أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تمسك بلاده بـ«ملف الذاكرة»، الذي يثير خلافاً حاداً مع فرنسا، عاداً أنه «لا يتآكل بالتقادم أو التناسي بفعل مرور السنوات، ولا يقبل التنازل والمساومة». وتعهد بأن «يبقى في صميم انشغالاتنا حتى تتحقق معالجته معالجة موضوعية، جريئة ومنصفة للحقيقة التاريخية».

ونشرت الرئاسة على حساباتها بالإعلام الاجتماعي، اليوم الثلاثاء، خطاباً مكتوباً لتبون بمناسبة مرور 79 سنة على «مجازر 8 مايو (أيار) 1945»، ارتكبها الاستعمار الفرنسي بمدن بشرق البلاد، في حق آلاف المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع لتذكير فرنسا بوعدها بمنح الاستقلال لمستعمرتها، في حال الانتصار على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية. وخلفت الاحتجاجات 45 قتيلاً، حسب كتب التاريخ.
وأوضح تبون في خطابه أن «عناية الدولة بمسألة الذاكرة ترتكز على تقدير المسؤولية الوطنية في حفظ إرث الأجيال من أمجاد أسلافهم، وتنبع من اعتزاز الأمة بماضيها المُشرّف، ومن جسامة تضحيات الشعب في تاريخ الجزائر القديم والحديث لدحر الأطماع، وإبطال كيد الحاقدين، الذين ما انفكوا يتوارثون نوايا النيل من وحدتها وقوتها»، مشيراً إلى أن «المصداقية والجدية مطلب أساسي لاستكمال الإجراءات، والمساعي المتعلقة بهذا الملف الدقيق والحساس، وما يمثله لدى الشعب الجزائري الفخور بنضاله الوطني الطويل، وكفاحه المسلح المرير، والوفي للشهداء ولرسالة نوفمبر الخالدة».

المعروف أن الجزائر وفرنسا أطلقتا العام الماضي «لجنتين لمصالحة الذاكرتين»، تضم كل واحدة باحثين في التاريخ من البلدين، مهمتهم إحداث توافق في الرؤية بخصوص «الحقيقة التاريخية»، وذلك بغرض التوصل إلى مساحة مشتركة، تسمح بتجاوز الخلاف حول «الذاكرة وآلام الماضي الاستعماري». وينتظر أن تطرح هذه القضية خلال زيارة تبون المرتقبة إلى باريس الخريف المقبل.

وخلاصة المطلب الجزائري في هذا الموضوع نيل اعتراف صريح من فرنسا بأن احتلالها للجزائر (استمر 132 سنة من 1830 إلى 1962)، كان «جريمة ضد الإنسانية»، وأن يتبع ذلك تقديم اعتذار. غير أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبّر عن رفضه هذا المطلب، وقال في مقابلة صحافية مطلع 2023: «لست مضطراً لطلب الصفح، هذا ليس الهدف. الكلمة ستقطع كلّ الروابط (..) إن أسوأ ما يمكن أن يحصل هو أن نقول نحن نعتذر وكلّ منّا يذهب في سبيله».
وبرأي ماكرون، فإن «عمل الذاكرة والتاريخ ليس جردة حساب، إنّه عكس ذلك تماماً. عمل الذاكرة والتاريخ يعني الاعتراف بأن في طيات ذلك أموراً لا توصف، أموراً لا تُفهم... أموراً لا تُبرهَن، وأموراً ربما لا تُغتفر».
وعن انتفاضة 8 مايو 1945 بمدن سطيف وقالمة وخراطة، ذكر تبون أن «الشعب الجزائري صنع منها مشهداً ملحمياً، أصاب الاستعمار بالذهول والجنون، ودفعه إلى ارتكاب جرائم إبادة وضد الإنسانية، وهو مشهد رهيب ومروع، جسّد لحظة تاريخية مفصلية انعطفت بنضالات الحركة الوطنية ورصيدها عبر عقود من الزمن نحو المواجهة المسلحة».
وأضاف تبون موضحاً: «نحتفي في الثامن من مايو باليوم الوطني للذاكرة، وفي هذه الذكرى تعود إلى أذهاننا المجازر التي أقدم على اقترافها الاستعمار بأقصى درجات الحقد والوحشية، لإخماد سيرورة مد نضالي وطني متصاعد أدى إلى مظاهرات غاضبة عارمة، انتفض خلالها الشعب الجزائري آنذاك ليعبر عن تطلعه إلى الحرية والانعتاق».

وتابع تبون مبرزاً أن المجازر «التي دفع فيها الشعب الجزائري من دماء أبنائه 45 ألف شهيد كانت إعلاناً مدوياً عن قرب اندلاع الكفاح المسلح في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) 1954». كما عدها «محطةً من المحطات الدامية التي سجّلها التاريخ الحديث في مصاف النماذج، المُعبرة عن مناهضة الاستعمار والتعلق بالحرية والكرامة، وواحداً من أعظم الأمثلة في العالم على حجم وعمق التضحيات والدماء والمآسي، التي تكبدتها الشعوب المستعمرة ثمناً للتخلص من الظلم والهيمنة، واستعادة السيادة الوطنية».



