هل يفسد «طوفان الأقصى» العلاقات السورية - الإيرانية... أم هو سحابة صيف عابرة؟

دمشق إذ تحاول الخروج من عنق زجاجة طهران و«تنأى بنفسها» عن حرب غزة

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
TT

هل يفسد «طوفان الأقصى» العلاقات السورية - الإيرانية... أم هو سحابة صيف عابرة؟

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)
إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)

لفحت رياح حرب غزة وجود إيران العسكري في سوريا، فأجبرت طهران على وضع خطط لإخلاء عناصر «الحرس الثوري»، ونقل مقارّ قياداته المعروفة من ريف دمشق إلى مناطق قريبة من لبنان، بعد مقتل الكثير من قادته البارزين في غارات إسرائيلية.

وطالت رياح تلك الحرب أيضاً علاقات البلدين، وبدا التراجع في وهجها بعد موقف «الحياد» الذي اتخذته دمشق تجاهها وظهر على شكل جفاء بين مؤسستي الرئاسة في البلدين ونأي دمشق بنفسها عن محور «وحدة الساحات»، ثم شكوك طهران بتورط أجهزة أمن سورية بتسريب معلومات حول تحركات ضباطها، إضافة إلى قلقها من تجاوب دمشق مع مؤشرات لانفتاح عربي، ورغبة بالخروج من عنق الزجاجة الإيرانية بتطبيع العلاقة مع الغرب.

وعقب القصف الإسرائيلي الذي استهدف في الأول من أبريل (نيسان) الماضي قنصلية إيران الواقعة بجوار سفارتها على اوتوستراد المزة في دمشق وأوقع 7 قتلى؛ على رأسهم قائد «فيلق القدس» في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي، بدا أن «الحرس الثوري» الإيراني يمر بأكثر الفترات صعوبة في سوريا بعد أكثر من عقد على إرساله عشرات الآلاف من عناصر الميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية لمساعدة السلطات السورية.

رفع الأنقاض من مقر القنصلية الإيرانية على أوتوستراد المزة بعد تدميره بضربة إسرائيلية في أبريل الماضي (الشرق الأوسط)

خوف وخطط إخلاء

عناصر محلية مرافقة لأحد المستشارين الإيرانيين في سورية ويحمل رتبة جنرال كشفت عن القلق الشديد الذي يعتري الأخير على حياته بعد الضربات الإسرائيلية المتكررة، وينقل أحد العناصر لـ«الشرق الأوسط» عن الجنرال قوله: «أنا الآن مضطر إلى النوم في العراء خشية على حياتي».

وكشفت مصادر من ميليشيات غير سورية تابعة لإيران متواجدة في ريف دمشق أن إيران وضعت خططاً لإخلاء سوريا من عناصر «الحرس الثوري»؛ «بسبب الضغط الإسرائيلي المتزايد وضع هؤلاء خططاً لإخلاء سوريا عبر مطار دمشق الدولي، وكذلك العودة تسللاً عبر الحدود السورية - العراقية».

بالتوازي، أخلت قيادات «الحرس» بعد الهجوم الإسرائيلي مقارّها المعروفة داخل ريف دمشق وانتقلت إلى مناطق قريبة من لبنان، بحسبما قالت لـ«الشرق الأوسط» مصادر أهلية رصدت انتقال هؤلاء نحو مناطق واقعة غربي دمشق قرب الحدود اللبنانية.

مبنى متضرر من غارة إسرائيلية في منطقة كفر سوسة أدت إلى مقتل 3 أشخاص بينهم اثنان يعتقد أنهما إيرانيان في فبراير الماضي (الشرق الأوسط)

استهداف القنصلية الإيرانية بدمشق الذي صَفّت إسرائيل به ما يوصف بـ«غرفة عمليات الحرس الثوري» في سوريا ولبنان، جاء بعدما كثفت اسرائيل طرق محاربتها للوجود العسكري الإيراني في سوريا، منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وباتت غاراتها وصواريخها لا تستهدف فقط مواقع إيران وميليشياتها العسكرية في المناطق الحدودية، بل تعدى ذلك إلى استهداف العناصر ومن ثم قادة الميليشيات وصولاً إلى قادة «الحرس الثوري» في كل مناطق الحكومة السورية، وذلك عبر تدمير مبانٍ سكنية يقطنون فيها تقع في مدن وأحياء راقية.

«السيدة زينب» مقراً للإيرانيين

في منطقة «السيدة زينب» جنوبي دمشق، التي تعد المعقل الرئيسي للوجود الإيراني وأتباعه، اختفى كلياً مشهد العناصر المسلحة، سواء من الإيرانيين أو الميليشيات الموالية لهم، وذلك بعد مقتل قائد قوة الارتباط لـ«الحرس الثوري الإيراني» في سوريا رضي موسوي، بغارة إسرائيلية استهدفت «منطقة الروضة» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. تلى تلك الحادثة غارة جوية استهدفت مبنى سكنياً في منطقة الفيلات الغربية بحي المزة الراقي في يناير (كانون الثاني) الماضي، قُتل فيها مسؤول استخبارات «الحرس الثوري» و«فيلق القدس» في سوريا حجت الله أميدوار.

وبحسب مشاهدات ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، يقتصر اليوم الانتشار المسلح في «السيدة زينب» على عناصر من «حزب الله» اللبناني، خصوصاً في محيط المقام الذي يؤمّه الزوار الشيعة من إيران والعراق ولبنان وباكستان وأفغانستان وعند حاجز «المستقبل» المؤدي إلى المنطقة من طريق مطار دمشق الدولي.

وتقول مصادر أهلية في بلدة «حجيرة» الواقعة شمالي «السيدة زينب»: «هنا مقر (القائد) ومقارّ قيادات إيرانية دينية وعسكرية، ولكنهم منذ تكثيف إسرائيل قصفها للمنطقة مشاهدتهم باتت نادرة، وفي الفترة الأخيرة لم نعد نراهم كلياً... لقد اختفوا».

تأتي هذه التطورات على رغم تأكيد السفير الإيراني حسين أكبري، عقب مقتل موسوي، أن بلاده لن تنسحب عسكرياً من سوريا. ونقلت صحيفة «الوطن» السورية المقربة من الحكومة قول أكبري حول ما ورد من تقارير صحفية تحدثت عن مغادرة مستشارين عسكريين إيرانيين: «نحن موجودون وحاضرون في سورية بالقوة نفسها وأبداً لن ننسحب».

ومنذ سنوات الحرب الأولى، كانت إيران أحد أبرز داعمي النظام السوري سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وينتشر في سوريا نحو 3 آلاف مقاتل ومستشار عسكري من «الحرس الثوري» الإيراني بحسب «المرصد السوري لحقوق الإنسان»؛ لكن طهران تتحدَّث فقط عن «مستشارين» يعاونون القوات الحكومية.

مقام السيدة زينب جنوب شرقي دمشق وبدت رايات حمراء ترفرف أعلاه (الشرق الأوسط)

الزعامة والنفوذ

ويعد «حزب الله» القوة الضاربة للميليشيات الشيعية في سورية. وبحسب قول مصدر مقرب من الحزب لـ«الشرق الأوسط»، يشغل قادة الحزب موقعاً متقدماً بين الميليشيات الشيعية في سورية، فهم في المستوى الثاني بعد قادة «الحرس الثوري» الإيراني.

ويوضح المصدر أن «الحزب يركز على إدارة التواصل مع السوريين العاديين؛ فمسؤولو الحزب مثلاً هم من يقومون باستئجار الشقق والفلل للمستشارين الإيرانيين، كما يقومون بدفع مبالغ التعويضات على الأضرار لأصحاب العقارات التي تعرّضت للضربات الإسرائيلية».

عدا عن ذلك، وبحسبما تنقل هذه المصادر، «فإن قادة الحزب، يتميزون بحرصهم العميق على عدم استفزاز الغالبية السنية في سورية، بل يقومون، بنسج علاقات جيدة مع الفعاليات الاجتماعية في مناطق انتشارهم، مثل بلدة القصير بريف حمص ومنطقة القلمون بريف دمشق الغربي، وهم في حالات كثيرة يوفرون الحماية للسكان المحليين في مواجهة ممارسات عناصر الأجهزة الأمنية الجائرة».

وبالنسبة للسلطات السورية، يشكل انضباط عناصر «حزب الله» وقياداته عنصراً إيجابياً، بخلاف الميليشيات العراقية «المنفلتة من كل رقيب»، على حد قول المصادر.

وحول العلاقة بين دمشق و«حزب الله» يقول مصدر مقرب من السلطات السورية لـ«الشرق الأوسط»: «دائماً ما تتدخل قيادات من (حزب الله) لدينا لتهدئة التوتر الذي ينشأ أحياناً مع (العناصر) العراقيين أو الإيرانيين. لدينا تاريخ طويل من التعاون معهم، وهم يتفهمون حساسياتنا وطريقة تفكيرنا».

ويذكر المصدر نقلاً عن مسؤول سوري رفيع المستوى، أن الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله لطالما استخدم نفوذه الشخصي ورصيده لدى الرئيس السوري بشار الأسد لـ«حلحلة الكثير من الخلافات» حتى إنه «مؤخراً لعب دور صمام الأمان في العلاقات السورية - الإيرانية التي شهدت الكثير من التوتر»، فخرج نصر الله علانية في إحدى خطبه ليدافع عن عدم انخراط سورية في الحرب على غزة.

نأي سوري بالنفس

وبعكس حلفاء إيران في لبنان والعراق واليمن، حرصت السلطات العليا في سوريا على عدم الانجرار والانخراط في حرب غزة، فبقيت جبهة هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل هادئةً نسبياً، واقتصرت التحركات هناك على مناوشات قامت بها الميليشيات التابعة لإيران وتمثلت بإطلاق عناصرها قذائف على القسم المحتل من الجولان سقط أغلبيتها في أراضٍ زراعية، ولم يسفر معظمها عن أضرار.

وتقول مصادر متابعة في دمشق: «يرفض الإيرانيون تفهم الموقف السوري في الوقوف على الحياد تجاه حرب غزة، وعدم الانخراط في (وحدة الساحات)، ورفضها فتح جبهة الجولان وبالنسبة لهم بذلت بلادهم الغالي والرخيص في سبيل الدفاع عن (النظام السوري)، بينما يستدرج النظام عروض الحوار الغربية كمكافأة له على موقف (النأي بالنفس) وعدم فتح جبهة الجولان، وهو أمر لا يمكن أن يقبل به الإيرانيون».

وتضيف المصادر: «يرى بعض المسؤولين السوريين أن أي مكسب إقليمي لإيران سيكون حكماً على حساب دمشق، ففي بداية حرب غزة كان النظام مرعوباً من صففة إيرانية - أميركية».

وفي ظل اضطراب العلاقة بين دمشق وطهران بات المستشارون الإيرانيون في سورية «مكسر عصا» بين الطرفين. وينقل عنصر المرافقة (السابق الذكر) لـ«الشرق الأوسط» عن الجنرال الإيراني قوله شاكياً: «لا قيمة لنا هنا في سورية، لا أحد يهتم بنا، هناك في بلادي كنت مسؤولاً عن محافظة كاملة وكان السكان يتمنون إرضائي... هنا لا أحد يحترمنا حتى».

جرمانا «عاصمة» العراقيين

الرؤية بالنسبة لقادة الميليشيات العراقية مختلفة. هم يعتقدون أنهم يعرفون السوريين أفضل من الإيرانيين واللبنانيين على السواء. تأثر هؤلاء القادة بانخراطهم الأكبر بالسوريين، سواء مسؤولين أو مواطنين عاديين أو حتى مقاتلين من ميليشيا «الدفاع الوطني» المحلية.

وينقل مصدر لـ«الشرق الأوسط» عن أحد القيادات المتوسطة في ميليشيا عراقية قوله: «يعتقد مسؤولو (حزب الله) أن علينا أن نراعي المسؤولين السوريين، وهذا رأي نافذ أيضاً بين المسؤولين الإيرانيين، لكن تجربتنا تؤكد أن السوريين متشددون في الظاهر، لكنهم أضعف بكثير مما يبدون».

كشافة عراقيون في منطقة الروضة بـ«السيدة زينب» بعد زيارة للمقام في مارس الماضي (الشرق الأوسط)

لكن مسؤولاً في دمشق يأخذ على العراقيين انخراطهم الزائد مع السوريين حتى باتت مدينة جرمانا بريف دمشق الجنوبي الشرقي تُعرف فعلياً بـ«عاصمة» العراقيين بعد الحرب، تماماً كما كانت إبان غزو العراق في 2003 .

وتنقل مصادر متابعة عن المسؤول أن «هؤلاء المقاتلين يسهرون في الملاهي الليلية المنتشرة في المدنية؛ وهو ما يشكل مخاطر أمنية عالية». ولا يخفي المسؤول شكوكه في أن تسريب المعلومات عن تحركات الإيرانيين مصدرها هؤلاء المقاتلون، كما أن تسريب معلومات يجري أيضاً من جانب مقاتلي «حزب الله»، وقد تم إبلاغ الحزب عن حالات تسريب معلومات عدة نجمت عن عناصره.

تراجع وهج العلاقات

مع تصفية إسرائيل الكثير من كبار الضباط الإيرانيين، «الذين قاتلوا دفاعاً عن النظام السوري»، وإحالة الرئيس الأسد قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية السوريين ممن شهدوا ما قدمته إيران لبلادهم، على التقاعد كمثل اللواء جميل الحسن، مدير إدراة المخابرات الجوية، واللواء محمد محلا، مدير شعبة المخابرات العسكرية، أخذ وهج العلاقة السورية - الإيرانية يتراجع. وازداد ذلك في ظل شكوك الإيرانيين غير المعلنة رسمياً بتورط أجهزة أمن سورية بتسريب معلومات حساسة حول تحركات ضباطهم لإسرائيل أدت إلى تصفيتهم، وموقف دمشق ونأيها بنفسها، وذلك وفق ما ترى مصادر متابعة لمسار العلاقات السورية - الإيرانية في دمشق.

وتقول المصادر لـ«الشرق الاوسط» إن هذين العاملين يأتيان في ظل قلق إيراني مبطّن من الانفتاح العربي على دمشق، وجنوح النظام السوري إلى الحضن العربي، وذلك في أعقاب ما عقدته طهران من صفقات مع الولايات المتحدة أزعجت دمشق، خصوصاً اتفاق الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان في أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

وترى المصادر، أن توافق الأيام الخوالي بين دمشق وطهران أخلى طريقه وطغى عليه عدم التوافق، خصوصاً مع ضغوط إيران المتزايدة لاسترداد ديونها المترتبة على الحكومة السورية، ورغبة إيران في تكبيل دمشق بالمزيد من القيود والالتزامات التي تحدّ من قدرة مناوراتها الإقليمية بوصفها ثمناً لتحالف أيام الحرب في سوريا.

وكان جرى في أغسطس (آب) الماضي تسريب وثيقة حكومية مصنّفة «سرية» صادرة عن الرئاسة الإيرانية إلى وسائل الإعلام تتعلق بإنفاق طهران 50 مليار دولار على الحرب في سوريا، خلال 10 سنوات، واعتبارها «ديوناً» تريد استعادتها على شكل استثمارات، ونقل للفوسفات والنفط والموارد الأخرى إلى الحكومة الإيرانية.

وعندما راجع مسؤولون سوريون نظراءهم الإيرانيين لنفي تلك الوثيقة، رفضوا بحجة أنهم لا يعلقون على مزاعم إعلامية؛ ما يعنى أنهم عملياً لا يمانعون في تشكل انطباع سوري وعربي بأن النظام مكبل بالديون لطهران، بحسب ما ذكرت مصادر وثيقة الاطلاع لـ«الشرق الأوسط».

البوابة الخارجية لمقر القنصلية الإيرانية في دمشق بعد استهدافه بغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل قائد فيلق القدس في سوريا ولبنان محمد رضا زاهدي و6 آخرين (الشرق الأوسط)

عنق الزجاجة

وتنقل المصادر المتابعة لمسار العلاقات بين البلدين عن مسؤول سوري قوله: «لقد لحقنا بالإيرانيين، لكن اتضح أن الكثير من وعودهم لم تتحقق، والآن نحاول إيجاد طريقة للخروج من عنق الزجاجة. هذه فرصتنا ويجب أن نستكشفها من أجل مستقبل البلاد». وكان المسؤول في ذلك يشير إلى تصريح للسفير الإيراني في دمشق حسين أكبري مطلع العام الحالي، قال فيه إن بلاده وصلتها رسالة من الولايات المتحدة باستعداد إدارة الرئيس جو بايدن لتسوية كبرى تشمل مشاكل المناطق كافة.

ووفق المصادر، فإن «الاتجاهات داخل العلاقات السورية - الإيرانية كانت تعتمل بعد صفقات طهران وواشنطن خلال عهد إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، حول العراق لجهة تشكيل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وإقصاء زعيم (التيار الصدري) مقتدى الصدر عن المشهد السياسي العراقي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 ولبنان وشرق سورية الذي شملته تهدئة بين البلدين بعد اتفاق الدوحة في 10 أغسطس الماضي».

شرخ غزة

إضافة إلى ذلك، أدت حرب غزة إلى بروز تباعد بين طهران ودمشق في القراءة والمصالح، وتقول المصادر المتابعة: «لقد تحسست دمشق إمكانية لتطبيع علاقاتها وأوضاعها مع الدول الغربية بسبب موقفها من حرب غزة تماماً كما فعلت في عام 1990 على حساب صدام حسين والانضمام إلى التحالف الدولي لتحرير الكويت من الغزو العراقي».

وتضيف: «أيضاً لدى طهران شكوك في أن تعيين اللواء كفاح ملحم المعروف باتجاهاته المناوئة لإيران، على رأس مكتب الأمن الوطني في سوريا، يهدف إلى سياسة أمنية سورية داخلية أكثر تشدداً حيال نفوذها».

وتوالت في الآونة الأخيرة مؤشرات توحي بوجود تراجع في العلاقات السورية - الإيرانية التي يصفها المسؤولون في البلدين بـ«الراسخة والتاريخية»، ومنها غياب التمثيل الإيراني وصور الرئيس الإيراني والمرشد علي خامنئي وصور الأمين العام لـ«حزب الله» عن فعالية «يوم القدس العالمي» التي أُقيمت يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان في مخيم اليرموك جنوبي دمشق، بعدما كان تمثيل تلك القيادات في المناسبة نفسها على مر السنوات الماضية يحصل على مستوى ممثل خامنئي في سوريا أو سفير إيران.

كذلك، اقتصرت الكلمات خلال الفعالية التي رصدتها «الشرق الأوسط» على كلمة سوريا وكلمة عوائل الشهداء وكلمة الفصائل الفلسطينية.

ومن المؤشرات أيضاً عودة اشتداد أزمة المحروقات (بنزين، مازوت) في مناطق الحكومة السورية في دلالة على تزايد ضغوط طهران وهي المورد الأساسي للمحروقات لدمشق.

كما كان لافتاً تبادل الرئيس الأسد برقيات تهنئة مع الكثير من قادة وملوك وزعماء الدول العربية بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك، في حين وعلى غير العادة لم تنشر وسائل الإعلام السورية الرسمية السورية والإيرانية خبراً عن تبادل الرئيسين الأسد وإبراهيم رئيسي التهاني بهذه المناسبة؛ وهو ما حصل أيضاً مع حلول عيد الفطر.

السور الخارجي للقنصلية الإيرانية في دمشق وبدت صورة قائد قوات فيلق القدس قاسم سليماني الذي قتل في 2020 في غارة جوية أميركية استهدفته في محيط مطار بغداد الدولي (الشرق الأوسط)

أين روسيا؟

وعن موقف روسيا حليفة دمشق المقرّبة والتي قلب تدخلها العسكري نهاية سبتمبر (أيلول) 2015 موازين القوى، يقول خبير سياسي لـ«الشرق الأوسط»: «توجّس الروس من اتفاق أميركي - إيراني في المنطقة بعد (طوفان الأقصى)، ففعّلوا وجودهم العسكري والسياسي وبادروا إلى تعزيز صلاتهم بدمشق. في هذا الصدد، لعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دوراً مباشراً في التواصل من أجل تحييد النظام (السوري) عن حرب غزة عبر اتصالات مع دول عربية رئيسية وإسرائيل».

وكان التدخل الروسي العسكري حسم المعركة لصالح الحكومة السورية ومكّن الجيش من استعادة مساحات شاسعة من البلاد من يد فصائل المعارضة المسلحة، مقابل نفوذ قوي ومكاسب اقتصادية لموسكو في الكثير من مناطق الحكومة، مما أثار بدوره تنافساً بينها وبين طهران على كل شيء تقريباً من النفوذ إلى الاقتصاد وحتى الثقافة واللغة.

ويتابع الخبير قوله: «أكثر ما أقلق الروس في البداية إمكانية إبرام اتفاق إيراني - أميركي على المنطقة، ولاحقاً عملوا من أجل تحييد الأراضي السورية عن الصراع في غزة، وضمان عدم امتداد النار إلى منطقة نفوذهم في سوريا». وبرأيه: «الروس يعولون على خفض التصعيد في سوريا، في انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية في أميركا».

وبعدما يلفت الخبير إلى الروس: «لديهم قلق حيال أي تصعيد في جنوب لنبان»، يقول: «لم يبادر الروس إلى ملء الفراغ الإيراني الآن نظراً لانشغالهم في أوكرانيا. فعلى المستوى الأكبر أظهرت التطورات الخاصة بضربة إسرائيل التي استهدفت القنصلية الإيرانية في سوريا، والرد الإيراني عليها، تراجع التأثير الروسي في عموم المنطقة».

ويختم الخبير قوله: «مع ذلك عكس الأسد اقترابه من الروس واستظلاله بهم في مواجهة الإيرانيين من خلال مقابلات مع وسائل الإعلام الروسية».

الرؤى المستقبلية

وترى الميليشيات العراقية في سورية امتداداً طبيعياً وبشرياً لها تسعى للهيمنة عليه، وفي هذا لا تختلف نظرتها لسوريا عن نظرة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، أما «حزب الله» فيرى في سوريا حليفاً طبيعياً وعمقاً استراتيجياً وممراً تسليحياً حساساً، ويعول عليها في احتواء تداعيات أي حرب إسرائيلية كبرى على جنوب لبنان، بينما الإيرانيون يهتمون بالموقع الاستراتيجي لسورية ومميزاته الاستراتيجية. كذلك يهتم الإيرانيون باستخدام الصوت السوري داخل جامعة الدول العربية، لكن رفض دمشق فتح جبهة الجولان أمام الإيرانيين، وإصرارها على موقف «النأي بالنفس» والبقاء ضمن الموقف العربي أغضب الإيرانيين وأصابهم بخيبة أمل.

إحياء يوم القدس في مخيم اليرموك وغاب عن الاحتفال التمثيل الإيراني الرسمي وصور قياديات إيرانية أو من «حزب الله» اللبناني (الشرق الأوسط)

ويحرص السوريون على إصدار بيانات مختلفة عن البيانات الإيرانية ويمكن الاستدلال من بياني وكالة «سانا» ووكالة الأنباء الرسمية الايراينة الرسمية (إرنا) المنشورين في أعقاب اتصال الرئيس الأسد لتعزية الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مقتل القادة الإيرانيين السبعة في القصف الإسرائيلي على القنصلية الإيرانية بدمشق، حيث جاء البيان السوري مقتضباً، بينما كان الإيراني موسعاً وتضمن انتقادات لمواقف بعض الدول العربية.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس في 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

وثيقة نتنياهو حول «7 أكتوبر»... هل كانت سلاحاً انتخابياً؟

كتاب وصحافيون يتهمون نتنياهو بنشر وثيقة مضللة حول 7 أكتوبر لأغراض شخصية وانتخابية ويرون أنها دليل على نيته تقريب الانتخابات.

كفاح زبون (رام الله)
تحليل إخباري رجل فلسطيني يسير وسط مبانٍ مدمّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحليل إخباري اجتماع «مجلس السلام» بشأن غزة... حسم للقضايا الشائكة وتفكيك للجمود

تتراكم قضايا شائكة أمام مسار تنفيذ المرحلة الثانية الحاسمة من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، التي بدأت نظرياً منتصف يناير الماضي.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.