لبنان يتلافى «مؤقتاً» التصنيف الرمادي لشبهات الجرائم المالية

مبادرات مكثفة لسد الفجوات خلال مهلة 6 أشهر

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)
TT

لبنان يتلافى «مؤقتاً» التصنيف الرمادي لشبهات الجرائم المالية

حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)
حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري (أ.ب)

تلقى لبنان إشعارات مطمئنة نسبياً بتأخير ضمّ تصنيفه السيادي إلى القائمة «الرمادية» للدول التي تعاني فجوات أساسية وثانوية في فاعلية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وسط ترقب لمعطيات موثقة سترد ضمن تحديثات تقرير التقييم المتبادل ستوردها مجموعة العمل المالي الإقليمية (مينا فاتف) التي تعقد اجتماعها العام الدوري (نصف السنوي) بعد أسبوع في مملكة البحرين.

ولا تكفل هذه الإشارة الإيجابية في ظاهرها، وفق معلومات «الشرق الأوسط» التي دققتها مع مسؤول معنيٍّ كبير، سوى منح السلطات اللبنانية المعنيّة مهلة جديدة، تمتد زمنياً حتى انعقاد الاجتماع الثاني للمجموعة في الخريف المقبل، أي بحدود 6 أشهر، يرتقب أن تشهد جولة جديدة لاستكمال عملية «التقييم المتبادل» والتدابير التي ينجزها الجانب اللبناني، بما يشمل التعديلات القانونية والإجرائية، لمعالجة أوجه القصور المحددة من قبل المجموعتين الإقليمية والدولية، فضلاً عن التنبيهات الواردة من وزارة الخزانة الأميركية وهيئات أوروبية مختصة.

مهلة قد لا تتكرر

وإذ تأكدت مؤسسات السلطة النقدية المعنية بأنه لن يجري تصنيف لبنان ضمن القائمة «الرمادية» خلال الاجتماعات الوشيكة، وفق مداخلة لحاكم البنك المركزي بالإنابة الدكتور وسيم منصوري، فإنه نبّه بالتوازي إلى أن «هذا الأمر غير مضمون في المراحل المقبلة»، وربما نكون قد تمكنّا من شراء الوقت حتى الآن من خلال الاجتماعات التي حصلت مؤخراً، أو من خلال الاجتماعات التي تحدث هذه الأيام تحديداً؛ لأن مسألة التصنيف لا تعود إلى مشكلة في القطاع المالي اللبناني، سواء في القطاع المصرفي أم لدى مصرف لبنان، ولكنها تكمن في مكان آخر، أي في إعادة بناء أجهزة الدولة.

وفرضت هذه الوقائع على حاكمية المصرف المركزي وهيئة التحقيق، وفق معلومات خاصة، طلب الدعم السياسي والتنفيذي من قبل رئاستي مجلس النواب والحكومة، بغية المساعدة على تطوير المعالجات المنشودة، وسد الثغرات القائمة في قطاعات حيوية، بحيث يجري تباعاً تزويد الهيئات الرقابية المعنية بتحديثات لسدّ ثغرات أساسية جرى تحديدها كأوجه قصور في إجراءات التحقيق والرقابة ضمن أنشطة القطاع غير المالي، بما يشمل تحديد الشخصيات الاعتبارية والترتيبات القانونية وصاحب الحق الاقتصادي، والتحقيقات المالية الموازية، والعقوبات المالية المستهدفة ذات الصلة بهيئات دولية وسيادية.

تعديلات مطلوبة

ويظهر تقرير التقييم المنجز من قبل المجموعة الإقليمية، وجوب مبادرة السلطات المحلية، من نقدية وغير نقدية، لإجراء تحسينات جوهرية في حزمة من التوصيات الأساسية حصل فيها لبنان على درجة «ملتزم جزئياً»، ما يتطلب حكماً إجراء بعض تعديلات في القوانين والتدابير النافذة، بما يتناسب مع مقتضيات الامتثال لكامل المعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، علماً بأن لبنان حاز درجات مرضية، ولو غير مكتملة، في التقييم العام للالتزام الفني، حيث حصل على درجة «ملتزم» أو «ملتزم إلى حد كبير» في 34 توصية من أصل 40 تعتمدها الهيئات الرقابية الدولية.

وبما يخصّ قياس الفاعلية، حصل لبنان على علامة «متدنية»، كشفت خصوصاً عن عدم كفاية القوانين والإجراءات في ملاحقة ومصادرة المتحصلات الإجرامية والأصول ذات الصلة، والادعاءات والأحكام القضائية بجرائم تبييض الأموال، والتي يجب أن تكون أكثر اتساقاً مع المخاطر، لا سيما ضرورة وجود عقوبات متناسبة ورادعة بشأنها، في حين نجح نسبياً بحيازة درجات «متوسطة» يمكن تطويرها في 9 نتائج مباشرة من أصل 11 توصية واجبة الالتزام التام.

«أعمدة بناء الاقتصاد»

وفي توصيف خريطة طريق النأي عن انزلاقات جديدة في ظل الانهيارات التي شهدها البلد، يرى منصوري أن المحاسبة عن طريق القضاء هي أول الأعمدة الأساسية لبناء الاقتصاد وإعادة الثقة، وثانيها هو رد أموال المودعين، وتنظيم علاقة المودعين مع المصارف، وثالثها إعادة الاعتبار للقطاع المصرفي، وهذا بدوره شرط أساسي لإنقاذ الاقتصاد، وإحراز النمو، وتسهيل مفاوضات لبنان فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية المانحة. أما العمود الرابع فهو إتمام الإصلاحات التي كثر الحديث عنها، وطال انتظارها. ويؤكد منصوري أنه لا بد من الشروع في هذه الأمور الأربعة، وأن تقوم كل جهة بعملها، و«يجب ألا ينتظر أحدنا الآخر، فعلى كل منا مهمة عليه القيام بها».

أما في سياق الاستجابة للتنبيهات الخارجية التي تبلغتها السلطة النقدية وتقع ضمن مهامها، وفي مقدمتها الواردة من قبل السلطات المالية الأميركية والبنوك المراسلة، يواصل البنك المركزي جهوده المركزة لضبط الانفلاش النقدي بالعملة الخضراء، والذي قدره البنك الدولي بما يصل إلى نحو 10 مليارات دولار، أي ما يوازي نحو نصف الناتج المحلي.

فبالإضافة إلى الضبط المحكم للكتلة النقدية بالعملة الوطنية تحت مستوى 60 تريليون ليرة، تساوي سوقياً نحو 700 مليون دولار بالحد الأقصى، يكثف البنك المركزي جهوده لاستبدال التداولات بالدولار النقدي (البنكنوت) بتشجيع استعمال وسائل الدفع الإلكترونية التي تضمن التحقق الفني والتقني عبر تطبيقات قاعدة «اعرف عميلك» (KWC) التي تلتزمها البنوك والمؤسسات المالية المصدرة للبطاقات، والتي تتوافق تماماً مع المعايير الرقابية الدولية والمتعلقة خصوصاً بمكافحة تبييض الأموال، ومكافحة تمويل الإرهاب.

بطاقات الدفع

ومع السعي لتنشيط العمليات المنفذة وفقاً للتعميم 165 المتعلق بإنشاء مقاصة خاصة لدى البنك المركزي لتسوية الشيكات والتحويلات النقدية بالدولار «الفريش» والليرة، كبديل مرن وسهل للنقود الورقية ومخاطر التزوير والنقل وسواها، يعمل مصرف لبنان، بالتعاون والتنسيق مع وزارة المالية، على مشروع اعتماد بطاقات الدفع كوسيلة لتسديد الضرائب والرسوم لدى جميع صناديق وزارة المالية الأساسية المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية، وذلك بعد تركيب نقاط بيع (POS Machines) لدى هذه المراكز.

واكتسبت هذه المبادرات ثقة مضافة من خلال التعاون مع الشركات الدولية المختصّة، وفي مقدمتها شركتا «ماستركارد» و«فيزا»، من خلال عقودهما المبرمة مع المصارف المحلية والمؤسسات المصدرة للبطاقات والمحافظ الإلكترونية، ما دفع بفريق مجموعة العمل المالي إلى تقديرها بـ«الإيجابية»، والتطلع إلى نتائج فعالة لضبط الشبهات المحتملة لبعض المبادلات النقدية.

كما تعكف المصارف والمؤسسات المالية على تنشيط أقسام الخدمات المصرفية التكنولوجية، وتجديد التسهيلات لإصدار حزمات متنوعة من خدمات الدفع الإلكتروني، لا سيما تلك المتعلقة ببطاقات الدفع، بأقل تكلفة ممكنة، في حين يؤمل تحقيق استجابة مماثلة في تنفيذ عمليات السداد عبر نقاط البيع لدى التجار، من خلال عدم وضع أي رسوم أو أعباء إضافية على المستهلك عند استعماله بطاقات الدفع، كون ذلك مخالفاً للقانون، ويلحق ضرراً بالاقتصاد الوطني.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

المشرق العربي لبنانية تحتضن نعش ابنها الذي قتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان خلال تشييعه في مدينة صور (أ.ف.ب)

إسرائيل تتوغل لعزل جنوب لبنان والقبض على مرتفعاته

تقدمت القوات الإسرائيلية إلى بلدة دبين الاستراتيجية في قضاء مرجعيون بجنوب لبنان، وذلك في مسعى للوصول إلى ضفاف نهر الليطاني.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي امرأة توزع الحلوى على أطفال في مخيم للنازحين أُقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)

«يونيسف»: الحرب تصيب 11 طفلاً في لبنان خلال يوم

دقّت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ناقوس الخطر بشأن أوضاع الأطفال في لبنان، كاشفة عن أرقام تعكس حجم الخسائر البشرية المتزايدة في صفوف القاصرين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

تحليل إخباري بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)

التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري في لبنان موسعة دائرة الاستهدافات من الجنوب إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً بمحيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني بيما وسّع الحزام الناري إلى 20 كيلومتراً.

نذير رضا (بيروت)

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

إسرائيل تحبط مسار المفاوضات الأمنية بالإصرار على التمدد العسكري

متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)
متطوعون في الدفاع المدني ينقلون نعوش 6 مدنيين قتلوا بغارة إسرائيلية أثناء إخلاء بلدتهم في جنوب لبنان (أ.ب)

أحبطت إسرائيل مسار المفاوضات الأمنية مع لبنان، الذي انطلق في واشنطن الجمعة، بإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على مشارف الأراضي اللبنانية المحتلة، توسيع العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وعبور قواته نهر الليطاني، فيما قال رئيس الأركان إيال زمير إن «الخط الأصفر لا يقيّدنا»، وإن جيشه سيعمل «في كل مكان نرصد فيه تهديداً».

وبالتزامن مع انطلاق المفاوضات الأمنية بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة الجمعة، تلقى الرئيس اللبناني جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، جرى خلاله عرض للأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والتطورات الراهنة. وأكد الرئيس عون، خلال الاتصال، ضرورة بذل كل الجهود الممكنة من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، باعتباره المدخل الأساسي للانتقال إلى أي خطوة أخرى، والممر الضروري لتهيئة الظروف المناسبة لمعالجة مختلف الملفات والقضايا المطروحة.

وقالت الرئاسة اللبنانية إن الوزير روبيو «جدّد التزام الإدارة الأميركية بالاستمرار في مساعيها لتثبيت مخرجات لقاءات واشنطن السابقة، كما دعمها استقرار لبنان واستقلاله وسيادته على كامل أراضيه، وحقّه الطبيعي والكامل في تقرير مصيره».

نتنياهو

وفيما كانت الجلسة تُعقد في واشنطن، بمطلب لبناني حاسم بوقف إطلاق النار، قال نتنياهو خلال زيارة للفرقة 36 على الحدود الشمالية إن «القوات الإسرائيلية تواصل عملياتها ضد (حزب الله) في جنوب لبنان والبقاع ومحيط بيروت»، مؤكداً أن الجيش الإسرائيلي «يعمل دون توقف على مختلف الجبهات».

وأضاف أن القوات الإسرائيلية «عبرت نهر الليطاني وتجاوزته»، مشيراً إلى أن الجيش يواصل تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف تابعة لـ«حزب الله» ضمن ما وصفه بمنع التهديدات التي تستهدف المستوطنات الشمالية.

رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير خلال زيارته جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

تخطي الخط الأصفر

بالموازاة، قام رئيس الأركان، الجنرال إيال زمير، بزيارة إلى الفرقة 210، حيث أجرى تقييماً للوضع من موقع رصد في المواقع المتقدمة في هار دوف (مزارع شبعا المحتلة) داخل الأراضي اللبنانية، المطلة على وادي عيون وعلى السلاسل الجبلية المسيطرة شمالاً وغرباً في جنوب لبنان، وذلك إلى جانب القادة في الميدان. كما شاهد تشغيل النيران من قبل القوات الإسرائيلية في الميدان، حسبما قال الجيش الإسرائيلي، في بيان.

وقال زمير: «هناك ضربات تراكمية وغير مسبوقة ضد (حزب الله)، من آلاف المخربين حتى قادة كبار وطبقات قيادية متوسطة. لا يوجد مكان يشكل حصناً لـ(حزب الله)، ولا يوجد مكان يتمتع فيه بالحصانة». وتابع: «الخط الأصفر لا يقيّدنا، في كل مكان نرصد فيه تهديداً وفي كل مكان نحتاج فيه إلى إزالة تهديد، سنعمل، وفي كل مكان توجد فيه حاجة عملياتية للمناورة، سنناور. كل ضربة لـ(حزب الله) هي أيضاً ضربة للمحور الإيراني والاستثمار الإيراني في المنطقة. نحن مستعدون لأي تطور، ونحافظ على جاهزية عالية أيضاً في مواجهة إيران».

وقال زمير إن «هدفنا واضح، تعميق ضرب (حزب الله)، وإبعاد التهديد، وتعزيز الدفاع عن بلدات الشمال. هذا هو الهدف المركزي الذي يوجّه كل عمل وكل قرار. حتى في هذه اللحظات قواتنا تتقدم وتعمل. كل إنجاز إضافي على الأرض يعزز أمن السكان ويساهم في خلق ظروف أفضل لترتيبات أمنية مستقبلية محسّنة من موقع قوة».

وإذ أعلن عن قتل 7500 مقاتل في «حزب الله»، بينهم 2500 منذ بدء الحرب الحالية، قال إن «تهديد الطائرات المسيّرة هو تحدٍ، لكننا سننتصر عليه. ساحة المعركة ليست نظيفة، ولن تكون كذلك، لكننا نستثمر فيها أفضل الموارد والعقول والقدرات في جيش الدفاع»، لافتاً الى «حلول عملياتية وتكنولوجية في مراحل التطوير والتطبيق، وسنواصل إدخالها إلى ساحة المعركة بسرعة».

قلق بريطاني

ويثير التصعيد الإسرائيلي قلقاً دولياً. وقال السفير البريطاني لدى لبنان هاميش كول: «نحن قلقون جداً إزاء الوضع في جنوب لبنان»، لافتاً إلى مقتل مدنيين، بينهم مسعفون، وهدم القرى والبنى التحتية المدنية والمخاطر التي تهدد مواقع التراث الثقافي ذات الأهمية العالمية.

وقال، في تصريح: «هناك حاجة ماسة إلى خفض التصعيد، كما على الأطراف جميعهم احترام وقف إطلاق النار والالتزام بالقانون الدولي الإنساني».

وتابع: «تُشكل المحادثات بقيادة الولايات المتحدة فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق تفاوضي، وهو السبيل الوحيد الذي يُمكّن المجتمعات على جانبي الحدود من العودة بثقة إلى العيش بسلام. وستعمل المملكة المتحدة مع شركائها على دعم إنهاء هذا الصراع غير المرغوب فيه وغير الضروري بشكل دائم».

تداعيات إنسانية

ومع توسع الحرب، رفع منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، مستوى التحذير من التداعيات الإنسانية للتصعيد، معتبراً أن المدنيين يتحملون العبء الأكبر للأعمال العدائية وأوامر التهجير.

وقال ريزا إن أوامر الإخلاء الواسعة وغير الواضحة في صور والنبطية ومناطق جنوب الزهراني تسببت بحالة واسعة من الذعر والمعاناة، وأجبرت أعداداً كبيرة من العائلات على النزوح مجدداً بحثاً عن الأمان.

وأشار إلى أن القطاع الصحي يتعرض لضغوط غير مسبوقة، موضحاً أن 182 هجوماً استهدفت مرافق وعاملين صحيين منذ الثاني من مارس (آذار)، وأسفرت عن مقتل 125 من العاملين في القطاع الصحي وإصابة 311 آخرين.

وأضاف أن مراكز الإيواء بلغت طاقتها القصوى، فيما لا تزال المدارس تُستخدم لاستضافة النازحين، ما يحرم آلاف الأطفال من حقهم في التعليم.

صورة مركبة لغارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

بالتوازي مع التحذيرات الإنسانية، حذّر وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة من المخاطر التي تهدد مواقع أثرية أساسية في لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية.

ودعا سلامة منظمة «اليونيسكو» إلى تعيين مفوض خاص، وإرسال لجنة تحقيق لتقييم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، فور التوصل إلى هدنة، مشيراً إلى أن لبنان وضع إشارات الحماية الدولية الخاصة بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، إلا أن القصف استمر رغم ذلك.


مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
TT

مفكر مقرّب من نتنياهو: «حزب الله» جر إسرائيل لحرب استنزاف

جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)
جنديتان في الجيش الإسرائيلي تبكيان زميلة لهما قتلت في جنوب لبنان الخميس (أ.ف.ب)

في الوقت الذي يطالب فيه الجيش الإسرائيلي بإطلاق يده لتصعيد أكبر في لبنان، خرج البروفسور إيال زيسر، الذي يعدّ اليوم عميد أحزاب اليمين، بموقف سياسي علني ضده؛ يشير فيه إلى أن العمليات الحربية في لبنان باتت خطأ استراتيجياً يلحق أضراراً جسيمة في المصالح الإسرائيلية، ويظهر إخفاقاً شديداً في إدارة الحرب.

وقال زيسر، في مقابلة مع إذاعة إسرائيلية، إن هذه العمليات التي تستهدف بالأساس البيئة الشيعية في لبنان، لن تعود بأي نتيجة إيجابية لإسرائيل، مثلها كمثل المساس بالمواطنين في قطاع غزة؛ فلا هذه أثرت على قيادة «حماس»، ولا تلك أثرت على قيادة «حزب الله». كلاهما عمق الشعور بأنهما ضحية. وهي تؤدي إلى التفاف جماهيري حول «حزب الله» يسهم في إنقاذه من السقوط، بعدما تلقى ضربات قاسية، وتعدّ أيضاً نجاحاً للحزب في جرّ إسرائيل إلى حرب استنزاف غبية لاصطياد جنودها. ويكلف احتلال الأراضي اللبنانية إسرائيل ثمناً باهظاً؛ فقْدها جنودها وأخْذها إلى أماكن بعيدة عن مصالحه.

انتقادات في الجبهة الإيرانية

انتقد زيسر الأداءين الأميركي والإسرائيلي في الجبهة الإيرانية أيضاً، لأنه لم يأخذ في الحسبان مفاهيم وعقائد النظام هناك؛ فقد وضعا هدفاً هو إسقاط النظام، وما دامت الحرب ستنتهي من دون إسقاطه، فإنه سيظهر لشعبه أنه صمد. وهذا الصمود بحد ذاته خطير لأنه يعيد للنظام ثقته بنفسه، رغم كل ما تعرض له من تصفيات وتدمير.

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة، لأنه جاء مناقضاً بشكل صدامي مع قيادة الجيش الإسرائيلي، التي تتهم الحكومة بتقييد أيديها ومنعها من إكمال مهامها، وتطالب بمنحها فرصة القصف الجارف في بيروت، وعدم اقتصار العمليات على الاغتيالات. وينطلق الجيش في هذا الموقف من ردود الفعل التي تتسم بالنقد الحاد في الشارع الإسرائيلي، حيث يُتهم بالفشل في توفير الأمن لسكان الشمال.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نادي مارالاغو ببالم بيتش فلوريدا - 29 ديسمبر 2025 (رويترز)

التزام برؤية ترمب

يزعج هذا الموقف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لأنه يعارض التصعيد الأكبر؛ ليس بإرادته بل نتيجة لالتزامه بإرادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وهو يقول إن هذا الرئيس، الأفضل لإسرائيل، الذي أثبت أنه يدعمها أكثر من أي رئيس قبله، ويحتاجه نتنياهو لدعمه شخصياً في معركة البقاء التي يخوضها حتى على صعيد معركته القضائية في محاكمة الفساد.

ويدل خروج البروفسور زيسر بهذا الموقف الحاد ضد خطط الجيش، على أن نتنياهو بدأ يمهد لوقف الحرب؛ ليس لأنه يريد وقفها، فهو أكثر من يريد استمرار الحرب؛ لكنه مقتنع بأن الإدارة الأميركية حسمت أمرها لوقف الحرب، على الأقل في هذه المرحلة، عشية افتتاح المونديال والاحتفالات المقبلة في يوليو (تموز) لمناسبة مرور 250 سنة على تأسيس الولايات المتحدة. وهو لا يريد إحراج الرئيس ترمب، الذي يتعرض لحملة في الشارع الأميركي تتهمه بأنه يندفع لهذه الحرب بتأثير نتنياهو، ويفكر في الالتزام بما يريده الرئيس الآن، و«يثق في أن غرور القيادة الإيرانية سيجعلها تخرب أي اتفاق يتم التوصل إليه، وعندها تنفجر الحرب من جديد بسببها، وليس بسبب إسرائيل».

وفي هذه الأثناء، عاد نتنياهو إلى «عقيدة الشك» ليتهم الجيش والدولة العميقة بالتآمر عليه ومحاولة إسقاطه في الانتخابات القريبة، التي ستجري في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويرى أنه في هذا الوقت يجب التركيز على الإنجازات التي تحققت في الحرب على كل الجبهات، وليس التورط في مزيد من العمليات الحربية. وراح يستخدم تعابير يستخدمها اليسار الراديكالي في العادة؛ مثل «توسع الحرب يورط إسرائيل في حرب استنزاف»، و«لا يحقق أهداف الحرب». ويتحدث عن ضرورة وجود نفس طويل في إسرائيل، فالمعركة طويلة ولا تحسم بضربة واحدة، وغير ذلك من المواقف غير المألوفة بقاموس نتنياهو.


لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل يتقدمان نحو ترتيبات أمنية برعاية أميركية

الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)
الجدار الحدودي الفاصل بين لبنان وإسرائيل (أ.ف.ب)

أجرى الجيشان اللبناني والإسرائيلي، الجمعة، محادثات مباشرة لا سابق لها في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، ضمن مسار أمني موازٍ للمفاوضات السياسية التي بدأت قبل أسابيع، وتشهد جولة جديدة الثلاثاء والأربعاء المقبلين، رغم مضي إسرائيل في احتلال أجزاء واسعة من لبنان في ظل القتال مع مجموعات «حزب الله».

وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي. ويهدف الاجتماع إلى إحراز تقدم جوهري على اتفاق إطاري يشمل ترتيبات أمنية برعاية أميركية.

ومع بدء محادثات المسار الأمني في «البنتاغون» صباح الجمعة، حضر وفد لبناني رفيع بقيادة مدير العمليات في الجيش العميد الركن جورج رزق الله، وعضوية العميد الركن زياد رزق الله، والعميد الركن شادي أبو كروم، والعميد الركن وائل عباس، والعقيد مازن الحاج، والعقيد وديع رفول، بالإضافة إلى الملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وحضرت السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، افتتاح هذه المحادثات. في المقابل، قاد الوفد الإسرائيلي رئيس القسم الاستراتيجي لمديرية التخطيط في الجيش عميحاي ليفين.

جنود لبنانيون يحملون نعش الجندي علاء مدلج الذي قُتل بغارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

وقف النار

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر عسكري لبناني أن الوفد «سيشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، ويعرض خطة الجيش لحصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية». وخلال المحادثات، قدم الوفد اللبناني شرحاً مفصلاً عما أدت إليه الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الأراضي اللبنانية، التي لم تقتصر على «حزب الله». وقال أحد أعضاء الوفد إن «الهجمات لم تؤدِ إلى النتيجة التي تتوخاها إسرائيل. وبالتالي يجب أن تتولى الحكومة اللبنانية زمام الأمور للقيام بواجباتها فيما يتعلق بالحفاظ على السيادة اللبنانية بصفتها الجهة الوحيدة المخولة باحتكار حمل السلاح». وأضاف أن «المدخل إلى ذلك هو الوقف الثابت لإطلاق النار»، والشروع في عملية «خطوة مقابل خطوة».

جنود إسرائيليون يحملون نعش الجندي نوعام همبرغر الذي قُتل بمسيرة أطلقها «حزب الله» (أ.ب)

ومع ذلك، واجه مطلب لبنان وقف النار «تحدياً كبيراً» في ظل الدعم الأميركي الواضح للعمليات العسكرية الإسرائيلية ضد «حزب الله». وكرر المسؤولون الأميركيون في الآونة الأخيرة أنه «من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها، وأن تتحرك بحرية لمواجهة تهديدات (حزب الله)».

ويركز الموقف الإسرائيلي على «ضرورة أن تباشر الدولة اللبنانية فوراً في عملية نزع سلاح (حزب الله)». وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي. وعلمت «الشرق الأوسط» أن الوسطاء الأميركيين، بالإضافة إلى «معالجة الأوضاع الآنية»، يضعون «خططاً استراتيجية مفصلة» يمكن العمل عليها من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، ولا سيما لجهة العمل على «تفكيك» الجناحين العسكري والأمني لـ«حزب الله» باعتباره «أساساً لترتيبات أمنية مستقبلية» تضمن «استعادة لبنان سيادته على كامل أراضيه»، كما تكفل «الأمن التام لإسرائيل، ولا سيما في مناطقها الشمالية».

وناقش المجتمعون اقتراحات عرضت سابقاً على الطرفين، وتشمل إنشاء «آلية مراقبة» لتنفيذ الاتفاقات الأمنية على غرار القوة متعددة الجنسية التي أُنشئت في سيناء بعد التوصل إلى اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر وإسرائيل.

اتفاق الهدنة

ويأمل الجانب اللبناني اعتماد اتفاق الهدنة لعام 1949 بين لبنان وإسرائيل، فيما لم يؤكد أي مسؤول أميركي بعض التسريبات اللبنانية عن أن المحادثات شملت إنشاء «مناطق نموذجية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسليمها إلى الجيش اللبناني، على سبيل الاختبار. فإذا نجحت يجري الانسحاب من المزيد من المناطق.

في غضون ذلك، أكد رئيس «مجموعة العمل الأميركية» المعنية بلبنان، إدغار غابريال، أن لديه «إيماناً راسخاً» بأن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران «يجب أن يُسهم ليس فقط في خفض التصعيد النووي، وإنما أيضاً في تحقيق استقرار إقليمي أوسع نطاقاً، وذلك من خلال معالجة دعم طهران الجماعات المسلحة غير الحكومية التي تُواصل تقويض السيادة وتأجيج عدم الاستقرار في المنطقة، ولا سيما في لبنان».

وبحسب «مجموعة العمل»، فإن ذلك «يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى لبنان الذي يواجه فرصة نادرة، ولكنها هشّة، لاستعادة سلطة الدولة، وتوطيد وقف إطلاق النار، وتعزيز الجهود المبذولة لمواجهة تسليح (حزب الله)، واتباع مسار دبلوماسي يُجنّب لبنان دوامات الصراع المتكررة».

وأثنت المجموعة على جهود الرئيس دونالد ترمب «لتجنّب حرب إقليمية أوسع»، مضيفة أنه «سيكون من الضروري لدعم السيادة اللبنانية وتعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار طويل الأمد، ضمان تضمين أي اتفاق آليات فعّالة للقضاء على تمويل وتسليح ودعم العمليات للوكلاء الإقليميين»، ومنها «حزب الله».