النار في الأدب والأساطير والتاريخ

يرتبط بها العشق عند أغلب الشعراء العرب

أدونيس
أدونيس
TT

النار في الأدب والأساطير والتاريخ

أدونيس
أدونيس

تحضر النار بقوة

في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية أو سلبية

قبل عيد الفطر الأخير ببضعة أيام، قام شاب في نحو الخامسة والعشرين من عمره بحرق نفسه في مدينة سيدي عمر بوحجلة، جنوب القيروان، بالوسط التونسي، احتجاجاً على الوضع المأساوي الذي يعيشه، والذي تجاهله المسؤولون في المنطقة مثلما تعوّدوا أن يفعلوا مع حالات كثيرة مُشابهة. وخلال العقد الأخير، أصبحت ظاهرة الانتحار حرقاً من الظواهر الخطيرة في تونس منذ أن فعل ذلك محمد بوعزيزي في السابع عشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) 2010 مشعلاً انتفاضات شعبية أدت إلى انهيار نظام زين العابدين بن علي في ظرف أسبوعين فقط. وتزداد هذه الظاهرة استفحالاً بسبب تأزم الأوضاع، وانسداد الآفاق، وانعدام الأمل لدى فئات واسعة؛ خصوصاً لدى الشباب. ويمكن القول إن الانتحار حرقاً بات الوسيلة الأفضل للتعبير عن الاحتجاج والغضب، ورفض الحيف والظلم، التهميش والإقصاء والإهمال. وعلى مدى العشر سنوات الماضية أقدم عشرات من الشبان والكهول والنساء من مناطق مختلفة من البلاد التونسية على الانتحار حرقاً في الأماكن العامة، أو أمام مقرات المؤسسات الحكومية.

وترى الباحثة دنيا الرميلي مؤلفة كتاب «الانتحار بحرق الذات لدى الشباب التونسي»، الصادر باللغة الفرنسية عن دار «نقوش عربية» عام 2016، أن الذين ينتحرون حرقاً يفضلون أن يكون انتحارهم شبيهاً بـ«الفرجة المسرحية». لذلك هم لا يتخفون، ولا يتسترون عن فعلتهم، بل يقفون أمام مؤسسات، أو أمام جمع من الناس، ثم يضرمون النار في أجسادهم وكأنهم يريدون أن يبينوا للسلطات أنهم فقدوا الصبر ولم يعودوا يتحملون الأكاذيب، والوعود الزائفة. فيكون انتحارهم عندئذ شكلاً من أشكال الاحتجاج، وليس فعلاً ناتجاً عن أزمات نفسية، أو عن انهيار عصبي، أو عن فشل في الحياة.

ريلكه

وكان الحريق الهائل الذي شبّ في كاتدرائية «نوتردام» في باريس في ربيع عام 2019 قد أحال أهل الفكر والأدب إلى ما ترمز إليه النّار لدى الفلاسفة والشعراء. وبداية نشير إلى أن الملكة ديدون (تعني المرأة الشجاعة)، أو عليسة التي أسست قرطاج عام 814 قبل الميلاد، لتجعل منها عاصمة للفينيقيين، انتحرت حرقاً لأنها لم تتمكن من الزواج من الأمير المحارب التي كانت تعشقه لتتحول قصتها إلى أسطورة بديعة عند فيرجيل، شاعر الرومان الأعظم. وكان إنباذقولس الأغريغنتي، الذي ولد عام 492 قبل الميلاد بمدينة أغريغنتا بصقليّة، التي كانت آنذاك واحدة من أهمّ مدن العالم الإغريقي، فيلسوفاً، وشاعراً، وطبيباً، ومهندساً ينتمي إلى الطبقة الأرستقراطيّة. غير أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مدافعاً شرساً عن الديمقراطيّة حتى الرّمق الأخير من حياته، صارفاً جلّ اهتماماته لخدمة مصالح مدينته، وكامل جزيرة صقلية. ولإنباذوقلس نظريّة في نشأة الكون تقول بأن هناك قوّتين تتصارعان دائماً وأبداً، وهما الكراهيّة والحب. وهما تؤدّيان بالتناوب إلى الانفصال والاتّحاد بين العناصر الأربعة الأساسيّة، التي هي النار والهواء والتراب والماء. وهو يعتقد أن النار تفتن الإنسان لأنها مدمّرة ومطهّرة في الوقت نفسه. فهي بإمكانها أن تحرق مدناً وغابات بأكملها. كما أنها تحمي من البرد، فتنعش الناس في فصول الشّتاء، وتساعدهم على تحمّل الصّقيع، وعلى مواجهة العواصف.

وتكون النار رمزاً للتّحوّل والتجّدد. وتقول الأسطورة إن إنباذوقلس فضّل في النهاية أن يلقي بنفسه في اللّهيب. ولعلّه فعل ذلك معتقداً أن النار ستمنحه حياة جديدة بعد أن يتحوّل جسده إلى رماد.

وفي الشعر الجاهلي، قد تكون النار مُخرّبةً للبيوت وللعمران، ومثيرةً لذكريات مؤلمة كما في هذين البيتين لشاعر مجهول:

دار حي أصابهم سالف الدهر

فأضحت ديارهم كالخلال

مقفرات إلاّ رماداً غبيّاً

وبقايا من دمنة الأطلال

وقال النابغة الذبياني:

فما وجدت شيئاً ألوذ به

إلاّ الثمام وإلاّ مَوْقدُ النار

ويرتبط العشق عند أغلب الشعراء العرب بالنار. فهو مثلها يحرق القلوب. وفي بيت منسوب له، يقول عنترة بن شداد:

فلا تحسبي أني على البعد نادم

ولا القلب من نار الغرام مُعَذّبُ

وخلافاً لبعض الشعوب الأخرى، مثل الإغريق والرومان الذين كانوا يستقبلون المحاربين المنتصرين بأكاليل الزهور والياسمين، كان العرب يستقبلون المسافر العائد غانماً وسالماً بالنار. وتلك النار كانوا يسمونها «نار السلامة». وقد يسجرونها بالغار والصندل كما في هذا البيت:

رب نار بتّ أرمقها

تقضم الهندي والغار

وعند العرب هناك أنواع من النار. فهناك «نار الرسم» التي بها يُعَلّمون إبلهم، و«نار الصيد» التي تغشاها الظباء فيصطادونها، و«نار الأسد»، وهي تلك التي تبعد الأسد عن المرابض، و«نار الخلعاء»، وهي تلك التي يوقدها في مجاهل الصحراء الصعاليك والهاربون.

وتحضر النار بقوة في شعر أدونيس. ولها دلالات قد تكون إيجابية، وقد تكون سلبيةً. ففي الحالة الأولى تكون رمزاً للخصب والانبعاث والطهارة والإشراق. أما في الحالة الثانية فهي تُحيل إلى العدمية، والخراب، والسقوط الحضاري. في قصيدة: «شجرة النار» يقول أدونيس: «عائلة من ورق الأشجار/ تجلسُ قُرب النبع/ تجرحُ أرض الدمعْ/ تقرأ للماء كتابَ النار/ عائلتي لم تنتظر مجيئي/ راحت فلا نار ولا آثار». وفي قصيدة «الوقت» التي كتبها من وحي الغزو الإسرائيلي للبنان في أول صيف 1982. كتب يقول: «حاضناً سنبلة الوقت ورأسي بُرج نار/ ما الدم الضارب في الرمل وما هذا الأفول؟/ قلْ لنا يا لهبَ الحاضر، ماذا ستقول/ في حنجرتي مزقُ نار/ وعلى وجهي أمارات الضحيّة/ ما أمرّ اللغة الآن/ وما أضيقَ بابَ الأبجدية».

وفي كتابه الشّهير «الجموع والقوّة»، يُفرد إلياس كانيتي، الحائز على جائزة «نوبل للآداب» فصلاً بديعاً عن النّار ورموزها ودلالاتها. وهو يقول بأنّ النّار تنتشر بسرعة فائقة، وألسنة لهبها تتفاعل مع بعضها البعض. ومن جملة ما تتميّز به هو العنف الذي تتعامل به مع الغابات، ومع السّهو، ومع مدن بأكملها. وحتى عندما تكون هناك مسافة تفصل بين الأشجار، أو البنايات، فإنّ النّار تتمكّن من الجمع بينها مُلتهمَة إيّاها.

ويضيف إلياس كانيتي قائلاً بأنّ النّار مدمّرة، غير أنه باستطاعتنا ترويضها ومكافحتها وإطفاء لهبها. والماء عدوّها الأساسيّ. وفي الأساطير القديمة، يمكن أن ينتهي العالم بحريق هائل، أو بطوفان شبيه بطوفان نوح. ورغم الخوف الذي تبثّه النّار في قلوب جموع الناس عند اشتعالها، فإن النار تفتنهم أيضاً. وهذا ما كان يحدث مع هنود «النافاهوس» في المكسيك الجديدة. فقد كان هؤلاء يوقدون ناراً هائلةً وحولها يرقصون من غروب الشمس إلى شروقها من دون انقطاع. وهم يؤدّون رقصاتهم الوحشيّة شبه عراة، ملوّحين بعصي في رؤوسها الرّيش. وهم يضطرّون لكي يشتعل أحياناً للزّحف على بطونهم للاقتراب أكثر من النّار. كما يحاولون أن يشعلوا الرّيش الذي في رؤوس عصيّهم. وعند طلوع الشمس يرقص هنود «النافاهوس» رقصتهم الأخيرة ملقين على أجسادهم العارية الرّماد والجمر وقد بدأ ينطفئ. ويفسّر إلياس كانيتي طقوسهم هذه قائلاً: «إنهم - أي هنود «النافاهوس» - يرقصون وهم النّار ذاتها، وهم يصبحون النّار. وحركاتهم شبيهة بلهبها. وما يمسكونه بأيديهم، يمنحهم الشعور بأنهم يشتعلون هم أيضاً».

ويشير إلياس كانيتي إلى أن التاريخ يخبرنا أن هناك مدناً في مناطق من العالم تعرّضت للحصار الطويل. فلمّا تيقّن سكانها باستحالة النجاة، أشعلوا النيران فيها ليموتوا وسط الحريق الهائل. وهذا ما حدث مع سكّان مدينة تالة التونسيّة. فعندما حاصرهم القائد الروماني ميتيلّوس خلال حروبه مع القائد البربري يوغرطة على مدى أربعين يوماً، جمعوا كلّ ما يملكونه من أشياء ثمينة في قصر المدينة الكبير، ثمّ أقاموا حفلاً بهيجاً. وبعد أن أكلوا وشربوا وهم يغنّون ويرقصون، أشعلوا النار في القصر، وفي منازلهم. فلمّا دخل جيش ميتيلّوس المدينة، لم يجد غير أكوام من الرماد.

وفي القرون الوسطى، كان المتشدّدون المسيحيّون يحرقون أعداءهم لأن النار عندهم ترمز إلى الجحيم الذي هو مأوى الهراطقة والفجّار. ويروي كرابلين قصّة امرأة في منتصف العمر تعيش وحيدةً. وكانت مهووسةً بإشعال الحرائق منذ طفولتها. وقد حُوكمت أكثر من مرّة بسبب ذلك. وفي النهاية أرسلت إلى مصحة للأمراض العقليّة لتمضي فيه عشرين عاماً. ومع ذلك ظلّت عاجزة عن السّيطرة على نفسها. فكلّما رأت عود ثقاب، استبدّت بها الرّغبة في إشعال النّار. فما كان يفتنها ويستهويها هو رؤية النار. وكان الشّاعر الألماني نوفاليس يرى أن الحبّ شبيه بالنار. وهو يشبّهه بجسدي العاشقين عند التحامهما أثناء الجماع، وباحتكاك قطعتي خشب يتسبب في إشعال النّار. لذلك فإن النار تحيل إلى الرّغبات المكبوتة. ويجاري الشاعر الألماني الآخر راينار ماريا ريلكه نوفاليس في رؤيته للنار. وهو ويقول إنها - أي النار - تشبه النار التي تحرق قلب العاشق المتيّم. والعاشق الحقيقي هو الذي يشتهي أن يموت بنار عشقه.

وهذا ما يحيلنا إلى التراث الشّعبي التونسي، حيث نجد العاشق يحترق بنظرة واحدة من الحبيبة. وعادة ما يشّبّه العاشق عين الحبيبة بالنّار التي تحرق قلبه، بل جسده كلّه. والعاشق في أغنية شعبيّة مشهورة يقول بأن الحرائق تتوالى من دون أن يتمكّن حريق من إطفاء حريق آخر. ويضيف بأن حرائق عشقه تزداد حدّة من يوم إلى آخر، غير أنه لن يكون قادراً على إطفائها. ونعلم أن عاشق حبيبة مسيكة، المغنيّة اليهودية التونسية فائقة الجمال، أحرقها أحد عشاقها في أول الثلاثينات من القرن الماضي بعد أن ضبطها مع غريم له في فراش الحبّ لأن الحبيبة التي تخون لا تستحقّ غير ذلك العقاب الأليم.

وفي كتابه «التحليل النفسي للنّار»، اهتم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 - 1962) بالنّار ودلالاتها النفسيّة والفلسفية في الأساطير، وفي أعمال الشعراء والفنّانين. ويشير باشلار إلى أنه فتن بالنّار مذ كان طفلاً يقرأ على ضوء الشموع، والمصابيح في قريته الصّغيرة، الكتب التي تروق له، أو يُعدّ فروضه المدرسية. وعندما اشتهر كفيلسوف دَرس الأساطير، والأحلام، والخيال البشري من خلال الماء، والنّار، والتراب، والهواء. وفي كتابه «التحليل النفسي للأحلام»، يعود باشلار إلى أسطورة بروميثيوس الذي سرق النّار من الآلهة ليهبها للبشر، فعاقبه «زيّوس» ربّ الرّعد والصّواعق والأمطار على فعلته تلك، وقيّده بالأصفاد لكي تظلّ النسور تلتهم كبده إلى ما لا نهاية.

وقد كانت أسطورة بروموثيوس مصدراً للعديد من الأعمال الشهيرة في مجال الأدب والفن في الأزمنة القديمة والحديثة. ويشير غاستون باشلار أيضاً إلى أن النّار تحضر بقوّة في أشعار الرومانسيين، وفي كتاباهم النثريّة. وهو يكتب قائلاً: «النّار والحرارة تمنح وسائل التفسير في المجالات الأكثر تنوّعاً لأنهما بالنسبة لنا فرصة لاستحضار ذكريات لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، وتجارب شخصيّة بسيطة ومصيريّة. من هنا يمكن القول إنّ النار ظاهرة متميّزة يمكن أن تفسّر كلّ شيء (...) النّار هي الحيّة دائماً، وهي حميميّة وكونيّة. وهي تعيش في قلوبنا، وتعيش في السّماء. وهي تصعد من أعماق المادّة، وتهدى كما لو أنها الحبّ. وهي تنزل في المادّة، وتتخفّى، وتكْمن مثل الكراهيّة والرّغبة في الانتقام». ويضيف باشلار قائلاً: «قرب النّار علينا أن نجلس، وأن نستريح من دون أن ننام. لا بدّ أن نقبل الحلم الخاصّ موضوعيّاً». والنّار بالنسبة لغاستون باشلار هي رمز الشيطان، ولهب جهنّم. كما أنها مطهّرة. فهي تحرق الأعشاب اليابسة، والفضلات التي تطلق روائح كريهة.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».