«حرب غزة»: القاهرة تدعو إلى إقرار هدنة وتبادل الأسرى

شكري شدد على رفض التدخل العسكري في رفح

الفلسطينيون النازحون داخلياً الذين فروا من شمال قطاع غزة يسيرون على طول طريق الرشيد (إ.ب.أ)
الفلسطينيون النازحون داخلياً الذين فروا من شمال قطاع غزة يسيرون على طول طريق الرشيد (إ.ب.أ)
TT

«حرب غزة»: القاهرة تدعو إلى إقرار هدنة وتبادل الأسرى

الفلسطينيون النازحون داخلياً الذين فروا من شمال قطاع غزة يسيرون على طول طريق الرشيد (إ.ب.أ)
الفلسطينيون النازحون داخلياً الذين فروا من شمال قطاع غزة يسيرون على طول طريق الرشيد (إ.ب.أ)

أكدت مصر أنها «دائماً تعمل على احتواء الأزمة في غزة، والتوصل إلى وقف إطلاق النار واستعادة الرهائن». وقال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إن بلاده «بذلت جهداً كبيراً مع الولايات المتحدة وقطر في هذا الصدد منذ أشهر، لكن للأسف لم تكلل هذه الجهود حتى الآن بالنجاح»، إلا أنه أشار إلى أن «هذا لا يعني إطلاقاً التوقف عن تقديم العون للأطراف لتحقيق هذا الهدف لأنه حيوي لحماية الفلسطينيين».

ومنذ نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، يسعى الوسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة إلى الوصول إلى هدنة في قطاع غزة، وعُقدت جولات مفاوضات ماراثونية غير مباشرة في باريس والقاهرة والدوحة، لم تسفر حتى الآن عن اتفاق. وسبق أن أسفرت وساطة مصرية - قطرية عن هدنة لمدة أسبوع في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تم خلالها تبادل محتجزين من الجانبين.

وأكد مصدر مصري، مساء الخميس الماضي، «مغادرة وفود (حماس) وإسرائيل، القاهرة عقب جولة مفاوضات امتدت لمدة يومين». وأشار المصدر حينها إلى أن «الجهود المصرية وجهود الوسطاء مستمرة في تقريب وجهات نظر الطرفين، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة بقطاع غزة».

إرادة سياسية

وأجرى شكري مباحثات في القاهرة، (الأحد)، مع نائب رئيس الوزراء وزيرة الشؤون الخارجية والأوروبية بسلوفينيا، تانيا فايون. وأكد «استمرار جهود الوساطة مع الشركاء الآخرين، لكن لا بد أن تكون هناك إرادة سياسية تأتي بنتيجة، وندعو الكل لممارسة هذا الدور لنصل إلى وقف إطلاق النار، لأن الوضع الإنساني في غزة لا يحتمل، والأضرار المادية بالغة وحجم التدمير كبير، لذلك لا بد من وصول الأطراف إلى اتفاق».

وأشار شكري إلى أن «هناك أطروحات معتدلة تلبي الغرض للجانبين يجب أن تتم الموافقة عليها حتى تكون هناك هدنة ويكون هناك تبادل للأسرى، وتعامل مع الوضع الإنساني الصعب، ومنع أي نوع من النزوح، الذي قد يفرغ الأرض من الفلسطينيين، وهذا أمر حريص عليه الشعب الفلسطيني ويعمل على تجنبه».

ودعت مصر كلاً من «حماس» وإسرائيل، أخيراً، إلى إبداء «مرونة» من أجل التوصّل «في أسرع وقت» إلى هدنة في غزة تتيح أيضاً إطلاق سراح رهائن محتجزين في القطاع الفلسطيني. وكانت «حماس» وافقت، الاثنين الماضي، على مقترح هدنة عرضه الوسطاء، قبل ساعات قليلة من دخول القوات الإسرائيلية إلى معبر رفح. لكنّ إسرائيل قالت إن هذا الاقتراح «بعيد جداً عن مطالبها»، وكررت معارضتها لوقف نهائي لإطلاق النار.

الدخان يتصاعد فوق الأراضي الفلسطينية خلال قصف إسرائيلي في وقت سابق (أ.ف.ب)

اتفاقية السلام

وحول تداعيات التصعيد الإسرائيلي في رفح الفلسطينية على اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، قال وزير الخارجية المصري، إن «اتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية، هي خيار استراتيجي اتخذته مصر من أكثر من 4 عقود، وتعد الركيزة الرئيسية في المنطقة لتحقيق السلام والأمن»، مضيفاً أن «الاتفاقية لها آلياتها التي يتم تفعيلها لتناول أي مخالفات قد تكون قد تمت، ولها الآليات الخاصة بالتعامل مع هذه المخالفات إذا وُجدت، وهذا أمر يتم في إطار لجنة الاتصال العسكري، ونستمر في التعامل مع الاتفاقية من هذا المنظور».

وبشأن مباحثات مصر مع وزراء خارجية الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا خلال الأيام الماضية لمناقشة التصعيد الأخير في رفح، قال شكري إن الغرض من هذه المباحثات «تقييم مجريات الأمور في إطار التدخل العسكري في رفح، وأهمية العمل بشكل وثيق لمنع تطور هذا الأمر»، لافتاً إلى أن «هناك توافقاً دولياً فيما يتعلق برفض توسيع رقعة الأعمال العسكرية في رفح أو الدخول إليها؛ لما تترتب عليه من أضرار بالغة على المدنيين الفلسطينيين».

في السياق ذاته، جدد مصدر مصري، الأحد، «التأكيد على قيام مصر بتحذير إسرائيل من خطورة التصعيد وتداعياته على الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة». وحذّرت القاهرة كثيراً من مخاطر أي عملية عسكرية إسرائيلية برفح الفلسطينية جنوب قطاع غزة، لما ينطوي على هذا العمل التصعيدي من «مخاطر إنسانية بالغة».

فلسطينيون يقودون سياراتهم بين أنقاض المنازل المدمرة في أعقاب عملية عسكرية إسرائيلية بخان يونس (إ.ب.أ)

وقف النار

من جهته، أكد وزير الخارجية المصري أن «رسالتنا دائماً هي ألا نكتفي بالحديث الشفهي، لكن لا بد من وجود إجراءات مؤثرة وردود فعل تأتي بما ندعو إليه من ضرورة احتواء الأمر، والوصول إلى وقف إطلاق النار الكامل، والعمل على توفير المساعدات الإنسانية في ظل الوضع الحالي، الأمر الذي يقتضي أن تتحمل إسرائيل مسؤوليتها بوصفها دولة احتلال، وأن تفتح معبر رفح مع وجود كميات كبيرة من المساعدات والمواد الحيوية تنتظر الدخول»، مشدداً على «ضرورة تهيئة الظروف وفتح المعبر مرة أخرى لإدخال هذه المساعدات».

وكانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) قد أكدت في وقت سابق، أن «التهجير القسري، والعمليات العسكرية في رفح الفلسطينية يزيدان من تفاقم الوضع الكارثي الموجود بالفعل، بعد أوامر إخلاء جديدة أصدرتها السلطات الإسرائيلية، والتي تأثّر بها ما لا يقل عن 300 ألف شخص في جميع أنحاء قطاع غزة».

ودعت القوات الإسرائيلية سكان بعض الأحياء والمخيمات في جنوب قطاع غزة وفي مدينة رفح الفلسطينية، لإخلاء تلك المناطق، ونشر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، بياناً عبر حسابه على «إكس»، (السبت)، وجّه فيه «نداء إلى جميع السكان والنازحين الموجودين في منطقة جباليا، وأحياء السلام، والنور، وتل الزعتر، ومشروع بيت لاهيا، ومعسكر جباليا، وعزبة ملين، والروضة، والنزهة، والجرن، والنهضة، والزهور، للانتقال فوراً إلى المأوى غرب مدينة غزة». كما حذر أدرعي سكان هذه المناطق من «الخطر».

الصورة تظهر القوات العاملة في منطقة البريج وسط قطاع غزة في وقت سابق (أ.ف.ب)

انتهاكات إنسانية

من جانبها، قالت الوزيرة السلوفينية إنه «بعد مقتل 35 ألف مدني بريء، من بينهم نساء وأطفال، لا تزال العمليات العسكرية مستمرة، ورأينا تهجيراً قسرياً للمدنيين الأبرياء، وكلها تعد انتهاكات للقانون الإنساني الدولي»، مشيرة إلى أن «أكثر من مليون شخص يقعون تحت خطر المجاعة، وهناك خطة إسرائيلية متعلقة بتهجير المدنيين». وأعربت عن إدانة بلادها بشدة لتلك الخطة وللهجمات الإسرائيلية ضد رفح أيضاً، حيث طلبت من إسرائيل «مراراً وتكراراً التوقف عن هذا الأمر وعدم الاستمرار فيه».

ومنذ بدء العملية الإسرائيلية في رفح الفلسطينية، الأسبوع الماضي، وسيطرة القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، توقفت عملية إدخال شاحنات المساعدات بشكل كامل، بينما لا تزال الشاحنات تنتظر إعادة تشغيل المعبر وسط تحذيرات أممية متكررة من نقص المساعدات الغذائية والإنسانية لأكثر من مليون فلسطيني.

فايون قالت إن «بلادها حريصة على ضرورة التوصل لوقف إطلاق نار فوري في قطاع غزة»، مشيرة إلى أن الجانب الإسرائيلي «لم يبدِ أي علامات إيجابية خلال المناقشات معه بضرورة وقف إطلاق النار»، لافتة إلى أن بلادها «ستفعل أي شيء للتوصل لاتفاق يقضي بحل الدولتين». ودعت خلال المؤتمر الصحافي مع شكري في القاهرة، إلى «التوقف عن أعمال التصعيد التي تؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا في غزة»، مشيرة إلى أن «سلوفينيا تبذل قصارى جهدها في إطار ضمان وصول المساعدات الإنسانية للمتضررين من استمرار القتال في جميع مناطق القطاع».

وأكدت مصر مرات عدة أن «معبر رفح يعمل من الجانب المصري بشكل كامل ولم يتعرض للإغلاق؛ لكن عقبات على الجانب الفلسطيني تعوق انتظام عملية التشغيل منذ بداية الأحداث».

إلى ذلك، قال المتحدث باسم حركة «فتح»، عبد الفتاح دولة، إن «هجوم حكومة إسرائيل على رفح الفلسطينية جاء في إطار الخطة العدوانية الشاملة التي وُضعت لتدمير قطاع غزة بالكامل». وأضاف في تصريحات متلفزة، (الأحد)، أن «ما يمارسه جيش الاحتلال الآن من جرائم إبادة جماعية، لم تُبقِ شيئاً من قطاع غزة، ولم تَبقَ إلا رفح الفلسطينية».


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يمشطون أحد شوارع بلدة كفر عقب في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في قرية شرق مدينة رام الله، في ظل تصاعد العنف في الضفة الغربية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي مخيم للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

مصادر: مجلس السلام برئاسة ترمب يواجه أزمة مالية تعطل خطة غزة

أفادت مصادر بأن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من 17 مليار دولار سبق التعهد بها لغزة، مما يحول دون المضي قدماً في خطة دونالد ترمب لمستقبل القطاع المدمر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
TT

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)
جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

أثار قرار مجلس الأمن الدولي، القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس (آب) 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات، بالنظر إلى سجل ممتد لأكثر من عقد من التمديد دون تحقيق نتائج حاسمة على الأرض.

ويعيد القرار، الذي جاء بناء على مقترح بريطاني، صدر الثلاثاء بإجماع الأعضاء، تمديد تدابير قائمة منذ عام 2014، مانحاً الدول الأعضاء صلاحيات تفتيش السفن المشتبه في تورطها بتصدير النفط بشكل غير مشروع، كما يخول للجنة العقوبات فرض إجراءات، تشمل منع هذه السفن من دخول الموانئ، أو حظر التعاملات المالية المرتبطة بها، مع إعادة الشحنات المصادرة إلى ليبيا.

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (المؤسسة الوطنية للنفط)

ورغم وضوح هذه الآليات، يرى سياسيون وخبراء أن استمرار أنشطة التهريب، كما توثقه تقارير أممية متعاقبة، يعكس فجوة بين النصوص القانونية وواقع التنفيذ.

تدابير «صورية»

في هذا السياق، عدّ وزير النفط الليبي السابق، محمد عون، أن التدابير الدولية تبدو في كثير من الأحيان «صورية»، مستشهداً بتجربة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا المفروض منذ عام 2011، الذي جرى تمديده مراراً، لكن دون أن ينجح في وقف تدفق الأسلحة إلى أطراف النزاع.

وربط عون محدودية الفاعلية بتضارب مصالح القوى الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي، ما يؤدي، حسبه، إلى إضعاف تنفيذ القرارات الأممية، وإبقائها في إطارها النظري، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

ميناء مرسى البريقة النفطي الليبي (المؤسسة الوطنية للنفط)

ويأتي هذا القرار على وقع جدل لا ينقطع بشأن «تهريب النفط» في بلد يعاني انقساماً عسكرياً أمنياً مزمناً لأكثر من عقد، فاقمه تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة مؤخراً، الذي كشف عن أنماط متشابكة لعمليات التهريب، تتداخل فيها شبكات اقتصادية مع مجموعات مسلحة.

وخصّ التقرير الأممي بالاسم شركة «أركنو» الخاصة، التي تأسست عام 2023، إذ يُعتقد أنها خضعت لسيطرة غير مباشرة من نائب قائد «الجيش الوطني» في شرق البلاد، الفريق صدام حفتر، مع اتهامات بتحويل ما لا يقل عن ثلاثة مليارات دولار من عائدات النفط إلى حسابات خارج ليبيا خلال أقل من عامين.

وأثارت هذه المعطيات جدلاً داخلياً، خصوصاً عقب إعلان حكومة «الوحدة» في غرب البلاد إنهاء التعاقد مع الشركة، وهي خطوة عدّها خصومها غير كافية لمعالجة جذور الأزمة، في ظل غياب مسار واضح للمساءلة، أو تفكيك الشبكات المتورطة.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، جدّد قرار مجلس الأمن، الصادر الثلاثاء، التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة إدارة الموارد النفطية في البلاد، في محاولة لضبط قنوات التصدير الرسمية، ومنع الالتفاف عليها.

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، محمد الشحاتي، أن تجديد القرار، ورغم أهميته النظرية، لم يحقق النتائج المرجوة منذ عام 2014، مشيراً إلى أن السنوات التي أعقبت صدوره شهدت «أسوأ موجات التهريب»، التي لم تقتصر على الوقود، بل امتدت لتشمل تهريب البشر أيضاً.

ويعزو الشحاتي ذلك إلى غياب الانضباط المحلي، وضعف إنفاذ القانون، مؤكداً أن أي قرارات دولية، مهما بلغت قوتها، تظل محدودة الجدوى إذا لم تقترن بإرادة داخلية حقيقية لتطبيقها، حسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

ويضيف الشحاتي موضحاً أن «انشغال المجتمع الدولي بأزمات أكثر إلحاحاً قد يحد من توفير الإمكانات اللازمة لمتابعة تنفيذ هذه التدابير، ما يجعلها في كثير من الأحيان أقرب إلى إطار تنظيمي نظري منه إلى آلية ردع فعالة على الأرض».

جدوى القرارات الأممية

سبق أن أثيرت تساؤلات مشابهة بشأن جدوى القرارات الأممية الخاصة بتهريب النفط في خريف العام الماضي، إثر تقرير «ذا سنتري»، وهي منظمة تحقيقات إعلامية أميركية غير ربحية تُعنى بكشف شبكات الفساد والجريمة، كشف أن خسائر ليبيا جراء تهريب الوقود بين عامي 2022 و2024 بلغت نحو 20 مليار دولار.

ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون نائبتا المبعوثة الأممية في ليبيا خلال لقاء مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان بطرابلس (البعثة الأممية)

وترى نجوى البشتي، الرئيسة السابقة للتعاقدات في المؤسسة الوطنية للنفط أن فاعلية القرارات الدولية تظل رهناً بوجود آليات تنفيذ حاسمة، وعقوبات أكثر صرامة، إلى جانب تعاون فعلي بين مختلف الأطراف المعنية.

وتعيد نجوى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» التذكير بـ«تقارير دولية تحدثت عن تورط شبكات متعددة في عمليات التهريب، من بينها مجموعات مسلحة محلية، توفر غطاءً لوجيستياً لهذه الأنشطة، ما يعقّد جهود مكافحتها».

يشار إلى أنه بعد ساعات من صدور قرار مجلس الأمن، سارعت بعثة الأمم المتحدة، الثلاثاء، إلى التأكيد على أن الشفافية والمساءلة، وغياب التدخلات السياسية غير المبررة، والحد من تأثير التشكيلات المسلحة، تُعد عناصر أساسية لبناء الثقة العامة، وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى ليبيا.

جاء ذلك خلال لقاء نائبتَي الممثلة الخاصة للأمين العام، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعد سليمان، حيث أشادتا بخطوات اتخذتها المؤسسة لتعزيز الحوكمة، داعيتين إلى مواصلة الإصلاحات.


موريتانيا تدفع بتعزيزات عسكرية إلى مناطق توتر مع مالي

السلطات الموريتانية دفعت بتعزيزات عسكرية مهمة إلى مناطق توتر مع مالي (الجيش الموريتاني)
السلطات الموريتانية دفعت بتعزيزات عسكرية مهمة إلى مناطق توتر مع مالي (الجيش الموريتاني)
TT

موريتانيا تدفع بتعزيزات عسكرية إلى مناطق توتر مع مالي

السلطات الموريتانية دفعت بتعزيزات عسكرية مهمة إلى مناطق توتر مع مالي (الجيش الموريتاني)
السلطات الموريتانية دفعت بتعزيزات عسكرية مهمة إلى مناطق توتر مع مالي (الجيش الموريتاني)

دفعت موريتانيا مساء الثلاثاء بتعزيزات من الجيش والحرس إلى قرى يسكنها موريتانيون، تقع بمحاذاة الحدود مع مالي، وفي منطقة لا تتضح تبعيتها لأي طرف بسبب تداخل الحدود.

جانب من تدريبات الجيش الموريتاني (الجيش الموريتاني)

وأوضحت مصادر عسكرية أن الجيش الموريتاني دفع بوحدات من الجيش والحرس الوطني إلى قرية «كتول»، بعد ساعات من دخول الجيش المالي في الصباح إليها، وإتلافه منصات وأعمدة للهاتف الجوال تعود ملكيتها لشركات الهاتف المحمول الموريتانية، تقع بمحاذاة الحدود بين البلدين، وذلك في خضم توترات تشهدها مناطق الحدود بفعل توغلات متكررة للجيش المالي داخل قرى خاضعة للإدارة والتجمعات المحلية الموريتانية، ولكن موريتانيا تقول إنها واقعة جغرافياً داخل الأراضي المالية.

وحسب «وكالة الأنباء الألمانية»، فقد أكدت المصادر أن الجيش المالي انسحب من داخل القرية فور دخول الوحدات الموريتانية، دون تسجيل أي احتكاكات بين الطرفين. وتشهد مناطق الحدود توترات منذ فترة، بسبب حوادث قتل المدنيين الموريتانيين داخل الأراضي المالية، أو تحرش الجيش المالي بسكان القرى الحدودية التي يوجد بها تداخل جغرافي وسكاني كبير.

وإزاء هذه التوترات، دعا حزب «تجديد الحركة الديمقراطية» (تحدي) إلى عدم تصعيد الوضع، وتغليب الحكمة وضبط النفس، بشأن الأحداث الجارية على الحدود مع مالي، وتجنب كل ما من شأنه تعقيد الأوضاع.

جانب من مناورات للجيش الموريتاني على الحدود في أكتوبر الماضي (الجيش الموريتاني)

وأكد الحزب في بيان أن موريتانيا «ليست معنية بصراعات ولا مصالح الدول الأخرى، وموقفها الثابت يقوم على الحياد الإيجابي، وحماية مصالحها الوطنية، وتجنب الانخراط في أي استقطابات إقليمية أو دولية»، مشدداً على ضرورة توحيد الجبهة الداخلية، وترسيخ روح التماسك الوطني، عبر تغليب المصلحة العامة، والابتعاد عن كل أشكال التجاذب.

وجدَّد الحزب تمسكه بمبادئ حسن الجوار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، داعياً لاعتماد الحلول الدبلوماسية، وتفعيل قنوات الحوار، بما يسهم في خفض التوتر. كما جدد دعمه لكل الجهود الرامية إلى تسوية الأزمات بالطرق السلمية، بما يحفظ مصالح شعوب المنطقة، ويعزز الأمن والسلم الإقليميين.

وعبَّر الحزب عن انحيازه إلى المصالح العليا لموريتانيا، مع التأكيد على أولوية حماية أمن واستقرار المواطنين، وصون وحدة التراب الوطني، وتعزيز جاهزية الدولة لمواجهة مختلف التحديات.

من جهته، وصف رئيس حزب «جبهة المواطنة والعدالة»، محمد جميل ولد منصور، استسهال البعض لتوتير الأوضاع أكثر، وربما للحرب مع مالي، بأنه «عدم مسؤولية في الحد الأدنى».

ولفت ولد منصور في منشور عبر «فيسبوك» إلى أن «إدارة هذه العلاقة الصعبة مع جار تحدُّنا معه أطول حدود لنا تتطلب حذراً وحزماً وتركيباً، حذراً من الانجرار نحو صراع لا رابح فيه، وآثاره العميقة التأثير لا تخفى على أحد، وحزماً في التعاطي مع الخروقات والاستفزازات بحيث يفهم الآخرون».

وقال ولد منصور: «صبرنا ليس ضعفاً، ومسؤوليتنا ليست خنوعاً، إنه تركيب بين الحذر والحزم، فلكل منهما وقته ودواعيه. والظاهر أن الموقف الرسمي لبلادنا يسير في هذا الاتجاه، ويحرص على ضبط الإيقاع، وما أصعب ضبطه في أجواء الصراعات والتوترات».


تونس: 20 سنة سجناً للغنوشي وقيادات في حركة النهضة

راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
TT

تونس: 20 سنة سجناً للغنوشي وقيادات في حركة النهضة

راشد الغنوشي (إ.ب.أ)
راشد الغنوشي (إ.ب.أ)

أصدرت محكمة تونسية، مساء الثلاثاء، حكماً بسجن زعيم حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي لمدة 20 عاماً، بتهمة التآمر على أمن الدولة، في القضية المرتبطة بـ«المسامرة الرمضانية»، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الألمانية» وصحف محلية. وشملت العقوبة القيادييْن في الحركة يوسف النوري، وأحمد المشرقي، بالمدة نفسها، بينما صدر حكم بالسجن أيضاً لمدة 20 عاماً مع النفاذ العاجل ضد ثلاثة قياديين آخرين موجودين خارج البلاد، من بينهم صهره ووزير الخارجية الأسبق رفيق بوشلاكة. كما قضت المحكمة بسجن ثلاثة متهمين آخرين بحالة سراح لمدة ثلاث سنوات. وترتبط القضية بندوة نظّمتها المعارضة في شهر رمضان 2023، نبه خلالها الغنوشي من مخاطر «الإقصاء السياسي» من قِبل السلطة. ويلاحَق الغنوشي (84 عاماً)، الذي أُودع السجن منذ أبريل (نيسان) 2023، في أكثر من قضية، مِن بينها قضايا إرهاب وفساد مالي، وتآمر ضد أمن الدولة، لكنه قاطع أغلب جلسات المحاكمة. ويصل مجموع الأحكام، التي صدرت ضده حتى اليوم، إلى أكثر من 70 عاماً. وتقول «الحركة» وأحزاب المعارضة إن التهم الموجهة إلى العشرات من قياديي المعارضة القابعين في السجون «سياسية وغير مبرَّرة»، وهو ما تنفيه السلطة باستمرار. في سياق قريب، قرّرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف في تونس العاصمة رفض مطلب الإفراج عن الصحافي مراد الزغيدي، المتهم بـ«تبييض الأموال» و«التهرّب الضريبي»، وحدّدت يوم 28 أبريل (نيسان) الحالي موعداً للجلسة المقبلة.

في هذا السياق، عبّرت عائلته وأعضاء اللجنة الوطنية لمساندة الزغيدي عن استيائهم العميق من الرفض المتكرر للإفراج عنه، مندّدين بمواصلة سَجنه منذ قرابة سنتين «دون مُوجب، على خلفية تُهم واهية نُسبت إليه». وأكدوا أن أشكال النضال والمساندة من أجل إطلاق سراحه «ستظل مستمرة، ما دام اعتقاله، ظلماً، ما زال قائماً».

وقال غازي مرابط، محامي الزغيدي، للقاضي: «إنها محاكمة سياسية، إنه لا يُشكّل أي خطر على المجتمع».

من جهتها، قالت مريم الزغيدي، شقيقة مراد، إن «هذه المهزلة طالت بما يكفي»، مضيفة أنه «لا يوجد أي مبررات ولا أي عنصر له علاقة بتبييض الأموال أو أي شيء آخر، لذلك نطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن مراد». وتُندد منظمات حقوقية محلية ودولية بما تصفه «تراجعاً» في الحريات بتونس، منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد بعد تولّيه السلطة.