روسيا تعلن السيطرة على 12 قرية لخلق مناطق حدودية عازلة لكن مدينة خاركيف ليست هدفاً

«الناتو» لا يتوقع حدوث اختراق روسي استراتيجي... والبنتاغون على موقفه من عدم ضرب الأراضي الروسية

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
TT

روسيا تعلن السيطرة على 12 قرية لخلق مناطق حدودية عازلة لكن مدينة خاركيف ليست هدفاً

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)
من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (رويترز)

أعلنت روسيا، الجمعة، أن جيشها يواصل التقدم في شمال شرقي أوكرانيا وأنه سيطر على 12 قرية في منطقة خاركيف خلال أسبوع منذ إطلاق هجوم بري جديد كبير، فيما أكد قائد الجيش الأوكراني أولكسندر سيرسكي، الجمعة، أن القوات الروسية وسعت منطقة القتال المحتدم بنحو 70 كيلومتراً حين شنت هجوماً في المنطقة، إلا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي حذر في اليوم السابق من «صعوبة الأوضاع» في الجهة الشمالية الشرقية، قال الجمعة إن القوات الروسية تقدمت لمسافة 10 كيلومترات لكن الوضع «استقر» اليوم.

بنايات تعرضت للقصف بسالتيفكا في خاركيف (رويترز)

ونقل موقع «آر بي سي - أوكرانيا» عن زيلينسكي قوله للصحافيين «اليوم أوقفت قواتنا الدفاعية الروس حيث هم الآن. أعمق نقطة في تقدمهم هي 10 كيلومترات». وذكر أن روسيا شنت الهجوم لإجبار أوكرانيا على إرسال كتائب إضافية من جنود الاحتياط إلى القتال. وأضاف أنه يتوقع احتدام القتال في الوقت الذي تستعد فيه القوات الأوكرانية أيضاً للدفاع عن منطقة سومي بشمال البلاد.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إن «وحدات من مجموعة الشمال حررت 12 بلدة في منطقة خاركيف... وتواصل التقدم في عمق دفاعات العدو». وقال الرئيس فلاديمير بوتين في وقت سابق، الجمعة، إن القوات الروسية التي تتقدم في منطقة خاركيف تنشئ «منطقة عازلة» لحماية المناطق الحدودية الروسية، لكنه قال إن السيطرة على مدينة خاركيف نفسها ليست جزءاً من خطة روسيا في الوقت الراهن.

توجيه الناس داخل مترو خاركيف للاحتماء بسبب الهجوم الروسي (إ.ب.أ)

وأضاف بوتين، الذي أدلى بهذه التصريحات في مؤتمر صحافي خلال زيارة دولة للصين، كما نقلت عنه «رويترز»، أن تقدم روسيا في الآونة الأخيرة في منطقة خاركيف جاء رداً على قصف أوكرانيا لمناطق حدودية روسية مثل بيلغورود. وتابع: «بالنسبة لما يحدث في منطقة خاركيف، فهذا خطأ (أوكرانيا) لأنها تنفذ هجمات وتواصل ذلك وللأسف تقصف أحياء سكنية في المناطق الحدودية، من بينها بيلغورود».

وأردف: «المدنيون يموتون هناك. ومن الواضح أنهم يقصفون وسط المدينة بشكل مباشر فضلاً عن المناطق السكنية. وقلت علناً إذا استمر هذا الحال، فسنضطر إلى إنشاء حزام أمني أو منطقة عازلة. هذا ما نفعله الآن».

وقال بوتين عند سؤاله عما إذا كانت القوات الروسية تعتزم السيطرة على مدينة خاركيف، ثانية كبرى مدن أوكرانيا: «بالنسبة لخاركيف، لا توجد مثل هذه الخطط في الوقت الحالي».

وصرّح سيرغي شويغو، الذي تولى أخيراً منصب رئيس مجلس الأمن الروسي، بأن القوات الروسية تحرز تقدماً على الجبهات كافة دون الخوض في التفاصيل. وقد تنطوي تصريحات شويغو على احتمال توغل روسي أعمق في الأراضي الأوكرانية، سواء بهدف دفع كييف إلى سحب قواتها من خط المواجهة الساخن في دونباس شرق البلاد، أو للاستيلاء على مزيد من المناطق الأوكرانية.

بنايات تعرضت للقصف بسالتيفكا في خاركيف (رويترز)

ووفقاً لتقديرات كيريلو بودانوف، رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، فإن روسيا تعتزم شن هجوم آخر عابر للحدود باتجاه مدينة سومي الواقعة شمال غربي أوكرانيا. ويعتقد بودانوف أن «مجموعة صغيرة من القوات الروسية تتركز في تلك المنطقة وجاهزة للتحرك والمضي قدماً في الهجوم المرتقب».

ويرى المحلل العسكري الروسي، أناتولي ماتفيتشوك، أن سيطرة روسيا على خاركيف ستشكل «نقطة تحول» في مسار الحرب، وستوجه ضربة قوية للقدرات الصناعية الأوكرانية.

من جانبه، يقول أولكساندر موسيينكو، رئيس مركز الدراسات العسكرية والسياسية في كييف، إن «الاستراتيجية الروسية تهدف إلى محاصرة خاركيف بعدّها مركزاً إقليمياً». وبهذه الطريقة، لن يقتصر الأمر على إنشاء منطقة عازلة بعمق 10 - 15 كم فحسب، بل سيتيح لروسيا خيار مهاجمة خاركيف في وقت لاحق.

زيلينسكي يزور جبهة خاركيف (أ.ف.ب)

قالت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، الجمعة، إن أوكرانيا بحاجة إلى مزيد من الأسلحة بعيدة المدى للتصدي للتوغل الروسي في منطقة خاركيف، إذ لا يزال الوضع «مأساوياً للغاية» في ثانية كبرى المدن في البلاد. وقالت بيربوك على هامش اجتماع في ستراسبورغ إنه من المهم قطع طرق الإمداد الروسية وتزويد أوكرانيا بأسلحة «يمكن استخدامها على مسافات متوسطة وبعيدة». وأضافت: «نعمل مع شركاء لتحقيق هذا الأمر... الوضع بشكل عام صعب للغاية». وأصبحت ألمانيا ثاني أكبر مزود بالأسلحة لأوكرانيا منذ الغزو الروسي في عام 2022، لكن المستشار أولاف شولتس يحجم حتى الآن عن تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى.

من عمليات نقل كبار السن من منطقة خاركيف (أ.ف.ب)

لكن يعتقد القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أوروبا، الجنرال كريستوفر كافولي، أن أوكرانيا يمكنها «الحفاظ على خطوطها» في مواجهة الهجوم الروسي في منطقة خاركيف. وأشار كافولي، خلال حديثه في مقر الحلف بعد اجتماع لرؤساء أركان الدول الأعضاء بحلف شمال الأطلسي، إلى أن «الروس ليست لديهم الأعداد اللازمة لتحقيق اختراق استراتيجي».

وقال الجنرال الأميركي إن الجيش الروسي يحاول استعادة الأراضي التي خسرها في خاركيف، مع تحقيق بعض المكاسب المحلية، لكن موسكو لم تحشد بعد ما يكفي من القوات للقيام بهجوم واسع. وأضاف: «الأهم من ذلك، أنهم لا يملكون المهارة ولا القدرة على العمل بالنطاق الواسع اللازم للاستفادة من أي اختراق لتحقيق ميزة استراتيجية».

زيلينسكي يزور جبهة خاركيف (أ.ف.ب)

وخلال زيارته لخاركيف وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الوضع في المنطقة بأنه مستقر. وكتب زيلينسكي عبر صفحته على منصة «تلغرام»، الخميس: «الوضع بشكل عام يمكن السيطرة عليه، ومقاتلونا يلحقون خسائر ملحوظة بالمحتلين». وقال إن التعزيزات قادمة. وقالت هيئة الأركان الأوكرانية في أحدث تقاريرها عن الوضع إن هناك نجاحاً في إبطاء الهجوم الروسي الكبير الجاري منذ أسبوع تقريباً. وتابع التقرير، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية» أنه تم إحباط «خطط العدو للتوغل إلى مواقع أعمق بقدر الإمكان في فوفشانسك وتحصين نفسه هناك». ويجري القتال في الجزء الشمالي من المدينة. وأعلنت هيئة الأركان الأوكرانية أيضاً أن الوضع تحت السيطرة.

وحذر زيلينسكي أوروبا من أن تهاجم روسيا منظومة الغاز. وقال الزعيم الأوكراني يوم الخميس لنظيره البولندي، إن أوروبا تحتاج إلى أن تكون متيقنة من أنها مستعدة لأي هجمات صاروخية روسية محتملة على منظومة نقل الغاز. وقال زيلينسكي في خطابة المسائي يوم الخميس إنه تحدث مع رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بهذا الشأن.

وقبل اندلاع الحرب، كان عدد سكان مدينة خاركيف يبلغ 1.4 مليون نسمة، ما يجعلها ثالث أهم مدينة في أوكرانيا من الناحية الاقتصادية بعد العاصمة كييف ومدينة دنيبرو.

ونظراً لقربها الشديد من الحدود الروسية، تفتقر المدينة إلى دفاعات جوية كافية، وقد تعرضت مراراً لقصف روسي مدمر بصواريخ باليستية وصواريخ مضادة للطائرات معدلة وقنابل انزلاقية. كما أن عدم تمكن الجيش الأوكراني من استخدام أسلحته الصاروخية بعيدة المدى، لاستهداف القوات الروسية المحتشدة خلف الحدود، بسبب القيود التي تفرضها الولايات المتحدة، يضاعف من الخطر على المدينة.

دبابة أوكرانية مدمرة في خاركيف (رويترز)

ورغم ذلك، لا تزال واشنطن متمسكة بموقفها. ومساء الخميس، جددت نائبة المتحدث باسم البنتاغون، سابرينا سينغ، خلال مؤتمرها الصحافي القول إن الولايات المتحدة لم تغير موقفها، وإنها لا تزال تعتقد أن المعدات والقدرات التي تمنحها مع دول أخرى لأوكرانيا: «يجب أن تستخدم لاستعادة الأراضي ذات السيادة الأوكرانية».

ورداً على سؤال عمّا إذا كان هذا طلب الأوكرانيين أو أنه شرط ملزم مصاحب لتسليم الأسلحة، قالت سينغ: «لقد جعلنا طلباتنا علنية جداً في هذا الشأن. مرة أخرى، أود أن أكرر أنه خلال كل اجتماعات مجموعة الاتصال الدفاعية عن أوكرانيا التي يعقدها الوزير لويد أوستن، يؤكد فيها أن الأسلحة المقدمة، مخصصة للاستخدام في ساحة المعركة». وأضافت: «يتحدث الوزير مع نظيره الأوكراني، عن أفضل السبل لاستخدام هذه القدرات، ونعتقد أن ذلك يقع داخل الأراضي الأوكرانية».

هذا، وقد قالت شركة «ماكسار» الأميركية للأقمار الاصطناعية التجارية، إن ضربة أوكرانية بعيدة المدى على قاعدة بيلبك الجوية التي تسيطر عليها روسيا في شبه جزيرة القرم دمرت ثلاث طائرات حربية روسية ومنشأة للوقود قرب مدرجها الرئيسي. واستندت الشركة إلى صور أقمار اصطناعية التقطت الخميس، وأظهرت تدمير طائرتين مقاتلتين من طراز ميغ - 31 ومقاتلة من طراز سو - 27. وأضافت أن الهجوم أسفر أيضاً فيما يبدو عن إلحاق أضرار بمقاتلة من طراز ميغ - 29. ولم تعلن أوكرانيا صراحة مسؤوليتها عن ضرب القاعدة الجوية.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها اعترضت الجمعة أكثر من 100 مسيّرة أطلقتها أوكرانيا خلال الليل على جنوب البلاد، فوق البحر الأسود وشبه جزيرة القرم. وقالت الوزارة في بيان إنها اعترضت 51 طائرة مسيّرة وست مسيّرات بحرية في شبه جزيرة القرم و44 مسيّرة فوق منطقة كراسنودار وست طائرات مسيّرة أخرى فوق منطقة بيلغورود. وأضافت: «خلال الليل، دمّر الطيران البحري وزوارق دورية تابعة لأسطول البحر الأسود ست مسيّرات بحرية في مياه البحر الأسود».


مقالات ذات صلة

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

الولايات المتحدة​ السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب (أ.ب)

«لولا تدخلي لاستحال إجلاؤهم»... ميلانيا ترمب تعلن هدنة في مدينة أوكرانية

أعلنت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب أنها نجحت في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مدينة أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

أوروبا عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب) p-circle

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

أعلن الجيشان الأوكراني والروسي، الجمعة، الالتزام بهدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون، ابتداءً من الثلاثاء، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

«الشرق الأوسط» (كييف)
شؤون إقليمية جانب من الاجتماع الثماني لمجموعتي «آر 4» و«إي 3» في إسطنبول (الخارجية التركية)

تحرك إقليمي ودولي لاحتواء أزمات المنطقة

بحث 8 وزراء خارجية من الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا خلال اجتماع في إسطنبول، الجمعة، محادثات غير مسبوقة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز، وملفات إقليمية ودولية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
TT

الشرطة الفرنسية تطلق الغاز المسيل للدموع لتفريق احتجاج في ليون

عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)
عنصر من الدرك الفرنسي يسير بجانب مركبة مدرعة متعددة المهام من طراز «سانتور» (Centaure) بالقرب من شارع الشانزليزيه في باريس (رويترز)

أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، اليوم (السبت)، لتفريق نحو 150 شخصاً كانوا يحتجون في مدينة ليون بجنوب شرقي فرنسا، وذلك في منطقة يُحظر فيها تنظيم أي مظاهرات، وفقاً لما رصده صحافي في «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستخدمت الشرطة عدداً من قنابل الغاز المسيل للدموع لإبعاد المحتجين الذين تجمعوا بالقرب من إحدى كليات الجامعة ومركز للشرطة في المدينة، في إطار احتجاجات تشهدها البلاد ضد ارتفاع تكاليف المعيشة. وجاء تدخل الشرطة بعد أن حاول المتظاهرون قطع الطريق، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».


فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.