مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الدهون قصيرة السلسلة»... مراسِلات تلعب دوراً وقائياً حاسماً

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية
TT

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

مواد ميكروبية تحمي الأمعاء والدماغ من الأمراض الهضمية والعقلية

«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» مواد تتولد في أغلبها من الميكروبات. وهي نجوم في محور الميكروبيوم والأمعاء والدماغ.

أنتم تعرفون الآن أن الأمعاء ومليارات الميكروبات التي تعيش فيها لها تأثير قوي في عمليات أعضاء أخرى كثيرة من الجسم، بما فيها الدماغ، وربما في الدماغ بشكل خصوصي. ولكن إذا كنت ترغب في فهم كيفية عمل كل ذلك، فانتبه إلى 3 مواد تُعرف مجتمعة باسم «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» (SCFAs) short-chain fatty acids: الأسيتات acetate ، والبروبيونات propionate ، والبوتيرات butyrate.

مراسِلات الأمعاء للدماغ

يبدو أن هذه المواد مراسلات رئيسية لدماغك من أمعائك، وتؤثر في فسيولوجيا الدماغ وسلوكه بصفة مباشرة وغير مباشرة، بما في ذلك من خلال الجهاز المناعي. فهي تؤثر في مستوى طاقتك، وشهيتك، واستجابتك للأحداث المجهدة، وحالتك المزاجية، وأكثر من ذلك.

على عكس معظم الدهون التي يحتاجها الجسم، لا يتم توفير «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الثلاثة مباشرة عن طريق الطعام. بدلاً من ذلك، يتم إنتاجها من قبل أنواع محددة من البكتيريا التي تعتمد على الألياف الغذائية، وهي منيعة إلى حد بعيد في وجه الإنزيمات الهضمية؛ بحيث تصل إلى القولون سليمة. وهناك، شريطة أن تكون قد تناولت الطعام بشكل جيد، تكمن تلك البكتيريا الشجاعة قيد الانتظار لتخمير الألياف، وإطلاق الطاقة، والغازات، وعدد قليل من المستقلبات، وهي «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

تعتمد كمية «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» المنتجة في أمعائك على مقدار الطعام الغني بالألياف الذي تستهلكه للحفاظ على البكتيريا التي تتغذى عليها. والأسيتات هي النوع الأكثر وفرة من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتُشكل 60 في المائة من الإجمالي، مع البروبيونات بنسبة 25 في المائة، والبوتيرات بنسبة 15 في المائة.

حماية الأمعاء والدماغ

تُستهلك «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بوصفها مصدراً للطاقة من قبل الخلايا المبطنة للأمعاء. كما أنها تحفّز الإنتاج الموضعي للمخاط، وتحافظ على خلايا جدار الأمعاء مترابطة بإحكام حتى لا تتسرب المواد من الأمعاء إلى مجرى الدم.

من المهم معرفة التأثيرات الموضعية في الأمعاء؛ لأن لها آثاراً كثيرة على عمليات الدماغ. فالأمعاء المتسربة، على سبيل المثال، تسمح للبكتيريا والسموم بالهرب عبر جدار الأمعاء والوصول إلى الدماغ، حيث تكون قادرة على إطلاق رد فعل التهابي يمكنه تعطيل وظيفة الأعصاب، وتشكيل خطر الاكتئاب، والقلق، وجنون الارتياب (الذُهان الكبريائي) والصعوبات الإدراكية، وحتى الذُهان والخرف.

العناية الموضعية بالأمعاء هي مجرد جزء من الوصف الوظيفي الذي لا يزال يتكشف عن دور «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة». تعمل البروبيونات موضعياً أيضاً على تحفيز إفراز الهرمونات التي تنظم الشهية في الأمعاء مثل (ببتيد واي واي)، مما يُبطئ إفراغ المعدة، ويجعلك تشعر بالشبع بصورة أسرع. إضافة إلى ذلك، تؤثر «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في استقلاب الدهون. ولكن من جانبها، تؤثر البوتيرات في عملية التمثيل الغذائي الجهازي من خلال زيادة حساسية الإنسولين، وتقليل خطر الإصابة بمرض السكري.

تدخل «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» جميعها إلى مجرى الدم من الأمعاء، ثم تعبر الحاجز الدموي الدماغي وتصل مباشرة إلى الدماغ. هناك، توسع تأثيراتها في الأيض من خلال العمل على الخلايا العصبية في منطقة ما تحت المهاد لتنظيم توازن الطاقة.

وتمتلك البوتيرات، على وجه الخصوص، عدداً قليلاً من المواهب الخاصة. ويمكنها أن تفعل للدماغ ما تفعله للأمعاء - المحافظة على سلامة الحاجز، وإقصاء العناصر السيئة. وبطبيعتها الكيميائية، فهي جزيء مضاد للالتهابات، يعمل على خفض الالتهاب.

في الأمعاء والدماغ، تستهدف البوتيرات والبروبيونات من «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الخلايا المناعية بغرض تنظيم رد الفعل الالتهابي. وهي توجه إنتاج الخلايا المضادة للالتهابات، وتقلل إنتاج السيتوكينات المضادة للالتهابات. وهذا العمل، كما تشير الدلائل، يحمي الدماغ من كل من الاكتئاب والألم المزمن.

تنمية الخلايا العصبية

علاوة على ذلك، فإن المستقبلات العصبية الخاصة بالبروبيونات، عند تنشيطها، تعمل على زيادة إنتاج الناقل العصبي «نورإبينفرين»، وهو مهم لتثبيط آلام الاعتلال العصبي والاكتئاب. تزيد البوتيرات من مستويات عامل التغذية العصبية المستمد من الدماغ في قشرة الفص الجبهي، مما يُحفز نمو الخلايا العصبية لفتح مسارات السلوك للخروج من الاكتئاب.

بمجرد دخول «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» إلى مجرى الدم، تتخذ إجراءات مهمة ضد هرمونات التوتر. وتُظهر الدراسات أنها «تخفف بشكل كبير» من استجابة الكورتيزول للإجهاد النفسي والاجتماعي الحاد. كلما ارتفعت مستويات «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، انخفضت استجابة الكورتيزول، وقلّ تفاعلك مع التوتر.

مع ذلك، ربما من خلال العصب المبهم أن يكون «للأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أكبر تأثير في الدماغ والسلوك. فالعصب المبهم هو الأطول في الجسم، وينشأ في جذع الدماغ ويمتد إلى البطن، حاملاً الإشارات من وإلى الأحشاء؛ وهو يمكّن الأعضاء من التكيف الفوري مع متطلبات البيئة الداخلية والخارجية. ويبدو أن العصب المبهم هو الطريق السريعة الرئيسية بين العقل والجسم، وهو القناة الرئيسية للتواصل بين الأمعاء والدماغ؛ ومن المرجح أن تكون «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» بمثابة سائقي الشاحنات على المسافات الطويلة.

بادئ ذي بدء، فإنها تعمل على تنشيط العصب الحائر مباشرة، وتحفّز وتيسر الاتصال المعوي الدماغي. تشير الدراسات إلى أن البوتيرات تزيد من معدل قدرة الخلايا العصبية الحائرة على نقل الإشارات إلى الدماغ، لا سيما الإشارات ذات الصلة بالشبع. تعمل البوتيرات عبر المسارات الحائرة، ولكن يبدو أيضاً أنها تنقل التفضيلات الغذائية إلى الدماغ، وتُغير مستقبلات الأومامي (أحد المذاقات الخمس الأساسية)، وربما المذاقات الأخرى، وتشكل التفضيلات الغذائية.

نظراً لأن ميكروبات الأمعاء يجب أن تعيش على الطعام الذي نستهلكه، فإن النظام الغذائي البشري يؤثر مباشرة في تركيب البكتيريا في البيوم (الحَيَّوم أو التجمع الأحيائي). الميكروبات التي تعيش في القولون والتي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» لديها متطلبات غذائية محددة للغاية: الألياف والنشا المقاوم للهضم، أي المواد الموجودة في جدران خلايا النباتات. يزيد النظام الغذائي الغني بالألياف من عدد البكتيريا التي تتحول إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

ونظراً لأنها تحفّز نمو البكتيريا النافعة، فإن مواد مثل الألياف تُعرف أيضاً باسم «بريبيوتك: مغذيات المعينات الحيوية» (تماماً كما يُشار إلى «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» أحياناً باسم ما بعد البريبيوتك). تتضمن البريبيوتك الأكثر توثيقاً على نطاق كبير النشا المقاوم للهضم، المتوفر بكثرة في جذور الهندباء البرية، والموز غير الناضج، والثوم، والخرشوف، والشوفان، وسكريات الأليغو الفركتوزية (FOS)، الموجودة في الفواكه، والبصل، والملفوف، والهليون، والغالاكتو-أوليغوساكاريدات (GOS)، الموجودة في حليب البقر، والبقوليات. تعزز هذه من نمو أنواع مختلفة من البكتيريا «العصية اللبنية» أو بكتيريا «بيفيدوباكتيريوم» التي تنتج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة».

التركيب الميكروبي المعوي

لسوء الحظ، إحدى السمات المميزة للنظام الغذائي الغربي هو نقص الألياف. ويُنظر إلى العوامل المؤثرة في سلامة التركيب الميكروبي المعوي على أنها قوة خفية وراء ارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وسرطان القولون والمستقيم، وأمراض نفسية مثل القلق، والاكتئاب، والاضطرابات التنكسية العصبية.

ومن ناحية أخرى، يرتبط استهلاك الألياف بانخفاض معدل الوفيات الناجمة عن جميع الأسباب. ويعتقد بأن إنتاج «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» من نظام البحر الأبيض المتوسط الغذائي الغني بالنباتات يمثل عديداً من الفوائد الصحية العقلية والبدنية.

تعدّ إضافة الأطعمة الغنية بالبريبيوتك إلى النظام الغذائي واحداً من أكثر التدابير المتاحة لتعزيز الصحة العقلية والبدنية. لكن البريبيوتك تستخرج أيضاً من الأطعمة وتتوفر بوصفها مكملات غذائية. يستكشف العلماء حالياً تركيبات البريبيوتك الخاصة بالاضطرابات لعلاج الاكتئاب، والقلق، والإجهاد، واضطرابات النوم، وداء ألزهايمر، ولكن هذا لا يمنع التركيبات ذات الأغراض العامة من تعزيز صحة الدماغ الآن.

حقائق عن «الدهون قصيرة السلسلة»

- ثبت أن التمارين البدنية تزيد من مستويات البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» داخل الأمعاء.

- تعزز «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» القدرة على التحمل، على الأقل لدى الفئران.

- يؤدي النظام الغذائي الغني بالدهون إلى تغيير تركيبة الأمعاء وتقليل الميكروبات المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، وتقليل الإشارات المعوية الدماغية.

- يعيق نقص «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» الدماغ عن إزالة الحُطام (الشظايا الصغيرة جداً) المرتبط بالأمراض العصبية التنكسية.

- يؤدي الحرمان من النوم إلى استنزاف البكتيريا المنتجة لـ«الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة»، ما يعزز الالتهاب ويضعف الإدراك.

- تحافظ «الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة» في الأمعاء على إبقاء البكتيريا المسببة للأمراض تحت السيطرة، وتخفف من حدة ضراوتها.

• مجلة «سايكولوجي توداي» - خدمات «تريبيون ميديا»



بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
TT

بيانات رادار تكشف عن تجويف حمم بركانية تحت سطح كوكب الزهرة

تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)
تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية (رويترز)

أشارت دراسة حديثة لبيانات رادار خاصة بكوكب الزهرة حصلت عليها مركبة الفضاء ماجلان التابعة لإدارة الطيران والفضاء (ناسا) في تسعينات القرن الماضي إلى وجود تجويف كبير تحت سطح الزهرة ناتج عن تدفق حمم بركانية. وهذه أول ظاهرة تحت السطح تُكتشف على الكوكب المجاور للأرض.

ووفقاً لـ«رويترز»، قال الباحثون إن بيانات الرادار تتوافق مع سمة جيولوجية تسمى أنبوب الحمم البركانية الموجود في بعض المواقع البركانية ‌على الأرض. وتوجد أنابيب ‌الحمم البركانية أيضاً على ‌القمر ⁠ويُعتقد أنها موجودة ‌على المريخ.

وتغطي سطح الزهرة سحب سامة كثيفة تجعل من الصعب سبر أغواره، لكن الرادار يمكنه اختراق السحب.

وافترض العلماء وجود أنابيب الحمم البركانية على كوكب الزهرة بالنظر إلى تاريخه البركاني.

وقال لورينتسو بروتسوني عالم الرادار والكواكب في جامعة ترينتو بإيطاليا والمعد الرئيسي للدراسة ⁠المنشورة اليوم في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز» العلمية: «يمثل الانتقال من ‌النظرية إلى الملاحظة المباشرة خطوة كبيرة إلى الأمام، ويفتح الباب أمام اتجاهات جديدة للبحث، ويوفر معلومات مهمة للمهام المستقبلية التي تهدف إلى استكشاف الكوكب».

وحلل الباحثون البيانات التي تسنى الحصول عليها بواسطة رادار الفتحة التركيبية، وهو جهاز استشعار عن بعد تابع للمركبة ماجلان، بين عامي 1990 و1992 في مواقع تحمل علامات انهيارات سطحية موضعية تشير إلى وجود ⁠أنابيب حمم بركانية تحتها. واستخدموا منهج تحليل بيانات مطورة حديثاً تهدف إلى تحديد التجاويف تحت السطح مثل أنابيب الحمم البركانية.

ولم يحظ كوكب الزهرة باهتمام علمي كبير مقارنة بالمريخ، لكنّ هناك بعثتين مهمتين على وشك الانطلاق، وهما «إنفجن» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية و«فيريتا» التابعة لناسا.

وستحمل كلتا المركبتين الفضائيتين أنظمة رادار متطورة قادرة على التقاط صور عالية الدقة. وستحمل «إنفجن» راداراً مدارياً قادراً على اختراق السطح ‌وعلى استكشاف باطن كوكب الزهرة إلى عمق عدة مئات من الأمتار.


أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.