«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

اليمين المتشدد المناوئ للمهاجرين ثبت أقدامه في الحكم بعد الانتخابات العامة

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا
TT

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

«فتاة كاتشينسكي» تتولى السلطة في بولندا

تتفق الصحافة الألمانية والصحافة البولندية على وجود أوجه شبه كثيرة بين «المستشارة الحديدية» أنجيلا ميركل والزعيمة «الروبوتية» البولندية الجديدة بيآته شيدوو. والفرق هو أن ميركل، التي تعتز بتسمية «مستشارة الوسط»، تظهر ميلاً واضحًا نحو اليسار اليوم بالعلاقة مع سياسة استقبال اللاجئين، وفي الموقف من تركيا وإيران وروسيا، في حين تميل شيدوو إلى تشدد يميني أكبر بالعلاقة مع هذه المواضيع.
بافل كوبتشينسكي، الخبير البولندي في شؤون بلاده، يقول: «إن الصحافيين الذين يلقبون بيآته شيدوو بالـ(روبوت) بسبب نشاطها الدائب.. ليسوا على حق، لأنها تمتلك ما هو أكثر، فهي امرأة تفكر استراتيجيًا، وذكية ومخلصة». وطبيعي أن المقصود هنا هو إخلاصها الشديد لـ«عرّابها» السياسي ورئيس حزب القانون والعدالة اليميني المحافظ ياروسلاف كاتشينسكي. إذ تبدو شيدوو، بتسريحة شعرها القصيرة وشفتيها المزمومتين وبرودها الشديد، أكثر شبهًا بكاتشينسكي من والدها عامل المنجم كوشينيشكا.
ولجت بيآته شيدوو عالم السياسة في سن متأخرة نسبيًا، كما هي الحال تمامًا مع أنجيلا ميركل، أي بعد أن تخطت الثلاثين. ولكن إذا كانت ميركل قد نشطت في شبابها في تنظيمات «الشبيبة الشيوعية» في دولة ألمانيا الشرقية السابقة، فليس ثمة ما يدل على نشاط سياسي مماثل في شباب شيدو. وإذ تردد ميركل جملة «سننجح في ذلك» منذ تربّعها على كرسي المستشارية، تردّد شيدوو على الأسماع مقولة «سنحقق ما نريد» التي قد ترافقها كرئيسة وزراء لسنوات غير معروفة.
كان المستشار الألماني الأسبق هيلموت كول «عرّاب» ميركل الذي فتح أمام «الفتاة» - كما كان يحلو له تسميتها - أبواب الحزب الديمقراطي المسيحي، ثم أزاح كل المنافسين لها في الحزب على منصب المستشارية. وهكذا لصق بميركل لقب «فتاة كول» حتى اليوم على الرغم من تجاوزها سن الستين، ولقد كان إخلاصها لكول مفتاح نجاحها السياسي، كما هي الحال مع إخلاص شيدوو لراعيها وحاميها و«عرّابها» كاتشينسكي. والآن، وبعدما صارت ميركل تهدّد رقم كول القياسي في عدد سنوات الحكم (16 سنة)، عبّر كول عن أسفه لهذه الفتاة «العاقة» مؤخرًا حينما قال إنها «لم تكن تعرف الأكل بالشوكة والسكين» حينما نقلها من مختبرات الكيمياء إلى البرلمان الألماني (البوندستاغ).
ولايفّوت النقاد السياسيون البولنديون فرصة دون الإشارة إلى «فتاة كاتشينسكي» التي انتشلها زعيم اليمين البولندي المحافظ من مختبرات الجامعة الياغييلونية العريقة في مدينة كراكوف إلى برلمان وارسو. ولئن كانت شيدوو ستشارك الرئيس آندريه دودا في رسم الأدوار على المسرح السياسي البولندي، يعرف الجميع أن كاتشينسكي هو يمسك بكل الخيوط التي تحرك الاثنين.
* «كاتشينسكي.. بتنوّرة»
يتندر البولنديون على بيآته شيدوو، بسبب تبعيتها الظاهرة لكاتشينسكي وإخلاصها له، بأنها ليست أكثر من «كاتشينسكي بتنوّرة». ولقد تندّروا أكثر حينما ظهرت في النزال التلفزيوني، ضد غريمتها الليبرالية إيفا كوبتش، بجاكيتة حمراء لا تنسجم مع ثقافتها الكاثوليكية المحافظة، ولا مع طبيعتها الريفية.
لا تميل شيدوو إلى الأضواء كثيرًا، ولذا بقيت لفترة طويلة مجهولة الاسم لدى كثرة من البولنديين، وأيضًا لدى كثرة من الناخبين. ثم كسبت لقب «المرأة بالبروش»، لأنها كانت تتزين ببروش كبير على صدرها دائمًا وهي تظهر في المقابلات وفي الحياة العامة. ويعتبر نقادها «البروش» علامة أخرى على ثقافتها الريفية التقليدية التي حملتها معها من بلدة أوشفيشيم (أوشفيتز، الشهيرة بدورها الكبير في «المحرقة النازية» في جنوب بولندا.
الجميل في شيدوو أنها لا ترى في هذه السخرية المبطنة إساءة لها، بل تواصل عملها بالتنورة الزرقاء والبروش محققة الإنجاز تلو الآخر. وهي تقول: «أؤكد دائمًا على مكان ولادتي في الريف، لأنني لا أجد في ذلك تعبيرًا سلبيًا». كذلك قالت مرة في مقابلة تلفزيونية معلقة على لقب «كاتشينسكي بتنورة» بأنها لا تعتبر ذلك إهانة لها بل هي «فخورة» باللقب الذي يعبر عن إخلاصها لسياسة «قائد الحزب». وهنا تجدر الإشارة إلى البولنديين يستخدمون لقب «القائد» - الذي يوازي لقب «الفوهرر» عند الألمان - في وصف زعامة كاتشينسكي، إلا أن الخبير بافل كوبتشينسكي يؤكد أن هذا المفهوم يختلف في استخدامه البولندي تمامًا عن الاستخدام الألماني.
معروف عن بيآته شيدوو ترديدها جملة «القائد دائمًا على حق» التي تصف بها كاتشينسكي. ولذا، حينما سمعت منافستها إيفا كوبيتش بأن كاتشينسكي رشّحها لمنصب رئيسة الوزراء، قالت «هذا التفاف». وقصدها أن كاتشينسكي يلتف على حقيقة أنه دفع «فتاته» شيدوو إلى المقدمة لكي يحتفظ بموقعه القيادي كجندي «باسل في خدمة الشعب البولندي» وراء الكواليس.
* امرأة طبيعية جدًا
ولدت بيآته ماريا شيدوو يوم 15 أبريل (نيسان) 1963 في بلدة أوشفيشيم (آوشفيتز) الصغيرة بالقرب من مدينة بجيشيتش في جنوب بولندا، لعائلة عامل منجم لا علاقة لها بالسياسة. ودرست الابتدائية والإعدادية في بجيشيتش وهذا ما أهّلها بسهولة، وبعمر 35 سنة، لتبوء منصب عمدة المدينة الأخيرة طوال سبع سنوات بين 1998 - 2005 بعد دخولها عالم السياسة. وعلى المستوى الشخصي، تعيش شيدوو حياة زوجية اعتيادية مع زوجها مدير المدرسة إدوارد شيدو، وهي أم لشابين هما تيموتوشي وباجيج.
جيرانها، الذين يذكرون أنها كانت تسكن بيتًا مدهونًا بالأزرق على حافة الغابة، يقولون عنها إنها «امرأة طبيعية جدًا» هادئة ومجدّة في العمل في الحديقة، وهي تنتعل جزمتها المطاطية، كما أنها كانت أكثر سكان القرية رعاية للقطط. ويبدو أن حب القطط هواية تجمعها مع رئيسها كاتشينسكي، وهو سبب تعليق صحيفة «نويه زيورشر تسايتونغ» السويسرية على فوز شيدوو بأن «كاتشينسكي أطلق القطة المحبوسة في الكيس».
درست شيدوو علم الشعوب البدائية في الجامعة الياغييلونية، أعرق جامعات بولندا وإحدى أقدم جامعات أوروبا الشرقية والوسطى، في مدينة كراكوف، حيث لعبت كرة اليد في فريق الجامعة، ثم درست الإدارة الثقافية في جامعة وارسو بالعاصمة وارسو بين 1995 - 1998. وعملت 1987 - 1995 أستاذة مساعدة في المتحف التاريخي لمدينة كراكوف، وكانت تنهمك بتنظيم تمثيليات ولادة المسيح للكنيسة الكاثوليكية، كما أصبحت نائبة رئيس متطوعي دائرة الإطفاء في المدينة عام 2004.
ارتبطت مسيرة شيدوو السياسية بالأخوين التوأمين البولنديين المحافظين ليش وياروسلاف كاتشينسكي (اللذين توليا بالترتيب منصبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة)، لكنها دخلت حزب القانون والعدالة عام 2005 فقط. ومن ثم وصلت إلى البرلمان في العام نفسه.
ثم أصبحت بعد 5 سنوات فقط اليد اليمنى لياروسلاف كاتشينسكي، ولا سيما، بعد مقتل ليش كاتشينسكي المباغت في حادث سقوط طائرة عام 2010، وانتقلت إلى وارسو، وغدت وزيرة للمالية ونائبة رئيس الحزب في السنوات الأخيرة.
ولقد باغتت شيدوو الجميع، بمن فيهم ياروسلاف كاتشينسكي، بإدارتها الحملة الانتخابية الناجحة لكبير أعوان الزعيم المحافظ آندريه دودا، الذي أصبح رئيسًا لبولندا منذ مطلع عام 2015. ولم تكن «السيدة الروبوت» بعيدة عن النجاح الأخير الذي أوصل حزب القانون والعدالة إلى الحكم بأغلبية مطلقة. وكانت دائمًا تردد كلمات «دامي راده»، التي تعني بالبولندية «سنحقق ما نصبو إليه».
* «حفظها الله»
من ناحية أخرى، تعترف شيدوو بأنها كانت أقرب إلى معسكر أعدائها الحاليين في «المنبر المدني الليبرالي»، لكنها كأي كاثوليكية مؤمنة، قالت في مقابلة تلفزيونية، «إن الله حفظها» من الانتماء لليبراليين. وكان التمسك بالتقاليد المسيحية الكاثوليكية، والوقوف ضد سياسة أوروبا المتساهلة تجاه اللاجئين، عنواني حملتها الانتخابية البارزين.
ووفق المتابعين، لم تصل شيدوو إلى كل هذه الأصوات من الناس بفضل برنامج حكومي مقنع، بل بفضل وعود قد لا تتحقق تتحدث عن مكافحة البطالة، ووقف موجات اللاجئين، والعودة إلى القيم المسيحية، وتشديد النظرة النقدية للاتحاد الأوروبي. وحين سئلت عن ضعف شعاراتها الانتخابية في الحملة الأخيرة قالت صراحة: «لا يوجد برنامج أفضل ينظم الحياة بين الناس من الوصايا العشر للنبي موسى».
ولقد وعدت شيدوو بمساعدة سكان القرى والأرياف والبلدات الصغيرة المنسية، تمامًا حيث تشتد المشاعر الدينية والقومية المحافظة، وحيث يتضح إهمال الدولة البولندية لصغار الناس. وواقع الحال، وكما تشير التحليلات السياسية لنتائج الانتخابات، شكل سكان القرى والأرياف النسبة الأكبر من ناخبي القانون والعدالة.
كذلك ركزت رئيسة الحكومة الجديدة في حملتها الانتخابية على «إحياء تقاليد العائلة البولندية المسيحية»، مع ميول يمينية واضحة العداء للمثليين واليساريين والأغراب، ولئن كانت لم تصل إلى درجة اتهام اللاجئين بجلب الجراثيم والطفيليات معهم إلى المجتمع البولندي السليم، كما فعل معلمها وقدوتها كاتشينسكي، لكنها اعتبرتهم تهديدًا للتقاليد المسيحية والقومية.
* «القانون والعدالة» ليس معاديًا لأوروبا
فوز اليمين البولندي المحافظ، متمثلاً بالرئيس دودا ورئيسة الوزراء شيدوو، أبرز مشاعر انعدام الثقة بين أوروبا وبولندا من جهة، وبين ألمانيا وبولندا من جهة أخرى. ولا يعود جليد العلاقات الألمانية البولندية التاريخي إلى المجازر النازية بحق الشعب البولندي فحسب، وإنما إلى عقد النفط والغاز الألماني مع روسيا بين غيرهارد شرودر وفلاديمير بوتين في عام 2005، عبر البحر، وليس عبر الأراضي البولندية، وهو ما قارنته بعض الصحف البولندية آنذاك، باتفاقية أدولف هتلر وجوزيف ستالين التي مهدت لاحتلال بولندا.
ولقد لخص مارتن شولتز (ألماني) رئيس البرلمان الأوروبي، تأثير صعود اليمين المحافظ في وارسو بأنه «ليس تعزيزًا للاندماج بأوروبا بالتأكيد، خصوصًا، وأن كاتشينسكي يقف ضد دخول بولندا منطقة اليورو». ويذكر أن الرئيس البولندي دودا وقف بقوة ضد تمديد «اتفاقية كيوتو» الخاصة بتقليص انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون حتى 2020، ثم دعا كاتشينسكي قبل أسبوعين إلى إعادة النظر في القرارات الأوروبية الخاصة بالبيئة.
من ناحية أخرى، توقع ديتر بنغن، رئيس المعهد الاقتصادي الألماني - البولندي، أن يتراجع تعاون بولندا مع أوروبا في مجالي الطاقة والبيئة والموقف من اللاجئين، لكنه استبعد تمامًا ابتعاد بولندا الكامل عن الاتحاد الأوروبي. وأوضح بنغن أن حزب «القانون والعدالة» ليس مثل الجبهة القومية الفرنسية، لأنه ليس حزبًا معاديًا لأوروبا. وحتى إذا ابتعدت بولندا الكاتشينيسكية عن سياسة ألمانيا تجاه اللاجئين، فإن موقفها لا يختلف كثيرًا عن الموقف النقدي لبلدان الاتحاد الأوروبي «القديمة» مثل فرنسا وبريطانيا.
الشيء الأكيد هو أن بولندا ستنحى منحى يمينيًا لا مفر منه، بالنظر لضعف القوى الأخرى، وخصوصًا الليبراليين، وعجز أحزاب اليسار عن بلوغ البرلمان. وهذان عاملان مقرران. مع ملاحظة أن هذه هي المرة الأولى التي يخلو فيها البرلمان البولندي من الأحزاب اليسارية منذ انهيار الاشتراكية في بولندا مطلع التسعينات.
ولكن هل ستشهد أوروبا تحالفًا مجريًا - بولنديًا في المستقبل؟ يقول بنغن إن بولندا تقف مع أوروبا في سياستها المناهضة لسياسة روسيا في أوكرانيا، وهناك علاقات متينة تاريخية بين أوكرانيا وبولندا، في حين يقف الرئيس المجري فيكتور أوروبان إلى جانب روسيا في هذا النزاع. وعلى هذا الأساس لا يبدو أوروبان شريكًا جذابًا بالنسبة لكاتشينسكي.
وحول حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وعد دودا أخيرًا بتوسيع حضور «ناتو» في بولندا، وصوتت رئيسة الوزراء الليبرالية السابقة إيفا كوباش إلى جانب توزيع اللاجئين على بلدان الاتحاد الأوروبي (7 آلاف إلى بولندا)، لكن يرجح أن تتراجع شيدوو عن هذا القرار. أضف إلى ذلك وعود دودا المذكورة أعلاه لا تكفي، من وجهة نظر الخبير بنغن، للحديث عن لا تأثر العلاقات البولندية الأوروبية سلبًا في المستقبل. ويضيف أن بولندا ستكون على خلاف أكثر مما هي على وفاق مع قرارات الاتحاد الأوروبي. ثم إن القرارات في بولندا لا يتخذها دودا أو شيدوو.. بل كاتشينسكي.
البروفسور إيرينيوس كاروليفسكي، الأكاديمي البولندي المحاضر في جامعة بوتسدام الألمانية، أيضًا يرى أن حزب كاتشينسكي ليس معاديًا لأوروبا. ويضيف أن إجمالي الإنتاج الوطني في بولندا تضاعف خلال العقدين الماضيين، ويدرك كاتشينسكي تعذّر فصل هذا الازدهار الاقتصادي عن العلاقة بالاتحاد الأوروبي. وحسب كاروليفسكي لا يمكن الحديث عن عداء «القانون والعدالة» للاتحاد الأوروبي فقط، لأن هناك عداء أوروبيًا لهذا الحزب أيضًا.
* ألمانيا تنتظر
الرئيس دودا دعا خلال زيارته إلى العاصمة برلين في أغسطس (آب) الماضي إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وإلى تبديد أجواء اللاثقة بين الطرفين. وينتظر أن تحذو شيدوو حذو دودا، لكن الحكومة الألمانية ما زالت بانتظار «تقاسم الأدوار» الذي سيضطلع به كاتشينيسكي.
وهنا يقول الخبير بنغن إن «بولندا مدت يد التعاون إلى ألمانيا، وبسطت ألمانيا يدها باتجاه بولندا، لكنها تنتظر بهدوء تشكيل الحكومة البولندية المقبلة. وليس من مصلحة بولندا أن تسيء إلى العلاقات الاقتصادية والسياسية مع جارتها ألمانيا، ولهذا لن نشهد في المستقبل القريب (صراع قطط) بين سيدتين متشابهتين، إلى هذا الحد أو ذاك، تحكمان في البلدين».
قبل فترة قصيرة ذكّرت أنجيلا ميركل، بالعلاقة مع استيعاب نحو مليون لأجيء، أن ألمانيا ستتغير. وكتبت صحيفة Rzeczpolita البولندية، وعينها على أزمة اللجوء «إن ألمانيا التي نعرف قد انتهت». كذلك كتبت صحيفة «دي فيلت» الألمانية المعروفة، وعينها على فوز اليمين المحافظ في وارسو «إن بولندا التي نعرف منذ عقود قد انتهت».
في أي حال، يتفق جميع الخبراء في الشأن البولندي على أن سياسة بولندا الخارجية المقبلة يستحيل فصلها عن التطورات الداخلية التي تجنح بقوة نحو اليمين. وثمة من يعتقد بعصر جليدي جديد في العلاقات الثنائية بين البلدين، منهم الناقد السياسي البولندي آدام مينشيك الذي كتب في صحيفة Gazeta Wyborcza أن وارسو ستشهد نشوء نظام سلطوي شبيه بنظام فلاديمير بوتين في موسكو.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.