«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

اليمين المتشدد المناوئ للمهاجرين ثبت أقدامه في الحكم بعد الانتخابات العامة

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا
TT

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

تتفق الصحافة الألمانية والصحافة البولندية على وجود أوجه شبه كثيرة بين «المستشارة الحديدية» أنجيلا ميركل والزعيمة «الروبوتية» البولندية الجديدة بيآته شيدوو. والفرق هو أن ميركل، التي تعتز بتسمية «مستشارة الوسط»، تظهر ميلاً واضحًا نحو اليسار اليوم بالعلاقة مع سياسة استقبال اللاجئين، وفي الموقف من تركيا وإيران وروسيا، في حين تميل شيدوو إلى تشدد يميني أكبر بالعلاقة مع هذه المواضيع.
بافل كوبتشينسكي، الخبير البولندي في شؤون بلاده، يقول: «إن الصحافيين الذين يلقبون بيآته شيدوو بالـ(روبوت) بسبب نشاطها الدائب.. ليسوا على حق، لأنها تمتلك ما هو أكثر، فهي امرأة تفكر استراتيجيًا، وذكية ومخلصة». وطبيعي أن المقصود هنا هو إخلاصها الشديد لـ«عرّابها» السياسي ورئيس حزب القانون والعدالة اليميني المحافظ ياروسلاف كاتشينسكي. إذ تبدو شيدوو، بتسريحة شعرها القصيرة وشفتيها المزمومتين وبرودها الشديد، أكثر شبهًا بكاتشينسكي من والدها عامل المنجم كوشينيشكا.
ولجت بيآته شيدوو عالم السياسة في سن متأخرة نسبيًا، كما هي الحال تمامًا مع أنجيلا ميركل، أي بعد أن تخطت الثلاثين. ولكن إذا كانت ميركل قد نشطت في شبابها في تنظيمات «الشبيبة الشيوعية» في دولة ألمانيا الشرقية السابقة، فليس ثمة ما يدل على نشاط سياسي مماثل في شباب شيدو. وإذ تردد ميركل جملة «سننجح في ذلك» منذ تربّعها على كرسي المستشارية، تردّد شيدوو على الأسماع مقولة «سنحقق ما نريد» التي قد ترافقها كرئيسة وزراء لسنوات غير معروفة.
كان المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول «عرّاب» ميركل الذي فتح أمام «الفتاة» - كما كان يحلو له تسميتها - أبواب الحزب الديمقراطي المسيحي، ثم أزاح كل المنافسين لها في الحزب على منصب المستشارية. وهكذا لصق بميركل لقب «فتاة كول» حتى اليوم على الرغم من تجاوزها سن الستين، ولقد كان إخلاصها لكول مفتاح نجاحها السياسي، كما هي الحال مع إخلاص شيدوو لراعيها وحاميها و«عرّابها» كاتشينسكي. والآن، وبعدما صارت ميركل تهدّد رقم كول القياسي في عدد سنوات الحكم (16 سنة)، عبّر كول عن أسفه لهذه الفتاة «العاقة» مؤخرًا حينما قال إنها «لم تكن تعرف الأكل بالشوكة والسكين» حينما نقلها من مختبرات الكيمياء إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ).
ولايفّوت النقاد السياسيون البولنديون فرصة دون الإشارة إلى «فتاة كاتشينسكي» التي انتشلها زعيم اليمين البولندي المحافظ من مختبرات الجامعة الياغييلونية العريقة في مدينة كراكوف إلى برلمان وارسو. ولئن كانت شيدوو ستشارك الرئيس آندريه دودا في رسم الأدوار على المسرح السياسي البولندي، يعرف الجميع أن كاتشينسكي هو يمسك بكل الخيوط التي تحرك الاثنين.
* «كاتشينسكي.. بتنوّرة»
يتندر البولنديون على بيآته شيدوو، بسبب تبعيتها الظاهرة لكاتشينسكي وإخلاصها له، بأنها ليست أكثر من «كاتشينسكي بتنوّرة». ولقد تندّروا أكثر حينما ظهرت في النزال التلفزيوني، ضد غريمتها الليبرالية إيفا كوبتش، بجاكيتة حمراء لا تنسجم مع ثقافتها الكاثوليكية المحافظة، ولا مع طبيعتها الريفية.
لا تميل شيدوو إلى الأضواء كثيرًا، ولذا بقيت لفترة طويلة مجهولة الاسم لدى كثرة من البولنديين، وأيضًا لدى كثرة من الناخبين. ثم كسبت لقب «المرأة بالبروش»، لأنها كانت تتزين ببروش كبير على صدرها دائمًا وهي تظهر في المقابلات وفي الحياة العامة. ويعتبر نقادها «البروش» علامة أخرى على ثقافتها الريفية التقليدية التي حملتها معها من بلدة أوشفيشيم (أوشفيتز، الشهيرة بدورها الكبير في «المحرقة النازية» في جنوب بولندا.
الجميل في شيدوو أنها لا ترى في هذه السخرية المبطنة إساءة لها، بل تواصل عملها بالتنورة الزرقاء والبروش محققة الإنجاز تلو الآخر. وهي تقول: «أؤكد دائمًا على مكان ولادتي في الريف، لأنني لا أجد في ذلك تعبيرًا سلبيًا». كذلك قالت مرة في مقابلة تلفزيونية معلقة على لقب «كاتشينسكي بتنورة» بأنها لا تعتبر ذلك إهانة لها بل هي «فخورة» باللقب الذي يعبر عن إخلاصها لسياسة «قائد الحزب». وهنا تجدر الإشارة إلى البولنديين يستخدمون لقب «القائد» - الذي يوازي لقب «الفوهرر» عند الألمان - في وصف زعامة كاتشينسكي، إلا أن الخبير بافل كوبتشينسكي يؤكد أن هذا المفهوم يختلف في استخدامه البولندي تمامًا عن الاستخدام الألماني.
معروف عن بيآته شيدوو ترديدها جملة «القائد دائمًا على حق» التي تصف بها كاتشينسكي. ولذا، حينما سمعت منافستها إيفا كوبيتش بأن كاتشينسكي رشّحها لمنصب رئيسة الوزراء، قالت «هذا التفاف». وقصدها أن كاتشينسكي يلتف على حقيقة أنه دفع «فتاته» شيدوو إلى المقدمة لكي يحتفظ بموقعه القيادي كجندي «باسل في خدمة الشعب البولندي» وراء الكواليس.
* امرأة طبيعية جدًا
ولدت بيآته ماريا شيدوو يوم 15 أبريل (نيسان) 1963 في بلدة أوشفيشيم (آوشفيتز) الصغيرة بالقرب من مدينة بجيشيتش في جنوب بولندا، لعائلة عامل منجم لا علاقة لها بالسياسة. ودرست الابتدائية والإعدادية في بجيشيتش وهذا ما أهّلها بسهولة، وبعمر 35 سنة، لتبوء منصب عمدة المدينة الأخيرة طوال سبع سنوات بين 1998 - 2005 بعد دخولها عالم السياسة. وعلى المستوى الشخصي، تعيش شيدوو حياة زوجية اعتيادية مع زوجها مدير المدرسة إدوارد شيدو، وهي أم لشابين هما تيموتوشي وباجيج.
جيرانها، الذين يذكرون أنها كانت تسكن بيتًا مدهونًا بالأزرق على حافة الغابة، يقولون عنها إنها «امرأة طبيعية جدًا» هادئة ومجدّة في العمل في الحديقة، وهي تنتعل جزمتها المطاطية، كما أنها كانت أكثر سكان القرية رعاية للقطط. ويبدو أن حب القطط هواية تجمعها مع رئيسها كاتشينسكي، وهو سبب تعليق صحيفة «نويه زيورشر تسايتونغ» السويسرية على فوز شيدوو بأن «كاتشينسكي أطلق القطة المحبوسة في الكيس».
درست شيدوو علم الشعوب البدائية في الجامعة الياغييلونية، أعرق جامعات بولندا وإحدى أقدم جامعات أوروبا الشرقية والوسطى، في مدينة كراكوف، حيث لعبت كرة اليد في فريق الجامعة، ثم درست الإدارة الثقافية في جامعة وارسو بالعاصمة وارسو بين 1995 - 1998. وعملت 1987 - 1995 أستاذة مساعدة في المتحف التاريخي لمدينة كراكوف، وكانت تنهمك بتنظيم تمثيليات ولادة المسيح للكنيسة الكاثوليكية، كما أصبحت نائبة رئيس متطوعي دائرة الإطفاء في المدينة عام 2004.
ارتبطت مسيرة شيدوو السياسية بالأخوين التوأمين البولنديين المحافظين ليش وياروسلاف كاتشينسكي (اللذين توليا بالترتيب منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، لكنها دخلت حزب القانون والعدالة عام 2005 فقط. ومن ثم وصلت إلى البرلمان في العام نفسه.
ثم أصبحت بعد 5 سنوات فقط اليد اليمنى لياروسلاف كاتشينسكي، ولا سيما، بعد مقتل ليش كاتشينسكي المباغت في حادث سقوط طائرة عام 2010، وانتقلت إلى وارسو، وغدت وزيرة للمالية ونائبة رئيس الحزب في السنوات الأخيرة.
ولقد باغتت شيدوو الجميع، بمن فيهم ياروسلاف كاتشينسكي، بإدارتها الحملة الانتخابية الناجحة لكبير أعوان الزعيم المحافظ آندريه دودا، الذي أصبح رئيسًا لبولندا منذ مطلع عام 2015. ولم تكن «السيدة الروبوت» بعيدة عن النجاح الأخير الذي أوصل حزب القانون والعدالة إلى الحكم بأغلبية مطلقة. وكانت دائمًا تردد كلمات «دامي راده»، التي تعني بالبولندية «سنحقق ما نصبو إليه».
* «حفظها الله»
من ناحية أخرى، تعترف شيدوو بأنها كانت أقرب إلى معسكر أعدائها الحاليين في «المنبر المدني الليبرالي»، لكنها كأي كاثوليكية مؤمنة، قالت في مقابلة تلفزيونية، «إن الله حفظها» من الانتماء لليبراليين. وكان التمسك بالتقاليد المسيحية الكاثوليكية، والوقوف ضد سياسة أوروبا المتساهلة تجاه اللاجئين، عنواني حملتها الانتخابية البارزين.
ووفق المتابعين، لم تصل شيدوو إلى كل هذه الأصوات من الناس بفضل برنامج حكومي مقنع، بل بفضل وعود قد لا تتحقق تتحدث عن مكافحة البطالة، ووقف موجات اللاجئين، والعودة إلى القيم المسيحية، وتشديد النظرة النقدية للاتحاد الأوروبي. وحين سئلت عن ضعف شعاراتها الانتخابية في الحملة الأخيرة قالت صراحة: «لا يوجد برنامج أفضل ينظم الحياة بين الناس من الوصايا العشر للنبي موسى».
ولقد وعدت شيدوو بمساعدة سكان القرى والأرياف والبلدات الصغيرة المنسية، تمامًا حيث تشتد المشاعر الدينية والقومية المحافظة، وحيث يتضح إهمال الدولة البولندية لصغار الناس. وواقع الحال، وكما تشير التحليلات السياسية لنتائج الانتخابات، شكل سكان القرى والأرياف النسبة الأكبر من ناخبي القانون والعدالة.
كذلك ركزت رئيسة الحكومة الجديدة في حملتها الانتخابية على «إحياء تقاليد العائلة البولندية المسيحية»، مع ميول يمينية واضحة العداء للمثليين واليساريين والأغراب، ولئن كانت لم تصل إلى درجة اتهام اللاجئين بجلب الجراثيم والطفيليات معهم إلى المجتمع البولندي السليم، كما فعل معلمها وقدوتها كاتشينسكي، لكنها اعتبرتهم تهديدًا للتقاليد المسيحية والقومية.
* «القانون والعدالة» ليس معاديًا لأوروبا
فوز اليمين البولندي المحافظ، متمثلاً بالرئيس دودا ورئيسة الوزراء شيدوو، أبرز مشاعر انعدام الثقة بين أوروبا وبولندا من جهة، وبين ألمانيا وبولندا من جهة أخرى. ولا يعود جليد العلاقات الألمانية البولندية التاريخي إلى المجازر النازية بحق الشعب البولندي فحسب، وإنما إلى عقد النفط والغاز الألماني مع روسيا بين غيرهارد شرودر وفلاديمير بوتين في عام 2005، عبر البحر، وليس عبر الأراضي البولندية، وهو ما قارنته بعض الصحف البولندية آنذاك، باتفاقية أدولف هتلر وجوزيف ستالين التي مهدت لاحتلال بولندا.
ولقد لخص مارتن شولتز (ألماني) رئيس البرلمان الأوروبي، تأثير صعود اليمين المحافظ في وارسو بأنه «ليس تعزيزًا للاندماج بأوروبا بالتأكيد، خصوصًا، وأن كاتشينسكي يقف ضد دخول بولندا منطقة اليورو». ويذكر أن الرئيس البولندي دودا وقف بقوة ضد تمديد «اتفاقية كيوتو» الخاصة بتقليص انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون حتى 2020، ثم دعا كاتشينسكي قبل أسبوعين إلى إعادة النظر في القرارات الأوروبية الخاصة بالبيئة.
من ناحية أخرى، توقع ديتر بنغن، رئيس المعهد الاقتصادي الألماني - البولندي، أن يتراجع تعاون بولندا مع أوروبا في مجالي الطاقة والبيئة والموقف من اللاجئين، لكنه استبعد تمامًا ابتعاد بولندا الكامل عن الاتحاد الأوروبي. وأوضح بنغن أن حزب «القانون والعدالة» ليس مثل الجبهة القومية الفرنسية، لأنه ليس حزبًا معاديًا لأوروبا. وحتى إذا ابتعدت بولندا الكاتشينيسكية عن سياسة ألمانيا تجاه اللاجئين، فإن موقفها لا يختلف كثيرًا عن الموقف النقدي لبلدان الاتحاد الأوروبي «القديمة» مثل فرنسا وبريطانيا.
الشيء الأكيد هو أن بولندا ستنحى منحى يمينيًا لا مفر منه، بالنظر لضعف القوى الأخرى، وخصوصًا الليبراليين، وعجز أحزاب اليسار عن بلوغ البرلمان. وهذان عاملان مقرران. مع ملاحظة أن هذه هي المرة الأولى التي يخلو فيها البرلمان البولندي من الأحزاب اليسارية منذ انهيار الاشتراكية في بولندا مطلع التسعينات.
ولكن هل ستشهد أوروبا تحالفًا مجريًا - بولنديًا في المستقبل؟ يقول بنغن إن بولندا تقف مع أوروبا في سياستها المناهضة لسياسة روسيا في أوكرانيا، وهناك علاقات متينة تاريخية بين أوكرانيا وبولندا، في حين يقف الرئيس المجري فيكتور أوروبان إلى جانب روسيا في هذا النزاع. وعلى هذا الأساس لا يبدو أوروبان شريكًا جذابًا بالنسبة لكاتشينسكي.
وحول حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وعد دودا أخيرًا بتوسيع حضور «ناتو» في بولندا، وصوتت رئيسة الوزراء الليبرالية السابقة إيفا كوباش إلى جانب توزيع اللاجئين على بلدان الاتحاد الأوروبي (7 آلاف إلى بولندا)، لكن يرجح أن تتراجع شيدوو عن هذا القرار. أضف إلى ذلك وعود دودا المذكورة أعلاه لا تكفي، من وجهة نظر الخبير بنغن، للحديث عن لا تأثر العلاقات البولندية الأوروبية سلبًا في المستقبل. ويضيف أن بولندا ستكون على خلاف أكثر مما هي على وفاق مع قرارات الاتحاد الأوروبي. ثم إن القرارات في بولندا لا يتخذها دودا أو شيدوو.. بل كاتشينسكي.
البروفسور إيرينيوس كاروليفسكي، الأكاديمي البولندي المحاضر في جامعة بوتسدام الألمانية، أيضًا يرى أن حزب كاتشينسكي ليس معاديًا لأوروبا. ويضيف أن إجمالي الإنتاج الوطني في بولندا تضاعف خلال العقدين الماضيين، ويدرك كاتشينسكي تعذّر فصل هذا الازدهار الاقتصادي عن العلاقة بالاتحاد الأوروبي. وحسب كاروليفسكي لا يمكن الحديث عن عداء «القانون والعدالة» للاتحاد الأوروبي فقط، لأن هناك عداء أوروبيًا لهذا الحزب أيضًا.
* ألمانيا تنتظر
الرئيس دودا دعا خلال زيارته إلى العاصمة برلين في أغسطس (آب) الماضي إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وإلى تبديد أجواء اللاثقة بين الطرفين. وينتظر أن تحذو شيدوو حذو دودا، لكن الحكومة الألمانية ما زالت بانتظار «تقاسم الأدوار» الذي سيضطلع به كاتشينيسكي.
وهنا يقول الخبير بنغن إن «بولندا مدت يد التعاون إلى ألمانيا، وبسطت ألمانيا يدها باتجاه بولندا، لكنها تنتظر بهدوء تشكيل الحكومة البولندية المقبلة. وليس من مصلحة بولندا أن تسيء إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية مع جارتها ألمانيا، ولهذا لن نشهد في المستقبل القريب (صراع قطط) بين سيدتين متشابهتين، إلى هذا الحد أو ذاك، تحكمان في البلدين».
قبل فترة قصيرة ذكّرت أنجيلا ميركل، بالعلاقة مع استيعاب نحو مليون لأجيء، أن ألمانيا ستتغير. وكتبت صحيفة Rzeczpolita البولندية، وعينها على أزمة اللجوء «إن ألمانيا التي نعرف قد انتهت». كذلك كتبت صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعروفة، وعينها على فوز اليمين المحافظ في وارسو «إن بولندا التي نعرف منذ عقود قد انتهت».
في أي حال، يتفق جميع الخبراء في الشأن البولندي على أن سياسة بولندا الخارجية المقبلة يستحيل فصلها عن التطورات الداخلية التي تجنح بقوة نحو اليمين. وثمة من يعتقد بعصر جليدي جديد في العلاقات الثنائية بين البلدين، منهم الناقد السياسي البولندي آدام مينشيك الذي كتب في صحيفة Gazeta Wyborcza أن وارسو ستشهد نشوء نظام سلطوي شبيه بنظام فلاديمير بوتين في موسكو.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.