القراءة كقصة عاطفية

مارسيل بروست يحكي عن طقوسه للحصول على هذه المتعة

القراءة كقصة عاطفية
TT

القراءة كقصة عاطفية

القراءة كقصة عاطفية

يُجدد كتاب «يوميات القراءة» سيرة الأديب الفرنسي البارز مارسيل بروست، كما يسلط الضوء على علاقته الخاصة بالقراءة وتلقي الفنون، وعاداته وطقوسه التي كان يحرص على أن تصحبه في أثناء ذلك. الكتاب صدر حديثاً عن «المركز القومي للترجمة» بمصر. وقامت بترجمته إلى العربية الدكتورة دينا مندور.

يُطل بروست (1871 - 1922) في هذا الكتاب بصوته وذاكرته شديدة الحساسية للصورة، فيبدو فعل القراءة لديه مرتبطاً بشكل وثيق بالسياقين المكاني والزماني، وذلك عبر لغة بصرية، يبدو فيها الأديب الفرنسي الراحل وكأنه يروي طفولته في تقاطع وصفي يشبه - إلى حد كبير - تكنيك المشهد السينمائي. فيتذكر نفسه وهو الصبي الذي يقتنص ويتحيّن الفرص للاختلاء بكتاب جديد، يستكشف مبكراً تلك المتعة التي تمنحها له القراءة، دون أن يرتبط هذا بوصايا ونصائح الكِبار له بأهميتها، فيصف كيف «تخط القراءة بداخلنا شعوراً رقيقاً للغاية»، وكيف أن الوقت الذي كان يقضيه مع كتابه المفضل كان هو المتعة بعينها، المتعة المهددة دائماً بعدم الاكتمال، كأن يقطع صفو قراءته صديق يريد أن يلعب معه، أو «كإزعاج نحلة، أو أشعة شمس أجبرتنا على رفع أعيننا عن الصفحة، أو العشاء الذي ينبغي أن نعود من أجله ولا نفكر أثناءه إلا في الصعود بعد انتهائه، لاستكمال الفصل الذي قطعناه من أجله».

يبدو «الصبي» مارسيل وكأنه يتوسل من العالم بعض السكون وهو بمصاحبة كتابه، وهو الأمر الذي يكاد يكون مستحيلاً في فترات العطلات، ولكنه كان قد هيأ لنفسه وسائل للهروب من النزهات العائلية، فيندس في غرفة الطعام عند خروج الجميع، حيث يجالس كتابه بمصاحبة بعض رفاق الصمت الذين لا يقطعون تركيزه، وهم: البندول، ونار المدفأة، والأطباق المنقوشة المعلقة على الحائط، يذكرهم بروست بكل تفصيل وامتنان، وهو يروي في كتابه رحلته المبكرة مع القراءة بتفاصيل بالغة الأثر.

على هامش المكان

يتقاطع الحِس النقدي مع ذكريات بروست، بما في ذلك ملاحظاته حول أهل بيته وتفاصيل غرفته، فيستدعي، على سبيل المثال، مقولة للشاعر ومُصمم الديكور الإنجليزي الشهير وليام موريس، الذي حدد شرطاً للغرفة الجميلة باحتوائها على أشياء مفيدة لساكنها، فيتأمل بروست غرفته التي يقول إنها بمنطق موريس لم تكن غرفة جميلة قَطّ، وينقد بروست تلك النظرة «النفعية» لمفهوم الجمال، ويُفند كيف كان يرى في غرفته جمالاً خاصاً رغم أنها كانت تعج بأشياء غير مفيدة على الإطلاق، ولكنه في الوقت نفسه الجمال الذي لم يكن يخصه، فهو يعبر عن ذوق عائلته، فأدرك مع الوقت أن غرفته صورة من ذوقهم، ويختبر تدريجياً ما قد تكونه تلك الغرفة التي يعثر فيها على أفكاره الواعية، فيتعرف على راحة خاصة في غرف فنادق الأقاليم «حيث نبسط أشياءنا هنا وهناك، ونلعب دور السيد في هذه الغرفة المملوءة حتى حافتها بأرواح الآخرين».

يُعدد بروست، الذي احتفلت فرنسا بمئويته قبل عامين، الأماكن التي تنقّل فيها بكتبه؛ رُكن المدفأة بغرفة الطعام، أو قلب الكرسي الوثير بمسند رأس من الكروشيه، وحتى عشب الحديقة التي كان يسير كيلومتراً للوصول إليها، ويتوقف كثيراً عند محاولة وصف ذلك الشعور الذي كان ينتابه عند الانتهاء من قراءة كتاب، بعالمه وشخصياته والضجة التي أثارها في داخله، أو بتعبيره: «تلك المخلوقات التي منحناها من اهتمامنا وحناننا أكثر مما منحناه لأشخاص في الحياة، ولا نجرؤ في الغالب على الاعتراف لهم إلى أي درجة نُحبهم».

يعتقد صاحب «البحث عن الزمن المفقود» أن القراءة لا يمكن أن تتشبه بالمحادثة حتى لو كانت مع أكثر الرجال حكمة، ويرى أن الفارق بين الكتاب والصديق لا يكون بمعيار حكمة أحدهما التي هي أكثر أو أقل، إنما بالطريقة التي نتواصل بها مع كل منهما، فالقراءة عكس المحادثة، تنصب على استقبال التواصل من فكر آخر، مع الاحتفاظ بأن نظل بمفردنا، تلك الوحدة التي تبددها المحادثة مع أحد آخر على الفور.

فالكتب الجميلة، حسب بروست، تلعب دوراً في تشكيل حياتنا الروحية، فما يسميه الكُتاب «نهايات» تكون بالنسبة للقارئ «مُحفزات»؛ إذ يشعر أن حكمته تبدأ حيث تنتهي حكمة المؤلف، ما يمنحنا الرغبة في تأمل الجمال الأسمى بداخلنا، فهناك دائماً مسافة بين ما يُخبرنا به الكتاب وبين ما سكت عنه، أو بتعبيره: «في اللحظة التي يخبروننا فيها بكل ما يستطيعون قوله لنا، يولّدون فينا مشاعر لم يُحدثونا عنها بعد»، فما يثيره فينا الشعراء، على سبيل المثال، هو تأثير الحب، حين يجعلون القارئ يُعلّق أهمية على أشياء ليست بالنسبة لهم إلا دلالات لشعور شخصي.

قرابة روحية

ولا تنطلي دائرة التأثير تلك التي يتأملها بروست فقط على صعيد الكتابة الأدبية أو الشِّعرية فحسب، فهو يرى أن هذا التأثير هو ما تُحدثه داخلنا الفنون التشكيلية كذلك، «فالرسامون يُعلموننا على طريقة الشعراء»، على حد تعبيره، ويضرب هنا العديد من الأمثلة؛ منها لوحة «ربيع» لميليه التي ربما رغبنا مراراً أن نكون جزءاً من حقلها، وربما أردنا أن يأخذنا كلود مونيه إلى بلدة «جيفرني» على ضفة نهر السين، عند انحناءة النهر التي تركنا بالكاد نلمحها وسط ضباب الصباح في لوحته، يُطلق بروست على تلك الآصرة التي يشعر بها المتلقي «القرابة الروحية» التي تجعله يشعر بأن ثمة انتماء لهذا الحقل، أو تلك الانحناءة في النهر؛ إذ في كل لوحة يقدمونها لنا، لا يمنحوننا إلا لمحة سريعة لمشهد رائع، مختلف عن بقية العالم، في حين نرغب نحن أن نخترقه ونصير جزءاً منه.

يبدو كتاب بروست «يوميات القراءة» أقرب لحالة عاطفية، ليس فقط لخصوصية ما حملته ذكرياته من أماكن وتأملات في عملية القراءة نفسها، بل لأنه استشعر فيها دائرة أمان لا تعرفها العلاقات الحياتية، فهي «صداقة مخلصة»، صداقة لا تعرف حفاوة مُزيفة، ولا قلق فيها حيال انطباعات الآخرين عنا: «ما رأيهم فينا؟ هل أعجبناهم؟ إلى جانب الخوف من أن ينسانا هذا الآخر»، كل تلك الغصة ومنغصات الصداقة تتلاشى على عتبة تلك الصداقة النقية والهادئة مع القراءة؛ إذ لا حاجة للتزييف، فنحن، مثلاً، لا نضحك على ما يقوله «موليير» إلا لأنه مُضحك فعلاً، وحين يُضجرنا لا نخشى من أن يبدو علينا الضجر، «وإذا لم نعد نرغب في أن نكون موجودين معه، سنعيده إلى مكانه، وكأنه ليس عبقرياً ولا من المشاهير»، كما يقول بروست ساخراً.

وحسب بروست، فإن الكتاب إن لم يكن مرآة لفردية مؤثرة، يظل مرآة لعيوب مثيرة للفكر. ويستدعي شذرات من الكتب التي ساهمت في تكوين قدرته على الدهشة والكتابة، منها كتاب «الكابتن فراكاس» للكاتب الفرنسي تيوفيل جوتييه، وهو رواية مغامرات تدور أحداثها في القرن السابع عشر، يقول إنه أحب في هذا الكتاب جملتين أو ثلاثاً بدت له الأكثر أصالة وجمالاً في الكتاب كله، فلا يتخيّل أن يكون أي كاتب آخر قد كتب مثلها، يقول إن مكمن جمال هذه الجملة هو أن جوتييه كتبها وهو على دراية كاملة بهذا الجمال، وهي الجملة التي قال فيها: «الضحك ليس قاسياً أبداً بطبيعته، فهو يُميّز الإنسان عن الدابة، وهكذا كما ظهر في (الأوديسة) لهوميروس، امتياز الآلهة الخالدة والسعيدة الذين يضحكون على الطريقة الأولمبية، سُكارى في أوقات فراغهم في الأبدية»، يُعلق بروست هنا: «تلك العبارة منحتني سُكراً حقيقياً، اعتقدت أنني لم أرَ من قبل هذا القِدم الباهر للعصور الوسطى، الذي لا يستطيع إيقاظه عندي إلا جوتييه».


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».