تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر... والبحث يتركز على آلية محلية لمحاربته

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
TT

تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)

تضاعف خلال العقد الأخير، وبشكل لافت، حجم المخدرات التي تعبر من دول غرب أفريقيا، مرسلة من أميركا اللاتينية نحو الأسواق الأوروبية، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سلطات دول غرب أفريقيا صادرت 13 كيلوغراماً من الكوكايين سنوياً في الفترة من 2015 إلى 2020، وهو الرقم الذي تضاعف إلى أكثر من مائة مرّة عام 2022. إلا أن ما يثير القلق أكثر هو العلاقة ما بين شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإرهابية الموجودة في منطقة الساحل الأفريقي، وكيف تحوّلت هذه التجارة إلى أكبر مصدر لتمويل الإرهاب، حتى إنها غدت البديل المفضل لـ«تجارة» خطف الرهائن الغربيين وطلب فديات لإطلاقهم.

لوسيا بيرد من «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية»

أصدر «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، أخيراً، تقريره لعام 2023، ودقّ فيه ناقوس خطر تجارة المخدرات على دول غرب أفريقيا. ولقد أفاد التقرير بأن منطقة الساحل وجنوب الصحراء الكبرى أصبحت بؤرة لتهريب المخدرات نحو الدول الأوروبية، وذلك في حين تواجه منطقة الساحل مخاطر الإرهاب والتغير المناخي والهجرة غير الشرعية، كما أنها تعيش موجة انقلابات عسكرية بسبب انعدام الاستقرار السياسي.

شبكة طرق

جدير بالذكر أن دول غرب أفريقيا لطالما شكلت معبراً مهماً لتجار المخدرات الآتية من دول أفريقيا اللاتينية، بسبب موقعها الجغرافي كمحطة مهمة على الطريق نحو أوروبا وإسرائيل. وهكذا لعقود طويلة ظلت هذه الدول محطة عبور للسفن والطائرات المحملة بالمخدّرات، من دون أن تلفت انتباه أي أحد، وهي عمليات كان يتورطُ فيها كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويتجاهلها السكان المحليون لأنهم لا يرون فيها أي خطر عليهم ما دامت بلدانهم محطة عبور فقط.

بل، بالعكس، فإنَّ بعض المجتمعات المحلية أضحت تتّخذ من حماية المهرّبين وتقديم الخدمات لهم مصدر دخل معتبر، في ظل غياب الدولة وضعفها وانتشار الفساد في أجهزتها الإدارية، بالإضافة إلى أن المهرّبين يغدقون أموالاً طائلة على مجتمعات فقيرة تعد بمختلف المقاييس محرومة وتعاني التهميش والظلم.

طرق نقل الكوكايين عبر الدول الأفريقية متعددة ومتشعبة، ولكن بعض التقارير تشير إلى أن أبرزها تلك التي تمرّ عبر مراكز على شواطئ غينيا وموريتانيا والسنغال، ثم تنقلُ الكميات المهرّبة براً عبر الصحراء الكبرى (من مالي والنيجر) نحو دول شمال أفريقيا (كالمغرب والجزائر وليبيا)، ومنه تعبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.

بيد أنه مع تطوّر شبكات تهريب المخدرات ونموها، أصبحت الشبكات تستخدم طائرات شحن لنقل الكوكايين من دول في أميركا الجنوبية نحو الصحراء الكبرى، ولعل من أشهر عمليات التهريب العملاقة تلك التي استخدمت فيها طائرة من نوع بوينغ 727 حلقت من فنزويلا عام 2009، حاملة ما بين 7 أطنان إلى 11 طناً من الكوكايين، وحطّت وسط الصحراء في شمال مالي، بين مدينتي غاو وتمبكتو.

الطائرة، التي عرفت آنذاك لدى الإعلام باسم «الخطوط الجوية للكوكايين»، لا تزال بقايا هيكلها ماثلة في المنطقة الصحراوية، بعدما تخلى عنها المهرّبون حين أفرغوا حمولتها وشحنوها على متن سيارات عابرة للصحراء توجّهت على الفور نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ومع أن الإعلام اهتم بالطائرة المذكورة كثيراً في أعقاب اكتشاف هيكلها عام 2009، فإن السلطات المالية لم تحرّك في حينه أي ساكنٍ، في ظل تمتع شبكات التهريب بنفوذ واسع.

ومنذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة تحت الجسر، فقد تغيّرت المنطقة وتحوّلت إلى مركز الحرب العالمية ضد الإرهاب، بعدما تمركزت فيها مجموعات مسلحة موالية لتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، كما انهارت الأنظمة السياسية والسلطات المركزية على وقع انقلابات عسكرية متلاحقة في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد... وغرقت المنطقة، عموماً، في أزمة متعددة الأبعاد، وغدا مشروع «الدولة الوطنية» فيها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، على وقع احتدام الصراع الدولي ما بين الغرب وروسيا على أراضيها.

التهريب مستمر!

وسط الفوضى العارمة التي اجتاحت منطقة الساحل ودول غرب أفريقيا، لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع، إذ لا يكاد يمضي شهر واحد من دون توقيف شحنة جديدة من المخدرات على الحدود بين هذه الدول. وكانت أحدث عملية كبيرة من هذا النوع، قد وقعت منتصف أبريل (نيسان) 2024 في قرية سنغالية صغيرة على الحدود مع مالي. وهناك تمكنت وحدة من الجمارك السنغالي من توقيف شاحنة آتية من مالي أخفي على متنها 1.1 طن من الكوكايين، ما عُد بالتالي أكبر وأخطر كمية مخدرات تصادرها السنغال على أراضيها.

كانت شحنة الكوكايين هذه مخفية في طابق سرّي من شاحنة تبريد، وموزّعة على 984 لوحاً وضعت في أكياس محفوظة بعناية كبيرة، وحسب السلطات السنغالية فإن قيمة الشحنة تصل إلى أكثر من 146 مليون دولار.

هذا الخبرُ حظي بتغطية كبيرة من وسائل الإعلام المحلية في السنغال، وذكرت صحف محلية أن تحقيقاً فتح في القضية، إلا أنه يواجه صعوبات بسبب ضعف التنسيق الأمني مع سلطات مالي، كما أن سائق الشاحنة نجح بالفرار قبل أن تعتقله السلطات السنغالية، ما زادَ من تعقيد الملف، وطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

من جهة ثانية، يُذكر أنه في عام 2022 أوقفت السنغال شاحنة مماثلة آتية من مالي أيضاً، كانت على متنها هذه المرة كمية زنتها 300 كيلوغرام من الكوكايين، وعلى الرغم من التحقيق الذي فتحته السلطات، فإنه لم يفض إلى أي نتيجة. ولكن تظل أكبر شحنة كوكايين ضبطتها السلطات السنغالية شحنة زنتها 3 أطنان كانت منقولة على متن سفينة شحن جرى توقيفها قبالة الشواطئ السنغالية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

أما في موريتانيا، فقد أوقفت سلطاتها الأمنية خلال يوليو (تموز) من العام الماضي (2023) سفينة تحمل 1.2 طن من الكوكايين، في عملية وصفتها السلطات بأنها الكبرى في تاريخ البلد. وهي بالفعل ضخمة جداً بالمقارنة مع عملية تهريب وقعت عام 2007، حين أوقف الأمن الموريتاني طائرة تحملُ 600 كيلوغرام من الكوكايين في مطار نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد وثاني أهم مدن موريتانيا. وكان قد أوقف في طائرة 2007 الشهيرة عدة مهربين أجانب وموريتانيين، من بينهم عسكريون مرموقون، ولكن أفرج عن معظمهم في وقت لاحق، وبعضهم استفاد من عفو رئاسي بعد سنوات قليلة من السجن.

أما سفينة عام 2023 فقد احتفت بها السلطات الموريتانية، وعرضت حمولتها أمام وسائل الإعلام، معلنة أنها تعمل على تفكيك شبكة للتهريب. وبالفعل، أوقفت عدة أشخاص أجانب وموريتانيين، لكن مع ذلك لم تتوقف عمليات التهريب، بل يكفي أن نعرف أنه في عام 2023 وحده أتلفت موريتانيا 2.3 طن من الكوكايين صادرتها من المهربين.

وفي سياق متصل، أشار تقرير «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة» إلى أنه في عام 2022 صودرت كمية تزن 1.4 طن من الكوكايين في مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر (دول الساحل)، وهذا رقم مرعب بالمقارنة مع 13 كيلوغراماً فقط كانت متوسط الكوكايين المُصادر خلال الفترة من 2013 حتى 2020. وعدّ المكتب الأممي في تقريره أن حوادث ضبط المخدرات صارت شائعة جداً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وأن الكوكايين هو أكثر أنواع المخدرات التي تُصادرها. وهو ما يعني أن المنطقة تحوّلت حقاً إلى «بؤرة» لا تستغني عنها شبكات التهريب لنقل بضاعتها نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية، وإن كان التقرير الأممي يشير أيضاً إلى مخاطر أخرى تواجه منطقة الساحل، فهي لم تعد مجرد منطقة عبور، بل أصبحت سوقاً للاستهلاك أيضاً.

سوق محلية!

«المكتب» كشف أيضاً في تقريره الأخير، أن منطقة الساحل تعيش ما يشبه حالة «الانفجار» في إنتاج واستهلاك الكوكايين والقنب والمواد الأفيونية، الأمر الذي يعني أن سوقاً جديدة بدأت يتشكل، وأن مستهلكين محليين صاروا مستهدفين من طرف تجار المخدرات.

ولفت التقرير إلى «زيادة حادة» في الاتجار بالمواد المخدرة، مع الإنتاج وتوزيع المواد المخدرة للاستهلاك الداخلي. وفي هذا السياق قال فرنسوا باتويل، مدير أبحاث «المكتب» في منطقتي غرب ووسط أفريقيا، إن الإنتاج «أصبحَ محلياً أكثر فأكثر». وأردف المسؤول الأممي أنّ «النيجر، على سبيل المثال، فكّكت مختبرين لمعالجة الكوكايين وتحويله إلى (كراك)... إذ يقوم التجار بزيادة الاستهلاك المحلي؛ لكون (الكراك) أرخص بكثير من الكوكايين. وهذا يسمح للمتاجرين بقطع الكوكايين وبيعه بسعر أرخص بكثير، ولكن لعدد أكبر من الناس بسعر أقل».

في هذا الإطار، بدأت تنمو شبكات تستهدف الأسواق المحلية، تتولى تسويق المخدرات وبيعها، وفق ما أعلنته لوسيا بيرد، مديرة «مرصد غرب أفريقيا للاقتصادات غير المشروعة» في «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية». إذ قالت بيرد في تصريحات بهذا الشأن «لقد تلقينا تقارير عن ارتفاع استهلاك الكوكايين في أغاديز (شمال النيجر) مدفوعاً بالدفع العيني؛ حيث يتقاضى المهربون الصغار رواتبهم من المخدرات، ويفرغونها في الأسواق المحلية لأنهم لا يملكون اتصالات في وجهات استهلاك أكثر ربحاً».

وأضافت بيرد أن هذا الاقتصاد المحلي القائم على بيع الكوكايين ظهر منذ عام 2020، وصار أكثر شيوعاً «لأنه يتجاوز الحاجة إلى المدفوعات النقدية ويستغل الاختلافات في أسعار المخدرات عبر القارات». وأوضحت أن من شأن هذا النوع من الاقتصاد «أن يزيد كميات المخدرات المهرّبة عبر الطريق البرية، والتي تمر من موانئ غرب أفريقيا عبر بعض المناطق الأكثر تضرراً من النزاع في منطقة الساحل».

انتشار الإدمان!

هذا، ومع ازدهار تسويق الكوكايين ومختلف أنواع المخدرات في دول الساحل وغرب أفريقيا، ارتفعت معدلات الإدمان وخاصة في أوساط الشباب، حسب ما تؤكده مختلف الدراسات التي أجريت في المنطقة، والتي كان من أشهرها دراسة «شبكة غرب أفريقيا للوبائيات المعنية بتعاطي المخدرات» (ويندو). ولقد حاولت هذه الدراسة، التي أجريت بتنسيق مع «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أن تتطرق إلى دراسة تطور تعاطي المخدرات في المنطقة خلال الفترة ما بين 2020 و2022، ومن ثم توصلت إلى وجود أرقام مقلقة لأعداد من يعانون من اضطرابات تعاطي المؤثرات العقلية.

في هذا السياق، قالت فاتو سو سار، مفوضة التنمية البشرية والشؤون الاجتماعية في الـ«إيكواس»، إن «الناشئة الذين تتراوح أعمارهم من 10 سنوات إلى 29 سنة هم أكثر من يتعاطون المخدرات»، لكن سبب الإدمان الأول هو تعاطي الحشيش. كذلك أفادت الدراسة بأن الحشيش يُعد أكثر أنواع المخدرات انتشاراً في السوق المحلية الأفريقية، وازداد انتشاره بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حين صادرت سلطات المنطقة 139 طناً من الحشيش عام 2020، ولكن هذه الكمية تضاعفت عام 2022 لتتجاوز 631 طناً.

وهنا يرجع المتخصصون انتشار الحشيش في غرب أفريقيا إلى كونه ينمو بسهولة في الظروف المناخية للمنطقة، ولكونه سهل التعاطي (التدخين)، ويتوافر بسهولة، ثم إنه أرخص ثمناً من المخدرات الأخرى، على حد تعبير خبير من كوت ديفوار. لكن يبقى القول، إن تقارير جديدة أشارت إلى أن الكوكايين كان أكثر المخدرات التي تعاطاها المدمنون في السنغال خلال عام 2021، إذ شكل المدمنون عليه نسبة 60 في المائة من المحتجزين في مراكز العلاج من الإدمان، أما في كوت ديفوار فقد ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 80 في المائة، مقابل انخفاضها في نيجيريا إلى 46 في المائة. وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

توقيف مهربين مشتبه بهم (أ ف ب)

المخدرات مصدر مهم لتمويل الإرهاب عبر منطقة الساحل

> قبل 10 سنوات كانت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي تعتمد في تمويلها، بالدرجة الأولى، على اختطاف الرعايا الغربيين، والحصول على فديات من أجل الإفراج عنهم. ولكن بعد التدخل العسكري الفرنسي في الساحل عام 2013، بدأت تجارة الرهائن الغربيين تتراجع أكثر فأكثر. في المقابل كانت المجموعات الإرهابية ترتبط مع شبكات التهريب بعلاقات معقّدة، خصوصاً في شمال مالي، حيث تشير التقارير إلى أن المعادلة التقليدية كانت تقوم على أن شبكات التهريب تستغل ثغرات الحدود البرية والبحرية والجوية لنقل المخدرات، في حين تتولى المجموعات الإرهابية مهمة التأمين عبر الصحراء. بيد أن التقرير الأخير لـ«مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، تطرّق إلى تغلغل المجموعات الإرهابية في هذه التجارة، حيث أضحت أكثر حضوراً إلى جانب شبكات تهريب المخدرات التقليدية. وهكذا صار تهريب المخدرات المصدر الأول لتمويل أنشطة المجموعات الإرهابية التي تموّل نفسها بشكل خاص من خلال جباية الضرائب والرسوم الأخرى مقابل الحماية أو المرور الآمن عبر المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون. وأضاف التقرير أن المجموعات الإرهابية، سواء تلك التي تبايع تنظيم «القاعدة» أو تلك التي ترتبط بتنظيم «داعش»، متورّطة في نقل شحنات المخدّرات، بما في ذلك الكوكايين وصمغ القنب. وفي هذا السياق، صرّح فرنسوا باتويل، مدير أبحاث غرب ووسط أفريقيا في «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، بأن الجماعات الإرهابية أصبحت أكبر مستفيد من نشاط تهريب المخدرات. وتابع من ثم «إن هذه التجارة تمكّنهم من شراء الأسلحة، وتوسيع دائرة النفوذ، عن طريق رشوة وكلاء إنفاذ القانون في مناطق معينة أو بعض المسؤولين المنتخبين». وأوضح المسؤول الأممي أنه «في النيجر، بعد ضبط 214 كيلوغراماً من الكوكايين في عام 2022، اعتُقل رئيس بلدية، كان قد جرى تخزين الكوكايين في سيارته». وللعلم، على ضفاف سوق تهريب المخدرات، تنمو راهناً أنشطة مجرّمة أخرى، مثل أنشطة غسل الأموال التي تدرّ عوائد مجزية على شبكات التهريب وعلى المتعاونين معها، والتي يتورط فيها عدد من كبار المسؤولين وقادة المجتمعات المحلية في منطقة الساحل. وهذا ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الأخير، متناولاً «العلاقة الوطيدة بين نمو شبكات تهريب المخدرات في منطقة الساحل، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وتحوّل هذه الدول إلى منصات ضخمة لغسل الأموال وتبييضها». وفي هذا الإطار يقول ليوناردو سانتوس سيماو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب أفريقيا: «يجب على دول منطقة الساحل، إلى جانب المجتمع الدولي، اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة وشاملة لتفكيك شبكات الاتجار بالمخدرات».


مقالات ذات صلة

تركيا: حليف لإردوغان يلمح لإطلاق سراح أوجلان بعد 27 عاماً بالسجن

شؤون إقليمية تصاعدت المطالبات بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان بعد دعوته لحل الحزب في 27 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تركيا: حليف لإردوغان يلمح لإطلاق سراح أوجلان بعد 27 عاماً بالسجن

دعا رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي إلى إزالة الغموض المحيط بوضع زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا رجال أمن يقفون حراساً بجوار حافلة تقل مصلين تم تحريرهم أمام دار الحكومة في كادونا بنيجيريا 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل 15 شخصاً بهجوم ﻟ«بوكو حرام» في قرية شمال شرقي نيجيريا

لقي ما لا يقل عن 15 شخصاً حتفه، وأُحرقت عدة منازل في هجوم شنه مسلحون من جماعة «بوكو حرام» المتشددة على قرية في ولاية يوبي شمال شرقي نيجيريا.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
العالم العربي عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

تحركات رئاسية جديدة في الصومال تجاه حركة «الشباب» المتشددة، بإعلان العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوفها، حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

محمد محمود (القاهرة)
شؤون إقليمية الرئيس المشارك لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» ونواب الحزب خلال احتجاج داخل البرلمان التركي للمطالبة بالحق في استخدام اللغة الكردية بصفتها لغة أم (حساب الحزب في إكس)

البرلمان التركي يُسرّع وضع «قانون السلام» وسط احتجاج كردي

أعطى رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش إشارة على البدء بمناقشة اللوائح القانونية لـ«عملية السلام» بعد شهر رمضان وسط اعتراضات كردية على غياب قضايا جوهرية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي سيارة شرطة تابعة للحكومة السورية الجديدة تعبر شارعاً بجوار مسجد الساحة في تدمر وسط سوريا 7 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

تنظيم «داعش» يتوعد الشرع ويعلن مسؤوليته عن هجمات على الجيش السوري

أفادت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، بتعرض أحد عناصر الجيش العربي السوري لعملية استهداف من قبل مجهولين في قرية الواسطة بريف الرقة الشمالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.