وفقدان أكثر من 4 آلاف آخرين.

أكثر من ألف قتيل

ارتفع إجمالي العدد غير النهائي لقتلى فيضانات جبال الهيمالايا إلى 1003، بينهم 987 في نيبال وفقاً لما أعلنت الثلاثاء «هيئة إدارة الكوارث» فيها، و16 في الصين بحسب سلطاتها.

أما إجمالي عدد المفقودين فبلغ 4462، بينهم 3916 داخل الأراضي النيبالية، وفقاً لسلطات كاتماندو، و546 في إقليم التيبت الخاضع للسيادة الصينية، بحسب وسائل إعلام بكين الرسمية.

خبراء أنفاق صينيون يُنفذون عمليات إنقاذ عقب فيضانات مفاجئة وانزلاقات طينية مميتة في راسوا (رويترز)

ومن بين المفقودين مئات السياح والحجاج والعمال الأجانب، البالغ عددهم 583 في نيبال من أكثر من 30 بلداً، و261 في الصين من 23 بلداً، وفقاً للمصادر نفسها، وحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي نيبال وحدها، لا يزال 639 من العاملين في محطات كهرومائية، أو في مواقع بناء سدود في عداد المفقودين أيضاً. وفي الهند، أعلنت سلطات ولاية أوتار براديش أنها عثرت كذلك على 17 جثة على بُعد عشرات الكيلومترات في مجرى النهر أسفل موقع الكارثة.

الـ72 ساعة الأولى حاسمة

ويسارع رجال الإنقاذ في نيبال لإنقاذ مئات العمال الذين يُعتقد أنهم محاصرون في أنفاق محطة توليد الطاقة الكهرومائية المدفونة تحت الطين.

يقول الخبراء إن الساعات الـ72 الأولى حاسمة، إذ تتضاءل فرص النجاة مع انعدام المياه النظيفة، وفقاً لما أفادت به وكالة «أسوشييتد برس».

وأوضحت جينيفر هورني، عالمة الأوبئة المتخصصة في الكوارث بجامعة ديلاوير، أن أحد الجوانب المهمة هو ما إذا كانت الأنفاق مزودة ببروتوكولات طوارئ في حال انقطاع التيار الكهربائي أو وقوع كارثة طبيعية.

وإذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن يكون العمال قد تلقوا تدريباً على مواقع المخارج. لكن قوة الفيضان قد تؤدي إلى تراكم الطين فوق هذه المخارج، مما يُصعّب خطط الإنقاذ، بحسب هورني.

صراع مع الوقت

وبالنسبة للمئات المحاصرين، يُعدُّ الحصول على مياه شرب نظيفة أمراً بالغ الأهمية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هناك أي إمدادات طوارئ مخزنة في الأنفاق. وقالت هورني: «لن يكون هناك سبيل للبقاء على قيد الحياة لأكثر من 3 أيام دون مياه شرب آمنة».

صانع الأفلام مانيش ماهارغان يقوم بتشغيل مسيّرة عند مدخل نفق في مشروع راشواغادي للطاقة الكهرومائية بمقاطعة راسوا (أ.ب)

ويُعدُّ الحصول على هواء نقي عاملاً أساسياً آخر للبقاء على قيد الحياة. وأشار أحد الخبراء على الأقل إلى إمكانية حصول بعض العمال على الأكسجين، ولكن بعد 6 أيام من الفيضانات، تزداد المخاوف من الاختناق.

قال جاكوب شتاينر، عالم الجيولوجيا بجامعة غراتس في النمسا، ومقره دكا، بنغلاديش: «هذه الأنفاق واسعة بما يكفي لمرور الشاحنات من خلالها. وحسب ما فهمنا، فقد تمكنوا من إيصال الأكسجين لبعض المحاصرين في الداخل، ويحاولون إنقاذهم الآن. لكن الوقت يداهمنا، فالناس بحاجة إلى الطعام والماء».

الآثار النفسية للمنعزلين مهمة

إضافةً إلى ذلك، فإن الآثار النفسية لمثل هذا العزل قد تكون وخيمة. ومن الاعتبارات المهمة الأخرى، بحسب توماس تشاندلر، مدير المركز الوطني للتأهب للكوارث بجامعة كولومبيا: «ما إذا كانت هناك مؤشرات على إصابات خطيرة»، وما إذا كانت هناك طريقة آمنة لإيصال المياه والإمدادات الأساسية في أثناء عمليات الإنقاذ.

وأشار إلى انهيار نفق في جبال الهيمالايا عام 2023 نتيجة انهيار أرضي، حيث تم إنقاذ 41 عاملاً هندياً بعد أن حوصروا لمدة 17 يوماً. وتم تزويدهم بالطعام والماء والأكسجين عبر الأنابيب.

وقد يلعب المناخ داخل الأنفاق دوراً أيضاً. فإذا كان الجو حاراً ورطباً، فقد يُصاب الناس بالجفاف بسرعة أكبر. وقد يكون الناجون في حالة ضعف شديد، لذا فإن الرعاية الداعمة ضرورية للتخفيف من الآثار الجسدية والنفسية، وفقاً لخبراء الكوارث.