تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر... والبحث يتركز على آلية محلية لمحاربته

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
TT

تجارة الكوكايين... خطر مُحدق بدول غرب أفريقيا

عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)
عملية إحراق مخدرات في النيجر (آ ب)

تضاعف خلال العقد الأخير، وبشكل لافت، حجم المخدرات التي تعبر من دول غرب أفريقيا، مرسلة من أميركا اللاتينية نحو الأسواق الأوروبية، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سلطات دول غرب أفريقيا صادرت 13 كيلوغراماً من الكوكايين سنوياً في الفترة من 2015 إلى 2020، وهو الرقم الذي تضاعف إلى أكثر من مائة مرّة عام 2022. إلا أن ما يثير القلق أكثر هو العلاقة ما بين شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإرهابية الموجودة في منطقة الساحل الأفريقي، وكيف تحوّلت هذه التجارة إلى أكبر مصدر لتمويل الإرهاب، حتى إنها غدت البديل المفضل لـ«تجارة» خطف الرهائن الغربيين وطلب فديات لإطلاقهم.

لوسيا بيرد من «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية»

أصدر «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، أخيراً، تقريره لعام 2023، ودقّ فيه ناقوس خطر تجارة المخدرات على دول غرب أفريقيا. ولقد أفاد التقرير بأن منطقة الساحل وجنوب الصحراء الكبرى أصبحت بؤرة لتهريب المخدرات نحو الدول الأوروبية، وذلك في حين تواجه منطقة الساحل مخاطر الإرهاب والتغير المناخي والهجرة غير الشرعية، كما أنها تعيش موجة انقلابات عسكرية بسبب انعدام الاستقرار السياسي.

شبكة طرق

جدير بالذكر أن دول غرب أفريقيا لطالما شكلت معبراً مهماً لتجار المخدرات الآتية من دول أفريقيا اللاتينية، بسبب موقعها الجغرافي كمحطة مهمة على الطريق نحو أوروبا وإسرائيل. وهكذا لعقود طويلة ظلت هذه الدول محطة عبور للسفن والطائرات المحملة بالمخدّرات، من دون أن تلفت انتباه أي أحد، وهي عمليات كان يتورطُ فيها كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين، ويتجاهلها السكان المحليون لأنهم لا يرون فيها أي خطر عليهم ما دامت بلدانهم محطة عبور فقط.

بل، بالعكس، فإنَّ بعض المجتمعات المحلية أضحت تتّخذ من حماية المهرّبين وتقديم الخدمات لهم مصدر دخل معتبر، في ظل غياب الدولة وضعفها وانتشار الفساد في أجهزتها الإدارية، بالإضافة إلى أن المهرّبين يغدقون أموالاً طائلة على مجتمعات فقيرة تعد بمختلف المقاييس محرومة وتعاني التهميش والظلم.

طرق نقل الكوكايين عبر الدول الأفريقية متعددة ومتشعبة، ولكن بعض التقارير تشير إلى أن أبرزها تلك التي تمرّ عبر مراكز على شواطئ غينيا وموريتانيا والسنغال، ثم تنقلُ الكميات المهرّبة براً عبر الصحراء الكبرى (من مالي والنيجر) نحو دول شمال أفريقيا (كالمغرب والجزائر وليبيا)، ومنه تعبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا.

بيد أنه مع تطوّر شبكات تهريب المخدرات ونموها، أصبحت الشبكات تستخدم طائرات شحن لنقل الكوكايين من دول في أميركا الجنوبية نحو الصحراء الكبرى، ولعل من أشهر عمليات التهريب العملاقة تلك التي استخدمت فيها طائرة من نوع بوينغ 727 حلقت من فنزويلا عام 2009، حاملة ما بين 7 أطنان إلى 11 طناً من الكوكايين، وحطّت وسط الصحراء في شمال مالي، بين مدينتي غاو وتمبكتو.

الطائرة، التي عرفت آنذاك لدى الإعلام باسم «الخطوط الجوية للكوكايين»، لا تزال بقايا هيكلها ماثلة في المنطقة الصحراوية، بعدما تخلى عنها المهرّبون حين أفرغوا حمولتها وشحنوها على متن سيارات عابرة للصحراء توجّهت على الفور نحو شواطئ البحر الأبيض المتوسط. ومع أن الإعلام اهتم بالطائرة المذكورة كثيراً في أعقاب اكتشاف هيكلها عام 2009، فإن السلطات المالية لم تحرّك في حينه أي ساكنٍ، في ظل تمتع شبكات التهريب بنفوذ واسع.

ومنذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة تحت الجسر، فقد تغيّرت المنطقة وتحوّلت إلى مركز الحرب العالمية ضد الإرهاب، بعدما تمركزت فيها مجموعات مسلحة موالية لتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، كما انهارت الأنظمة السياسية والسلطات المركزية على وقع انقلابات عسكرية متلاحقة في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد... وغرقت المنطقة، عموماً، في أزمة متعددة الأبعاد، وغدا مشروع «الدولة الوطنية» فيها أكثر هشاشة من أي وقت مضى، على وقع احتدام الصراع الدولي ما بين الغرب وروسيا على أراضيها.

التهريب مستمر!

وسط الفوضى العارمة التي اجتاحت منطقة الساحل ودول غرب أفريقيا، لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع، إذ لا يكاد يمضي شهر واحد من دون توقيف شحنة جديدة من المخدرات على الحدود بين هذه الدول. وكانت أحدث عملية كبيرة من هذا النوع، قد وقعت منتصف أبريل (نيسان) 2024 في قرية سنغالية صغيرة على الحدود مع مالي. وهناك تمكنت وحدة من الجمارك السنغالي من توقيف شاحنة آتية من مالي أخفي على متنها 1.1 طن من الكوكايين، ما عُد بالتالي أكبر وأخطر كمية مخدرات تصادرها السنغال على أراضيها.

كانت شحنة الكوكايين هذه مخفية في طابق سرّي من شاحنة تبريد، وموزّعة على 984 لوحاً وضعت في أكياس محفوظة بعناية كبيرة، وحسب السلطات السنغالية فإن قيمة الشحنة تصل إلى أكثر من 146 مليون دولار.

هذا الخبرُ حظي بتغطية كبيرة من وسائل الإعلام المحلية في السنغال، وذكرت صحف محلية أن تحقيقاً فتح في القضية، إلا أنه يواجه صعوبات بسبب ضعف التنسيق الأمني مع سلطات مالي، كما أن سائق الشاحنة نجح بالفرار قبل أن تعتقله السلطات السنغالية، ما زادَ من تعقيد الملف، وطرح كثيراً من علامات الاستفهام.

من جهة ثانية، يُذكر أنه في عام 2022 أوقفت السنغال شاحنة مماثلة آتية من مالي أيضاً، كانت على متنها هذه المرة كمية زنتها 300 كيلوغرام من الكوكايين، وعلى الرغم من التحقيق الذي فتحته السلطات، فإنه لم يفض إلى أي نتيجة. ولكن تظل أكبر شحنة كوكايين ضبطتها السلطات السنغالية شحنة زنتها 3 أطنان كانت منقولة على متن سفينة شحن جرى توقيفها قبالة الشواطئ السنغالية خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

أما في موريتانيا، فقد أوقفت سلطاتها الأمنية خلال يوليو (تموز) من العام الماضي (2023) سفينة تحمل 1.2 طن من الكوكايين، في عملية وصفتها السلطات بأنها الكبرى في تاريخ البلد. وهي بالفعل ضخمة جداً بالمقارنة مع عملية تهريب وقعت عام 2007، حين أوقف الأمن الموريتاني طائرة تحملُ 600 كيلوغرام من الكوكايين في مطار نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للبلاد وثاني أهم مدن موريتانيا. وكان قد أوقف في طائرة 2007 الشهيرة عدة مهربين أجانب وموريتانيين، من بينهم عسكريون مرموقون، ولكن أفرج عن معظمهم في وقت لاحق، وبعضهم استفاد من عفو رئاسي بعد سنوات قليلة من السجن.

أما سفينة عام 2023 فقد احتفت بها السلطات الموريتانية، وعرضت حمولتها أمام وسائل الإعلام، معلنة أنها تعمل على تفكيك شبكة للتهريب. وبالفعل، أوقفت عدة أشخاص أجانب وموريتانيين، لكن مع ذلك لم تتوقف عمليات التهريب، بل يكفي أن نعرف أنه في عام 2023 وحده أتلفت موريتانيا 2.3 طن من الكوكايين صادرتها من المهربين.

وفي سياق متصل، أشار تقرير «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة» إلى أنه في عام 2022 صودرت كمية تزن 1.4 طن من الكوكايين في مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر (دول الساحل)، وهذا رقم مرعب بالمقارنة مع 13 كيلوغراماً فقط كانت متوسط الكوكايين المُصادر خلال الفترة من 2013 حتى 2020. وعدّ المكتب الأممي في تقريره أن حوادث ضبط المخدرات صارت شائعة جداً في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وأن الكوكايين هو أكثر أنواع المخدرات التي تُصادرها. وهو ما يعني أن المنطقة تحوّلت حقاً إلى «بؤرة» لا تستغني عنها شبكات التهريب لنقل بضاعتها نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية، وإن كان التقرير الأممي يشير أيضاً إلى مخاطر أخرى تواجه منطقة الساحل، فهي لم تعد مجرد منطقة عبور، بل أصبحت سوقاً للاستهلاك أيضاً.

سوق محلية!

«المكتب» كشف أيضاً في تقريره الأخير، أن منطقة الساحل تعيش ما يشبه حالة «الانفجار» في إنتاج واستهلاك الكوكايين والقنب والمواد الأفيونية، الأمر الذي يعني أن سوقاً جديدة بدأت يتشكل، وأن مستهلكين محليين صاروا مستهدفين من طرف تجار المخدرات.

ولفت التقرير إلى «زيادة حادة» في الاتجار بالمواد المخدرة، مع الإنتاج وتوزيع المواد المخدرة للاستهلاك الداخلي. وفي هذا السياق قال فرنسوا باتويل، مدير أبحاث «المكتب» في منطقتي غرب ووسط أفريقيا، إن الإنتاج «أصبحَ محلياً أكثر فأكثر». وأردف المسؤول الأممي أنّ «النيجر، على سبيل المثال، فكّكت مختبرين لمعالجة الكوكايين وتحويله إلى (كراك)... إذ يقوم التجار بزيادة الاستهلاك المحلي؛ لكون (الكراك) أرخص بكثير من الكوكايين. وهذا يسمح للمتاجرين بقطع الكوكايين وبيعه بسعر أرخص بكثير، ولكن لعدد أكبر من الناس بسعر أقل».

في هذا الإطار، بدأت تنمو شبكات تستهدف الأسواق المحلية، تتولى تسويق المخدرات وبيعها، وفق ما أعلنته لوسيا بيرد، مديرة «مرصد غرب أفريقيا للاقتصادات غير المشروعة» في «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية». إذ قالت بيرد في تصريحات بهذا الشأن «لقد تلقينا تقارير عن ارتفاع استهلاك الكوكايين في أغاديز (شمال النيجر) مدفوعاً بالدفع العيني؛ حيث يتقاضى المهربون الصغار رواتبهم من المخدرات، ويفرغونها في الأسواق المحلية لأنهم لا يملكون اتصالات في وجهات استهلاك أكثر ربحاً».

وأضافت بيرد أن هذا الاقتصاد المحلي القائم على بيع الكوكايين ظهر منذ عام 2020، وصار أكثر شيوعاً «لأنه يتجاوز الحاجة إلى المدفوعات النقدية ويستغل الاختلافات في أسعار المخدرات عبر القارات». وأوضحت أن من شأن هذا النوع من الاقتصاد «أن يزيد كميات المخدرات المهرّبة عبر الطريق البرية، والتي تمر من موانئ غرب أفريقيا عبر بعض المناطق الأكثر تضرراً من النزاع في منطقة الساحل».

انتشار الإدمان!

هذا، ومع ازدهار تسويق الكوكايين ومختلف أنواع المخدرات في دول الساحل وغرب أفريقيا، ارتفعت معدلات الإدمان وخاصة في أوساط الشباب، حسب ما تؤكده مختلف الدراسات التي أجريت في المنطقة، والتي كان من أشهرها دراسة «شبكة غرب أفريقيا للوبائيات المعنية بتعاطي المخدرات» (ويندو). ولقد حاولت هذه الدراسة، التي أجريت بتنسيق مع «المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا» (إيكواس)، أن تتطرق إلى دراسة تطور تعاطي المخدرات في المنطقة خلال الفترة ما بين 2020 و2022، ومن ثم توصلت إلى وجود أرقام مقلقة لأعداد من يعانون من اضطرابات تعاطي المؤثرات العقلية.

في هذا السياق، قالت فاتو سو سار، مفوضة التنمية البشرية والشؤون الاجتماعية في الـ«إيكواس»، إن «الناشئة الذين تتراوح أعمارهم من 10 سنوات إلى 29 سنة هم أكثر من يتعاطون المخدرات»، لكن سبب الإدمان الأول هو تعاطي الحشيش. كذلك أفادت الدراسة بأن الحشيش يُعد أكثر أنواع المخدرات انتشاراً في السوق المحلية الأفريقية، وازداد انتشاره بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، حين صادرت سلطات المنطقة 139 طناً من الحشيش عام 2020، ولكن هذه الكمية تضاعفت عام 2022 لتتجاوز 631 طناً.

وهنا يرجع المتخصصون انتشار الحشيش في غرب أفريقيا إلى كونه ينمو بسهولة في الظروف المناخية للمنطقة، ولكونه سهل التعاطي (التدخين)، ويتوافر بسهولة، ثم إنه أرخص ثمناً من المخدرات الأخرى، على حد تعبير خبير من كوت ديفوار. لكن يبقى القول، إن تقارير جديدة أشارت إلى أن الكوكايين كان أكثر المخدرات التي تعاطاها المدمنون في السنغال خلال عام 2021، إذ شكل المدمنون عليه نسبة 60 في المائة من المحتجزين في مراكز العلاج من الإدمان، أما في كوت ديفوار فقد ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 80 في المائة، مقابل انخفاضها في نيجيريا إلى 46 في المائة. وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

وسط الفوضى العارمة في منطقة الساحل لم تتوقف شبكات تهريب المخدرات عن النمو والتوسع

توقيف مهربين مشتبه بهم (أ ف ب)

المخدرات مصدر مهم لتمويل الإرهاب عبر منطقة الساحل

> قبل 10 سنوات كانت الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل الأفريقي تعتمد في تمويلها، بالدرجة الأولى، على اختطاف الرعايا الغربيين، والحصول على فديات من أجل الإفراج عنهم. ولكن بعد التدخل العسكري الفرنسي في الساحل عام 2013، بدأت تجارة الرهائن الغربيين تتراجع أكثر فأكثر. في المقابل كانت المجموعات الإرهابية ترتبط مع شبكات التهريب بعلاقات معقّدة، خصوصاً في شمال مالي، حيث تشير التقارير إلى أن المعادلة التقليدية كانت تقوم على أن شبكات التهريب تستغل ثغرات الحدود البرية والبحرية والجوية لنقل المخدرات، في حين تتولى المجموعات الإرهابية مهمة التأمين عبر الصحراء. بيد أن التقرير الأخير لـ«مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، تطرّق إلى تغلغل المجموعات الإرهابية في هذه التجارة، حيث أضحت أكثر حضوراً إلى جانب شبكات تهريب المخدرات التقليدية. وهكذا صار تهريب المخدرات المصدر الأول لتمويل أنشطة المجموعات الإرهابية التي تموّل نفسها بشكل خاص من خلال جباية الضرائب والرسوم الأخرى مقابل الحماية أو المرور الآمن عبر المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون. وأضاف التقرير أن المجموعات الإرهابية، سواء تلك التي تبايع تنظيم «القاعدة» أو تلك التي ترتبط بتنظيم «داعش»، متورّطة في نقل شحنات المخدّرات، بما في ذلك الكوكايين وصمغ القنب. وفي هذا السياق، صرّح فرنسوا باتويل، مدير أبحاث غرب ووسط أفريقيا في «مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة»، بأن الجماعات الإرهابية أصبحت أكبر مستفيد من نشاط تهريب المخدرات. وتابع من ثم «إن هذه التجارة تمكّنهم من شراء الأسلحة، وتوسيع دائرة النفوذ، عن طريق رشوة وكلاء إنفاذ القانون في مناطق معينة أو بعض المسؤولين المنتخبين». وأوضح المسؤول الأممي أنه «في النيجر، بعد ضبط 214 كيلوغراماً من الكوكايين في عام 2022، اعتُقل رئيس بلدية، كان قد جرى تخزين الكوكايين في سيارته». وللعلم، على ضفاف سوق تهريب المخدرات، تنمو راهناً أنشطة مجرّمة أخرى، مثل أنشطة غسل الأموال التي تدرّ عوائد مجزية على شبكات التهريب وعلى المتعاونين معها، والتي يتورط فيها عدد من كبار المسؤولين وقادة المجتمعات المحلية في منطقة الساحل. وهذا ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة الأخير، متناولاً «العلاقة الوطيدة بين نمو شبكات تهريب المخدرات في منطقة الساحل، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وتحوّل هذه الدول إلى منصات ضخمة لغسل الأموال وتبييضها». وفي هذا الإطار يقول ليوناردو سانتوس سيماو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب أفريقيا: «يجب على دول منطقة الساحل، إلى جانب المجتمع الدولي، اتخاذ إجراءات عاجلة ومنسقة وشاملة لتفكيك شبكات الاتجار بالمخدرات».


مقالات ذات صلة

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: نشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»

نُشر الجيش في كوارا بعد مقتل العشرات على يد «إرهابيين»... وعمدة محلي يقول إن الهجوم استمر ساعات دون أي تدخل عسكري.

الشيخ محمد (نواكشوط)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.