لماذا يتجنب بايدن إجراء المقابلات الإعلامية المطوّلة؟

اتهم «النيويورك تايمز» بـ«انعدام التوازن»

من لقاء بايدن مع "الأسوشييتد برس" (آ ب)
من لقاء بايدن مع "الأسوشييتد برس" (آ ب)
TT

لماذا يتجنب بايدن إجراء المقابلات الإعلامية المطوّلة؟

من لقاء بايدن مع "الأسوشييتد برس" (آ ب)
من لقاء بايدن مع "الأسوشييتد برس" (آ ب)

ستة أشهر من الآن، هي المدة التي تفصل الولايات المتحدة عن موعد انتخابات رئاسة الجمهورية، التي يعدّها معسكرا السباق الأهم في تاريخ البلاد.

الديمقراطيون يقولون إنها «أهم انتخابات للديمقراطية الأميركية منذ 150 سنة»، بينما يعدّها الجمهوريون «الفرصة الأخيرة لاستعادة عظمة أميركا». وفي قلب هذا الجدال، تقف الصحافة الأميركية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، على ضفتي الانقسام السياسي، الذي يراه البعض «ميزة» ليست متاحة سوى في أميركا.

سن بايدن... ومعاقبة «النيويورك تايمز»!

التعامل مع وسائل الإعلام وتصنيفها واستخدامها في إيصال الرسائل إلى الجمهور، طرأ عليها كثير من التغييرات، سواءً من قبل الرئيس الأميركي جو بايدن وحملته الانتخابية، أو من منافسه الجمهوري الرئيس السابق دونالد ترمب وحملته.

وبعدما كانت صحيفة «النيويورك تايمز»، الأكثر شهرة والأوسع انتشاراً في البلاد، تعد من أبرز الصحف الليبرالية «الصديقة» عموماً للديمقراطيين، ها هي الآن في مرمى النيران «الصديقة» نفسها. والسبب، بحسب فريق بايدن، هو تغطيتها «غير المتوازنة» للرئيس منذ 5 سنوات وحتى الآن.

والتهم هنا تبدأ من تركيزها على أخبار ابنه هانتر بايدن، وتغطيتها «التفاضلية» لمرشحي «التيار التقدمي» خلال دورة الانتخابات التمهيدية عام 2019. ولا تنتهي مع رفضها تعديل تغطيتها حول سنّه، والتركيز على أعداده المنخفضة في استطلاعات الرأي، وطمسها اللاتماثل بينه وبين ترمب عند تناول عيوبهما والتزاماتهما المختلفة بالمبادئ الديمقراطية، وكل هذه أمور تسببت في إحباط الرئيس وكبار مساعديه.

ومن ثم، عقاباً للصحيفة، أزال البيت الأبيض العام الماضي جميع مراسليها من قائمة «المستوى الأول» في بريده الإلكتروني، الذين عادة ما يحصلون على معلومات أساسية، بما فيها تسريبات خاصة حول الإحاطات المختلفة، لمدة 11 شهراً، بحسب تقرير لموقع «بوليتيكو» الإخباري.

وعلى الرغم من إعادة مراسلي «النيويورك تايمز» إلى القائمة قبل أشهر قليلة، فإن واقعة نشر الصحيفة أخيراً تعليقاً عن مصدر، سمّته بالاسم، حول سحب إدارة بايدن مرشحها لقيادة إدارة الطيران الفيدرالية، يلقي فيه المصدر باللوم على «الهجمات الجمهورية التي لا أساس لها»، جدّدت التراشق بين البيت الأبيض والصحيفة. كذلك بعد نشر «بوليتيكو» تقريرها، الذي قالت إنها استقته من مصادر من الطرفين حول أسباب الخلافات العميقة بينهما، قامت الدنيا ولم تقعد.

ترمب (رويترز)

رد لاذع على البيت الأبيض

«النيويورك تايمز» أيضاً أصدرت يوم 25 أبريل (نيسان) الماضي، بياناً لاذعاً انتقدت فيه الرئيس بايدن لتجنّبه إجراء مقابلات إعلامية خاصة، وعدّت ذلك «سابقة خطيرة» لأنه في رأيها «قد يستخدمها الرؤساء المستقبليون لتجنب التدقيق والمساءلة». ومن جانبهم، انتقد الليبراليون الصحيفة تسليطها الضوء على قضايا يقولون إنها لا تتناسب مع ما يعدّونه تهديداً حقيقياً للديمقراطية الأميركية، بعد نشر تقرير «بوليتيكو».

جدير بالذكر أن بايدن ما زال يحجِم عن إجراء مقابلات خاصة ومباشرة مع وسائل الإعلام الرئيسية، وذلك منذ أكثر من ثلاث سنوات، باستثناء مقابلتين فقط أجراهما مع وكالة «الأسوشييتد برس» ومجلة «النيويوركر». ونقلت «بوليتيكو» عن مصدرين مطلعين على وجهة نظر ناشر «النيويورك تايمز»، آرثر سولزبرغر، قوله، إن مقابلة مع صحيفة مثل صحيفته، هي وحدها القادرة على التحقّق من أن بايدن البالغ من العمر 81 سنة لا يزال مؤهلاً لتولي الرئاسة. كذلك أعرب سولزبرغر عن مخاوفه من أن إجراء بايدن عدداً قليلاً من المقابلات مع مراسلين ذوي خبرة قد يشكل سابقة خطيرة للإدارات المقبلة، علماً بأنه شخصياً شارك في عدة مقابلات صحافية مع ترمب، على الرغم من انتقاداته الحادة للصحيفة. ورأى سولزبرغر أنه «إذا كان ترمب قادراً على فعل ذلك، فيمكن لبايدن أن يفعل ذلك أيضاً».

وهكذا، في حين كشف الخلاف عن هوّة ومخاوف «مشروعة» بين الجانبين، فإنه أوضح أيضاً الدور الحيوي الذي لا تزال تلعبه الصحافة المكتوبة في المعارك الدائرة بين الحزبين المهيمنين على السياسة الأميركية، وخاصة، أن المرشحَين الأساسيين، بايدن وترمب، ما زالا يعتمدان عليها لمعرفة ما الذي يجري في العالم.

هانيتي (رويترز)

ترمب يغير عاداته الإعلامية

على صعيد آخر، وعلى الرغم من أن تجربة الرئيس بايدن السياسية تفوق الـ50 سنة، لا يُعرف عنه أنه يمتلك «عادات» إعلامية، في حين أن ترمب يعد خبيراً في هذا المجال. ووفق «بوليتيكو»، كان لدى الرئيس الجمهوري السابق دائماً علاقة تكافلية بوسائل الإعلام، حتى من قبل أن يصبح رئيساً. لا بل عزز منصبه من مهاراته الإعلامية ومن قدرته على تغذية الصحف الشعبية بأخباره، مستخدماً معرفته في التأثير على الروايات الإخبارية لتحويل الانتباه وتشتيته. وحتى عندما كان ترمب يهاجم ما يصفها بـ«الأخبار المزيفة»، فإنه كان مهووساً بالطريقة التي تصوّره بها الصحافة، وكان يتتبّع تقييمات التلفزيون وتغطية القنوات التلفزيونية من كثب.

لكن الآن، ومع ترشح ترمب الثالث في سباق الرئاسة، بدا أن تعامله مع الإعلام اختلف عما كان عليه في السابق. وبعدما كان يركّز على استخدام منصة «تويتر» (إكس)، الآن، نراه يركز راهناً على منصّته الخاصة «تروث سوشال» التي يتابعها جمهور «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) مع نحو 7 ملايين متابع.

ثم إنه على الرغم من احتفاظ ترمب بعلاقة ما بمحطة «فوكس نيوز» التي صار يطلق عليها لقب «أعدقاء»، بسبب صداقته مع المذيع المحافظ شون هانيتي، والاستعاضة عن تاكر كارلسون بالمُضيف جيسي واترز، وأيضاً متابعته لبعض برامجها الأكثر شعبية، احتلت قناة «وان أميركا نيوز» (أون) اليمينية المتشددة وستيف بانون موقع الصدارة في تتبعه للأخبار، إلى جانب عشرات المواقع الإخبارية اليمينية والبودكاست التي تستهدف الشباب خصوصاً.

ترمب يفضل الصحافة المكتوبة

مع هذا، تقول «بوليتيكو» إن ترمب لم يغيّر أهم عاداته... أي قراءة الصحف المطبوعة، لا بل لا يزال يفضل الإمساك بتلخيصات الأخبار الورقية، مضافة إليها تسجيلات عن برامجه الإخبارية المفضلة. وهو حالياً يتابع ما يكتبه كبار المراسلين عنه، ويحب مراسلي «النيويورك تايمز» - كما يقول - عندما «يكونون جيدين» و«يكرههم عندما يكونون سيئين»، وينتبه إلى العناوين والصور المرفقة. وفي منزله بولاية فلوريدا، ما زال ترمب يحصل على النسخة الورقية من صحيفتي «النيويورك تايمز» و«النيويورك بوست».

بجانب ذلك، مع استخدام ترمب منصّته «تروث سوشال»، صارت روابط افتتاحيات العديد من الصحف متاحة عليها، ولا سيما اليمينية منها، كـ«الوول ستريت جورنال» و«الديلي ميل» و«فوكس نيوز ديجيتال» و«النيويورك بوست» و«بريتبارت» و«الواشنطن إكزامينر» و«الديلي كولر» و«نيوز ماكس». وعندما يتناسب المقال مع سرديته، فإنه لا يتوانى عن نشره حتى ولو جاء من «صحيفة معادية». وكان قد نشر في الآونة الأخيرة افتتاحية «الواشنطن بوست» حول محاكمته الجارية في نيويورك بقضية «أموال الصمت»، للكاتبة الليبرالية جداً والمعارضة بشدة له، روث ماركوس، أعربت فيها عن مخاوفها بشأن السابقة التي يمكن أن تشكلها هذه القضية.

وأخيراً، على الرغم من أن الرئيس السابق يلصق ببعض وسائل الإعلام لقب «الأخبار المزيفة»، فإنه يحتفظ بعلاقات مديدة بالمراسلين والمذيعين الذين يملكون رقم هاتفه، وهو دائماً ما يحتفظ لنفسه بحقه في الكشف عما يريد تسريبه للإعلام، ومتى، وكيف. وهذا ما حصل عندما كان رئيس مجلس النواب السابق كيفين مكارثي يجهد للحصول على تأييده في أوائل عام 2023. وبعد ساعات عصيبة سببتها إجابته المُبهمة عن مصير مكارثي - حين قال لأحد المذيعين «سنرى ماذا سيحدث» - قام بنفسه بنشر دعمه له على منصته «تروث سوشال».



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.