مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الدهون قصيرة السلسلة»... مراسِلات تلعب دوراً وقائياً حاسماً

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية
TT

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» مواد تتولد في أغلبها من الميكروبات. وهي نجوم في محور الميكروبيوم والأمعاء والدماغ.

أنتم تعرفون الآن أن الأمعاء ومليارات الميكروبات التي تعيش فيها لها تأثير قوي في عمليات أعضاء أخرى كثيرة من الجسم، بما فيها الدماغ، وربما في الدماغ بشكل خصوصي. ولكن إذا كنت ترغب في فهم كيفية عمل كل ذلك، فانتبه إلى 3 مواد تُعرف مجتمعة باسم «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» (SCFAs) short-chain fatty acids: الأسيتات acetate ، والبروبيونات propionate ، والبوتيرات butyrate.

مراسِلات الأمعاء للدماغ

يبدو أن هذه المواد مراسلات رئيسية لدماغك من أمعائك، وتؤثر في فسيولوجيا الدماغ وسلوكه بصفة مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك من خلال الجهاز المناعي. فهي تؤثر في مستوى طاقتك، وشهيتك، واستجابتك للأحداث المجهدة، وحالتك المزاجية، وأكثر من ذلك.

على عكس معظم الدهون التي يحتاجها الجسم، لا يتم توفير «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الثلاثة مباشرة عن طريق الطعام. بدلاً من ذلك، يتم إنتاجها من قبل أنواع محددة من البكتيريا التي تعتمد على الألياف الغذائية، وهي منيعة إلى حد بعيد في وجه الإنزيمات الهضمية؛ بحيث تصل إلى القولون سليمة. وهناك، شريطة أن تكون قد تناولت الطعام بشكل جيد، تكمن تلك البكتيريا الشجاعة قيد الانتظار لتخمير الألياف، وإطلاق الطاقة، والغازات، وعدد قليل من المستقلبات، وهي «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

تعتمد كمية «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» المنتجة في أمعائك على مقدار الطعام الغني بالألياف الذي تستهلكه للحفاظ على البكتيريا التي تتغذى عليها. والأسيتات هي النوع الأكثر وفرة من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتُشكل 60 في المائة من الإجمالي، مع البروبيونات بنسبة 25 في المائة، والبوتيرات بنسبة 15 في المائة.

حماية الأمعاء والدماغ

تُستهلك «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بوصفها مصدراً للطاقة من قبل الخلايا المبطنة للأمعاء. كما أنها تحفّز الإنتاج الموضعي للمخاط، وتحافظ على خلايا جدار الأمعاء مترابطة بإحكام حتى لا تتسرب المواد من الأمعاء إلى مجرى الدم.

من المهم معرفة التأثيرات الموضعية في الأمعاء؛ لأن لها آثاراً كثيرة على عمليات الدماغ. فالأمعاء المتسربة، على سبيل المثال، تسمح للبكتيريا والسموم بالهرب عبر جدار الأمعاء والوصول إلى الدماغ، حيث تكون قادرة على إطلاق رد فعل التهابي يمكنه تعطيل وظيفة الأعصاب، وتشكيل خطر الاكتئاب، والقلق، وجنون الارتياب (الذُهان الكبريائي) والصعوبات الإدراكية، وحتى الذُهان والخرف.

العناية الموضعية بالأمعاء هي مجرد جزء من الوصف الوظيفي الذي لا يزال يتكشف عن دور «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة». تعمل البروبيونات موضعياً أيضاً على تحفيز إفراز الهرمونات التي تنظم الشهية في الأمعاء مثل (ببتيد واي واي)، مما يُبطئ إفراغ المعدة، ويجعلك تشعر بالشبع بصورة أسرع. إضافة إلى ذلك، تؤثر «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في استقلاب الدهون. ولكن من جانبها، تؤثر البوتيرات في عملية التمثيل الغذائي الجهازي من خلال زيادة حساسية الإنسولين، وتقليل خطر الإصابة بمرض السكري.

تدخل «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» جميعها إلى مجرى الدم من الأمعاء، ثم تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتصل مباشرة إلى الدماغ. هناك، توسع تأثيراتها في الأيض من خلال العمل على الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد لتنظيم توازن الطاقة.

وتمتلك البوتيرات، على وجه الخصوص، عدداً قليلاً من المواهب الخاصة. ويمكنها أن تفعل للدماغ ما تفعله للأمعاء - المحافظة على سلامة الحاجز، وإقصاء العناصر السيئة. وبطبيعتها الكيميائية، فهي جزيء مضاد للالتهابات، يعمل على خفض الالتهاب.

في الأمعاء والدماغ، تستهدف البوتيرات والبروبيونات من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الخلايا المناعية بغرض تنظيم رد الفعل الالتهابي. وهي توجه إنتاج الخلايا المضادة للالتهابات، وتقلل إنتاج السيتوكينات المضادة للالتهابات. وهذا العمل، كما تشير الدلائل، يحمي الدماغ من كل من الاكتئاب والألم المزمن.

تنمية الخلايا العصبية

علاوة على ذلك، فإن المستقبلات العصبية الخاصة بالبروبيونات، عند تنشيطها، تعمل على زيادة إنتاج الناقل العصبي «نورإبينفرين»، وهو مهم لتثبيط آلام الاعتلال العصبي والاكتئاب. تزيد البوتيرات من مستويات عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ في قشرة الفص الجبهي، مما يُحفز نمو الخلايا العصبية لفتح مسارات السلوك للخروج من الاكتئاب.

بمجرد دخول «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» إلى مجرى الدم، تتخذ إجراءات مهمة ضد هرمونات التوتر. وتُظهر الدراسات أنها «تخفف بشكل كبير» من استجابة الكورتيزول للإجهاد النفسي والاجتماعي الحاد. كلما ارتفعت مستويات «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، انخفضت استجابة الكورتيزول، وقلّ تفاعلك مع التوتر.

مع ذلك، ربما من خلال العصب المبهم أن يكون «للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أكبر تأثير في الدماغ والسلوك. فالعصب المبهم هو الأطول في الجسم، وينشأ في جذع الدماغ ويمتد إلى البطن، حاملاً الإشارات من وإلى الأحشاء؛ وهو يمكّن الأعضاء من التكيف الفوري مع متطلبات البيئة الداخلية والخارجية. ويبدو أن العصب المبهم هو الطريق السريعة الرئيسية بين العقل والجسم، وهو القناة الرئيسية للتواصل بين الأمعاء والدماغ؛ ومن المرجح أن تكون «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بمثابة سائقي الشاحنات على المسافات الطويلة.

بادئ ذي بدء، فإنها تعمل على تنشيط العصب الحائر مباشرة، وتحفّز وتيسر الاتصال المعوي الدماغي. تشير الدراسات إلى أن البوتيرات تزيد من معدل قدرة الخلايا العصبية الحائرة على نقل الإشارات إلى الدماغ، لا سيما الإشارات ذات الصلة بالشبع. تعمل البوتيرات عبر المسارات الحائرة، ولكن يبدو أيضاً أنها تنقل التفضيلات الغذائية إلى الدماغ، وتُغير مستقبلات الأومامي (أحد المذاقات الخمس الأساسية)، وربما المذاقات الأخرى، وتشكل التفضيلات الغذائية.

نظراً لأن ميكروبات الأمعاء يجب أن تعيش على الطعام الذي نستهلكه، فإن النظام الغذائي البشري يؤثر مباشرة في تركيب البكتيريا في البيوم (الحَيَّوم أو التجمع الأحيائي). الميكروبات التي تعيش في القولون والتي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» لديها متطلبات غذائية محددة للغاية: الألياف والنشا المقاوم للهضم، أي المواد الموجودة في جدران خلايا النباتات. يزيد النظام الغذائي الغني بالألياف من عدد البكتيريا التي تتحول إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

ونظراً لأنها تحفّز نمو البكتيريا النافعة، فإن مواد مثل الألياف تُعرف أيضاً باسم «بريبيوتك: مغذيات المعينات الحيوية» (تماماً كما يُشار إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أحياناً باسم ما بعد البريبيوتك). تتضمن البريبيوتك الأكثر توثيقاً على نطاق كبير النشا المقاوم للهضم، المتوفر بكثرة في جذور الهندباء البرية، والموز غير الناضج، والثوم، والخرشوف، والشوفان، وسكريات الأليغو الفركتوزية (FOS)، الموجودة في الفواكه، والبصل، والملفوف، والهليون، والغالاكتو-أوليغوساكاريدات (GOS)، الموجودة في حليب البقر، والبقوليات. تعزز هذه من نمو أنواع مختلفة من البكتيريا «العصية اللبنية» أو بكتيريا «بيفيدوباكتيريوم» التي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

التركيب الميكروبي المعوي

لسوء الحظ، إحدى السمات المميزة للنظام الغذائي الغربي هو نقص الألياف. ويُنظر إلى العوامل المؤثرة في سلامة التركيب الميكروبي المعوي على أنها قوة خفية وراء ارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وسرطان القولون والمستقيم، وأمراض نفسية مثل القلق، والاكتئاب، والاضطرابات التنكسية العصبية.

ومن ناحية أخرى، يرتبط استهلاك الألياف بانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب. ويعتقد بأن إنتاج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» من نظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي الغني بالنباتات يمثل عديداً من الفوائد الصحية العقلية والبدنية.

تعدّ إضافة الأطعمة الغنية بالبريبيوتك إلى النظام الغذائي واحداً من أكثر التدابير المتاحة لتعزيز الصحة العقلية والبدنية. لكن البريبيوتك تستخرج أيضاً من الأطعمة وتتوفر بوصفها مكملات غذائية. يستكشف العلماء حالياً تركيبات البريبيوتك الخاصة بالاضطرابات لعلاج الاكتئاب، والقلق، والإجهاد، واضطرابات النوم، وداء ألزهايمر، ولكن هذا لا يمنع التركيبات ذات الأغراض العامة من تعزيز صحة الدماغ الآن.

حقائق عن «الدهون قصيرة السلسلة»

- ثبت أن التمارين البدنية تزيد من مستويات البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» داخل الأمعاء.

- تعزز «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» القدرة على التحمل، على الأقل لدى الفئران.

- يؤدي النظام الغذائي الغني بالدهون إلى تغيير تركيبة الأمعاء وتقليل الميكروبات المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتقليل الإشارات المعوية الدماغية.

- يعيق نقص «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الدماغ عن إزالة الحُطام (الشظايا الصغيرة جداً) المرتبط بالأمراض العصبية التنكسية.

- يؤدي الحرمان من النوم إلى استنزاف البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، ما يعزز الالتهاب ويضعف الإدراك.

- تحافظ «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في الأمعاء على إبقاء البكتيريا المسببة للأمراض تحت السيطرة، وتخفف من حدة ضراوتها.

• مجلة «سايكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»



هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟
TT

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

يتزايد قلق الأطباء من أن أدوية إنقاص الوزن تُسهم في ظهور حالات جديدة من فقدان الشهية العصبي anorexia، وأنّ هناك نقصاً في الضمانات لحماية المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

أعراض متشابهة للدواء... وللاضطراب

يتناول عشرات الملايين من المرضى هذه الأدوية حالياً، والتي قد تُسبب أحياناً أعراضاً تُشابه أعراض فقدان الشهية العصبي: تساقط الشعر، والدوخة، ومشاكل في الجهاز الهضمي، ونقص حاد في السعرات الحرارية. وتقول الدكتورة كاثرين كيلي، طبيبة طب الأسرة والطب الرياضي في لونغ بيتش، كاليفورنيا: «إننا نتساءل في هذه الحالة: هل هذا فقدان شهية عصبي؟ هل هو اضطراب في الأكل؟ أم أنه مجرد أثر جانبي للدواء؟».

توصيات لرصد علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول أدوية كبح الشهية

وبناءً على «الحاجة المُلحة» إلى إرشادات، أصدر تحالف دولي من اختصاصيي طب السمنة وأطباء اضطرابات الأكل، وغيرهم من الخبراء، أخيراً توصيات جديدة بشأن وصف مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1 (GLP-1) ووصف اضطرابات الأكل. ومن بين اقتراحاتهم الموجهة للأطباء: فحص جميع المرضى بحثاً عن علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون، ومراقبة أي شخص يتناول هذه الأدوية بشكل دوري.

ولا يُعد أي من هذين الإجراءين ممارسةً مُعتمدةً حالياً. كما أن معظم الأطباء غير مُدرَّبين على التعرّف على علامات اضطرابات الأكل، ما قد يُحدّ من نطاق التوصيات الجديدة.

أدوية يسهل الحصول عليها من دون طبيب

وما يزيد الأمر تعقيداً أن العديد من الأشخاص يحصلون على هذه الأدوية عبر خدمات التطبيب عن بُعد، مع إشراف طبي محدود أو معدوم. وفي دراسة حديثة، وجد باحثون حاولوا شراء أدوية إنقاص الوزن من 49 موقعاً إلكترونياً أن ثلث هذه المواقع فقط اشترط التواصل المباشر مع طبيب قبل وصف الأدوية، وأن نصفها فقط سأل عن اضطرابات الأكل.

وقالت فانيسا لونغلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت» Beat البريطانية غير الربحية التي تُدير خطاً ساخناً لمساعدة الأشخاص الذين يُعانون من اضطرابات الأكل: «لقد بدأنا بوصف دواء خطير للغاية، في حين أننا لا نعرف تماماً جميع آثاره الجانبية».

حقن كبح الشهية تُسوَّق أحياناً من دون وصفة طبية

معدل اضطرابات الأكل بين متناولي أدوية كبح الشهية أكثر بـ6 مرات

لا تتوفر بيانات كافية حول مدى شيوع فقدان الشهية العصبي بين الأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن. لكن دراسة حديثة تناولت استخدام هرمون GLP-1 بين أشخاص لا يعانون من أي حالة طبية ظاهرة، وجدت أن معدل اضطرابات الأكل في هذه المجموعة يزيد ستة أضعاف عن المعدل في عموم السكان. وتشير الأبحاث إلى أن الكثيرين يلجأون إلى هذه الأدوية لتحقيق مستويات خطيرة من فقدان الوزن. وإذا تُركت حالة فقدان الشهية العصبي من دون علاج، فقد تؤدي إلى هشاشة العظام، وكسور العظام، ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، واضطرابات إدراكية. وقد تكون قاتلة أيضاً.

وحتى لو أفصح المريض عن تاريخه مع فقدان الشهية العصبي، فإن الأطباء لا يملكون إرشادات كافية حول الخطوة التالية. هل يصفون الدواء على أي حال؟ أم يمتنعون عن وصفه بسبب هذا الخطر، متخلين عن فوائده؟

«أوزمبيك» أم فقدان الشهية العصبي؟

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لفقدان الشهية العصبي، فإن حالة نقص السعرات الحرارية - مثل اتباع حمية غذائية لأول مرة - قد تكون المحفز لاضطراب الأكل، إذ إن أدمغتهم مهيأة لاعتبار هذا النقص في السعرات الحرارية مُرضياً بشكل خاص، مما يخلق حلقة مفرغة تدفعهم إلى مزيد من تقييد تناول الطعام. كما لاحظ الباحثون أن جراحة السمنة قد تُسبب فقدان الشهية بهذه الطريقة.

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن شيئاً مشابهاً قد يحدث لبعض المرضى الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقالت سينثيا بوليك، المديرة المؤسسة لمركز التميز لاضطرابات الأكل بجامعة نورث كارولينا، والعضو في لجنة الخبراء التي أصدرت الإرشادات الجديدة: «إنها نقطة تحول حاسمة. فهي تُحفز لديهم الاستعداد الوراثي الكامن».

«أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية

ووصفت الدكتورة أماندا بانكس، الطبيبة في فيلادلفيا ومؤلفة كتاب عن العلاقة بين فقدان الشهية العصبي وأدوية إنقاص الوزن، هذه الأدوية بأنها «أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية. وهذا ما يجعلها علاجاً فعالاً للأشخاص الذين يعانون من السمنة. كما أنه أحد أسباب ظهور نتائج واعدة لهذه الأدوية لدى مرضى «اضطراب نهم الطعام binge eating disorder».

اضطراب فقدان الشهية العصبي يتسبب في أعراض ضارة بالجسم

تشخيص فقدان الشهية العصبي

يشخص الأطباء أحياناً فقدان الشهية العصبي من خلال أعراضه الجسدية: فقدان الوزن السريع والشديد، والجفاف، والدوار، وتساقط الشعر الناتج عن سوء التغذية. لكن هذه الأعراض قد تكون أيضاً من آثار هرمونات أدوية GLP-1، ما يجعل تشخيص اضطراب الأكل صعباً.

كما يصعب على الأطباء التمييز بين ما إذا كان المريض يحاول عمداً تقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو ما إذا كان الدواء هو ما يدفعه إلى ذلك. ولا توجد إجابة قاطعة حول مقدار فقدان الوزن الذي يُعد مفرطاً عند تناول أدوية مصممة لمساعدة الناس على إنقاص الوزن.

وقال الدكتور آرون كيشين، اختصاصي اضطرابات الأكل في نوفا سكوتيا والمشارك في وضع الإرشادات الجديدة: «نشهد حالات لمرضى يعانون مما نسميه فقدان الوزن المرضي»، الذي قد يعني فقدان كمية غير صحية من الوزن. وأضاف: «وهم يتناولون هرمونات GLP-1».

لقد أصبح التمييز بين استخدام هرمونات GLP-1 واضطرابات الأكل غير واضح لدرجة أن بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كان التعريف السريري لفقدان الشهية العصبي بحاجة إلى تغيير ليعكس أعراض هذا الاضطراب لدى من يتناولون هذه الأدوية.

الحاجة إلى ضوابط

وبينما تعد الإرشادات الجديدة محاولةً للحماية من مخاطر عقاقير GLP-1 التي قد تُلحق الضرر بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، فإن تطبيق هذه التوصيات عملياً قد يُمثّل تحدياً، لا سيما مع ازدياد وصفات الأدوية عبر الإنترنت. وتقول بانكس: «إذا استطاع أيّ منا أن يقول: 'وزني 165 رطلاً (الرطل 453 غراماً)، وأعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم'، ولم يكن أيٌّ من هذه الأمور صحيحاً، ولم يتحقق أحد من ذلك، ثمّ استطاع الحصول على الدواء عند باب منزله صباحاً، فهذه مشكلة».

وحتى الأطباء الذين يُقدّمون رعايةً مباشرةً للمرضى الذين يتناولون هذه الأدوية ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بالتعامل مع مخاطر اضطرابات الأكل. فأطباء الرعاية الأولية، الذين يصفون هذه الأدوية بشكلٍ متكرر، غالباً ما يكون وقتهم ضيقاً، ويتعيّن عليهم معالجة مجموعةٍ متنوّعةٍ من المشاكل الصحية.

الأطباء يفتقدون إلى الإرشادات

وتقول الدكتورة ميلاني جاي، مديرة برنامج NYU Langone الشامل للسمنة، إنّ أطباء السمنة واختصاصيي اضطرابات الأكل الذين يُمكنهم المساعدة في معالجة هذه المشاكل مع المرضى نادراً ما تتاح لهم فرص التفاعل فيما بينهم. ويفتقر أطباء السمنة إلى إرشادات كافية حول كيفية التعامل مع فقدان الشهية العصبي، أو حتى كيفية اكتشاف علاماته في المقام الأول.

وقالت لونغلي، رئيسة المنظمة البريطانية غير الربحية المعنية باضطرابات الأكل: «إن الخطر الأكبر لا يكمن في الدواء، بل في عدم تشخيص اضطراب الأكل الكامن أمامك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
TT

أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً

​قد تكشف قراءة واحدة تغيراً عابراً، ولكن ماذا تخبرنا مئات القراءات؟ بين الوعد بالوقاية والقلق من كل ارتفاع، يطرح انتشار الأجهزة القابلة للارتداء سؤالاً يتجاوز دقة المستشعر: هل تمنحنا مراقبة أجسامنا لحظة بلحظة قدرة أكبر على تجنب المرض؟ أم تدفعنا إلى مطاردة أرقام لا نعرف دائماً كيف نفسرها؟

برز هذا السؤال في جلسة «الأجهزة القابلة للارتداء ومراقبة الغلوكوز واقتصاد الوقاية» ضمن المنتدى الرقمي لملتقى الصحة العالمي؛ إذ بعد إعادة جدولة المعرض الحضوري إلى 25–28 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أطلق المنظمون منتدى رقمياً يمتد من 26 أكتوبر 2026 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

جناح وزارة الصحة خلال ملتقى الصحة العالمي 2025 في الرياض (الشرق الأوسط)

ملتقى رقمي وحضور صحي عالمي

لا يقتصر المنتدى الرقمي على نقل جلسات المعرض إلى الإنترنت؛ إذ يضم برنامجه 30 ندوة مهنية و15 حواراً مع قيادات صحية، إلى جانب تقرير عن سوق الرعاية الصحية. وتكمن أهميته في إبقاء النقاش قائماً بين المختصين والمستثمرين وصنَّاع القرار، وإتاحة الوصول إلى موضوعات الصحة الرقمية والابتكار الطبي خارج حدود المكان وأيام المعرض. كما يعزز حضور المملكة العربية السعودية على الساحة الصحية العالمية، ويبرز طموحها إلى ترسيخ ريادتها في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الرعاية الصحية. ولكنه يظل مكمِّلاً للقاءات المباشرة، بما تتيحه من عرض للتقنيات وبناء للشراكات وجهاً لوجه.

وتأتي هذه النقاشات في سياق توسع ملتقى الصحة العالمي نفسه. ففي دورة 2025، استقطب أكثر من 130 ألف زائر، وعرضت فيه أكثر من 2200 علامة تجارية، وشارك 607 متحدثين، بينما أعلن المنظمون اتفاقات وصفقات تجاوزت قيمتها 35.5 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام اتساع الملتقى من معرض للأجهزة والخدمات إلى منصة تتقاطع فيها أسئلة الاستثمار والابتكار ومستقبل الرعاية الصحية.

من وخزة الإصبع إلى القراءة المستمرة

أصبحت أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز أداة مهمة لكثير من المصابين بالسكري. يُثبَّت مستشعر صغير تحت الجلد؛ حيث يقيس الغلوكوز في السائل الخلالي، ثم يرسل قراءاته إلى الهاتف أو جهاز الاستقبال. وعلى خلاف وخزة الإصبع التي تعطي قراءة في لحظة واحدة، ترصد هذه الأجهزة تغير مستويات الغلوكوز بمرور الوقت، فتساعد المريض على متابعة اتجاهها والتنبه إلى ارتفاعها أو انخفاضها، ومناقشة أثر الطعام والنشاط والعلاج مع الطبيب.

لكن استخدام التقنية اتسع ليتجاوز متابعة المصابين بالسكري، فأقبل عليها بعض الأصحاء سعياً إلى «تحسين الأداء» أو بلوغ صحة مثالية. وهنا يختلف السؤال: ماذا تعني هذه القراءات لمن لا يعاني السكري؟ وهل تكفي مراقبة تغيرات الغلوكوز لتغيير العادات بما يحسِّن الصحة فعلاً؟

ماذا تقول الأدلة لدى الأصحاء؟

في 26 يناير (كانون الثاني) 2026، نشرت مجلة «European Journal of Medical Research» مراجعة علمية تناولت 23 دراسة شملت 1074 شخصاً من غير المصابين بالسكري، وجمعت إحصائياً نتائج الدراسات التي استطاعت مقارنتها. وأظهر التحليل انخفاضاً في متوسط الغلوكوز لدى مستخدمي الأجهزة مقارنة بالمشاركين الذين لم يستخدموها، بينما ارتبط استخدامها بتغييرات غذائية وبالتزام أكبر بالتدخلات الصحية.

لكن النتائج اختلفت باختلاف المشاركين؛ فلم يظهر فرق ذو دلالة في مؤشر كتلة الجسم، ولم يُرصد تحسن واضح في ضبط الغلوكوز لدى الأصحاء ذوي المستويات الطبيعية، بينما بدت النتائج أكثر وعداً لدى المصابين بمقدمات السكري. وتشير المراجعة إلى أن الأجهزة قد تساعد ضمن برنامج منظم لتغيير نمط الحياة، لا بوصفها علاجاً مستقلاً. كما أن قصر مدة كثير من الدراسات، ودمج بعضها بين الجهاز والتثقيف الصحي، يصعِّبان تحديد أثر المستشعر وحده.

«إنفوغراف» يوضح آلية عمل أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز وملخص نتائج الدراسات لدى المصابين بالسكري وغير المصابين به

فائدة للمرضى لا تثبت الوقاية للجميع

وتوضح تجربة عشوائية نشرتها مجلة «New England Journal of Medicine» عام 2026، الفرق بين استخدام التقنية لمتابعة مرض قائم وبين تعميمها على الأصحاء. وشملت التجربة 283 بالغاً مصاباً بالسكري من النوع الثاني، لا يستخدمون الإنسولين. وبعد 26 أسبوعاً انخفض السكر التراكمي لدى مستخدمي أجهزة المراقبة المستمرة بمقدار إضافي بلغ 0.9 نقطة مئوية، مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، كما أمضوا وقتاً أطول ضمن النطاق المستهدف.

ورغم أن هذه نتيجة مهمة لهؤلاء المرضى؛ لكنها لا تثبت أن الجهاز يمنع السكري لدى الأصحاء؛ فالفئة والسؤال البحثي مختلفان. والجهاز يقيس الغلوكوز؛ لكنه لا يشخِّص المرض بمفرده، فالارتفاع المؤقت بعد وجبة لا يكفي لتشخيص اضطراب، كما أن التذبذب الطبيعي لا يعني أن الجسم فقد قدرته على تنظيم السكر.

وفي 3 أغسطس (آب) 2026، أشارت صفحة تثقيفية في مجلة «JAMA Internal Medicine» إلى عدم وجود أدلة جيدة تثبت أن أجهزة المراقبة تحسن الصحة أو تمنع السكري لدى الأصحاء. وحذَّرت من أن محاولة تجنب «القمم» (في القراءات) قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييد أطعمة مفيدة مثل الفاكهة، أو تجعل متابعة الأرقام مصدراً للقلق والتوتر.

الوقاية قرار صحي... ليست مستشعراً

لا يعني ذلك أن هذه الأجهزة بلا فائدة خارج عيادات السكري. فقد تساعد بعض الأشخاص على فهم أثر عاداتهم اليومية، إذا فُسرت بياناتهم بإشراف مختص ورُبطت بخطة واقعية. فقيمة التقنية لا تُقاس بكمية البيانات التي تجمعها؛ بل بما تضيفه إلى القرار الصحي.

وهنا يعود سؤال «اقتصاد الوقاية»: من يستفيد من البيانات؟ وكيف تُفسَّر؟ وهل تقود إلى تحسن ملموس؟ فالوقاية لا تتحقق بشراء مستشعر أو جمع قراءات أكثر؛ بل بعادات مستدامة في الغذاء والنشاط والنوم، وبالفحوص المناسبة لمن لديهم عوامل خطر. والطب الجيد لا يقيس كل ما يمكن قياسه؛ بل يختار ما يساعد المريض والطبيب على اتخاذ قرار أفضل.


طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض
TT

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

اكتشف علماء تغيراً جينياً نادراً قد يكون وراء اضطراب نمائي عصبي لم يكن معروفاً من قبل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات بعض الأطفال الذين يعانون صعوبات في النمو دون سبب واضح، وتفتح المجال أمام بحوث جديدة لفهم هذه الاضطرابات.

وتوصل باحثون من كلية بايلور للطب، ومستشفى تكساس للأطفال في الولايات المتحدة، إلى أن هذا التغير يصيب جيناً يُعرف باسم «بي إم بي آر 2» (BMPR2) ويسهم في تنظيم الإشارات التي تحتاج إليها الخلايا للنمو والتطور بصورة طبيعية.

تغير جيني رُصد لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة

ورصدت الدراسة المنشورة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026 التغير الجيني نفسه لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة. وعانى 5 منهم تأخراً في النمو شمل الحركة والكلام واللغة، بينما شُخِّص 4 باضطراب طيف التوحد. كما ظهرت لدى بعضهم مشكلات أخرى، مثل نوبات الصرع والقلق وفرط النشاط.

وتشير النتائج إلى أن هذا التغير قد يعطل عملية بيولوجية مهمة لنمو الدماغ، وهو ما قد يفسر جانباً من الصعوبات التي ظهرت لدى الأطفال.

وقال الباحث الرئيسي الدكتور شينيا ياماموتو، الأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، إن العثور على التغير الجيني نفسه لدى أطفال غير مرتبطين عائلياً كان دليلاً مهماً؛ لكن التأكد من تأثيره في نمو الدماغ تطلَّب إجراء تجارب إضافية.

إشارات نمو مفرطة النشاط

يساعد جين «بي إم بي آر2» الخلايا على إنتاج بروتين يعمل كمستقبل للإشارات الموجودة على سطحها، وينقل إليها التعليمات اللازمة لتنظيم النمو والتطور. وتُعد هذه العملية جزءاً من نظام إشارات حيوي يُعرف باسم مسار بروتينات مورفوجين العظم bone morphogenetic protein» (BMP) pathway» وله دور مهم في تطور أعضاء الجسم بما فيها الجهاز العصبي.

وكانت دراسات سابقة قد ربطت التغيرات التي تقلل نشاط هذا الجين بمرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، الذي يؤثر في الأوعية الدموية داخل الرئتين.

لكن التغير المكتشف حديثاً يعمل بصورة معاكسة، فهو لا يقلل نشاط البروتين بل يجعله نشطاً بدرجة أكبر من الطبيعي، حتى من دون وصول الإشارة التي يفترض أن تشغِّله. ويُطلق العلماء على هذا النوع من التغيرات اسم «طفرة اكتساب الوظيفة» أي إنها تزيد نشاط البروتين بدلاً من إضعافه.

تجارب علمية

ولمعرفة كيف يؤثر هذا الخلل في الجهاز العصبي، استخدم الباحثون ذباب الفاكهة، وهو كائن يُستعمل كثيراً في الدراسات العلمية لفهم العمليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض البشرية.

وأظهرت التجارب أن الطفرة تؤدي إلى زيادة غير طبيعية في نشاط مسار الإشارات المسؤول عن النمو، وتؤثر في تطور الجهاز العصبي. كما تسببت في زيادة عدد المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات والمعلومات.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن التأثير لم يقتصر على الخلايا العصبية؛ بل امتد إلى الخلايا الدبقية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية والحفاظ على وظائف الجهاز العصبي. وعندما فُعِّلت الطفرة في هذه الخلايا ظهرت زيادة أكبر في نشاط مسار الإشارات مصحوبة بتأثيرات شديدة في النمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بالخلايا العصبية وحدها؛ بل تشمل أنواعاً مختلفة من الخلايا التي تعمل معاً لضمان تطور الدماغ بصورة سليمة. كما وجد الباحثون أن الطفرة ظهرت تلقائياً لدى 5 أطفال على الأقل ولم تكن موروثة من أحد الوالدين، ما يدعم احتمال ارتباطها بالحالة.

بداية الطريق نحو علاجات محتملة

ولبحث إمكانية الحد من النشاط المفرط لهذا المسار، اختبر العلماء مُركَّبين تجريبيين طُوّرا في مركز اكتشاف الأدوية بكلية بايلور للطب. وأظهرت التجارب أن المُركَّبين استطاعا خفض نشاط الإشارات غير الطبيعية في أنسجة ذباب الفاكهة، ما يقدم دليلاً أولياً على إمكانية التحكم في هذه العملية البيولوجية.

وقال جونغ وان موك، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة بقسم الوراثة الجزيئية والبشرية، إن هذه النتائج تمثل نقطة بداية لدراسة إمكانية استهداف هذا المسار مستقبلاً، مع ضرورة التأكد من أن التدخل فيه يمكن أن يتم بصورة آمنة.

لكن الباحثين يؤكدون أن المُركَّبين لا يزالان في مرحلة التجارب البحثية، ولا يمثلان علاجاً متاحاً للأطفال. كما أن إثبات فائدتهما يتطلب دراسات إضافية لمعرفة مدى أمانهما وفاعليتهما لدى البشر.

جين واحد وطفرات بأمراض مختلفة

يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أن التغيرات التي تصيب الجين نفسه قد تؤدي إلى أمراض مختلفة حسب تأثيرها في نشاط البروتين الذي ينتجه، فقد يؤدي انخفاض نشاط الجين إلى حالة مرضية، بينما تؤدي زيادة نشاطه إلى اضطراب مختلف تماماً.

وقد يساعد هذا الفهم على تحسين التشخيص الجيني للأطفال الذين يعانون تأخراً في النمو أو صعوبات عصبية لا يُعرف سببها، كما قد يوجه العلماء إلى مسارات بيولوجية يمكن دراستها لتطوير علاجات مستقبلية. ومع ذلك تظل النتائج أولية؛ إذ شملت الدراسة 6 أطفال فقط، واعتمدت التجارب التي فسرت تأثير الطفرة على ذباب الفاكهة، وليس على نموذج متكامل للدماغ البشري.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية على خلايا بشرية ونماذج حيوية أخرى، للتأكد من كيفية تأثير الطفرة في نمو الدماغ، وتحديد الخلايا الأكثر تأثراً بها، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تطوير تدخلات علاجية آمنة.

وبالنسبة إلى العائلات التي تبحث عن تفسير لصعوبات النمو لدى أطفالها، قد يشكل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تشخيص حالات جينية لم تكن معروفة سابقاً، بينما يمنح العلماء فرصة جديدة لفهم بعض أسباب الاضطرابات النمائية العصبية.