«النخلة الذهبية» في ختام «أفلام السعودية»... تنوُّع غير مسبوق

4 جوائز لـ«هجان» و2 لـ«بين الرمال»... و«المرهقون» الأفضل خليجياً

‎صورة جماعية للفائزين بجوائز الدورة العاشرة من «أفلام السعودية» (الشرق الأوسط)
‎صورة جماعية للفائزين بجوائز الدورة العاشرة من «أفلام السعودية» (الشرق الأوسط)
TT

«النخلة الذهبية» في ختام «أفلام السعودية»... تنوُّع غير مسبوق

‎صورة جماعية للفائزين بجوائز الدورة العاشرة من «أفلام السعودية» (الشرق الأوسط)
‎صورة جماعية للفائزين بجوائز الدورة العاشرة من «أفلام السعودية» (الشرق الأوسط)

لم يكن ختام مهرجان «أفلام السعودية» عادياً، بل شهد حفل توزيع جوائز «النخلة الذهبية» تنوّعاً غير مسبوق لجهة الأفلام الفائزة، بدلاً من أن تحتكرها أفلام معدودة كما جرت العادة في دورات سابقة، مما يعكس وفرة الأفلام الجيّدة، وقوّة التنافس التي شهدتها دورة عاشرة أسدلت ستارها في حفل مبهج بمركز «إثراء» في الظهران.

وأظهر بريق «النخلة الذهبية» في أيدي الفائزين البُعد الإقليمي الذي صار يُشكّله هذا الحدث، بحصد عدد من الأفلام الخليجية جوائز مرموقة. وفي هذا السياق، يؤكد الفنان الإماراتي الدكتور حبيب غلوم لـ«الشرق الأوسط» أنّ المهرجان يرتقي بالسينما الخليجية، مضيفاً: «صنّاع الأفلام السعوديون مبدعون منذ سنوات، وبصمتهم واضحة. وبحُكم إدارتي السابقة لـ(مهرجان السينما الخليجية)، وقفت على إبداعاتهم، فقد كانوا يحصدون معظم الجوائز، واليوم يحصلون على الفرص والدعم الكبير، ويمتازون بالتنوّع الوفير. أعتقد بأنه خلال الأعوام الـ5 المقبلة ستكون السينما السعودية في مصاف العالمية».

آيدا القصي تحصد «النخلة الذهبية» لأفضل ممثلة عن دورها في «أنا وعيدروس» (الشرق الأوسط)

الأفلام الوثائقية

البداية مع مسابقة الأفلام الوثائقية، فذهبت جائزة «النخلة الذهبية» للفيلم الخليجي الوثائقي «بر سار» للمخرج محمد جاسم، وجائزة «جبل طويق» لأفضل فيلم عن مدينة سعودية للمخرجة ميتشوكا ألكوفا عن «أصوات العلا». ونال «الأيحلة» لمحمد المبارك تنويهاً خاصاً من لجنة التحكيم، بينما فاز بجائزة «النخلة الذهبية» للموضوع الوثائقي الفريد فيلم «ذاكرة عسير» لسعد طحيطح. كما فاز بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم عن البيئة السعودية، «هورايزن» لفابين لميير، وأيضاً فاز بـ«النخلة الذهبية» لجائزة لجنة التحكيم، «أندرغراوند» لعبد الرحمن صندقجي. وأخيراً نال «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم وثائقي «سباق الحمير» لمحمد باقر.

الأفلام القصيرة

وعن جوائز مسابقة الأفلام القصيرة، فاز «عذر أجمل من ذنب» لهاشم شرف بـ«النخلة الذهبية» للفيلم الخليجي الروائي القصير، كما فاز «بصيرة» لعبد العزيز الحسين بجائزة «عبد الله المحيسن» للفيلم الأول، في حين فاز «بين البينين» لإيثار عامر بـ«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم «أنيميشن ثانٍ». وذهبت جائزة «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم «أنيميشن أول» إلى «مسند» لعبد الرحمن صالح. أما «النخلة الذهبية» لأفضل تصوير سينمائي، فنالها «بخروش» لرضوان جمال، وحصل مهنّد الصالح على «النخلة الذهبية» لأفضل ممثل عن دوره في «بصيرة»، كما نالت آيدا القصي «النخلة الذهبية» لأفضل ممثلة عن دورها في «أنا وعيدروس» الذي حصد أيضاً «النخلة الذهبية» لجائزة لجنة التحكيم، لتذهب «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم قصير إلى «قصة صالح» لزكي آل عبد الله.

الفنان عبد الرحمن صالح يرفع «النخلة الذهبية» لأفضل فيلم «أنيميشن أول» (مسند)

الأفلام الطويلة

وحملت جوائز مسابقة الأفلام الطويلة مفاجآت عدّة؛ فنال «هجان» للمخرج أبو بكر شوقي 4 جوائز دفعة واحدة؛ هي: «النخلة الذهبية» لأفضل تأليف موسيقي، و«النخلة الذهبية» لأفضل ممثل، التي ذهبت إلى عمر العطوي، و«النخلة الذهبية» لأفضل ممثلة، التي ذهبت إلى تولين عصام، بالإضافة إلى «النخلة الذهبية» لجائزة لجنة التحكيم. وأيضاً، فاز فيلم «بين الرمال» للمخرج محمد العطاوي بجائزتَي «النخلة الذهبية» لأفضل تصوير سينمائي، و«النخلة الذهبية» لأفضل فيلم طويل. كما فاز الفيلم اليمني «المرهقون» بجائزة «النخلة الذهبية» للفيلم الخليجي الروائي الطويل، وجائزة خاصة من لجنة التحكيم للتمثيل في الأفلام الخليجية حازت عليها الممثلة عبير محمد. وأخيراً، ذهبت «النخلة الذهبية» لأفضل مونتاج لفيلم «ذلك الشعور الذي».

المخرج أبو بكر شوقي الذي حصد فيلمه «هجان» 4 جوائز (الشرق الأوسط)

حصيلة سينمائية

والمهرجان المُقام سنوياً بتنظيم «جمعية السينما»، وبالشراكة مع «مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي» (إثراء)، وبدعم «هيئة الأفلام» التابعة لوزارة الثقافة؛ جمع حشداً كبيراً في الفنانين السعوديين والخليجيين والعرب الذين توافدوا طوال أيامه الـ8 لمشاهدة نحو 75 فيلماً، وحضور الندوات اليومية، وفعاليات سوق الإنتاج التي تضمّ نحو 20 جهة سعودية مهتمّة بدعم القطاع، وقدّمت دعماً سخياً لمشروعات سينمائية واعدة.

مؤسِّس مهرجان «أفلام السعودية» ومديره أحمد الملا (الشرق الأوسط)

متحف المهرجان

وتميّزت الدورة بكثير من الفعاليات الاستثنائية، منها «متحف حكاية المهرجان» الذي ظلَّ يستقبل الزوّار طوال أيامه، ويسرد تفاصيل الدورات الماضية منذ انطلاقة المهرجان عام 2008 حتى اليوم، ويقف على تجارب وخبرات كبار الفنانين الذين أسهموا في إعداد حقبة زمنية واعدة للمهتمّين بصناعة الأفلام، وتسلّموا زمام تلك الحقبة ليستمرّوا في إحداث حراك فاعل عزَّز القيمة الفنّية وثراء المشهد السينمائي.

وقدَّم المتحف إجمالي المشاركات منذ الدورة الأولى عام 2008، حتى الدورة العاشرة (2024)، فسجّل في مسابقات الأفلام المشاركة 1444 فيلماً، ومسابقة السيناريو غير المنفَّذ الذي بلغ 2162 سيناريو، بينما استقطبت سوق الإنتاج 289 مشروعاً، ووصل عدد الجوائز إلى 155؛ لتُحقق أعداد الجماهير التي توافدت لحضور المهرجان منذ انطلاقته وحتى الدورة التاسعة (2023)، أكثر من 165631 زائراً محلّياً ودولياً.

وللفائزين على مدى الأعوام الماضية، نصيبٌ وافر من المتحف، حيث يجدون التفاصيل بالأرقام وأسماء الأفلام التي ظفرت بالفوز، مثل مسابقة الأفلام الروائية، والأفلام الوثائقية، والسيناريو، والأفلام الروائية القصيرة، وأفلام الطلبة، والسيناريو، ومسابقات وجوائز أخرى باتت علامة فارقة للمهتمّين؛ منها جوائز المهرجان الخاصة، ومسابقة سوق الإنتاج. كما ازدان المتحف بروّاد الفنّ المكرَّمين، منهم رائد الفنّ السابع عبد الله المحيسن الذي أسهم في وضع اللبنات الأولى لصناعة السينما في المملكة، وإبراهيم القاضي الذي حقّق إنجازات في المسرح والسينما الهندية، وتتلمذ على يد مجموعة من روّاد بوليوود، بجانب شخصيات سينمائية تركت بصمة راسخة؛ أمثال سعد الفريح، وسعد خضر، ولطفي زيني، ومأمون حسن، وخليل الرواف، وصالح الفوزان.


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)
الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم الجمعة، وفور بدئه تصدّر قوائم الأفلام الأعلى مشاهدة في السعودية ودول عربية عدة، وهو الفيلم العربي الوحيد المرشح لجائزة «أوسكار» في دورتها الـ98، ويأتي من إخراج المخرجة التونسية كوثر بن هنية.

يُعيد الفيلم بناء الأحداث المحيطة بمقتل الطفلة ذات الـ6 أعوام، هند رجب، في غزة على يد القوات الإسرائيلية مطلع عام 2024، مما أحدث صدى واسعاً منذ عرضه العالمي الأول في «مهرجان فينيسيا السينمائي» في سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث فاز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى، علاوة على كونه ممثلاً لتونس في فئة «أفضل فيلم روائي دولي» في «أوسكار»، وتم ترشيحه لجائزتَي «بافتا»، و«غولدن غلوب».

كما يظهر الدعم السعودي في مسار «صوت هند رجب» عبر أكثر من مستوى، بدءاً من مشاركة «استوديوهات إم بي سي» في الإنتاج بوصفها منتجاً منفذاً وممولاً مشاركاً، وصولاً إلى امتلاك «إم بي سي شاهد» حقوق العرض الحصري في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتصدّر الفيلم قائمة الأعمال الأعلى مشاهدة في منصة «شاهد» منذ الأيام الأولى لطرحه، وتحوّل إلى موضوع رائج على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تزامن إطلاق الفيلم على منصات البث في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوم الجمعة، مع إعلان من شركة التوزيع الأميركية «Willa» عن توسيع عرضه في الولايات المتحدة ليشمل أكثر من 70 صالة سينما في أنحاء البلاد، مع مشاركة المخرجة كوثر بن هنية في سلسلة من جلسات الأسئلة والأجوبة المباشرة في نيويورك ولوس أنجليس خلال الأيام المقبلة.


فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي، بقدر ما هو مشروع سينمائي طويل النفس، تشكّل وتغذّى من تراكمات سياسية واجتماعية وإنسانية امتدت على مدار أكثر من سبعة عقود.

الفيلم المدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر» سيُعرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة المقبلة من مهرجان برلين السينمائي، وهو من إخراج رانية الرافعي التي تقدّم قراءة مركبة لمدينة طرابلس، بوصفها كياناً حياً، يتقاطع فيه الخاص والعام، والذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، والغضب بوصفه حالة تاريخية مستمرة وليس حدثاً طارئاً.

الفيلم يندرج ضمن خانة الوثائقي التجريبي، وهو توصيف لا يبدو شكلياً بقدر ما يعكس جوهر التجربة نفسها، فـ«يوم الغضب... حكايات من طرابلس» يستعيد خمس لحظات ثورية شهدتها طرابلس منذ عام 1943 وحتى اليوم، لا ليعيد تمثيلها أو يقدّمها بوصفها محطات مكتملة، بل ليقرأها بوصفها مسارات متداخلة، وحلقات في سلسلة طويلة من البحث عن العدالة والهوية والمعنى.

توضح المنتجة جنان داغر لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالأساس مشروع المخرجة رانيا الرافعي، وأن دورها منتجةً جاء امتداداً لتعاون طويل بينهما في الأفلام الطويلة، بدأ مع فيلم «74: استعادة نضال»، وهو العمل الذي حظي، حينها، بمسار مهرجاني واسع، وشكّل محطة تأسيسية في علاقتهما المهنية.

وتشير داغر إلى أن فكرة «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» بدأت قبل اندلاع احتجاجات 2019 بقليل، حين كانت رانيا الرافعي تفكّر في إنجاز فيلم عن طرابلس، مدينتها، بوصفها مساحة تاريخية وسياسية معقّدة، ومع انطلاق التحركات الشعبية في لبنان، خصوصاً في طرابلس، تحوّل المشروع من فكرة مؤجلة إلى ضرورة، خصوصاً مع انخراط المخرجة المباشر في الشارع، وقرارها أن تكون حاضرة بالكاميرا وسط ما يجري.

المنتجة اللبنانية جنان داغر (الشرق الأوسط)

وتؤكد المنتجة أن الفيلم لا يتعامل مع لحظة 2019 بوصفها حدثاً معزولاً، بل يضعها ضمن مسار تاريخي طويل من الانتفاضات والتحركات التي شهدتها المدينة منذ عام 1943، فالتاريخ -حسب رؤيتها- لا يُصنع فجأة، بل يتكوّن عبر تراكمات متتالية، وغالباً ما نميل إلى اعتبار لحظة معينة «تاريخية» من دون الانتباه إلى ما سبقها من مقدمات وشروط.

وعن البنية السردية للفيلم، توضّح جنان داغر أن الفيلم يحمل بُعداً شخصياً واضحاً، إذ تقوم بنيته على رسائل تكتبها رانيا الرافعي إلى والدها، الذي تُوفي خلال فترة العمل على الفيلم، هذا الجانب الحميمي، برأيها، لا يتناقض مع الطابع السياسي للعمل، بل يمنحه عمقاً إضافياً، لأنه يربط التحولات الكبرى بتجارب فردية، ويعيد السياسة إلى مستوى الحياة اليومية.

تحديات أساسية

وتلفت جنان داغر إلى أن أحد التحديات الأساسية كان تفادي الوقوع في خطاب أحادي أو قراءة منحازة، خصوصاً أن طرابلس تُقرأ دائماً من زوايا طائفية أو آيديولوجية ضيقة، لذلك، حرص الفيلم على الرصد والاستماع، لا على إصدار الأحكام، وعلى طرح الأسئلة بدل تقديم إجابات جاهزة حول المراحل المختلفة التي مرت بها المدينة، من الاستعمار إلى الحرب الأهلية، وصولاً إلى الزمن الراهن.

على المستوى الإنتاجي، تصف جنان داغر تجربة إنجاز الفيلم بالصعبة والطويلة، في ظل نقص التمويل والأزمات المتلاحقة التي شهدها لبنان منذ عام 2019، فجرى تصوير العمل على مراحل متقطعة، وهو ما فرض تحديات كبيرة، لكنه أتاح في المقابل مسافة زمنية للتأمل وإعادة التفكير في المادة المصوّرة.

حصد الفيلم اللبناني دعماً من «البحر الأحمر» (الشركة المنتجة)

وتؤكد جنان داغر أن دعم «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» كان حاسماً في مسار الفيلم، لا سيما في مرحلتَي الإنتاج وما بعدهما، إذ أتاح الانتقال من مرحلة التصوير المتفرّق إلى مرحلة الإنجاز النهائي. كما لعبت جهات داعمة أخرى، مثل «الصندوق العربي للثقافة والفنون» (آفاق)، و«مؤسسة الدوحة للأفلام»، و«مؤسسة سينما لبنان»، أدواراً أساسية في مراحل مختلفة من المشروع.

وحول اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان برلين السينمائي، تقول جنان داغر إن التقديم جاء في مرحلة كان فيها الفيلم قد انتهى من المونتاج، لكنه لم يكن قد دخل بعد في المعالجات النهائية للصوت والصورة، لينجز الفريق العمل بتفاصيله كافّة عبر جهد مكثف، ليكون جاهزاً للعرض في «برلين السينمائي»، مما يشكّل فرصة حقيقية لفتح مسار دولي للفيلم، والوصول إلى جمهور أوسع، وهو الهدف الأساسي بالنسبة لهم.

Your Premium trial has ended


معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
TT

معارض أجنبية تقود للكشف عن آثار مصرية منهوبة

رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)
رأس التمثال المسترد من هولندا (وزارة السياحة والآثار)

كشفت واقعة استرداد مصر لتمثال رأس أثري من هولندا بعد تتبعه في أحد المعارض بمدينة ماسترخيت عن إمكانية أن تقود المعارض والمزادات الخارجية لاسترداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج، وفق أكثر من واقعة ظهرت فيها تلك الآثار، وتمت استعادته بالطرق القانونية والجهود الدبلوماسية.

وتسلّمت السفارة المصرية في هولندا رأس تمثال حجري من عصر تحتمس الثالث قبل 3500 سنة، من حجر الجرانوديوريت، كان قد خرج من البلاد بطريقة غير شرعية، وتم رصده في أحد المعارض للفنون الجميلة، وتتبعه حتى استرداده.

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، أن استرداد هذا الرأس يُجسّد ثمرة التعاون البنّاء بين مصر ومملكة هولندا، ويعكس التزاماً مشتركاً بتطبيق الاتفاقيات الدولية المعنية بحماية التراث الثقافي، ومكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الأثرية، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار.

مشدداً على حرص الدولة المصرية على استعادة آثارها التي خرجت من البلاد بطرق غير مشروعة، والعمل المستمر على صون التراث الحضاري المصري، والحفاظ على الهوية الثقافية للأمة، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية وجميع الجهات المعنية، وبالتعاون مع الشركاء الدوليين.

من جانبه، أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أن هذه الخطوة تمثل إضافة جديدة إلى سجل النجاحات المصرية في ملف استرداد الآثار، وتعكس التزام الدولة المصرية بحماية تراثها الحضاري، وصون هويتها الثقافية، بالتعاون مع المجتمع الدولي.

بينما أوضح مدير عام الإدارة العامة للآثار المستردة والمشرف على الإدارة المركزية للمنافذ الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار، شعبان عبد الجواد، أن القطعة الأثرية، وفقاً للمعاينة الأولية، يُرجّح أنها تعود إلى عصر الدولة الحديثة، وتحديداً فترة حكم الملك تحتمس الثالث، وأنها كانت قد خرجت من البلاد بطريقة غير مشروعة، قبل أن يتم رصدها في أثناء عرضها في معرض الفنون الجميلة (TEFAF) بمدينة ماسترخيت الهولندية عام 2022، حيث قامت السلطات الهولندية بضبطها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التمثال المسترد من هولندا من عصر تحتمس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

ووضعت منظمة اليونيسكو اتفاقية بشأن حظر ومنع الاستيراد والتصدير والنقل غير المشروع للممتلكات الثقافية عام 1970، واعتمدتها مصر في 5 أبريل (نيسان) 1973، بينما انضمت هولندا للاتفاقية في 2009، ويتعاون البلدان بصفتهما طرفين في الاتفاقية، لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في إطار قانوني دولي منظم.

ويرى خبير الآثار المصري، الدكتور حسين عبد البصير، أن استرداد رأس تمثال أثري نادر بعد رصده في أحد المعارض الأوروبية، كما حدث في ماسترخيت بهولندا، يؤكد حقيقة باتت واضحة اليوم وهي أن «المعارض والمزادات الأجنبية أصبحت أحد أهم مفاتيح كشف الآثار المصرية المنهوبة، حتى إن لم يكن ذلك هدفها المعلن».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الواقعة ليست استثناءً، بل امتداد لسلسلة من الحالات التي أثبتت أن خروج القطع الأثرية إلى العلن - عبر كتالوجات البيع والمعارض الدولية - يتيح للخبراء المصريين توثيقها علمياً، ومقارنتها بالسجلات والأرشيفات، ثم التحرك القانوني والدبلوماسي لاستعادتها. وهنا يتحول العرض التجاري إلى دليل إدانة، لا إلى سند ملكية».

ولفت إلى أن نجاح مصر في استعادة هذه القطعة وغيرها يعكس تطوراً ملحوظاً في كفاءة الرصد والمتابعة العلمية، والتعاون بين الآثاريين والجهات القانونية، استخدام القوانين والاتفاقيات الدولية بشكل فعّال. وقال: «هذه الجهود ترسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن مصر لا تنسى آثارها، ولا تتنازل عن حقها في تاريخها، مهما طال الزمن أو تغيّرت الأماكن».

وكانت أكثر من واقعة لمعارض ومزادات خارجية كشفت عن وجود آثار مصرية مهربة لها من بينها واقعة تصوير النجمة الأميركية كيم كارداشيان أمام تابوت أثري بمتحف المتروبوليتان بنيويورك عام 2018، وهي الصورة التي أدت إلى اكتشاف بيع التابوت الذهبي للكاهن نجم عنخ إلى المتحف الأميركي من قبل لصوص مقابل 4 ملايين دولار باستخدام وثائق مزورة.

جانب من آثار مستردة من فرنسا سابقاً (وزارة السياحة والآثار)

ووفق المتخصّصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، فإن استرداد رأس تمثال أثري نادر من هولندا واقعة تعكس تنامي الوعي المؤسسي بأهمية المتابعة الدقيقة لحركة القطع الأثرية خارج حدودها الجغرافية، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الأمر «يكشف الدور الذي يمكن أن تؤديه المعارض الأجنبية بوصفها فضاءات ثقافية مفتوحة في إتاحة الفرصة لمراجعة مصادر القطع المعروضة والتحقق من مسارات انتقالها التاريخية».

ومن منظور أكاديمي، تلفت إلى أن «تكرار عمليات الاسترداد خلال السنوات الأخيرة يشير إلى تحوّل نوعي في إدارة ملف التراث الثقافي، قائم على التوثيق العلمي والتعاون الدولي وتفعيل الاتفاقيات المنظمة لحماية الممتلكات الثقافية».

ومن الوقائع الأحدث لاكتشاف آثار مصرية مهربة في المعارض الفنية والمزادات، ما تم إعلانه العام الماضي عن دار مزادات «أبوللو» في لندن عن عرض 185 قطعة أثرية مصرية للبيع، وبعد هذا الإعلان كشفت مصادر بوزارة السياحة لوسائل إعلام محلية أن إدارة الآثار المستردة بالوزارة تتابع بشكل دوري المزادات التي تقام بجميع دول العالم، وتعلن عن عرض قطع أثرية مصرية للبيع، وتسعى الوزارة لاستردادها بالطرق القانونية ومخاطبة الجهات المسؤولة.

واستردت مصر أكثر من 30 ألف قطعة أثرية في الفترة من 2014 حتى 2024، بمتابعة مستمرة لكل المزادات العلنية والمعارض الفنية وكل ما يُنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر وكالات الأنباء الدولية عن الآثار المصرية التي يتم تداولها في الخارج، من بينها استرداد 20 قطعة أثرية من أستراليا، كانت معروضة بإحدى صالات المزادات الشهيرة هناك.